تسْريد المرض في رواية "التّبرُّج" لعبد اللّطيف ولد عبد الله

تسْريد المرض في رواية "التّبرُّج" لعبد اللّطيف ولد عبد الله

  سيدي مُحمَّد بن مالك

       بعد تجربته في كتابة الرّواية البوليسية، يحاوِل عبد اللّطيف ولد عبد الله، في روايته الثّانية الموسومة بـ “التّبرُّج”، تسريد (narrativisation)؛ أيْ تجسيد الفكرة سرديًّا، موضوعة لم يهتم بها الرّوائيُّون العرب إلّا قليلًا، وهي موضوعة المرض. ومن سِمات هذه الرّواية أنّها تُفْرِدُ خطابها لرصْد تمظهُرات المرض وآثاره في نفسيَّة الشّخصيات على مستوييْ الحكاية والحكْي معًا؛ فالرّواية تؤسِّس متْنَها السّردي على المرض، بوصفه موضوعةً رئيسةً تدور في فلكها موضوعاتٌ أخرى لا تقلّ عنها خطورةً، باعتبارها، هي أيضًا، ضروبًا من المرض، قد تأخذ شكلًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو أخلاقيًا أو فكريًا… لذلك، كان “التّبرُّج” دالًّا على الظّهور والبروز والوضوح والسّفور الذي تُعبِّر عنه النّدوب والتّشوُّهات والكدمات والشّعور الدّائم بالعجز جرّاء مرض السّرطان الذي ينخر الجسد، وكانت تلك الموضوعات – الأمراض الخفيَّة والمضمَرة، بسبَب الألْفة والاعتياد، تنهش، في المقابِل، الرّوح والضّمير والإحساس، مثل التّسلُّط والإرهاب والاغتصاب والجهل والخصاصَة والرّياء والكِبْر والسّرقة.

       تحتضِن الغرفة رقم 69، في قسم أمراض الدّم بمستشفى مسلم الطيِّب في مدينة معسكر الجزائريَّة، حكاية المرض التي يتقاسَمها كلٌّ من حسين وماسينيسا ودحُّو. وهو ما يُصيِّر هذا الحيِّز المغلَق مكانًا يدلّ على وجود أزمة طارِئة تعيشها تلك الشّخصيات، قد تنتهي بالاستسلامِ للمرض (ماسينيسا) أو مقاوَمتِه بتجديد الرّغبة في الحياة (حسين) أو درئِه بالجنون (دحُّو)، ومكانًا يُعبِّر عن حدوث انحرافٍ في علاقة الفرد بالمجتمع، حيث يحُول المرض دون أداء الشّخصيات الثّلاث، التي تشكو من العجْز والعَطَب، لدوْرها الاجتماعيّ. إنّ الأزمة والانحراف يسِمان تلك الغرفة، والمستشفى عمومًا، بوَسْم المغايَرة وعدم التّجانُس مع قوانين المجتمع وإكراهاته([1]). وهو ما يُولِّد لدى الشّخصية شعورًا رهيبًا بالنّقص والضّعف والوهْن، بل بالألم الذي يُحفِّزه المرض من جهةٍ، والوعي باختلال العلاقة الطّبيعية مع المجتمع من جهةٍ أخرى. يقول ماسينيسا مُخاطِبًا نفسَه: “كمْ أصبحتُ هشًّا.. كمْ سيتحمّلُني النّاس أكثر من ذلك ؟ كيف سيراني الآخرون وأنا تحت رحْمتِهم ؟ كيف سأتصرَّف عندما تصرخ عامِلة النّظافة في وجهي ؟ ما الذي يجب قوله ؟ ماذا سأفعل الآن ؟ عالَمي يتداعى.. وهذا الرّجل ينظر إليَّ ولكنّه مختلِفٌ. حسين يبدو أسوأ منّي. أتمنّى له الشّفاء.. أتمنّى له النّجاة والخروج من هذا العالَم الكئيب. أصبح جسمي هشًّا، وقد هزّتني هذه الحركة بعُنْفٍ حتّى كِدْت أسقط من السّرير.. معدتي فارغة تمامًا، وللأكل مذاق الرّمل. أعاف كلّ شيء.. صِرْت أعاف الحياة أيضًا..”([2]).  

