أشباح أميركا

أشباح أميركا

شاكر الأنباري

في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وهو وقت مراهقتي الكئيبة، كنا عادة ما نرتاد سينما المدينة، وهي الوحيدة فيها، والمتعة التي لا تضاهى في ذلك المكان، وفي ذلك العمر. ورغم أن جمهور المدينة يعشق نمطين من الأفلام هما الأفلام العربية والأفلام الهندية، إلا أن إدارة السينما ترفدنا، بين حين وآخر، بأفلام أجنبية مترجمة، تستهوي شريحة لا بأس بها من المشاهدين. وكانت أفلام الكاوبوي الأميركية من بينها. أجواء السينما المتمثلة بالوقوف في الساحة الواسعة المطلة على الشارع الرئيسي في المدينة، وتناول اللبلبي أو الباقلاء، وهما أكلتان شعبيتان عراقيتان تباعان في الشوارع، وفي حالات نادرة سندويش صمون محشي بالبيض المسلوق والعنبة والخضرة، والتقاء البعض من زملاء الصف، ورؤية الأضواء الملونة المثبتة على واجهة السينما وهي تسقط على وجوه الممثلين، والممثلات، اللوحة المثبتة في الإعلانات أعلى الباب العريض، ورؤية بعض النساء والفتيات المرتديات للعباءة السوداء وهن، بوجوههن المضيئة، والمشعة، يجتزن الحشد الواقف في الساحة ليصعدن إلى الطابق الأعلى في السينما، وهو مخصص للعوائل ويسمى باللوج، وأخيرا انتظار جرس الدخول. كل ذلك كان يشكل متعة هائلة، وحياة ثانية موازية، لنا نحن مراهقي المدينة وشبابها. للسينما ثلاثة مستويات، الأول وهو الأرخص كان يقع تحت الشاشة مباشرة، ومقاعده عبارة عن مصاطب من الخشب الطويلة تمتد على عرض الصالة، ويحجزها عن المستوى الثاني حاجز حديدي يصعب اجتيازه. المستوى الثاني كان هو الأوسع، ويتميز بوجود كراس خشبية تطوى إلى الداخل، ويجلس فيها الشباب والناضجون من الرجال فقط، وزبائن هذا القسم هم الأكثر من بين رواد السينما. وعادة ما يجلس هناك الطلاب الكبار، والمعلمون، والموظفون، والجنود، ممن يمتلكون دخلا يساعد على دفع التذكرة، وكانت في حينها لا تزيد على المائة فلس. أما قسم المصاطب فهو أربعون فلسا فقط، وكثيرا ما خرجنا من الفيلم برقاب متشنجة لأن وجوهنا تتابع الفيلم وهي تنشدّ إلى أقصى علو لها لكي تلاحق مشاهد الفيلم.
 ذاكرة السينما العراقية

اللوج، أو قسم العوائل، كان هو الأفخم من بين أقسام السينما، وعادة ما تكون إضاءته خافتة رومانسية، تحجب عتمتها الموجودين من النساء والعائلات، عن عيون الفضوليين الجالسين في القسمين الأول والثاني. من هناك نتنسم في عمق الظلام عطورا نسائية، وضحكات ناعمة حيية، وشهوات لا نراها. وتطالعنا من عمق الفضاء الداكن وجوه قمراء نقضي ليلة كاملة ونحن نحلم بتقبيلها. 

تميزت أفلام الكاوبوي عن موجة الأفلام العربية والهندية بأنها تعرض نساء من بلدان بعيدة، عادة ما يكن جميلات، سافرات، يقبلن البطل دون خجل، وعلى مرأى من عيوننا المستطلعة التي تكاد تخرج من محاجرها، وهي ترى الأفخاذ البيضاء المصقولة، والشفاه اليانعة، والعيون المكحلة التي تنقط رغبة وحباً. 

أفلام الكاوبوي كانت تسحرنا لوجود بطل لا يقهر فيها، أعصابه ثابتة حتى تحت أقسى الظروف، ويمتلك سيطرة خارقة على مسدسه، وأكثر ما أعجبنا في تلك الحركة حين يقتل أعداءه بسرعة، ثم يدير المسدس حول إصبعه بحركة بهلوانية ليستقر في قرابه المعلق على الخصر. كانت حركة تسحرنا، وتجعلنا نحس بسطوة البطولة، والشجاعة، والهجوم، والثبات في أشد اللحظات خطورة. 

