الرئيسية / الأزبكية.. والرواية التاريخية وليد علاء الدين
_73632_naceursld

الأزبكية.. والرواية التاريخية وليد علاء الدين

الروائي المصري ناصر عراق استطاع ان يدخل القارئ إلى عالم ‘الأزبكية’ برهافة دون ترهّل أو تعقيد.
طالما شغلني سؤال التاريخ في الرواية، ونفرتُ كثيرًا من مصطلح “رواية تاريخية” والنقاشات التي تدور بشأنه، بمجرد أن ينتهي أحد الراغبين في الانتصار للمصطلح من طرحه كلافتةٍ لتصنيف العمل الذي يتحدث عنه، ينبري لإيضاح أن الإبداع بالطبع ليس تأريخًا، وأن التاريخ مكانه الكتب المتخصصة وليس الروايات، وعلى القارئ أن يعرف ذلك، وإنما هذه الرواية انطلقت من حادثة تاريخية لتشكلَّ عالَمها الإبداعي المستقل الذي لا يجب أن نتعامل معه تعاملنا مع الأحداث والوقائع التاريخية.
– إذن ما الداعي لأن تصف الرواية بالتاريخية؟

– لأنها قامت على شخصية تاريخية حقيقية.

– إذن كل ما تضمنته حول هذه الشخصية حقائق أثبتها التاريخ بمناهجه؟

– لا، إنما الشخصية كانت موجودة.

– إذن أنت تلفق التاريخ وتزيفه، مهما قلت إنه إبداع؛ فمن يضمن لك أن أجياًلا من القرّاء لن يتبنوا حكايتك عن الشخصية التاريخية باعتبارها حكايتها التاريخية! أمر لا يمكن ضمانه، هل ستقوم بتوزيع إيضاح مع الرواية يقول إن الأحداث باللون الأحمر من خيال المؤلف أما الأحداث باللون الأخضر من كتب التاريخ؟

– إذن ماذا نسمي الرواية التاريخية؟

– في الواقع لا أعرف، ولكن دعني أسألك: إذا لم يكن هدفك تقديم التاريخ بصورة إبداعية راقية، فلماذا اخترت شخصية أو واقعة تاريخية لتبني عليها عالمك؟ إذا كان هدفك المناقشة وتقديم وجهة نظر فافعل ذلك من دون أن تضيف أو تنتقص من التاريخ بشكل يجعلك شريكًا في تزييفه.

– وكيف إذن أبني عالمًا يجذب القارئ؟

– إنها مشكلتك في الحقيقة، فأنت الروائي الذي ينبغي أن يمتلك الأدوات لفعل ذلك، وإذا لم تتمكن فأنت غير قادر، اترك التاريخ لغيرك وفكّر في طريقة أخرى لإبداع روايتك.

– هذا تضييق وحظر على الإبداع؟

– أراه حقي في حماية التاريخ؟

الحوار السابق، حوار افتراضي دار في ذهني، استخدمت خلاله أفكارًا تمّ تبادلها بالفعل ولكن مع عدة أشخاص من قبل.

وهو محاولة مني لتقديم رواية “الأزبكية” للروائي المصري ناصر عراق، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، لأنها حققت -في ظني- النموذج الأمثل للرواية التي يمكن أن نصفها بالرواية التاريخية، فمن خلال اهتمامي بالفترة نفسها التي اختار عراق أن “يستعرضها” بروايته، عرفت أن الرجل بذل جهدًا بحثيًا كبيرًا لتحرّي صحة المعلومات التي ترد في روايته، بداية من أسماء الشوارع وجغرافية المكان، مرورًا بالوقائع والأحداث التاريخية الحقيقية التي حدثت، وصولاً إلى شكل وعي الشارع وقتها، ومستويات الصراع الدائرة بين أشكال الوجود الرئيسية وقتها وهي السلطة الحاكمة والشارع المصري والحملة الفرنسية.

من هنا كان لناصر عراق مطلق الحرية في تشكيل عالم روايته ورسم ملامح شخصياته الأخرى الافتراضية التي تحمل الجانب الإبداعي من العمل، بحيث لا تؤثر في حقيقة التاريخ، كما وثقته المصادر أو على الأقل ما توفر له من مصادر.

وبات له أن يناقش وجهة نظره الخاصة كمبدع في الأمر من خلال تلك الشخصيات التي رسمها بمهارة واقتدار وخفة ونسج خيوط تواصلها مع الشخصيات التاريخية الحقيقية بما لا يؤثر في تاريخها.

فجاءت “الأزبكية” إضافة رائعة إلى عالم الإبداع الروائي برشاقتها وقدرتها على اقتناص القارئ وإدخاله إلى عالمها المرسوم برهافة من دون ترهّل أو تعقيد، كما جاءت إضافة إلى جهود تعريف القارئ بالتاريخ بأسلوب جديد وإشراكه في التفكير في التساؤلات الكبرى التي تطرحها تلك الفترة التاريخية المختارة بعناية، والتي يأتي في مقدمتها تساؤل: لماذا عندما أتيح للمصريين أن يختاروا حاكمًا اختاروا رجلًا غير مصري؟

عن صحيفة العرب