       وفي مُقابِل انغلاقِ الغرفة على حكاية المرض الطّافِحة بالهشاشَة والتّداعي والهزال والكآبة والألم، ينفتح الفضاءُ عينُه على حكايات أخرى لا تخلو، هي كذلك، من الهمّ والغمّ والشّكوى والأنين والتّذمُّر؛ حكايات تروي مصائر ذوات أخرى تربطها بالشّخصيات الثّلاث علاقةٌ من نوعٍ ما، قد تكون علاقةَ نسَب (بين الشّخصيات الثّلاث وأمهّاتهم وأخواتهم خاصّةً) أو حبّ (بين ماسينيسا وآمال) أو إعْجاب (بين حسين وسعاد) أو صداقَة (بين حسين وحمزة)، أو علاقةً تُمليها المصلحة (بين ماسينيسا وميلود شقيق آمال) أو الضّرورة (بين الشّخصيات الثّلاث والطّبيب عثمان والممرِّضيْن البشير ورضوان)… الأمر الذي يُفضي، من جهةٍ، إلى تشابُك الحكايات، أو بعضها على الأقلّ، ومن جهةٍ أخرى، إلى اختلاف كلّ حكاية عن الحكاية الأخرى، بما في ذلك حكايات الشّخصيات الثّلاث، حيث يستقلّ حسين بحكايته التي تسلك مسلكًا مأساويًّا بموت زوجته سعدية في حادث سيَّارة ونأي ابنته فلّة عنه، وتؤول، بعد اثنتيْ عشرة سنة، إلى إجرائه عمليَّة جراحيَّة بقسم أمراض الدّم، وينفرِد ماسينيسا بحكايته التي تنضَح، بدورها، حزنًا وتعاسةً، بسبَب تراكُم الدّيون التي تركها أبوه مختار بعد موته في حادثِ السّيارة ذاتِه (فقد اصطدمت سيَّارتا حسين ووالد ماسينيسا، بسبَب انشغال حسين بمُداعَبة زوجته، وفقدان والد ماسينيسا التّحكُّم في السيَّارة بفعْل السُّكْر الذي أصابه جرّاء شرْب الخمر) واشتغال أمّه الزّهرة مُنظِّفةً في البيوت وتغيُّر سلوك أخته سعاد وتدهور حالته الصّحية عَقِبَ إصابته بسرطان الدّم، ويستقلّ دحُّو بحكايته التي تشهَد اغتصاب طفولته؛ فقد تركته أمّه زليخة، التي ارتضت الزّنى سبيلًا لإعالته، عُرْضَةً للاعتداء الجنسيّ والإهْمال، إلى أنْ أصابه مسٌّ من جنونٍ.

       وإذا كانت هذه الحكايات الثّلاث تُحيل إلى حكايات ثانويَّة، مثل حكاية ابنة حسين وحكاية أمّ ماسينيسا وحكاية أخته سعاد وحكاية أمّ دحُّو، فإنّها تلتقي، في الوقت عينه، مع حكايات أخرى تنْهَض، هي أيضًا، على الرّؤية المأساويَّة للعالَم التي لا تكاد تترك للفرَح حيِّزًا ولا للأمل منفذًا، حيث تسرد تلك الحكايات رحلة الألم والعذاب التي تعيشها الشّخصيات في حياتها اليوميَّة، وهي تشرئِّب إلى السَّعَة في الرّزق وتحقيق الحب وصوْن الكَرامة. وهو ما قد يعْدِل رحلة المريض في طلَب الشّفاء أو التّخفيف من وطْأة الألم على الأقلّ. ويبدو أنّ رحلة الشّقاء تلك قد رسَمت مسارَها الشّخصياتُ نفسُها بإرادتها الرّاكِنة إلى الأهواء الطّالِحة القابِعة فيها؛ فهي ليست مُصيَّرة فيما تكتسِب وما تذر من أفعال، وغير مُجبَرة على ارتكاب ذنبٍ أو اجتراح جُرْمٍ، تستوي، في ذلك، الشّخصيات المقهورة والشّخصيات الانتهازيَّة. تلك حال نوال أخت حسين التي تلتمِس الدّعة في حضن رجل مُثقَّف وميسور يشتغِل أستاذًا في كندا؛ فتؤوب خاليَة الوِفاض، نادِمةً على ما اقترفته في حقّ حمزة من خيانةٍ لحبّه لها، وحال الممرِّض البشير الذي يُضنيه العوَز؛ فيلوذ بسرقة الأدويَّة وبيْعها في السّوق السّوداء، وحال الطّبيب عثمان الذي يدفعه هوى الكِبْرِ وشعور اللّامبالاة إلى إهْمال المرضى في المستشفيات العامّة واستغلالِ ألمهم وسَلْبِهم أموالَهم في المستشفيات الخاصّة: “ذلك الطّبيب يُدعى عثمان داود، وهو شخصٌ مُتعجرِفٌ لا يعرف معنى للاحترام. إنّه شخصٌ مُتغطرِسٌ ويظنّ نفسه بروفيسورًا ما.. نهض على أكتاف والده طبيب أمراض النّساء وأستاذ جامعيّ.. قيل إنّه هو من توسَّط له ليتخصَّص في أمراض الدّم. لقد رأيْتم، الجامعة لا تُصْدِر إلّا الحمقى ليتعلَّموا في المساكين أمثالنا”([3]).

