حكاية تانغو الغرام.. اللذّة في اكتشاف المجهول

حكاية تانغو الغرام.. اللذّة في اكتشاف المجهول

شادية الأتاسي

طالما آمنت، أن الفرادة في الكتابة الأدبية، عندما لا تأتي تلقيناً، إنما تدفق تلقائي وعصف داخلي لايستكين. الأجمل، حين يتوقف الوعي عن مراقبة هذا التدفق. فنحن نسيء التفكير، حين نعلم أننا نفكر، ونسيء الإصغاء الى اللحن الموسيقي حين نعي أننا نصغي إليه.  فرغم كل القتامة التي تحيط بنا، والخمول الذي يحاصرنا، إلا أن العذوبة الكامنة، والعناد الآسر، الذي يزدهر في النصوص المضيئة، قادر بشكل ما على إزاحة ما يتراكم في هذا العالم من التجهم و القبح.

طالما استفزني عناد مؤرق، للتوغل في تلك المنطقة الغامضة، التي تقع ما بين محادثة الذات، والحوار العميق المفتوح مع الآخر، والإجابة على ذاك السؤال الوجودي من أنا؟ ومن أنت؟ فطبيعة الدماغ في حالة توق فطري دائب إلى الإثارة. هذا الغليان الفكري المحموم، هذا القلق الوجودي المبرح، هذه اللذة في اكتشاف المجهول، جعلتني أنتحي بشغف، زاوية أو ركناً أو حتى وسط الضجيج والفوضى، أقرأ وأكتب ولا أتوقف…

أكتب وأكتشف وأندهش، أسأل وأجيب وأتألم، أحب وأكره، أقاوم الوحدة، وأهاجم وحش الملل القبيح، الذي يصيب الروح بالعطالة والعطب.  

يؤرقني سؤال!  من أين أبدأ، وكيف؟.

أعترف أنني أرغب في أن أدخل دخولاً مبهرًا، مطوقة بكلمات تشبه الشعر واللحن والحلم، لأبقى، ليكون لي وهجُ الحضور، والكثيرُ من الديمومةِ. أستبيح كلّ ما أُعتيِد عليه من مقدمات رديئة، يكون لي قدرة الاستيلاء على فضائي الخاص، لا تستعبدني نظريات استسهال المسلّمات، لئلا تقودني الى كارثة الخضوع الى المألوف، ربما لأمنح بعضاً من الحقيقة لخيالاتي العاطفية.

ربما هو دخولٌ غير مألوف…

الشغف يقودني دائما إلى التوغِّل في تلك الأمكنة الظليلة الخبيئة، حيث تقبع الأنا هناك، مستكينة إلى ذلك القلق الوجودي العذب، الذي يؤرِّقُ وقد يعذّبُ، لكن حين يغمره الضوء، يستحوذ عليك وجوده بقوة، يترك مكانه، وينتقل من حالة السكون الى حالة الحركة، من الهامش الى وهج الحضور

أنتقل من جمع الهوامش، إلى أن أكون راوية حياة، قد تكون حياتي، وقد لا تكون.

يقال إن قوةَ الحلم، تصنع الواقع، وهَأنا أنغمسُ بشهيَّةٍ وافتتان في حكاية هذه المرأةِ التي انسلَّتْ بخفة، وتلصَّصتْ على حياتي، ظلُّها الطويل كان امتداداً لظلّي، حاولتُ عبثاً وبغباء الإمساك به، إبعاده والهروب منه، ولكن فشلت، ثم أدركت لاحقا، أننا لم نكن إلا صدى لظلٍّ واحد.

لم يكن هذا الظلُّ إلا ظلّي أنا…

قبلت به طواعيةً، لِمَ لا؟ مادام أليفاً، يساير ولا يعترض.

أستطيع أن أدعي بجلاء، لم أكن أنا أو ظلي وحده، من احتكر رواية هذه الرواية. بل تركت لشخصياتها، الباب مفتوحاً، تدخل الرواية، تضع ذاكرتها وتعطي نفسها كما هي، وتمضي.

عندما أعيدُ قراءة الماضي، أكتشف أن وصولي الى هذه اللحظة، لحظة التبلور، مسألة وقت فقط، أخذتْ سنوات من حياتي. توجبّ عليّ فيها، أن أروض الكثير من الأسئلة وأتحايل عليها، لأدعها تخرج من داخلي حرَّةً ، بلا رتوش، حارَّة من الصميم.

أشياء كثيرة قهرتْني، أكثرها كان فكرة الرحيل، كانت كمن ينتزع شتلة من جذر نسغها الحقيقي، ويُقذف بها إلى المجهول.

 الحرب طافت وطغت وتجبرت على الجميع. البعض طواهم الموت، وأي موت؟  بعضهم، وأنا منهم، حمل حقائبه ورحل.

الجميع دون استثناء، كان شريكاً، فاعلاً ومنفعلاً في مقتلة، اقتلعتنا من أرضنا وحياتنا، من كل ما اعتدنا عليه وأحببناه…

أعوام حزن، قاتمة، مرت ومازال الحزن يجثم بكاهله على البلاد.

كانت الكتب، هي الأشد حضوراً في حياتي، وقعت في غوايتها الجميلة، لا سيما الرواية. في وقت مبكر، قرأت بنهم كل ما وصلت إليه يدي، قرأت أندريه جيد وزفايغ. لا أنسى “مرتفعات ويذرنج” لإميلي برونتي، وآلام “هيثكليف” العاشق، وتحوله الى شيطان، بعدما هجرته حبيبته “كاثرين”. استوقفتني هذه الرواية، كانت رهيبة بالألم والنشوة وضراوة الحب واستبداده.

فتحت لي بابا واسعا لكثير من الأسئلة. وكشفت عن أفق واسع، ربما كان مبكرا التفكير فيه والنقاش حوله، أخذ يتجدد مع قراءة دستويفسكي وتولستوي ونجيب محفوظ، وحنا مينا، أسئلة دامت حتى اليوم، وكان عن عجز السيطرة على الشر. وهل الإنسان خير مطلق أم شر مطلق، أم بين بين؟ وهل هو مسير أم مخير؟

أسئلة وجودية أرّقتني لزمن ليس بالقصير، وتركت في داخلي إحساسا مبهما كامنا بالذنب، لم تستطع اعترافات روسو، التي قرأتها بأجزائها الخمسة وقتها، الإجابة عليها، ربما استمر هذا الشعور حتى الْيَوْمَ، وأنا أرى ما يعصف في بلدنا الصغير من أحداث فاقت الخيال.

و كان أن كتبت كثيرا، ومزقت أكثر، الأمر كان منهكاً ومتعباً إلى حد بعيد. أبدأ أحياناً من قلب الرواية، حيث زخم الخبايا والأسرار والأحداث، أراه أسهل ربما، وأحيانًا من النهاية. تشرق الفكرة في رأسي، ثم سرعان ما تبدو لي معقدة ملبدة بالغيوم، ألملم أفكاري  وكتبي وأنزوي لأيام، مثقلة بالإحباط والضجر والخيبة.

إلى أن تمخض الوقت عن رواية (تانغو الغرام).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • كاتبة وروائية سورية مقيمة في سويسرا.
  • تانغو الغرام، رواية صادرة عن الدار العربية للعلوم، ناشرون، في لبنان، للروائية شادية الأتاسي، ٢٤٠ صفحة.