إرهاصات التجديد في الرواية السوريّة

إرهاصات التجديد في الرواية السوريّة

د. نوال الحلح

خيط التغيير الواصل بين العقود الممتدة


ضمن ملف “الرواية السوريّة” الذي تعدّه وتحرره الروائيّة روزا ياسين حسن لصالح حكاية ما انحكت، تناقش المقالة الأولى للدكتورة نوال الحلح التغييرات التي طرأت على الرواية السوريّة خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات فتذكر أمثلة من روايات هاني الراهب وسليم بركات وحيدر حيدر وتقارن التقنيات التي استخدمها أولئك الروائيون مع التقنيات التي استخدمها الجيل الذي سبقه.

* * * * * * * * *

شهدت الرواية السوريّة في العقدين الماضيين بالتأكيد محاولات جادة لتجديد تقنياتها السرديّة، وقد يكون تغيّر الذائقة الفنيّة، أو ربما تغيّر زاوية النظر إلى المجتمع، من قبل الكتّاب والمتلقين على السواء، سببا أساسيًا غيَّر وجه إنتاج الأدب وتلقيه في تلك الفترة. هنالك أسباب عديدة قد تكون وراء هذا التغيير منها: فشل المشاريع النهضوية العربية في مهدها، وتحولها إلى تنظير إيديولوجي مفرّغ من محتواه، بالإضافة إلى انكفاء المثقف على ذاته بعد أن عجز عن صنع واقعه ليكون بحجم طموحه، وبعد أن زُجّ بمعظم المثقفين المهتمين بالشأن السياسي والعمل الحزبي في السجون أو هربوا للعمل خارج البلاد، أو على الأقل تمّ تحييدهم بالترهيب أو بالترغيب عن العمل السياسي، وبعد أن تمّ تفريغ النقابات والأطر الحزبيّة على اختلافها من فعاليتها السياسيّة والاجتماعيّة، لتتحول إلى واجهة شكليّة ضمن (حكومة ظل) تنعدم فيها المؤسسات لمصلحة واحدة هي المؤسسة الأمنيّة المسيطرة على القضاء والاقتصاد والجيش. هذه بالمجمل أسباب غير مباشرة، ولكن يبقى السبب المباشر لتغيّر الذائقة العربيّة بشكل عام، وهو باعتقادي وعي الفرد العربي بذاته، بحقوقه، وبفساد السلطات المتحكمة بمصيره، متأثراً بالفردانيّة الغربيّة والأنظمة الديمقراطيّة الحامية لها، التي وصلتنا عن طريق الأدب المترجم.

بداية أسلوب روائي جديد

ولكن بذور هذا التغيير تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ حيث يعتقد الباحثون أن بوادر هذا التغيير قد ظهرت في أعقاب هزيمة حزيران، التي كانت هزّة عميقة للمجتمع، حيث كان الأدب الواقعي في تلك المرحلة هو المسيطر على توجه الرواية في سوريا. ومن هنا فإنّ أدب ما بعد الهزيمة؛ أي أدب السبعينيات والثمانينيات، استمر بواقعيته، ممثلًا برائد الواقعيّة “حنا مينه”، و”كوليت خوري” و”خيري الذهبي” وغيرهم، لكن اتجاهًا جديدًا بدأ يظهر بملامح واضحة في تلك المرحلة، ممثلًا بأسماء جديدة من الروائيين مثل: “حيدر حيدر”، و”هاني الراهب” و”سليم بركات”. هؤلاء لم يقطعوا نهائيًا صلتهم بالرواية التقليديّة، التي كانت انعكاسًا حقيقيًا للواقع المعيش، لكنهم في الوقت ذاته خلخلوا سكونيّة العالم الروائي باجتهادات فرديّة، أثارت جدلًا واسعًا حول رواياتهم.

