نوال السعداوي... تسعون عامًا من التمرّد والنضال النسوي

نوال السعداوي... تسعون عامًا من التمرّد والنضال النسوي

مايا الحاج

الأعراف أهمّ من الحقّ، والعادات أقوى من المنطق. أمّا الموروثات فهي راسخة، ثابتة، لا تتحوّل ولا تُنتقد.

وإذا حاول أحدهم أن يضع ملاحظاتٍ لا توافق المزاج الشعبي العام، فإنّه يصير منبوذًا. أو ربما ملعونًا. وكيف إذا كان هذا الشخص “امرأة”؟

نوال السعداوي عرفت خطورة أن تكون هي “الآخر” في مجتمعها. لكنّها قرّرت أن تخوض معركتها، بعيدًا عن كلّ زيفٍ ونفاق، لأنّها كما قالت في كتابها الشهير “مذكرات طبيبة”: “إنّ إرادتي هي التي تحكمني، وليس المكان أو الزمان أو الناس”.

أطلقت نوال السعداوي أفكارها المدوية في وجه مجتمع “صامت”، واختارت أن تكون “المرأة” نقطةً تبدأ منها في نضالها الإنسانيّ الطويل. هي التي لم تفصل يومًا بين تحرير المرأة وتحرير الأوطان. وفي كثيرٍ من كتاباتها، ربطت السعداوي بين قضايا المرأة وقضايا السياسة العربية، والدولية.

امتازت نوال السعداوي بشجاعة التفكير، وجرأة الكشف عنها. عبّرت عن آرائها بشعورٍ متفجِّر بالحياة، والحقيقة. كتبت بلا خوف ولا مواربة، ما أوجدها في قلب حربٍ شعواء، بدأت بالاعتقال ولم تنته مع التشهير والتكفير.

“شعلة” نوال السعداوي بعثت ضوءاً في حياة كثيرات، فكانت هي الملهمة، والمؤثرة والمساهمة في خلق وعي عربي نسوي جديد.

إن اتفقت أو اختلفت معها، لا يمكن إغفال دورها في خلق سجالٍ حقوقيّ مثمر، كما حدث مثلاً في مسألة “الختان” التي جعلت منها قضيةً عامة، بعدما كانت مجرّد تقليد عائلي  يُجيز للأسرة العبث بأجساد بناتها النديّة. وبدأت “ثورتها” من نفسها، فحكت تجربتها، مرارًا، مع هذه العادة “البائدة” التي خلقت نواة ثورتها الأولى:

“في السابعة من عمري تجمعت العائلة، قيّدوني وكمموا فمي، وبالمشرط بتروا عضوًا من جسدي، لا أعرف ما هو، كان الألم أكبر من قدرتي على المعرفة”… هذا المشهد الرهيب استخرجته نوال، الطبيبة والكاتبة والمناضلة، لتواجه به مجتمعًا “سفّاحًا”، يُشرعن ظلمه باسم “الشرف” تارةً، والرجولة طورًا.

هكذا هي معظم أفكارها، نابعة من تجربةٍ ذاتية، ورؤية عميقة لحياةٍ راقبتها بعين أديب، وشرّحتها بمبضع جرّاح. ولادتها ضمن بيئة تقليدية جعلتها تعاين وضع المرأة داخل مجتمعها المحافظ، وعملها كطبيبة أثار انتباهها الى مشاكل نفسية وجسدية جرّاء القمع الأسري، والمجتمعيّ. فوجدت أنّ نضال المرأة يبدأ منذ ولادتها في مجتمع يرغب بولادة الذكور، لا الإناث. ويستمرّ الى لحظة وفاتها. 