الأمر الثاني الذي كان يسحرنا في تلك الأفلام هو كثرة الخيول، فالبطل يسافر عادة على فرسه أو حصانه الجميل، والذكي، والوفي، بين القرى والصحاري الخالية من الماء، المشهورة بمناظر الصبار الصحراوي، والحصون القديمة للجيوش والرهبان والمغامرين. ويستخدم أعداؤه الحصن أيضا، وهم عادة ما يكونون من الهنود الحمر أو المكسيكيين، أو العصابات الخارجة على قانون الولايات الأميركية في تلك الأزمان. القطار السريع السائر بين الكثبان الرملية، وهو ينث الدخان الأسود، كان يثير خيالنا، خيال شباب صغار يعيشون في مدينة الرمادي الفراتية شبه الصحراوية، لم يتسن لهم يوما مغادرتها، ولم يشاهدوا قطارا على أرض الواقع. فتلك المدينة لا تمتلك محطة للقطار، ولا يمر قربها أي قطار يذكر. 

كان البطل عادة ما يكون من الأخيار، وأعداؤه من الأشرار. لكن من هم أعداء البطل عادة في تلك الأفلام؟ يأتي الهنود الحمر في رأس القائمة، بأجسادهم شبه العارية، والريش يغطي رؤوسهم، ووجوههم مصبوغة بالألوان، ونطلق عليهم في سرنا صفة المتوحشين، فهم ما أن يقتلوا شخصا من الجيش أو أصدقاء البطل أو عائلته حتى يجتزوا فروة رأسه بسكينهم الحادة المتدربين على استخدامها. من صفاتهم في تلك الأفلام الغدر، والروح القبلية، وكره الرجل الأبيض، وتربصهم الدائم للإيقاع به وقتله، وهم يتفاخرون بعدد فروات الرأس التي اجتزوها من الأعداء، فتلك واحدة من عناوين البطولة لدى رجالهم. يقيمون عادة في أكواخ وخيم مخروطية بشعة، ويدخنون المخدرات بغلايين طويلة تدار عليهم وهم جلوس على الأرض وتحت غيمة كثيفة من الدخان، وأبرز اعتقاداتهم هو السحر، والأوهام، وعبادة الأسلاف. 

العدو الثاني لبطل الفيلم هم العصابات الخارجة على القانون، فهم يسطون على البنوك، ليلاً أو نهاراً، ويستولون على الذهب المسافر عبر القطارات إلى المدن المهمة، ويقتلون عائلات بدم بارد، وداعرون يمارسون الجنس في بيوت الدعارة، ويدخنون السيجار. ويتميزون بوجوه بشعة التعابير، ومشوهة المنظر نتيجة التجارب القاسية التي مروا بها، تلك العصابات عادة ما تكون مطلوبة للقانون الفيدرالي الأميركي، وتوزع الإعلانات عن جوائز القاء القبض عليهم أمواتا أو أحياء، وبطل الفيلم عادة ما يتكفل بهذه المهمة، مع مباركة شريف المدينة الصغيرة الذي يقف عاجزا، أغلب الأحيان، أمام جبروت تلك العصابات.

 المكسيكيون هم العدو الثالث في تلك الأفلام للبطل، يظهرون في المشاهد بوجوه سمراء، وشعور طويلة، ويرتدون القبعة المكسيكية الواسعة الاستدارة، وهم في الغالب لا يتكلمون اللغة الانكليزية، لغة الحضارة والثقافة والأناقة، طبقا لمفهوم هوليوود، بل يرطنون بلغة اسبانية تشبه لغة النمل، ولا يترجمها الفيلم أثناء الحوار، فتبدو كما لو أنها لغة بشعة، مرفوضة، تدل على التخلف والدونية، بالذات حين تظهر في تلك القرى المكسيكية المهملة والمدقعة الفقر، السابحة بالفوضى وتنوء تحت سلطة العصابات المكسيكية التي لا تعرف الرحمة. 