       إنّ مثلَ هذه الأمراض، التي تنحو منْحى الخيانة (خيانة نوال لحمزة، وخيانة آمال لماسينيسا، وخيانة ميلود لماسينيسا قبل ذلك، وخيانة البشير للأمانة، وخيانة عثمان لشرَف المهنة، وخيانة الوطن ممَّن اتّخذ الاستبداد أداةً للاستمرار في الحكم والعنف سبيلًا للوصول إلى السّلطة،…)، لا تختلف، في شيءٍ، عن المصائب التي ألمَّت بحسين وماسينيسا ودحُّو (حادث السيَّارة الذي أفْضى إلى موت زوجة حسين ووالد ماسينيسا، واغتصاب براءة دحُّو)؛ فقذفت بهم في غياهِب المرض، وأفْقَدتهم الإحساس بالمغزى من الحياة، ذلك أنّ الأمراض – الخيانات، شأنها شأن تلك المصائب، تمثِّل صدماتٍ تبعث على المرض العضويّ ذاتِه. إنّه ألم الحياة، كما يقول دافيد لوبروطون (David Le Breton)، ذلك الذي يُحْدِثُ المرض ويُحفِّز ألمه ويستثير عذابه؛ “فهو الذّاكرة المنقوشة في البدن نفسه، حتّى لو نسي المريض ظروف انبثاقه. إنّه يتغذّى من حدثٍ هامٍّ أو صادِمٍ، فاض عن قدرات البلْوَرة الرّمزية لدى الشّخص، وظلّ في ثنايا الجسد كشظيَّة معنى تحت البشرة تظلّ تثير الألم”([4]).

       وفضلًا عن إنْشائه المرضَ، يدفع ألم الحياة ضحاياه؛ الفاعلين والمنفعِلين معًا، إلى اختلاق التّبريرات وتزوير الحقائق وتغيير المفاهيم، لتعليل الفساد المستشري في الأخلاق والفكر والسّياسة والاقتصاد والتّعليم والصّحة والإعلام؛ فقد سوَّغت زليخة تخلّيها عن ابنها دحُّو ببحثها عن السّعادة التي ألْفتْها في مُمارَسة الدّعارة، وبرَّرت سعاد لجوءَها إلى تلك الممارَسة نفسِها بأنّ القَدَر أراد لها ذلك، لكنَّها تأبى إلّا أن تختار بنفسها الطّريقة التي تُسْعِفها في وضع حدٍّ لحياتها، قبل أن يُسْلِمَها القَدَر، الذي شكَت جورَه وقسوتَه، إلى الحياة ويجمعها بحسين مرّة أخرى، وأباحت الزّهرة لنفسها التّسوُّل مُعلِّلةً ذلك بالفقر الذي أخذ يُحاصِر أسرتها، ومضَت تنظر إليه على أنّه شرفٌ يقيها ووَلديْها من الموت الذي يتربَّص بهم: “الشّرف هو الحياة نفسها.. الشّرف أن أحافِظَ على البسْمة وأرعى أبنائي.. الشّرف أن أقِف كامرأةٍ في وجه الموت.. تبًّا لكلّ هؤلاء النّاس.. هم ليسوا أفضَل منّي. أراهُم ينظرون إليَّ ساخِرين في قلوبهم، مُنْدهِشين من وقوفي أمام باب المسجد..”([5]).

