كيف انكسر جدار الخوف

كيف انكسر جدار الخوف

ضياء الدين عثمان

  1. حكاية القصة القصيرة المنشورة الأولى

            حدّثت نفسي أني نعم أستطيع. كنت قد أكملت الثانوية العليا و أنا أقسم وقتي بين قراءة المقررات و قراءة الروايات و القصص و الأشعار. كنت أقرأ لأنني أستمتع بالقراءة الأدبية. قرضت بعض أبيات الشعر فأصابني الزهو. قلت أنني سأهندس و سأشعر، لكن الشعر هو من (الذي يأتي و لا يأتي) بحسب تعبير عبد الوهاب البياتي الشهير. فتركت نفسي وهواهابعدما دخلت الجامعة و بدأت أتهندس وجدتني أميل أكثر لأن أعبر عن صوتي الداخلى الذي بدأ يصير عالي الوتيرة.

كنت أكتب المحاضرات الجامعية الهندسية و الرياضية، و على هوامش الصفحات أتبغدد في كتابة الخواطر و أبيات الشعر و الحكم – عربيها و إنغليزيها. لم يكن في البلاد (المنقَذَة) سوى صحيفتين، و كان هناك ملحق ثقافي واحد بإحداها يصدر كل جمعة، وكنت عطشا للأدب المحلي السوداني وقتها.

ثم تعرفت على طلبة الهندسة الشعراء و المتشعورين من الزملاء الأعزاء فأدركت ان درب الشعر شائك. ثم أنني سعيت في الأرض حتى تعرفتُ على قاطني مبنى (المطبخ)؛ وهو ذلك المبنى الذي كان مطبخا فعلا في المبنى الذي تشغله صحيفة الإنقاذ الوطني. كان قاطنوا (المطبخ) مشرفين على الملف الأدبي الوحيد في البلاد وقتها، أو لعله كان كذلك. كان العام هو 1993، وكنت وقتها طالبا غِرًّا و نهمًا للمعرفة و الأدب فقلت أخالط الكتاب فلعل أيأس من الكتابة أو أتورط. فتورطت. بعد عدة زيارات قالوا لي في (المطبخ) أن هناك فرصة للكتابة في الملف، فكتبت أول مقالة نشرت لي عنونتها: لا تبخسوا الكلمة حقها. كانت تلك ضربة البدلية: في مديح الكلمة. حين مسكت الصحيفة بين يدي و رأيت اسمي و كلماتي، عمت الفرحة دنياي،

و بعد أيام بدا لي أنني أستطيع أن أعيد الكَرّة، لكن هذه المرة كتبت في إحدى كراساتي الجامعية قصة قصيرة عنونتهابـ: ثائر. سرعان ما استثقلت نشرها بعد أيام، بعدها كتبت قصة أخرى عن القرية و المطر، ومن جديد لفظها مقص رقيبي الداخلي. في المرة الثالثة كتبت قصة برمت فيها أقلامي و سننت فيها شفرات أسلحتي الكتابية، ثم سميتها: الحصاد الكفيف. دفعتها للمطبخ، فأقروها و نشروها و هكذا ظهرت للوجود أول قصة منشورة لي في العام 1994.

  • حكاية كتابة أول رواية

إذن صرت كاتبا للقصة القصيرة. بعد الأولى نشرت لي قصتان قصيرتان أخريان. إذن انكسر جدار الخوف، وصارت التهيب أقل فأقل. تكاثرت القصص و موضوعاتها ووجدت نفسي في كتابة القصة القصيرة. تعددت المواضيع والأساليب و بدأت أنفاس السرد تطول، حتى أن أصحاب الملف الأدبي بدأوا يطالبون بالتقصير.

في تلك الفترة أتاني الإخوة الثلاثة. أتوني أطفالا صغارا يحملون حكايتهم الخاصة، و يريدون أن ينكتبوا. ظللت أماطلهم أيام بعد أيام، و قصتهم تتسبّك في رأسي. كأني كنت أعرفهم، و كأنهم كانوا حقيقيين. كانوا يريدون الحياة عبر الورق.

في مارس 1995 قمت من النوم ذات يوم، واقتنيت كراسة. كتبت على غلافها اسمي واسم الجامعة، وفي الصفحة الأولى كتبت: رواية، وفي السطر الذي يدنوها كتبت: السير إلى هناك، و في السطر التالي: طفولة، يفاعة، المسير. في الصفحة التالية كتبت إهداءً عاطفيا، وفي الصفحة التالية كتبت: الفصل الأول، و في الصفحة التالية كتبت (عتبتين) سرديتين عبارة عن مقولة لأمي واقتباس من كتاب. و هكذا بدأت أحكي قصة رواية الأولى.. قصة الإخوة الثلاثة.

أنهيتها جزلا وفخورا بإنجازي. عرضتها على صديقي الملتاث بالأدب الذي يسبقني بسنتين في الجامعة، و كان ممن يكتب مقالات أدبية، بل و ينشرها أيضا. الصديق أخذ مني الكراسة بالليل و كأنه أخذ طفلي وديعة عنده. في الصباح التالي عندما زرته، أعاد لي الوديعة متهللا ومبشرا، و في الصفحات الخالية الأخيرة في الكراسة كان قد كتب دراسة نقدية مفعمة حول الرواية.