البطل الأميركي الأشقرفي كل تلك الأحداث، والمشاهد، والحكايات، يكون البطل الأميركي الأشقر، الواثق من نفسه ومن دقته في التصويب، هو المخلّص من الشر، وهو الذي سيفوز في النهاية مهما تكاثر الأشرار وتعددت منابعهم. البعض منا كان يصفق بقوة ما أن ينهزم الهنود أو تتم إبادتهم، وما أن تعلن القرى المكسيكية فرحتها بوصول المخلّص، واندحار عصابات السرقة والقتل والفوضى، بل ونسمع أحيانا أصوات المشاهدين وهي ترشد البطل إلى الفخ المنصوب له من قبل الهنود أو المكسيكيين. ولكن الكاوبوي ينتصر في النهاية مهما اشتدت الفخاخ وتكاثرت، ومهما ازدادت أعداد المهاجمين للقرية الآمنة. 

في تلك الأفلام، ابنة مراهقتنا، ووليدة مدينتنا الكئيبة الصحراوية المتخلفة، نمجد البطولة، ونعشق الرجل الأبيض والمرأة البيضاء الغانية أو الحبيبة، ونؤمن بأن القتل مشروع من أجل نشر قيم الحضارة. هوليوود وهي منتج تلك الأفلام على امتداد عقود وعقود، لا تريد لنا مناصرة الهنود والمكسيكيين والمتمردين على قوانين العم سام، وهي تدرك ما تفعل، وتنتج أفلامها بوعي دقيق ومتطور، أوسع بكثير من وعي شباب متخلف، ضيق الأفق، يجهل ما يدور تلك اللحظة، أو ما دار في القرون الماضية. 

إلا أننا كبرنا، لاحقا، تبعا لسنة الحياة وقوانينها التي تنطبق على الجميع. كنت أنا وفياً لذلك القانون الأزلي، فكبرت عقلاً وتجربة وسناً، وبعد عشرات السنين من دهشة تلك الأفلام، ودهشة المراهقة المتفتحة، كنت أسير ذات جمعة في شارع المتنبي، وهو يقع على تخوم نهر دجلة الذي يشق مدينة بغداد شقين شيقين توحدهما أسراب النوارس السابحة في الفضاء الدخاني للمدينة. السنة هي 2010، والسكن في حي المعلمين على أطراف بغداد، والعمل، كان في جريدة المدى البغدادية، والفضاء هو بداية النهاية للاحتلال الأميركي للعراق، فالمفاوضات قائمة بين العراقيين والأميركان حول نمط الانسحاب، وشروطه، ودواعيه، وضوابطه. 

كنت أذهب كل جمعة إلى شارع المتنبي لأتطلع في الكتب المعروضة على الرصيف، وهي تنال اهتمامي أكثر من تلك المكدسة في المكتبات القائمة على جانبي الشارع. تنال اهتمامي لأنها ذاكرة شعب، ذاكرة نخبة عراقية عاشت العقود الأخيرة وهي تنوء تحت ضغط القتل، والفقر، واليأس، والحصار، والتوتر الاجتماعي، واللا جدوى، بعد أن حرمت من أبسط شروط الحياة اليومية، المعروفة عالميا. 

وجدت كتب الرصيف تسفر عن المفاجآت في كل خطوة، تتطلع في الكتب المتناثرة على رصيف المتنبي فيلاقيك فجأة كتاب لم تفكر بوجوده هنا، أو تستغرب من وصوله إلى عاصمة الرشيد، فقد طبع في مكان بعيد كأن يكون بيروت أو القاهرة أو الرباط أو دمشق على سبيل المثال لا الحصر. 

والتساؤل العام في الفضاء الفكري والثقافي العراقي، ومع اقتراب انسحاب أميركا من العراق، كان يتردد على كل شفة ولسان، وهو لماذا فعلت بنا أميركا ما فعلت؟ تركتنا بلداً مدمراً، ومجتمعاً ممزقاً، وبيئة خربة، وساسة بعيدين كل البعد عن الهوية الوطنية العراقية، ثم شرعت بالرحيل ولا أحد يدرك بدقة لماذا جاءت، ولماذا عليها أن ترحل، بعد أن تركت البلد حطاماً على كافة المستويات. 

