الرئيسية / تنروفت.. لعبد القادر ضيف الله محمد حسن مرين
12650663_951463558263104_2062234690_n

تنروفت.. لعبد القادر ضيف الله محمد حسن مرين

في باكورة أعماله الروائية بعد مجموعتين قصصيتين، «تنزروفت..بحثا عن الظل»، الصادرة في أواخر 2015، غن دار القدس، يرحل عبد القادر ضيف الله إلى الفضاء الصحراوي، من خلال، تنزروفت و أدرار، وغيرهما من مدن الصحراء الجزائريّة، ليسرد حكاية الشاب القادم من مدينة داخلية بالهضاب، والذي يحمل اسم أحد أعلامها المتصوّفة «بوتخيل» محمّلا بذكريات الطفولة الأليمة، بفقدان الأب، وظروف الحياة القاسيّة، يتيما يرحل إلى الصحراء حيث المجهول والتيه « ورماني إلى محيط تنزروفت أرض الوأد والعطش» [الرواية ص7] ليزداد تيها وضياعا، بين ذكريات مدينته التي تُحيلنا إلى منظور جيل يرى أنه يستحق حياة أفضل من ظروفه الواقعيّة، خصوصا في ظروف التسعينيات، ليتيه من جديد مع مدينة صحراوية أكثر قسوة في الحياة، لتتشابك الأمكنة كأنها فضاء واحد، كما تتشابك الأزمنة، وتتقاطع الأصوات، فتشكل بؤر سردية متداخلة، بين شخصيات الماضي، وشخصيات الواقع بين غرفة الشباب، وأصدقاء العمل، وحياة المدينة، وجلسات مقهى الريح، يتشعب المنظور إلى مواضيع مختلفة، ويتناوب السرد بين المدينتين في تداخل بين الأمكنة والأحداث والشخصيات.
فترك في مدينته الأولى حاكمها الانتهازي «بوحدبة» ليجد «الضابط بحري» الذي يسلبه حبّه، ترك مرارة الطفولة ليجد خيبات الشباب، كان مع مجموعة من الشباب القادم من الشمال، للقمة العيش في صحراء شاسعة وقاسيّة، « أدرار نهاية الجري، ونهاية الدنيا، ومنتهى ملذات الحياة كما قال النوار» [الرواية ص39]، تبقى الأحلام وحدها وتنتهي بالخيبات، خيبة الحب لآسيا « هل كنت تسخرين من إيماني بطهارتك أم كنت تسخرين من سذاجة عشقي، الذي جعلني اصرخ في خلاء تنزروفت» [الرواية ص11]. وخيبة تفرق الأصدقاء بسبب الخيبة والعودة إلى مدنهم، أو بسبب غرق أحدهم في قارب هجرة، كأنه إدانة مع كل ذلك الواقع للهروب نحو هجرة فوضوية، تحرق وتخرق الحدود، لتنتهي الرواية إلى خيبة مكانية، « رحلت كل الأشياء التي طالما تصالحت معها في هذه المدينة التي فقدت رملها وهويتها الصحراوية لتصير كأي مدينة» [الرواية ص397] فتصور «بوتخيل» وحيدا في فضائه، بعد أن فقد كل أحلامه وأصدقائه « أشعر بنفاد صبري بين جدران هذه الصحراء الشاسعة في كل شيء إلا في منحنا الحياة» [الرواية ص] ليتحول الفضاء الصحراوي إلى مكوّن سردي، يتجاوز حيّزه الجغرافي، « وهكذا تغدو إستراتيجية الفضاء إستراتيجية تأويليّة في جوهرها، حتى ولو كانت في الأساس تكوينية ملتحمة ببناء النص» [حسين نجمي].
إن الكتابة التي هي أحد أدوات التعبير هي وحدها سلاح بوتخيل بعد تتابع خيباته، لتبقى الكتابة هي صوت الواقع لشباب لا يعرف الطريق إلى أحلامه، عوّل عليها في البداية وفي النهاية «أليست الكتابة كفارة ذنب كبير نُطعم بها نار ضمائرنا المتوجعة أو ضريبة ندفعها حتى لا نجن بهذه المدن» [الرواية ص11]. رواية تنزروفت بكل عشوائيتها صرخة غضب لواقع عشوائي تشبهه، في تداخل لمكوّناتها السردية من أجل « تقريب بين الأزمنة المعاشة والمتخيّلة والكامنة في الذاكرة والمحتملة أيضا» [سعيد يقطين] وهذا أحد أدوات السرد.