       ثمّ إنّ ألم الحياة يجري مجرى ألم المرض العضويّ في تحفيز المتألِّم إلى العزلة والوحدة والصّمت؛ فكما آثر حسين وماسينيسا، في بعض المواقِف، التّلميح بدلًا من التّصريح تلافيًا لإثارةِ شفَقةِ أحدهم، واحتمى دحُّو بالصّراخ تارةً، والكلام الذي لا يكاد يُبين تارةً أخرى، تعبيرًا عن جرحٍ دفينٍ، ارتضى ضحايا ألم الحياة الانطواء والانكفاء وعدم الإفْصاح عمّا يجيش في خَلَدهم من أوْجاع وعذابات وما يُفكِّرون في إنْجازه من أفعال. وهو ما يُفسِّر مُراوَحة الكاتب بين السّرد الموضوعي الذي يضعه على لسان الرّاوي العليم والخطاب الذّاتي الذي تتوجَّه فيه الشّخصيات إلى نفسِها والذي يتّخذ سِمةً طباعيَّةً (الحرف الثّخين) تُميِّزه عن تلفُّظ ذلك الرّاوي، بحيث يكاد يتساوى سجلّا الكلام، بتعبير تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov)؛ أيْ السّرد الخالِص والتّمثيل في صورته الاستبطانيَّة، في النّص الرّوائي، إشارةً إلى تأثير ألم الحياة وألم المرض العضويّ، على حدٍّ سواء، في انفعالات الشّخصيات وأعمالها، وهيْمنَة فكر الانعزال والابتعاد على نظرتها للعالَم. ومثالُ الكتْمان الذي اصْطَفتْه الشّخصية أسلوبًا في التّعبير عن أحوالها ورؤاها، حديث آمال إلى نفسِها قائلةً: “هل أصبحت مُنافِقةً إلى هذه الدّرجة لأقولَ لها بأنّه يُمكِن أن يُشْفى؟ رأيت دموعها وهي تتكلَّم عن الله وملائكته، ولكن هل هي تدري أنّ الله قد حَكَمَ على ابنها بالموت؟ ما الذي يحدُث لي؟ ما الذي أصابني؟ لماذا لا أنْفضُ كلّ شيءٍ من دماغي وأعيش بهدوءٍ؟ ولكنّي لا أستطيع.. لن أستطيع ذلك أبدًا.. هل هو مَنْ جَعَلَني أشعُر بكلّ هذا الألم أم أنّني أعاني من مرضٍ أكثر خطورة؟ لا.. لا.. لا أستطيع أن أنزعه من تفكيري مهما فعلت ومهما حاولت أن أصدِّق ذلك. لقد رأيْته بعيْنَيَّ هاتيْن.. كم صار نحيفًا وكم تغيَّر وجهه. لم أعد أعرفه.. مَنْ يكون؟ ماسي ذهب ولن يعود”([6]).

       إنّ رحلة الشّخصيات مع ألم المرض العضويّ وألم الحياة ما كانت لتكون موضوعَ تواصُلٍ سرديٍّ بين الرّاوي والشّخصية من جهةٍ والمرويّ له (أو القارئ الضّمني) من جهةٍ أخرى، لولا الغرفة رقم 69 التي بعثت جروحَ تلك الشّخصيات وآهاتِها ومِحَنَها؛ فهي بمثابة الزّمكان (Le chronotope)، وفْق تصوُّر ميخائيل باختين (Mikhaïl Bakhtine)، الذي يمنح خطابات الشّخصيات وأفعالها وخواطرها وجودًا في الزّمن والمكان؛ فإذا كان المكان قارًّا وذا قابليَّة للانغلاق على ألم المرض العضويّ والانفتاح على ألم الحياة، فإنّ الزّمن يُكسِب تجربة الألم حضورًا في حياة الشّخصيات؛ فهو يستوْعِب، باستمرارٍ، تلك التّجربة في مداها التّاريخي الذي تُنْشِئُهُ حبكة التّخييل الرّوائي.

هوامش:


([1]) يُنظَر: ميشال فوكو: “الجسد الطّوباوي، أماكن أخرى”، ترجمة: محمَّد العرابي، منشورات الانتهاكات، د. ط، د. ت، ص 33، 34.

([2]) عبد اللّطيف ولد عبد الله: “التّبرُّج”، منشورات ضفاف، بيروت، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط. 1، 2018، ص 43.

([3]) الرّواية، ص 205.

([4]) دافيد لوبروطون: “تجربة الألم بيْن التّحطيم والانبعاث”، ترجمة: فريد الزّاهي، دار توبقال للنّشر، الدّار البيضاء، ط. 1، 2017، ص 99.

([5]) الرّواية، ص 127.

([6]) الرّواية، ص 65، 66.