ثيمات الصراع ومُتخيلات الهوية في رواية «حفلة أوهام مفتوحة»

ثيمات الصراع ومُتخيلات الهوية في رواية «حفلة أوهام مفتوحة»

رشا الفوال

على افتراض أن الرواية تتصل اتصالا مباشرا بقضايا الناس في إطار تتشارك فيه أحداث تنمو لتصل إلى الذروة ثم الحل؛ فالرواية التاريخية قد تعود إلى الماضي، لاستثمار أحداثه وإضفاء ظلالها على الحاضر اعتمادا على الوجدان ورصد الصراعات، التي قد يكون موضوعها الحروب والسياسات العنيفة.
في رواية «حفلة أوهام مفتوحة» الصادرة عام 2018، عن دار سؤال للنشر، للكاتب السوري هوشنك أوسي، نحن أمام رصد تاريخي للإنسان وصراعه في مواجهة أوهام المجتمع السائدة؛ حيث عرضت الرواية سُلطة الاستبداد وكبح أي محاولة للتفرد الإنساني، اعتمادا على رصد السياق الواقعي بكل ما يحمل من قهر وبحث عن الحرية، من خلال السرد الذي توازى فيه مفهومان متعارضان، نزع الأول إلى إحلال نظام الانتماء والامتثال للمعايير الثقافية والسياسية السائدة، وأراد الثاني إحلال نظام الطاعة والخوف محل الحرية، ليس من المصادفة إذن أن تأتي بنية الرواية مقسمة إلى ثلاث مرويات بثلاثة عناوين مستقلة، تتسم بجدلية الخفاء/ التجلي؛ ولأن التعامل مع النص الأدبي تحليلا ونقدا، وفق المنهج النفسي ينصب على»الدلالات التي قد تتأثر بالعقل الباطن للكاتب أكثر من تأثرها بعقله الواعي»؛ فلا يخرج الحديث عن الصراع وآلياته النفسية عن قدرة الكاتب في القبض على اللحظات السيكولوجية، التي أنتجت الأحداث، والتي سنتناولها من خلال المحاور التالية:

أولا: سُلطة الاستبداد وثيمات الصراع

انطلاقا من كون «التاريخ هو رواية ما كان، والرواية تاريخ ما كان يمكن أن يكون» فأحداث الرواية الحالية جعلت من التاريخ إطارا محكما للأحداث، كأن الكاتب استعاد الماضي عبر الانتماء إلى زمن سحري دائري يُعمم سلطته الدنيوية؛ بحيث يكون تاريخ الصراع أرشيفا للحُكم ووسيلة لتحقيق انحيازه إلى فكرة الحرية، دفاعا عن هويته، أما إذا تناولنا أطراف الصراع، فسنجد أن الفضاءات المأزومة تضافرت لتشكل الفعل الضاغط على نفسية البطل الرئيسي في المروية الأولى، التي حملت عنوان «غريب على أراض غريبة»، حتى ان المتلقي يستطيع التمييز بين الصراع الظاهري الذي برز في فعل التضحية، «لأنه عاد وسقط تحت تأثير الدعاية التي سوقت لنبل وإنسانية المشاركة في تلك الحرب»، ثم الصراع على مستوى العلاقات العاطفية والذي اتبع فيه آلية التسامي حيث السلوك بطريقة لاشعورية مسلكا حضاريا بالتزامن مع أحداث الحرب، ليبرز في المروية الثانية التي حملت عنوان «موتى يعيشون أكثر مما ينبغي»، الصراع الخفي الدال على استلاب الإنسان ومجاهداته المستمرة لاسترجاع اتزانه، الذي اتبع فيه آلية الإبدال و»تحويل الصراع إلى صورة مقبولة شخصيا كمنفذ للطاقة المحتبسة»، فيقول»التعامل مع الأشياء بحيادية وموضوعية يستوجب التطهر والبراءة من الذاكرة» لابد هنا أن نشير إلى أنه في المروية الثالثة، التي حملت عنوان «قطار أعمى لا يخلف مواعيده»، اتبع آلية الإسقاط التي ينسب الفرد فيها مخاوفه ورغباته وأفكاره غير المرغوب فيها إلى أشخاص آخرين؛ كوسيلة لحماية ذاته»، ما يتيح له تجنب السقوط أمام دوافعه العدوانية، والتأكيد على أن الآخرين هم الذين يمتلكون مثل هذه الدوافع.

نلاحظ أيضا أن الشخصيات المرجعية المستدعاة بصفتها الثابتة تاريخيا، التي جاء ذكرها مرتبطا بثقافة الكاتب وفهمه لها، دفع المتلقي إلى محاولة البحث من أجل فهم مواز، نجد أيضا أن تحديد الإطار الزماني والمكاني لأحداث الرواية أفاد في رصد التحولات الاجتماعية وتقرير مصائر الشخصيات.