لعل أبرز ما ميّز رواية السبعينيات والثمانينيات هو تدرّج الانتقال من واقعيّة مباشرة، مُقدمة ضمن تقنيات مألوفة، إلى رواية تنضح من الواقع، لكنها وقبل أن تسكبه في قالب الرواية تتخلى عن واقعيته نسبيًا، لحساب فنيته، فتستخدم تقنيات عُدّت جديدة على الرواية آنذاك، منها ما يتعلق بخلخلة الزمن وإدراج مقاطع من الصحف في الرواية (التناص)، وطرح الأسئلة دون تقديم إجابات، واللافت في كلّ هذا أنّ الهزيمة ساهمت في تحييد الخطاب السياسي المباشر عن الساحة الروائيّة التي بدأت باستكشاف طرائق مبتكرة، مثل توصيف الواقع اليومي المعيش للناس العاديين من وجهات نظر مختلفة، كما فعل هاني الراهب في (ألف ليلة وليلتان)، أو عن طريق الغوص في الذات وتجميد الزمن الخارجي، بهدف الوقوف على ما يحدث في وعي الإنسان من صراعات وجوديّة وتناقضات نفسيّة، هي بمجموعها صدى للعطب الخارجي الذي سبّبه الجهل، التخلف، والفساد في المجتمع والسياسة، كما فعل “حيدر حيدر” في (مرايا النار) و(الزمن الموحش) و(وليمة لأعشاب البحر)، أو عن طريق ثالث هو التحليق بغرائبيّة، تسعى إلى إضاءة حالة اللا إنتماء التي يعاني منها الأفراد والجماعات (وضع الأكراد السوريين مثلًا) في بلادهم، أو في البلاد التي تشتتوا فيها، بما يشبه روايات الواقعيّة السحريّة، كما فعل “سليم بركات” في (فقهاء الظلام). ما جمع هؤلاء الروائيين هو اهتمامهم بالشكل الفني، والتقنيات الروائيّة، أكثر من الاهتمام الذي أولاه لها سابقوهم ومعاصروهم، ما جعل النقاد يرون في روايات تلك المرحلة بداية أسلوب روائي جديد.

فردانيّة وتقنيات جديدة

بتأثير الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المأزوم، بدأت الفردانيّة تتسلّل إلى روح المثقفين والأدباء، في مواجهة سطوة السلطة الاجتماعيّة للتقليد. وقد يعود الفضل الأول والأخير في كسر نمطيّة السائد إلى هذه الفردانيّة التي مهدت لانتشار الروايات المتأثرة بالوجوديّة، والروايات التي اعتمدت على تيار الوعي والزمن النفسي في الكتابة. لكن مع هذا، ورغم السمات الوجوديّة التي ميزت الأعمال الأولى لبعض الروائيين السوريين، إلا أنّهم لم يستطيعوا الإفلات من قبضة دورهم “الطليعي” آنذاك، ولهذا فهم لم يغرقوا في العبث، بل استمروا بمزج الهم الذاتي مع الهم الجماعي العام، لكنهم أدركوا، في الوقت ذاته، أنّ ولاءهم الحقيقي لا يجب أن يكون لضوابط العمل الروائي وقواعده المسبقة، حتى ولو تخلخلت أركان البناء الروائي، لذلك ظهرت في أدبهم إرهاصات واضحة، كانت مقدمة لبروز تقنيات جديدة، سيتوسع استخدامها في الروايات اللاحقة، ومن بين أهم تلك الإرهاصات: 

1- الغرائبيّة التي بدأت تتسلل إلى روايات تلك المرحلة. فتحت تأثير الهزيمة، وخيبة الأمل، شعر الروائي أنّ هذا العالم لا يقوده العقل، ولا المنطق، ولا العدالة السماويّة، بل ما يقوده هو الجنون المطلق، والتحالفات بين الدول الكبرى على حساب الأفراد المهمَّشين. وجد هؤلاء الروائيون أنفسهم في موقف “كافكا” حين شعر بأنّ الدولة وقوانينها وتسلطها على الأفراد، قد ألغت الإنسان الكامن داخلهم، وحولتهم إلى حشرات، وقد تحول الإنسان بسبب هذه الظروف إلى مسخ، لا يمتلك من بشريته شيئًا حتى المظهر، ورغم اختلاف الأسباب التي أدّت لهذا التحول بين بلداننا العربية وبلد كافكا، إلا أنّ مجمل الظرف العربي قد مسخ إنسانيّة الإنسان، وهذا التغيير لم يطل فقط الشعب بل إنّه حوّل الزعماء أيضًا إلى مسوخ، سماها “حيدر حيدر” (اللوياثان) في روايته (وليمة لأعشاب البحر)، مسخ له شكل قنطور، نصفه الأعلى ضبع والأسفل شبيه بسرطان رملي زاحف.