هذه الظروف نبّهتها الى ضرورة تحوّل “الثابت” وتغيير الراسخ، فوُصفت حينها بأنها خطيرة ومتوحشة. وجوابها صار حكمةً تتناولها الأجيال المؤمنة بأفكار نوال السعداوي التنويرية “أنا أقول الحقيقة. والحقيقة هي متوحشة وخطيرة”. ومع أنّها تمردت على تقاليد مجتمعها وأفكاره البطريركية، لم تكن يومًا ناكرة لأصلها الريفيّ الفلاحيّ، بل كانت تعتبر أنّ جزءًا من هذه الشخصية هي نتاج هذا الانتماء. وكانت تتحدّث دومًا عن قوّة النساء، وخوف المجتمع الذكوري من قوّتهن. ولهذا شجعت النساء كثيراً على العلم والعمل لأنّ كرامة الإنسان، بحسب السعداوي، تتلاشى مع عجزه عن الإنفاق على ذاته. 

وردًا على الربط المستمرّ بين “الشرف” و”العذرية”، قالت نوال السعداوي في “الأنثى هي الأصل”: “إن شرف الإنسان، رجلًا أو امرأة هو الصدق؛ صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال. إن الإنسان الشريف هو الذي لا يعيش حياة مزدوجة؛ واحدة في العلانية وأخرى في الخفاء”.

 
كانت نوال السعداوي من الوجوه المعروفة إعلاميًا، والمرغوبة تلفزيونيًا، باعتبارها مادة “مثيرة للجدل”. لكنّ الجانب الأدبي في حياة نوال السعداوي لا يقلّ أهميةً عن الشقّ الحقوقي والنضاليّ. وقد أصدرت طوال مسيرتها نحو أربعين كتابًا، صدرت بترجمات عالمية، ولاقت تفاعلاً دوليًا عاليًا، منها: “مذكرات طبيبة”، “مذكراتي في سجن النساء”، “أوراق حياتي”، “سقوط الإمام”، “رواية موت الرجل الوحيد على الأرض”، “امرأة عند نقطة الصفر”، “الأنثى هي الأصل”، “زينة”، “انه الدم”، وغيرها… تزوجت ثلاث مرّات، آخرها كان من الروائي شريف حتاتة، الذي عاشت معه طويلاً قبل أن ينفصلا ويرتبط بامرأة أخرى، هي الناقدة السينمائية أمل الجمل.

وتبقى أولى كتابات السعداوي “المرأة والجنس” (1972) من أشهر أعمالها، باعتباره مواجهة مبكرة في وجه عادات المجتمع وقيوده. فكان الكتاب سببًا في فصلها من وزارة الصحة. وفيه تتحدث نوال السعداوي- عبر معالجة أدبية وعلمية وطبيّة- عن جسد المرأة ومفهوم “العفّة” التي أُلصقت بالجسد الأنثوي حصراً، باعتبارها إنسانة من درجة ثانية. وتعتبر أنّ مشكلة المجتمع العربي تكمن في الموروث الثقافي الذي لا يرى في الأنثى سوى “جسد”، من دون انتباه الى عقلها وكيانها وإبداعها.

نقلت السعداوي عبر هذا الكتاب التقدمي حقيقة المجتمع الريفي من خلال تقديم صورة “الداية” و”قطرات الدم” و”فخر الأب” و”أنواع الغشاء” وأمور أخرى كثيرة شغلت بال كثير من الأسر، ووصلت في أحيان الى حد قتل الفتيات لمجرّد أنّها لم تنزف في ليلة الدخلة. ومن خلال هذه الشواهد، قدّمت السعداوي طرحا جديا لمفهوم الدمج المجتمعي من خلال المساواة بين الرجل والمرأة. 

ورغم كلّ ما واجهته، بدءاً من فصلها من المهنة وصولاً الى السجن، فإنها درّبت عقلها على تقبّل هذه التحديات بالقول: “لقد أصبح الخطر جزءا من حياتي منذ أن رفعت القلم وكتبت. لا يوجد ما هو أخطر من الحقيقة في عالم مملوء بالكذب”.

تسعون عامًا هو العمر الذي عاشته نوال السعداوي (1931-2021)، قضته في نضالها الحقوقي والنسوي. وظلّ أملها في أن تبقى أفكارها حيّة في أذهان أشخاص يدركون أنّ الحرية تبدأ أولاً في تحرير “الفكر” .

عن النهار العربي