الكتب التي لا تُباع لها فائدة عظيمة

الكتب التي لا تُباع لها فائدة عظيمة

ضياء الخالدي

رتّب بسّام علوان الكتب على الرصيف بوضع السميكة منها والغالية الثمن في الصفوف الخلفية، ثم أسند الأقل سمكاً وسعراً إلى أطرافها السفلية نزولاً حتى الصفوف الأمامية، مثل عادة كُتبيي الأرصفة خشية من السرقة والحصول على عرض جذاب وواضح أمام الزبائن، إضافة إلى عدم تأثرها بالرياح، بينما أخذت مجلات الأقلام والثقافة الأجنبية والتراث الشعبي والآداب والتضامن وكل العرب وغيرها أماكنها عند أقصى الجهة الشمالية للبسطة، وما أن أكمل حتى غسل يديه بماء قنينة بلاستيكية وجلس على قطعة الكونكريت المغلّف سطحها بالإسفنج، وراح يحتسي الشاي الأول الذي جلبه أكرم صبي مقهى “العابرون” بالصينية الجوالة، منتظراً أول زبون ليستفتح به الرزق.

أغلب مالكي البسطات في تلك الساعة أنهوا ترتيب بضاعتهم وتلميعها منذ وقت مبكر، وراحوا يساومون الزبائن في فترة الصباح التي تزداد فيها فرص البيع. علّوش جقماقجي انشغل بتصليح قداحة نادرة ماركة إيمكو نمساوية الصنع، وحازم أمسك بملقط دقيق لوضع ترس جديد في ساعة أوميغا.

مضى يومان على حادثة مركز الطلبة والشباب، ووردة لا تزال في شقة حازم نزاكه، وفي أثناء تلك المدة حاول الأصدقاء الثلاثة إيجاد حل دائم لها. علّوش عرف حكاية المرأة وكيفية إنقاذها، وأفصح لزميليه عن الخطورة بإبقائها لديهم، لكنه لم يجرؤ على نصحهما بتركها لتواجه المصير بنفسها، فلا يمكن الوقوف بوجه عشيرتها أو أحد له صلة بالسلطة. إنهم أمام سياج صلب وعال ولا يستطيعون عبوره مهما بذلوا الجهد، وضعفهم كقشور الموز، وقتها، أجاب بسّام أن القشور يُمكن لها إسقاط أيّ جسد مهما بدا قوياً.

ما أن تجاوزت الساعة منتصف النهار بقليل حتى وضعت بسطات جدار المعهد الطبي ومنها بسطة بسّام المظلات البدائية المصنوعة يدوياً عبر خياطة ستائر قديمة أو فرش أرائك استهلكت سابقاً، بينما مظلات البسطات المقابلة فتم تركيبها بوقت مبكر لعدم وجود جدار يحميهم من أشعة شمس تموز الحارقة.

ذلك النهار كان كريماً لبسّام برزق وفير، ففي أثناء أول ساعتين باع سبعة كتب، ستة منها ما بين سياسي وجنسي. أخذ الصنف الأول رجل اسمه علاء وهو زبون دائم تخصص بشراء الكتب الممنوعة، بينما الصنف الثاني ابتاعه صبية مراهقون وقاموا بتمزيق أغلفة الكتب المثيرة بنظرهم حالما دفعوا الفلوس وأخفوها في بنطلوناتهم، وعلى الرغم من أنها ذات طابع طبي مثل كتاب “حياتنا الجنسية” لفريدريك كهن، و “المرأة والجنس” لنوال السعداوي.