أما “سليم بركات”، فقد اختار وجهًا آخر للغرائبيّة في روايته (فقهاء الظلام)، فبعد البدء بسرد هادئ منطقي ومترابط، يتجه منحى السرد إلى إدهاش المتلقي بغرائبيّة تبدأ بولادة طفل يكبر في الدقيقة الواحدة سنة كاملة، لتتوالى هذه السلالة الغريبة حتى تصل إلى قبيلة كاملة، لا يُعرف عنها إلّا أن أصواتها تملأ الليل، وهي تتباحث حول ممتلكات قديمة تعود للأجداد، وتتوالى الأحداث الغريبة التي يحكمها المنطق الروائي فقط، ويصبح الحيوان المنوي مخلوقًا متفكرًا في الأصول الأولى للمخلوقات، فيسرد أثناء رحلته في المهبل الأنثوي شكوكه حول هذه الأصول، وتساؤلاته حول البدايات الأولى للخليقة، إلى أن يصل إلى الرحم، ويبدأ بعملية التخلق ليغدو جنينًا مكتملاً هو (بيكاس)، الذي سيشكّل فيما بعد محور غرائبيّة الرواية. 

2- شيوع رواية (تيار الوعي) المشغولة بما يحدث في ذهن الفرد تحت تأثير جريان الزمن، حيث شكلت إرهاصًا أوليًا للتجريب، في انقلابها على نمطيّة التسلسل الزمني المتصاعد، وعلى مركزيّة الأحداث ومنطقية تتابعها، مما جعل المساحة أوسع أمام الروائيين لقول ما يريدون بواسطة تداعيات الأفكار والمشاعر، مع عدم التقيد بالمنطق الزمني المتتابع، وقد يكون هذا التداعي يخص سلسلة ذكريات وهذيانات وكوابيس، مثلما فعل “حيدر حيدر” في (مرايا النار)، و”الراهب” في الفصل المعنون بـ (الخبز والحريّة) في رواية (الوباء) التي يصح أن ندعوها باسم “الرواية النهر”، (رواية طويلة تستعرض حياة أسرة بأجيالها أو مجتمعًا أو طائفة اجتماعية)، فرصدت رواية “الوباء” حيوات ثلاثة أجيال على مدى قرن من الزمن.

3- سرد الصراعات من خلال أثرها في الأفراد، لأنّ الحياة الداخلية للفرد هي تجسيد عميق للمجتمع المأزوم. فقد خذل التفاؤل الثوري الروائي السوري في هذه المرحلة، ومن هنا بدأت مراجعة الدفاتر القديمة، كتلك التي يفتحها التاجر بعد إفلاسه. قام “حيدر حيدر” في (وليمة لأعشاب البحر) بفتح دفاتر الخيانات والتصفيات العنيفة التي حدثت بعد استلام (الزعيم)، كما أسماه، للحكم في العراق، فسرد الأحداث الدمويّة هناك، وتصفية الشيوعيين بعد الانشقاق الذي جرى داخل الحزب نفسه، والالتفاف على ثورة تموز. لكنّ هذا السرد لم يكن من منظور تاريخي مجرد، بل كان تأريخًا لمشاعر الأفراد أثناء ذروة الأزمة المصيريّة في مواجهة الموت. ذاك السرد لم يكن ربما بقصد التوثيق، بقدر ما كان محاولة لاستيعاب ما حدث، وإثارة الأسئلة حول مكامن العطب والأسباب الموجبة لكل هذا الخراب. وهنا تتناسل أسئلة مثل: أين الخلل؟ لماذا ضُحي بهؤلاء؟ كيف صمد هؤلاء تحت التعذيب؟ لماذا تمت خيانة الحزب من داخل الحزب؟ جميع هذه الأسئلة كانت معلّقة دون أن تجد إجابات نهائيّة في الرواية. 