ثانيا: الشخصيات وهويتها الرمزية

على اعتبار أن «الرواية تسجيل تاريخي لظواهر اجتماعية تحمل دلالات متنوعة يسجلها الروائي، ويحملها رسالته التي يريد للقراء أن ينتبهوا لها» ؛ ولأن «مفهوم الشخصية يُعد أعقد إشكاليات النص السردي»؛ فقد استخلصت الشخصيات في الرواية الحالية هويتها الرمزية من خلال الاتكاء على الماضي، ومحاولة كشف الإرث المشترك في الأماكن المتعددة، بداية من بلجيكا وأحداث الحرب الكورية عام 1950، والوقوف أمام الرجل العجوز في أول مروية وتدبر جملته الغامضة «أيها الحمقى.. إلى أين أنتم ذاهبون؟»، إلى وصف صور القمع والصراع الكردي/ التركي، الذي يدل على رغبة الكاتب في تثبيت ذكرى هؤلاء الموتى في ذهن المتلقي، انتهاء بالحرب السورية، نلاحظ أيضا أن الشخصيات المرجعية المستدعاة بصفتها الثابتة تاريخيا، التي جاء ذكرها مرتبطا بثقافة الكاتب وفهمه لها، دفع المتلقي إلى محاولة البحث من أجل فهم مواز، نجد أيضا أن تحديد الإطار الزماني والمكاني لأحداث الرواية أفاد في رصد التحولات الاجتماعية وتقرير مصائر الشخصيات؛ فالمكان مرآة تعكس صور الشخصيات وتحدد هويتهم والكاتب لم يحاول دفن نضال أبطاله عبر تجريده من محتواه السياسي، وإنما سعى إلى رصد مسبباته الحقيقية.

خاتمة:
في رواية «حفلة أوهام مفتوحة» نجد أن اختيار هذه الفترات التاريخية ومعالجة قضايا الحروب من خلال أحداثها وشخصياتها، تم بعناية لتُلقي على الحاضر بظلالها؛ فصراعات الحُكام مستمرة، والصراع بين السائد والوافد موجود، «وكأن التاريخ ميدانا فسيحا يستطيع الكتّاب أن يقولوا من خلاله ما يشاؤون بدون أن يتعرضوا للمؤاخذة».
في المرويات الثلاث تبنى الكاتب فكرة الخلاص من الخوف والقهر والاستبداد، وفكرة أزمة الهوية في ظل الموروثات والعقل الجمعي، ربما اتضح ذلك في هندسة الصراع المكاني، وعرض صور القمع الذي جاء متواترا بين اللقطات الكبيرة جدا واللقطات العامة انتهاء باللقطات الخاصة؛ فتكرار مقولة الرجل العجوز الغامضة تشي منذ البداية بأن الهزيمة نهائية، وإحراق السيدة الكورية لملابس الضابط فيها محو لهويته، وقبول عودته إلى تركيا من والديه رغم معرفتهم أنه ليس ابنهم فيه محو لهويته أيضا خوفا من السلطة؛ فغياب الوثائق الرسمية أسس لذاكرة جماعية حول أحداث سياسية وافتراض نوعا من التجرد في الألم.
استطاع الكاتب ربط خيوط الصراع، من أزمة الهوية في المروية الأولى، إلى اعتبار الشخصيات مجرد إطار لتحريك الأحداث في المروية الثانية، التي يقوم البناء الفني فيها على أساس حكاية أوميد الشاعر المعروف، التي اعتمد فيها على مصادر تميل إلى الأدب أكثر من التاريخ، إلى المروية الثالثة والاهتمام بتصوير المجتمع، الذي يمور بالفتنة وثورات الربيع العربي، والتي ارتكز فيها على الحوار بين الشخصيات الثانوية، والشخصية الرئيسية «يورغن»، لرصد أسباب التمزق، كأن المسار التاريخي الواقعي للرواية اتضح في تقديم الشخصيات عبر التجارب التي أراد أن يبعثها الكاتب للحاضر من سياق الماضي؛ فالرواية التاريخية مهما سعت إلى التوغل في الماضي، تظل على صلة بالحاضر»، ربما استعان الكاتب بالخيال؛ ليخفف من وطأة المآسي؛ وهذا أثمر «فضاء روائيا ناتجا عن لقاء الواقعي بالمتخيل»، عبر الصور البصرية في المرويات الأولى والثانية، وعبر لغة الحوار المسموعة في المروية الثالثة، كما أن توظيف المادة التاريخية للتعبير عن معاناة الإنسان، جاءت فيه اللغة مقوما رئيسيا لربط الماضي التاريخي بالحاضر الإبداعي للكاتب.

كاتبة مصرية

القدس العربي