البعض كان يشبّه العراق بشخص معوق، وعوقه غير طبيعي، فهو مشلول، وأصم، وأخرس، ومصاب بالصرع. ورغم ذلك لم يمت، بل ظل شاهدا على هول ما حصل. العضو الوحيد المتحرك فيه هو عيناه، وهما تحدقان بنظرات رعب، وتوسل، وضياع. 

في واحد من الأكداس التي تناثرت كتبه حتى كادت تفيض نحو الشارع، وقفت أتأمل بالأغلفة، وبعضها ممزق وآخر سرى إليه الماء، والبعض الآخر تبقع بالشاي والقهوة، والبعض احتفظ بنصف غلاف فقط، وكتب أخرى جاءت أغلفتها أنيقة رغم أنها قديمة لا تناسب وجودها الكئيب على رصيف شارع المتنبي، بينما تراءت أغلفة أخرى وهي تتلاشى تحت طبقة خفيفة من الغبار. بغداد مشهورة في صنع الغبار ونشره على الشوارع، والأزقة، والحارات، والوجوه بعض الأحيان. 

وقع بصري على كتابين متجاورين لفت عنوانهما ذهني وعقلي، وأحسست أنهما قد يجيبان على هواجسي العدائية حول ما يجري في البلد، وقد يجيبان عن تساؤلات المثقفين، والمفكرين، من أصدقائي ومعارفي، وأبرزها ذلك السؤال المطروح منذ 2003 وحتى الآن، ألا وهو لماذا فعلت بنا أميركا ما فعلت؟ 

قد يكون عنوان كتاب تودوروف المسمى “أميركا”، هو ما أجج لدي الفضول، فتودوروف فيلسوف معروف، ومفكر يساري، وهو من الجيل الجديد للمفكرين بعد انتهاء حقبة الاستعمار عالميا، ويتمتع بسمعة جيدة على صعيد الجدية والمسؤولية الانسانية والفكرية. 

أما الكتاب الثاني فهو “ذاكرة النار”، للكاتب إدواردو غاليانو، وقد سمعت عنه الكثير، وقرأت بعض المراجعات عن كتابه ذاك. قررت شراءهما، واعتبرت نفسي أحصل على غنيمة فكرية لا تقدر بثمن، وحين سلمت البائع الخمسة آلاف دينار ضحكت في سري لأنني أنجزت صفقة ناجحة لا يستطيع ذلك البائع معرفة أهميتها. أسبوع كامل وأنا غارق بأجواء ذينك الكتابين، وهما ما جعلاني أعيد النظر بقناعاتي أيام المراهقة، حين كنت مسحورا بأفلام الكاوبوي التي كنا نشاهدها في مدينة الرمادي الصحراوية الكئيبة.
 شارع المتنبي
وجدت بعد أسبوع من التأملات والقراءة الرصينة والمتمهلة، عادة ما كنت أقرأ قراءة سريعة، إلا أنني غيرت عادتي مع الكتابين، بل ودونت ملاحظات عنهما، ووجهات نظر الكاتبين حول موضوعهما الأثير أميركا. أميركا التي بدأت في عام 1492 ونجحت بالوصول إلى ما هي عليه. عام اكتشاف قارة أميركا هو المشترك بين الكتابين. لكن أميركا تلك جاءت من عينين مختلفتين، ومن حضارتين مختلفتين، ومن كائنين خرج كل واحد منهما من منظومة تغاير الآخر. 