أخرج علبة الصمغ البلاستيكية برفقة الكتب والمجلات الممزقة من الكارتون الخاص بما تالف، والتي تم جمعها في الأسبوع الأخير، وراح يقضي الوقت باللصق والترتيب تحت الظل الرطب، من دون نسيانه رفع البصر بين آونة وأخرى إلى الكتب المعروضة في الصفوف الأمامية خوفاً من السرقة. دواوين نزار قباني مؤهلة للسرقة أكثر نظراً لصغرها وارتفاع سعرها، لكنه سحبها من الأمام إلى الخلف لتستند إلى الجدار الإسمنتي. خبرة الكُتبي عليها أن تحضر عندما يكون على الرصيف، وكذلك مع الكتب الدينية والسياسية الممنوعة التي يتم استنساخها من قبل مختصين بهذا العمل في شارع المتنبي ومكاتب باب المعظم، وتباع لزبائن ثقات، ولا تُعرض مكشوفة على الرصيف. بسّام يخفي الممنوعة وغالباً ما يكون عددها ثمانية فقط تحت ثمانية كتب معروضة لن تُرفع من قبل أيدي الزبائن للتصفح كونها لا تباع أبداً، مثل كتب الياس فرح[1] وشبلي العيسمي[2] وخير الله طلفاح[3] وغيرهم، بينما أغلبية الكتب الممنوعة الأخرى يؤمّنها في البيت، بالضبط ما بين السياج الخلفي وقن الدجاج، ولُفت بجرائد قديمة ووضعت بكيس قمامة أسود اللون. 

بسّام حديث العهد بالقراءة وعالم الكتب، فبعد حادثة حرب الكويت وتأدية الخدمة العسكرية لثلاث سنوات شعر بالوقت الفائض غير المحايد في حياته المدنية. ماذا يعني ذلك؟ أن يكون أسيراً لتفاصيل حادثة سقوط الجندي من الشاحنة من جديد، بعدما حررته الجندية قليلاً من سطوة الفاجعة بالتزاماتها الصارمة. حاول أن يكون عامل بناء عند أحد الأسطوات في الحي، لكنه ترك المهنة بعد يوم واحد فقط أثر تعب ذهني قبل أن يكون جسدياً. لم يجد الراحة النفسية بالعمل كما وصف الحال للأهل. تخوّفت العائلة من شروده المتكرر ونسيانه لبعض أسماء الأقارب والتفاصيل الحياتية البسيطة، حتى جاء ذلك اليوم عندما ذهب إلى وسط بغداد للتجوال، وعرج إلى سوق السراي وشارع المتنبي حيث باعة الكتب والقرطاسية. لم يقرأ بسّام الكتب سابقاً سوى ما تعلق بمناهج الدراسة التي رسب فيها ولم يتجاوز المرحلة المتوسطة. الفشل في المدرسة ليس متعلقاً بغبائه بقدر تماسه بشخصية قلقة وحساسة تنزعج من سلوكيات تبدو معتادة عند الآخرين، فصراخ المعلمين وغضبهم أبعده عن المناهج، وكذلك سلوكيات الطلبة معه في الصف، في مزاحهم الثقيل وشجارهم حول قضايا تافهة، ولعبهم الذي يميل إلى العنف سواء في كرة القدم التي يحبها أو نزالات الكاراتيه التي يُجبر على خوضها في فُسح ما بين الحصص.    