لكم كانت الفرحة صادمة!

إذن فأنا أكتب رواية تُقرأ، بل حتى تُنقد! هكذا كانت حكاية روايتي الأولى. هكذا صرتُ روائيا بيني وبين نفسي وبين أصدقائي. هكذا ولدت روايتي الأولى (السير إلى هناك) ونمت وترعرعت وتحورت وتطورت حتى صارت رواية (عن أشياء) التي صدرت في 2019 -بعد ما يقارب 25 عاما من لحظة كتابتها- من دار الجيدة بالأردن. هكذا رأت النور و رأت النقاد يكتبون عنها و عن الإخوة الثلاثة وما صار لهم!

  • حكاية نشر الرواية الأولى

لم أستطع أن أنشر روايتي الأولى التي كتبتها بسبب صعوبة النشر في ذلك الوقت. لكنني كنت قد صرتُ روائيًّا بيني وبين نفسي وبين أصدقائي. احتفظت بالكراسة في دولابي، وطمأنت نفسي أن أوانها لما يأتي بعد.

بعدها بسنوات كتبت رواية الثانية: (الدخان) وأنا لا زلت أعافر الدراسة الجامعية وأتهندس. كتبتها في كراسة أخرى. كتبتها بنفس جديد و بطريقة جديدة كي أتحدى نفسي. تناولت الدراما و التشويق و الغموض، و طعمت السرد بالعتبات و الأشعار و الاقتباسات، و لعبت بالسرد كيف أشاء. قرأتها أنا و الزملاء والأصدقاء، وتحسرنا على عنقاء النشر والخل الوفي. تركت صديقا متفرغا ينسخها بقلمه على أوراق أخرى، و تركت آخر يساعد في رقنها على الحاسوب، و هكذا لحقت روايتي الثانية غزيرة الأوراق بأختها الأولى في الدولاب.

أيستطيع طالب جامعي مغمور أن ينشر روايتين في السودان في التسعينيات!

في نهاية التسعينيات، وبعد رحلة جامعية خارجية، وبعد قراءات مكثفة في الصحافة الاستقصائية و التاريخانية، وفي أثناء الجو القاتم العبثي الذي كان ينتشر في المنطقة أجمعها، أتتني فكرة روايتي الثالثة (غيابت الجب). عرفت وقتها أنني سأكتب رواية دستوبيا مهندسة على شكل نهرين متوازيين من السرد لا يلتقيان في الظاهر أبدا، لكنهما في الباطن لم يفترقا قط. عليه، درست و تقصّيت و بحثت و عملت على المصادر واستخدمت تقنيات المونتاج السنمائي، وكثفت الكلمات و العبارات و المشاهد حتى تخرج الرواية بتلك الصورة المدبّبة الواخزة -رواية تتحدث عن أمة مغيبة بأكملها في غيابة جب هائل!

كنت أظن أنها هي التي يجب أن تنال شرف النشر الأولي لجرائتها و لأن الجو عام كان مهيئا لمثل هذه الروايات، فقد كانت الدنيا في عالمنا العربي تقوم ولا تقع، وتقع و لا تقوم، وتنهك كل ذي لب يحاول أن يفهم تلك الدرجة المرعبة من العنف والاستبداد. إذن لا بد و أن تنشر بسهولة في أرقى دار نشر.

لكم كنت ساذجا حينها!

قضيت السنين خلف السنين أبحث عن ناشر لها، ولا من مجيب. كان كل ناشر يعيدها لي بعيون مفتوحة على اتساع، وبحواجب مرفوعة، أو كأنهم كانوا يفعلون. كدت أفقد الأمل، لكن الله يفعل ما يريد. في نهايات 2012 و في مصادفة حسنة حظيت بمقابلة شخصية مع الرجل الفريد المميز ناشر دار إنجاز الكويتية، و دار بيننا حديث عام عن الأحوال في العالم العامة، و أظن الرجل لاحظ أنني أشرت إلى روايتي (غيابة الجب) أكثر من مرة، فسألني عنها. حكيت له عنها فطلب أن يقرأها فبعثتها له في التو. ما أن استلمها في بريده الإلكتروني حتى التفت إلي و قال لي أنه سينشرها و على حسابه. هكذا و بضربة حظ، وفي شهور قليلة من ذلك اللقاء، تسلمت عبر البريد في يدي أول كتاب ينشر لي. في أغسطس 2013 كنت أنظر إلى الكتاب المطبوع في يدي و كأني أنظر إلى مولودي الأول. أظنني شرقت بالدمع. نعم؛ كانت قد مرت سنوات على مشروعي الكتابي قبل أن أنجح في النشر الورقي المطبوع.

الآن لم تخف صعوبة النشر، ولم أكف عن ملء دواليبي بالكراسات المليئة بالروايات والقصص والخواطر والكتابات. كنت أكتب وأحدث نفسي: هكذا يكتب الكاتب ولا يعلم متى و أين ستعيش كلماته.

إنه لغز الكتابة!

__________________________

كاتب وروائيّ ومترجم من السودان.