وجدت أن ما هو مشترك بين كتاب البلغاري الفرنسي تزيفستان تودوروف المعنون “فتح أميركا”، وكتاب الأوروغواياني إدواردو غاليانو المعنون “ذاكرة النار” هو التعامل مع الآخر، المختلف شكلا وحضارة، وكيفية النظر إليه، في لحظة الاصطدام الحضاري في الزمان والمكان المعينين، وما يتولد بعد لحظة الاصطدام تلك من متغيرات. العام هو 1492 ميلادية، وهي السنة التي وصل فيها كولومبوس إلى القارة الجديدة. والمكان هو الأرض الواقعة على حافة المحيط، الأرض التي لم يطلق عليها الأوروبي اسما بعد، وسميت أميركا لاحقاً. الآخر، الهندي الأحمر، هو الذي سيشكل حالة حوار ومجال دراسة للتاريخ، والخطاب، والعقل، عند تودوروف. بينما يكون عند غاليانو هو الأوروبي طبعا، القاتل الأبدي، اللاغي للذاكرة، الطقس والدين والانسان تاليا. إنه مجهول عند تودوروف كونه ليس ابن القارة الجديدة، ويحاول استقصاءه وسبر رأسه، بينما هو عند غاليانو معروف، وليس بحاجة إلا إلى جمع الأدلة ضده لتقديمه إلى المحاكمة، حتى لو جاءت هذه عبر اللغة. وفي كلتا الحالتين يكون الموضوع هو الهنود الحمر الأميركيين، في طول القارة وعرضها، بما شكلوا من حضارات كالأزتك والمايا والإنكا، وغيرها من حضارات كانت عامرة ببشرها، وحكامها، ومعابدها، وتاريخها.
 يقسم تودوروف كتابه “أميركا” الصادر عن دار سينا للنشر 1992 بترجمة بشير السباعي كتابه إلى أربعة محاور. أولها محور الاكتشاف، وهو ما تم على يد كولومبس بعد وصوله إلى سواحل القارة التي ظنها الهند أول وهلة. ثم الفتح حين توغلت الجيوش الاسبانية في الأراضي المجهولة باحثة عن الذهب والنساء والأيدي العاملة. ثم محور الحب، وهو مصطلح أطلق على حالات نادرة من الجانبين، حدثت بين أفراد أكثر مما حدثت بين حضارات. وبعدها المحور الرابع ألا وهو المعرفة، إذ تعرّف كل من الطرفين المتصارعين على الآخر، على حقيقته، عاريا من كل ادعاء أو تملق أو تبشير. 

والتقسيم لدى تودوروف له دوافع منهجية، تتعلق بالبحث أكثر مما تتعلق باختلافات نوعية، أي تقسيم في مغزى الخطاب وليس في الوقائع. فالإبادة ظلت هي العامل الأساسي في العلاقة مع الهنود، إلى أن تم تحويلهم إلى جزر بشرية صغيرة داخل كانتونات لا تمتلك أي حقوق. الهنود الحمر لدى تودوروف هم الآخر غير الأوروبي، في تلك اللحظة من التاريخ وقد راحت القارة العجوز تتلمس طريقها إلى التنوير والتوسع والهيمنة. يتعرض لدراستهم أيام احتكاكهم مع الفاتحين أو الغزاة، الأوروبيين الذين جاءوا على شكل جيوش ورهبان ورجال أعمال وتجار عبيد وقراصنة، معتبرا نفسه منذ بدء دراسته، ومن خلال منهجية البحث، وريثا للخطاب الأوربي الذي اصطدم مع الخطاب الهندي. وكانت لحظة الاصطدام هي ما حاول استقراءها وتبيان تأثير الأوروبي بالهندي أو الهندي بالأوروبي. رغم أنه لا يمكن القول إن الأوروبي تأثر بالهندي، فالهندي يمثل غنيمة للأوروبي ليس إلا. فطيبة الهندي تعتبر سذاجة للأوروبي، وبساطته تخلفاً، ووفاؤه قلة حيلة، وكرمه نحو الغريب خشية ودونية. ولا يدين تودوروف في محاكمته لتلك الظواهر الهندي الأحمر، إنما يجد لها تفسيراً عقلانياً، إذ أن صفات مثل تلك لم تعد ملائمة للتطور التاريخي، وقد بلغ أوجه في أوروبا تلك الحقبة، وهذا ما صنع له الهزيمة لاحقاً. وهي حقيقة مقنعة لكنها لا تخفي منطق القوة، الذي يحكم كل المنظومة الفكرية الأوروبية، ولم يستطع أحد الخروج عن مداره، إلا أفراد قلائل مثل جان جينيه الفرنسي وغويتسيلو الأسباني، وغارودي منظّر “الواقعية بلا ضفاف” بعض الشيء. ولعل أدوارد سعيد أدرك ذلك جيدا في كتابه “الاستشراق”، وقد سبر فيه مرجعية العنصرية الأوربية تجاه الشعوب. 