ذهب إلى سوق السراي وشارع المتنبي في يوم الجمعة وطالع الأغلفة الملونة والعناوين من دون أن يملك النية بشراء كتاب ما، كأنه يرى أنواع البهارات في سوق الشورجة أو الملابس في السوق العربي، لكن ما فعله من دون تخطيط مسبق وقتذاك كان إنقاذاً له كي يخرج من وحل نفسي شديد اللزوجة. بدأ الأمر حينما لفت انتباهه شاب يحمل كيساً بلاستيكياً صغيراً مليئاً بالكتب، ويدور على الباعة لبيعها من دون أن ينجح. نما الفضول لديه فتبعه، وتكرر مشهد البائعين الذين يخرجون الكتب ويقلبونها سريعاً ثم يعيدونها إلى الكيس، تساءل، لماذا لا تُباع الكتب؟ ومع تنامي الفضول، والتعقب، وفشل صاحب الكيس، ناداه بسّام بارتباك. أحس بالتسرع والغباء لاقتحامه موقفاً لا يعنيه، بيد أنه تصّلب وبدا جدياً، سأل عن السعر، فعلم أن الكتب زهيدة الثمن قياساً بعددها وليس لقيمة متونها. في النهاية ابتاع بسّام الكيس وخرج من شارع المتنبي من دون أن يفهم الفعل الذي قام فيه، قد يبدو رأفة بالشاب، أو محاولة لاستكشاف سبب رفض الباعة. راح طيلة مسافة العودة إلى البيت يقلب أوراق الكتب الصارخة بتناقضات عناوينها. الليزر في الطب، تاريخ أوروبا الحديث، رواية التحفة لأميل زولا، الخراطة، التقرير المركزي لحزب البعث، قواعد اللغة العربية للصف الخامس ابتدائي، الخ… .

وبما أن أعماق بسّام كانت مسرحاً للتناقضات والصدامات وقتذاك، فالعلاج جاء عبر تناقضات العناوين، التي أتاحت له خريطة ليفتش فيها عما تستأنس نفسه، فشدته رواية “أميل زولا” و”تاريخ أوروبا الحديث” لينزعا عنه عذرية الجهل بعالم القراءة، وانطلق مسافراً برفقة الخيال والتواريخ إلى كتب أخرى بات يقتنيها، ليخرج رويداً رويداً من وحل تأنيب الضمير وثقل اليوميات المتكررة، حتى كثرت الكتب في الغرفة إلى حدود باتت العائلة تطلب منه بيع قسم منها لشراء الجديد، بدلاً من تبديد المال برأيها لأمور أقل أهمية من شراء الغذاء والحاجيات المنزلية، وهنا، أقدم بسّام على خطوة جبارة في حياته، عندما وضع مجموعة من الكتب في كيس أكبر من كيس ذلك الشاب، وذهب إلى باب المعظّم. اختار المكان عطفاً على زيارات سابقة كان يرى فيها باعة الكتب طيلة أيام الأسبوع وليس في يوم الجمعة فقط كما هو الحال في شارع المتنبي، ليجلس على الرصيف لأول مرّة خجلاً، وبمساعدة شاب طيب اسمه علّوش جقماقجي الذي وفر له مساحة على الأرض.        

درجة الحرارة تقارب الخمسين درجة مئوية عند الساعة الثالثة ظهراً، ودرب السابلة الضيّق بين صفي البسطات خالياً إلّا ما ندر. قاسم السمين نائم بوضع الجلوس ورأسه وذراعاه على جدول المباريات الملصق بطاولة احتمالات اللوتو، بينما أموري اضطجع على ورق كارتون بيض المائدة تم قطعه بشكل طولي على امتداد جسده خلف الخردوات. يغمض عينيه ويفتحهما كأنه يتربص بفريسة ما. علّوش جقماقجي وحازم نزاكه أقفلا صندوقيهما ومضيا كالعادة إلى مقهى الأفندي البعيد نسبياً عن الرصيف. ماجد العبري بائع الأطباق الخزفية والزجاجيات كان الوحيد نشيطاً بين أصحاب البسطات في تلك الظهيرة، جالساً على صفيحة زيت فارغة ويتابع حركة السابلة القليلة وكأنه يتوقع وصول زبون ما.