4- الالتفاف على الزمن الروائي المألوف بالانتقالات الخاطفة عبر أزمنة مختلفة؛ حيث غدا الزمن محكومًا برؤية الكاتب، بعد أن كان حاكمًا للرواية، وهذا كان أحد الأسباب التي أثارت الجدل حول رواية “الراهب” (ألف ليلة وليلتان)، ابتداءً بالعنوان الذي تقصّد الإيحاء بأنّ زمن ألف ليلة وليلة مستمر إلى يومنا، وبأنّ الليالي الألف؛ ليالي السلطان المستبد والعبوديّة والخرافة، ما زالت تتحكّم بمصائرنا جميعًا، ومرورًا بالمقدمة التي أشارت إلى أنّ امتزاج الأزمنة في الرواية مقصود لذاته، بهدف توضيح استمراريّة الأزمنة القديمة، حتى تصل إلى الهزيمة التي ستبدأ زمنًا مختلفًا، لا يشبه الليالي الألف التي سبقته، وانتهاءً بأزمنة الرواية ذاتها، حيث يُهمَل الزمن أحيانًا، بذريعة أنّ هؤلاء الذين تتناولهم الرواية لا يشعرون بالزمن، ولا يدركونه، وأنّ استمراريّة ليل الهزائم الطويل سيكشف أنّنا نعيش ليلة واحدة طويلة. كما استخدم “هاني الراهب” في الرواية نوعًا من التزامن، يشبه ومضات الصور المركبة في فيلم سينمائي حيث يسترق لقطات من أمكنة مختلفة، تشترك في أنّها تحدث في زمن واحد. تتيح هذه التقنية التركيز على الأبعاد الحياتيّة واليوميّة في تفصيلاتها المشهديّة الدقيقة، والتي تلخّص الواقع بصورة من هنا وأخرى من هناك، ليكسّر الأحداث ويجعل المشاهد تتوالى في نبضات خاطفة ومشبعة بالدلالة؛ كما يسرد صورًا مقتطعة من أماكن مختلفة تحدث في الوقت عينه.

نهاية، بقيت هذه المحاولات الروائيّة في زمنها غير قادرة على تشكيل تراكم كمي لإحداث تغيير نوعي، لكنها أرهصت للتغيير الذي بدأت تتوالى نماذجه في الروايات السوريّة، خاصة في فترة التسعينيات وما بعدها على يد “سمر يزبك” مثلًا في (صلصال)، و”خليل صويلح” في (ورّاق الحب)، و”فواز حداد” في (المترجم الخائن)، و”إبراهيم الجبين” في (يوميات يهودي من دمشق).. وغيرهم. هذا ما يؤكد أن التجديد في الرواية يرتبط بالرؤية المختلفة للواقع وللأدب، وتلك الطفرات التجريبيّة، إن جاز القول، موجودة في كل زمان ومكان، لكننا بتنا نشهد تزايدًا في عدد الروايات التي أخذت تشكّل أنماطها الخاصة أثناء كتابتها، وتبقى الميزة الأساسيّة للروايات المجددة أو ما نسميه “روايات التجريب” هي التفرد والخصوصية في ابتداعها لتقنياتها وتجديد مضموناتها.

“مقتطف من كتاب قيد النشر بعنوان: تجديد تقنيات السرد في الرواية السورية”

* باحثة سورية مقيمة في العاصمة الفرنسيّة، باريس، تدرّس في المعهد الوطني للغات والثقافات الشرقيّة.

عن موقع حكاية ما انحكت