يؤكد تودوروف هذا المنطق، منطق القوة، في نهاية كتابه أميركا قائلاً: ويعلمنا التاريخ الأمثولة لفتح أميركا أن الحضارة الأوربية قد انتصرت، ضمن أسباب أخرى، بفضل تفوقها في مجال الاتصال مع البشر، لكنه يعلمنا أيضا أن هذا التفوق يتأكد على حساب الاتصال مع العالم. أما ادواردو غاليانو فقد وضع سفره “ذاكرة النار”، وصدر بترجمة أسامة إسبر عن دار الطليعة الجديدة، فهو نص خارج التسميات، يتألف من ثلاثة أجزاء هي سفر التكوين والوجوه والأقنعة وقرن الريح، وبدأه بالعام 1492 ميلادية، وجعل من السنين أبواباً ثانوية للكتاب. القارئ يجد فيه الأسطورة، والحدث التاريخي ، والأغنية، والحوارات، والحياة اليومية للمدن الأميركية عبر القرون، بلغة تجنح إلى الشعر، أو السرد القصصي، بعد أن جمع مادته طوال سنوات، وجل تلك المادة موثق بصلابة. 

غاليانو في “ذاكرة النار” لا يدرس الآخر بل يقدمه عارياً، والآخر هو الأوروبي تحديدا، الذي جاء إلى أميركا حاملا سلاحه، وتعاليمه، مع سيل من السفن والمدافع والأمراض، والأوهام فوق كل ذلك. يعرض تاريخاً كاملاً من الإبادات والمظالم والكذب والتبشير الذي كان غرضه انهاء شعوب القارة، والاستيلاء على الأرض والثروات. لا علاقة لذلك بنشر الدين المسيحي كما أدعى الكهنة والجنود. وصف حي له طابع ملحمي، لأحداث قرون ما زالت ماثلة في الذاكرة، ذاكرة كلا الطرفين، جاء كأنه مرافعة ضد حضارة برمتها هي الحضارة الأوروبية. 

ويقول غاليانو في مقدمته للكتاب: لم أرغب في كتابة كتاب موضوعي ولا أستطيع ذلك. ولا يوجد شيء حيادي حيال هذا السرد التاريخي، ولأنني لم أستطع أن أبعد نفسي اتخذت موقعا متعاطفا، أعرف بذلك ولست آسفا. 

مجال تودوروف مجال دراسة وبحث، للوصول إلى فتوحات معرفية توسع الأفق البشري في النظر إلى الأحداث والظواهر. مجال غاليانو مجال عرض لوقائع، وحوارات، ومجازر، أريد لها أن تلغى من السجلات، سجلات الأوربي العقلاني والحضاري. ورغم أن كليهما ينحاز إلى الهنود الحمر، ويتعاطف معهم، مع الاختلاف الكبير في درجة الانحياز والتعاطف، إلا أن المنطق الأوروبي عند تودوروف يتجلى ببعده المعرفي المحايد أحيانا، والعقلاني في دراسته لظاهرة ما. بينما يقدم غاليانو، يثبّت أو يستنبط، وقائع مأساوية، تنطق بنفسها، وتجعل القارئ يحجم عن الوقوف على الحياد، بل يتأمل في تلك البشاعات ويتخذ موقفا إنسانيا عميقا ومتعاطفا دون اعتبار للجانب المعرفي، أو البحثي، أو التطويري، للدور الأوربي في قارة أميركا.

الهوس إن سبب الهوس الذي صاحب اكتشاف أميركا، كما جاء في خطابات كولومبس وكورتس ومدونو الغزو والرهبان والعسكر الذين حاربوا تحت راية التاج الإسباني، يتأمله تودوروف بحذر وبرود. يضعه في خانة الهوس الديني في نشر المسيحية بعد استرجاع اسبانيا من أيدي المسلمين، وخروج الرجل الأبيض من شبكة القرون الوسطى نحو أصقاع جديدة محكومة بالعزلة. أما التعطش إلى الذهب والثروات الأخرى فيحس به القارئ وقد انزوى بعيدا بعض الشيء، وهو لا يحسم الأمر، أو يرجح كفة على أخرى، بل يعيد النظر في المسلمات استنادا إلى الخطاب، إلى الهواجس الفردية، إلى بوح الرسائل والمذكرات العارية. يطمح إلى قراءة تاريخ غير منجز، ظل ويظل عرضة للتغيير والشك والتقييم والدراسة. لكن غاليانو لا يستند إلى القول، إنما إلى التاريخ الحي الذي كتبته الأمراض والمذابح والحسابات، بعد أن تناقص سكان أميركا الهنود من ثمانين مليون إلى عشرة ملايين فقط خلال ثلاثة قرون. يسخر الأسطورة والطقس الديني والفن البدائي ويستنطق المكان. المذبحة أولا، والبحث لاحقاً. وثمة مساحة شاسعة بين المنطق والعاطفة. 