نهارات الصيف عند بائعي الأرصفة هدر لطاقة العمر أو تدمير لمساحة ما في شخصياتهم، حتى ولو لم يدركوا ذلك، فالنضال ليس ايجابياً على الدوام في توفير لقمة العيش. ثمة خسائر متلاحقة تتبع حرائق الظهيرة في الأعماق. يُزيد الخوف عند البائعين من المستقبل، ويزرع فيهم قيمة أدنى من الآخرين الذين يُمكنهم التزود بنسيم بارد ونوم مريح في فترة القيلولة. ثمة رائحة عطب في النفس تزداد مع رزق شحيح في أيّ نهار، وتخفت قليلاً لو حدث العكس، لكن الحرق حاضر في النهاية ويستمر حتى لو مضى موسم الصيف وعادت الحرارة لترأف بهم، فالشتاء مُقبل أيضاً بالرعود والأمطار، وكذلك حملات الأمن الاقتصادي المفاجئة التي تجعلهم هاربين من بضاعتهم المعروضة ومتخفين في هذه المقهى أو تلك. ينظرون من البعيد إلى بسطاتهم خشية أن تسرق من قبل موظفي البلدية أو آخرين. بائعو الأرصفة بالغو الهشاشة، كقشور الموز التي تحدث عنها علّوش، فحتى لو أسقطت شخصاً ما فأنها تُسحق بالنهاية!

قام بسّام بعرض الكتب والمجلات التي تم لصقها وقصها وتعديل أوراقها، ثم فتش ببصره بين العناوين المعروضة في البسطة الممتدة أربعة أمتار عرضاً عن كتاب ينفق فيه الوقت. أراد في تلك الظهيرة كتاباً يتحدث عن حياة العراقيين اليومية قبل عشرات أو مئات السنين، فلم يجد غير كتب علي الوردي[4] التي قرأها سابقاً. في الحقيقة كان يعلم الصعوبة بالعثور على تلك الكتب لديه أو حتى عند غيره؛ لأنها شحيحة، أما كتب السياسة والشعر وتواريخ الدول في مختلف العصور فإنها موجودة بكثرة، هذا ما كان يغضب بسّام، فالأيام التي يعيشها الآن ستمضي هي الأخرى بتفاصيلها الصغيرة المهمة، قد ترأف فيها الذاكرة في تدوين بعض منها للأجيال التي ستولد مستقبلاً، لكن أعظمها سيراق في نهر النسيان والمآزق الجديدة التي تصنعها البلاد لناسها في كل مرّة.

أتى ماجد بائع الخزف إلى بسطة بسّام وجلس تحت المظلة. كان عرقاً وباسماً. قال له بسّام عندما رأى البهجة في ملامحه:

  • يبدو الرزق وفيراً؟
  • لا، أعطيت ما كان في ذمتي!
  • ديون؟
  • نعم، شاهدت الرجل يعبر إلى الطرف الآخر من الشارع وذهبت إليه، الرجل الذي يجمع زكاة الخُمس.

وأظهر ماجد ورقة مختومة كُتب فيها اسمه ورقم المبلغ المدفوع. لم يعرف بسّام كيف يجيبه وهو يعلم أن ماجد منذ يومين كان يشكو قلة الرزق ومصاريف العائلة الكبيرة. لن يقول له أنت وأسرتك أحق بالنقود، فذلك غير مجد، والنقاش لن ينتهي بشيء كما حدث قبل أشهر عندما تجادل مع زبون حول أمر مشابه فخسره إلى الأبد. أجاب بسّام باستغراب:

  • لماذا هناك وصل قبض بالمبلغ، أثمة شكوك أن يسرق الرجل زكاة الناس؟
  • لا طبعاً، لكنه إجراء يعطي تنظيماً للعملية.
  • ربما.

شرب ماجد ماءً مثلجاً من الترمز الملفوف بقطعة القماش المبللة، وعندما أنهى وضع القدح البلاستيكي الأحمر فوقه وسأل:

  • الم تدفع زكاة في حياتك؟
  • لا، أخي يدفع بدلاً عني إلى العشيرة!
  • مدفوعات العشيرة مختلفة يا صديقي.
  • وهل تدفع إلى العشيرة أيضاً؟
  • بالتأكيد، فهل أنا بلا عشيرة، نحن ندفع كل شهرين.

