الرئيسية / بهاء طاهر: الكاتب لا يستطيع الانفصال عن السياسة نجوى درديري
بهاء طاهر

بهاء طاهر: الكاتب لا يستطيع الانفصال عن السياسة نجوى درديري

بهاء طاهر من الأدباء الملتزمين الذين لم يحيدوا عن خطهم السياسي أو الأخلاقي على مدار مسيرته، وقاوم ضغوطا ورفض إغراءات عدة، وكان انخراطه المباشر في المشهد السياسي المصري إبّان حكم الإخوان لافتا، لأن هدوءه المعتاد لم يكن مناسبا لحالة الصخب التي تبدو عليها التظاهرات السياسية، ولا يتسق مع عزوفه المستمر عن الإعلام والأضواء.

رغم المعاناة التي جسدها في روايته “الحب في المنفى”، شدد بهاء طاهر على أن “الكاتب الحقيقي لا يستطيع أن يفصل كتاباته عن الحالة السياسية للبلد الذي يعيش فيه، فكل مضامين العمل الأدبي تتأثر بالسياسة، مثل الحالة الاقتصادية والفقر والغنى وتأثيرها على أحوال المجتمع ومنظومته الأخلاقية وتفاعلاته الاجتماعية والثقافية وغيرها، لذلك لا يمكن لكاتب أن ينتج إبداعا بعيدا عن السياسة، لأنه ببساطة دفتر أحوال المجتمع الذي يعيش فيه”.
علاقته الحميمة بالسياسة اقتصرت على الرأي بعدما أصر على أن ينأى بنفسه عن قبول منصب وزير الثقافة، حيث عُرض عليه مرارًا عقب ثورة الـ25 من يناير 2011. ويقول عن ذلك “لا أرى نفسي في أيّ منصب رسمي، فلا أود الانخراط في العمل السياسي، كما أن حالتي الصحية لا تتحمل مشقة المنصب، وأرى أن الأحق بهذه المناصب هم الشباب”.

مواقف طاهر السياسية يمكن أن تدخل ضمن مصطلح المواقف المبدئية، لذلك حرص على المشاركة في كثير من التظاهرات الثقافية المعارضة أيام حكم الإخوان، وتقدم صفوف المثقفين المعتصمين أمام مقر وزارة الثقافة المصرية رغم توعك صحته، مناديًا بإسقاط الوزير الإخوانى علاء عبدالعزيز، مبديا اعتراضه الشديد على ما آلت إليه أحوال الثقافة من تردّ واضح في كافة مناحيها في ذلك الوقت.

يفسر طاهر معارضته الصريحة والعنيفة لحكم الإخوان على غير عادته بقوله “العام الذي حكمت فيه جماعة الإخوان كان عامًا أسود، وخروجهم من الحكم كان مسألة حتمية، وإلا أصبحت مصر مثل بعض الدول المجاورة، وواجهنا التشرد والتشرذم”.

لكن الحياة الثقافية في مصر لم يكتب لها النهوض رغم الإطاحة بحكم الإخوان، والتغيرات السياسية التي حدثت نتيجة ثورتين متتاليتين خلال عامين.
من هنا قال طاهر لـ”العرب” إن الثقافة في مصر لازالت على منحدر التدهور، وتحتاج إلى جهد كبير حتى تنتعش من جديد، وأن الحل في الأساس ينبع من النهوض بالتعليم من كبوته حتى يتسنى للأجيال الشابة أن تنعم بحياة ثقافية رائجة.

قصور الثقافة

يرى الأديب المصري أن حلمي النمنم وزير الثقافة المصري الحالي يجتهد، لكن ينقصه أن يهتم بالمؤسسات الثقافية لإنعاش دور الثقافة في المجتمع، ونشرها في القرى والأقاليم باعتبارها السلاح الأهم لمواجهة الإرهاب والتطرف.

من المؤسسات الثقافية التي يتمنى طاهر تنشيط دورها قصور الثقافة التي غابت عن المشهد الثقافي تمامًا، وتخلّت عن شباب الأقاليم في ذروة احتياجهم لها وما تقدمه. وأضاف أن تلك المنابر الثقافية كان لها دور تنويري اختفى بمرور الوقت، ولا يعرف السبب وراء اختفائه، مثلما لا يدري لماذا لا تلتفت إليها الدولة وتدعمها، حتى أنه تكفّل بإقامة قصر ثقافة في مسقط رأسه بمحافظة الأقصر، وسلمه للمحافظة للقيام بأنشطته، لكنه لا يقدم أيّ أنشطة تثقيفية لشباب المحافظة.

فكرة تكفّله بإقامة قصر ثقافي خاص فتحت الباب لتساؤل عن انتشار هذه المراكز في السنوات الأخيرة، وهل تدعم دور الدولة الثقافي أم تزيحه من المشهد نهائيا، وهو ما أجاب عنه طاهر بقوله “أصحاب هذه المراكز يقومون بعمل تثقيفي رائع للشباب، سواء من خلال فرز المواهب وتشجيعها، أو إشباع الجمهور المتعطش للفن والثقافة، كما يساهمون في خلق أجيال شابة مثقفة، وبالتأكيد ما يقومون به يدعم دور الدولة ويعززه، لكن عليها في المقابل أن تشجعهم وتساندهم”.

غياب مراكز التنوير الثقافية وابتعاد الدولة عن دورها الحيوي في تطوير التعليم أولا والاهتمام بالثقافة ثانيا، هما المتهم الأول في رأي بهاء طاهر العاشق للقراءة في ابتعاد الشباب عن القراءة والمعرفة، فالمناهج الدراسية في مصر للأسف قائمة على التلقين والحفظ فقط، ولا تشجّع على القراءة.