ومن ناحية أخرى يلاحظ في خطاب تودوروف أنه لا يستطيع الخروج من مدار المنظومة العقلية الأوروبية في التعامل مع الآخر غير الأوروبي، حتى وإن بدا في خطوطه العامة ينحاز إلى الجانب الانساني، ويتخذ موقفا من موضوعه الذي يبحث فيه. وأقل ما يظهر ذلك في الأحكام الباردة والعقلانية التي حلل بها لحظة الاحتكاك بين الهندي والأوروبي. لم يعط مشروعية للخطاب الأوربي على حساب الهندي، إلا أنه محكوم بمقولة إن التاريخ لا يمكن إلا أن يكون هكذا. ذلك ربما للابتعاد عن تخوم الإدانة وما يستتبعها من مسؤولية اتخاذ الموقف. لا يطالب الحضارة الأوربية بالاعتذار عما مارسته من إبادة، ولا يطلب المقابلة بالمثل، فما مضى قد مضى ولا يمكن استرجاعه. لكنه مأسور بعقلية المركز الأوربي، الذي يؤمن أن تاريخ الأفكار هو التاريخ الأوروبي، أو روايته هي الصادقة من بين روايات أخرى. في حين ينطلق غاليانو في محاكمته للأوروبي على أساس أن ما تعانيه البلدان الأميركية اللاتينية حتى الآن ما هو إلا وليد تلك القرون الماضية التي مورس فيها نهب القارة الجديدة وإبادة سكانها، وتواصل ذلك حتى القرن العشرين، وإن تبدلت التسميات. لذلك يجيء تاريخ الهنود، ثم من بعده السود والمولدون والاسبان الذين اندمجوا في الحياة الجديدة، حسب ذاكرة النار، يجيء مشبعا بلحظات انسانية فريدة، وبانسجام هائل مع الطبيعة. 

الشعوب الهندية، عكس ما ظهرت في سينما هوليوود، وكنا تراها في سينما الرمادي عبر أفلام الكابوي، شعوب تمتلك منظومة دينية، وفكرية، وأخلاقية، لا تستطيع أوربا الادعاء أنها أفضل منها، فهي حضارة الانسجام والاكتفاء والمثل، سواء مع الطبيعة أو بين الأفراد أنفسهم. ولعل التخريب الذي مارسته الصناعة الأوروبية، ومكتشفاتها على الأرض، باعتبارها الرحم الذي يحضن الانسان حسب المفهوم الهندي، لا تعادله ملايين السنين من النشاط البشري السابق. وإن كان غاليانو لا يقيم مجال مقارنة بين الأوروبي والهندي الأحمر، إلا أن النتائج يمكن لمسها على الواقع. فمن يستطيع تدمير وإبادة ملايين البشر، والقضاء على الأديان، بإمكانه ازالة الحياة على الأرض أيضا، خاصة وأن ذلك منسوج في شبكة ذهنية واحدة، يخدم بعضها بعضا. القوة العسكرية، مع البحث المعرفي، مع التطور الصناعي، وكل ما سبق موجّه لخدمة الحضارة البيضاء وليس لإسعاد الآخر، أي آخر تودوروف. وهذا بالضبط ما يحسه غاليانو بعمق، أكثر بكثير من تودوروف كونه الضحية وليس العكس.

(*) مدونة نشرها الروائي العراقي شاكر الانباري في صفحته الفايسبوكية، وهي فصل من كتابه “مثل برق خبا” الصادر أخيراً عن دار تأويل

عن المدن