سكت بسّام على مضض. ابتلع بضع كلمات لو خرجت لأغضبت صديقه، وربما ستبني حواجز ما بين رفقتهما. ابتسم له، وانتشل أقرب كتاب من البسطة بحجة أنه سوف يقرأه، ما دعا ماجد لمغادرة المكان إلى بسطته غبطاً بما فعل.

بموت الظهيرة وقدوم وقت العصر رفع باعة الرصيف المظلات المختلفة الألوان وراح الممر يكتظ بالسابلة مجدداً. وقف رجال عند خردة الحديد وطاولة اللوتو، ونسوة عند الزجاجيات، بينما بسطة الكتب أنبأت بمبيعات وفيرة حتى اقتراب الشمس من الأفق. لم يتوقع بسّام الرزق الذي لم يحدث منذ أيام، وربط ذلك في نفسه بأن له علاقة بقراره إعطاء حازم مبلغاً من المال لأجل مصاريف وردة، كأن الله نظر إلى الشابة، أو أنها مصادفة بحتة لا علاقة للسماء فيها. من بين الكتب التي بيعت، بيع كتابين ممنوعين كانا تحت “في سبيل البعث[5]” و “التقرير المركزي[6]“. الكتب التي لا تباع وأغلبها حزبية لها فائدتان عظيمتان عند عرضها على الرصيف، أن تخفي أيّ كتاب ممنوع، و أن تزوّد بسطة الكتب بحصانة ضد أيّ هجمة مفاجئة للأمن الثقافي فيبعد عنها الشبهات. كان علاء، الزبون الغامض هو من ابتاع مجدداً على الرغم من مشتريات بداية افتتاح البسطة. يبدو تاجراً لتلك النوعية من الكتب. بسام لم يسأل عن ذلك خشية من فقدان زبون أسر له باسمه منذ عملية الشراء الأولى.

 جاء للمرّة السابعة وربما الثامنة منذ قدومه الأول قبل شهرين. في أواسط الثلاثينيات من العمر، يلفت الانتباه؛ لأنه لم يشترِ كتاباً غير ممنوع أبداً، كأنه تخصص في ذلك، ما سرّب الشك بأنه رجل أمن سري يحاول استدراجه لمعرفة المكان التي تستنسخ فيه الكتب. كان يتوقع منه في كل مرّة يحضر فيها أن يسأل عن المصدر، مثل باقي زبائن هذه النوعية من الكتب، لكنه لم يفعل، قليل الكلام، يدفع النقود ويضع الكتب في الحقيبة الجلدية المعلّقة بكتفه ويمضي بين السابلة. لا يعرف متى وكيف وثق فيه في المرّة الأولى؟ ربما ذكر له اسم صديق كُتبي ونسيه. كان مجيئه عصراً بعد الصباح أمراً مثيراً للقلق، وعكّر المزاج الرائق بكثرة المبيعات، ولولا وجود الزبائن أمام البسطة وقتها لتتبع أثره وهو يراه يعبر شارع الجمهورية حيث سيارات الفولكا الروسية الذاهبة إلى الباب الشرقي.