ونوّه إلى أنه شخصيا حصل على الابتدائية في وقت كان فيه الأديب طه حسين هو وزير المعارف (التربية والتعليم حاليًا)، وكان حريصا على وضع مادة دراسية لترغيب التلاميذ في القراءة الحرة بهدف التثقيف وليس بهدف المذاكرة فقط.

معرض القاهرة

بهاء طاهر، اعتبر معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي اختتم فعاليات دورته الـ47، فعل ثقافي جيد، لكنه بالتأكيد غير كاف لضخ الدماء في شرايين الحياة الثقافية.

وأضاف أنه من غير المعقول التعويل على حدث يقام مرة واحدة في العام وفي محافظة واحدة من 27 محافظة مصرية لتنشيط الحياة الثقافية، وتعزيز أواصر علاقتها مع الناس. علما أن المعرض عُرس ثقافي يسهّل على جميع فئات المجتمع شراء الكُتب بأسعار زهيدة قد يصعب عليهم شراؤها خلال العام، لكنه بحاجة لمزيد من الدعم، مطالبًا وزارة الثقافة المصرية بإقامة أكثر من معرض يغطي أغلب شهور العام تستقطب من خلالها دولا منافسة وجمهورا متعدد الجنسيات.

وأوضح أنه يؤمن بالمقولة الشهيرة “قل كلمتك وامض” حيث يفكر ويناقش ويطرح رؤى بعيدا عن التورط في تولّي أيّ منصب رسمي، سواء في الماضي أو حتى الآن، خصوصا أن حالته الصحية تقف عائقا دون تفاعله مع العالم بالشكل الواجب، بما في ذلك المشاركة في أنشطة معرض الكتاب، مخلفا بذلك وعدا كان يحرص عليه سنويا.

مر الكاتب خلال أعوام عمره الـ81 بعهود وعقود، عايش خلالها مراحل عدة للحياة السياسية والثقافية لمصر، وعاش ثورات وأحداث كبرى وكانت له علاقات مد وجزر متعددة مع أنظمة سياسية مختلفة، لكنه وسط كل هذا ورغم طبيعته التي تميل إلى الهدوء، أصر على ألا يعزل نفسه ككاتب عن السياسة.

قاسى طاهر مرارة المنع من الكتابة عام 1975 بسبب آرائه السياسية المعارضة خلال حكم الرئيس الراحل أنور السادات، ما اضطره للهجرة من مصر متنقلا بين عدة دول في قارتي أفريقيا وآسيا، قبل أن يستقر في جنيف ليعمل مترجمًا بالمقر الأوروبي للأمم المتحدة، حتى عاد لمصر بعد ذلك بأربعة عشر عاما وتحديدا في منتصف التسعينات.

الشباب والأدب

قال الأديب المصري”الشباب الآن يطالع الإنترنت بشكل ضار وغير مفيد، وهذا أمر مقلق للغاية، نتائجه السريعة أن جيل الشباب الحالي يعيبه التسرع وعدم الدقة في الحكم على الأمور، فضلا عن الاستعجال، بينما كنا في زمن الكتاب المطبوع نتعلم المثابرة والصبر من الكتاب الذي نقلّب صفحاته في تأنّ شديد، ونطالعه أكثر من مرة لنتزود بمتعة الدهشة التي لا مكان لها على النت”.

واحد من أكثر الاتهامات رواجا للمبدعين الشباب سطحية أعمالهم الروائية وافتقاد الإبداع، وهي مسألة لا يؤمن بهاء طاهر بأنها تصل إلى حد الكارثة “لا أرى عيبًا في أن يكتب الشباب موضوعات سطحية، الحل أن ندعهم يتعلمون ويكتبون ويخطئون، فالتجربة خير رفيق، والموهبة الجيدة ستبقى وتنتج أعمالا جيدة بمرور الوقت”.

وأكد أنه يسعد لغزارة إنتاج الشباب لكتب وروايات ودواوين شعر فهذا أمر حميد، ويستحق منّا أن نقف بجانبه ونسانده، خصوصًا أدباء الأقاليم البعيدة عن القاهرة الذين لا تهتم بهم وسائل الإعلام، رغم تميز الكثير منهم.

أكثر ما يقلق الأدباء دائمًا تحويل أعمالهم الأدبية إلى أفلام ومسلسلات، حيث تتباين رؤية السيناريست مع رؤاهم ليظهر في النهاية الفيلم أو المسلسل وكأن لا علاقة له بالرواية الأصلية.

هذا القلق لا يتشارك فيه الأديب بهاء طاهر مع كثير من المبدعين، ربما لأن روايته الأولى “خالتي صفية والدير” التي تحوّلت إلى مسلسل حافظت على نفس الخطوط العامة التي رسمها لشخوص الرواية، سواء في البناء النفسي أو الإبداعي، وربما ذلك سبب اطمئنانه لخطوات تحويل روايته “واحة الغروب” إلى مسلسل جديد، مع السيناريست الشابة مريم نعوم.

طاهر أكد لـ”العرب” أنه واثق أن نعوم لن تغّير في مضمون النص بما يخل بالعمل الأصلي، لذلك لم يشترط عند الاتفاق على بيع حقوق الرواية أن يرجعوا إليه عند الإضافة أو الحذف من العمل.

كاتبة من مصر

نجوى درديري

عن صحيفة العرب