قبل شهر تقريباً شاهد بسّام هذا الزبون قريباً من مكتب الاستنساخ الذي تتم فيه عملية تصوير الكتب الثمينة والممنوعة، والذي يقع قرب عيادة الحويشاوي للطب الشعبي المعنية بتجبير الكسور وفك الجبس. وقتها عدها مصادفة بحتة، لكن بعد مساء ذلك النهار حملت الكثير من الظنون. هل ينتظر عناصر الأمن الثقافي كل تلك الفترة قبل القبض على أهدافهم؟ بيد أن مكتب الاستنساخ لا يزال مفتوحاً، وصاحبه ينتظر منه المزيد من الكتب الثمينة الصادرة حديثاً عن دور النشر العربية[7] أو القديمة التي نفدت من المكتبات، ولا يرفض النسخ الممنوعة منها مثل “الشيعة والدولة القومية” و”العراق دولة المنظمة السرية” لحسن العلوي، و”العراق” لحنا بطاطو، و”حرب الخليج” لسعد البزاز، وغيرها. بسّام حذّر كثيراً صاحب المكتب الشاب من إبقاء النسخ التي يصورها قبل أن يأخذها منه، كان يجيبه أن “الدار مأمونة”، ثقة كبيرة كان يمتلكها الصديق الناسخ الذي يصوّر لبسّام ما يريد من دون أخذ الأجر منه مقدماً، بل ما بعد البيع، وكثيراً ما يقترح عليه زيادة النسخ اختصاراً للجهد! علاء، الزبون الغامض كان قريباً من ذلك المكتب ولم يواجهه. مضى بحقيبته الجلدية الصغيرة المعلقة بكتفه كأنه حصل على ما أراد.       

عند الغروب جُمعت الكتب في علب الكارتون وأكياس الدقيق الفارغة، ونُقلت بعربة حديدية بمقود وإطارين صغيرين إلى كراج تصليح السيارات، حيث الفسحة الموجودة هناك، والتي خصصها حارس الكراج المسن لقسم كبير من بسطات باب المعظّم لقاء أجر أسبوعي، وبحسب حجم البضاعة المؤتمنة. أنهى بسّام ورفيقاه ذلك، ولم ينسَ أن يأخذ مجموعة من الكتب في كيس صغير لوردة كي تقرأها وتنفق الوقت الثقيل في الشقة. روايتان لإحسان عبد القدوس وأوراق امرأة عاشقة لعبد الستار ناصر وتأملات في الإنسان لرجاء النقاش، وبضعة أعداد قديمة من مجلة ألف باء. لم تطلب منه وردة ذلك، فما زالت البنت خجولة ولا تريد منهم شيئاً سوى الأمن، لكن بسّام بات يفكر بما يخرجها ولو بالحد الأدنى من أوحال هواجسها السيئة.   

انطلقوا إلى الشقة على أمل التفكير والنقاش الجاد حول طريقة ما تنقذ الشابة من المخاطر المحتملة، وتنقذهم من تطورات أحداث يدركون بشاعتها، تاركين لهو الليل في مقهى الأفندي. قبل ذهابهم دخل الثلاثة مطعماً صغيراً وخرجوا منه بكيس نايلون فيه ثمانية سندويجات من الفلافل والبطاطس المقلية، ثم عرجوا إلى البقال لأخذ بطيخة حمراء متوسطة الحجم، وصعدوا سلم العمارة المظلم على نور مصباح القداحة الغازية التي يحملها علّوش جقماقجي. بدا الثلاثة وكأنهم سيبدؤون اجتماعاً سرياً في وكر حزب معارض.  

* المقطع العاشر من القسم الأول، هروب وردة، رواية، منشورات نابو العراقية، 2020


[1] – مفكر سوري، من منظري فكر حزب البعث العربي الاشتراكي. عاش في العراق ما بين 1966- 2003. توفي في دبي 2013.

[2] – سياسي سوري، من مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي، عاش في العراق ما بين 1966- 2003.

[3] – خال الرئيس الراحل صدام حسين ووالد زوجته، عسكري وسياسي، له مؤلفات في التاريخ العربي والإسلامي. توفي في 1993.

[4] – عالم اجتماع عراقي 1913- 1995. حصل على الدكتوراه من جامعة تكساس 1950، وله مؤلفات كثيرة حول المجتمع العراقي.

[5] – الكتاب لميشيل عفلق 1910 – 1989.

[6] – كتاب جامع لتفاصيل كل مؤتمر قطري يعقده حزب البعث لأعضائه.

[7] – بعد حرب الخليج الثانية 1991 منعت السلطة دخول الكتب الصادرة عن دور النشر العربية والأجنبية.