ديسمبر 14, 2018
  • ديسمبر 14, 2018
نوفمبر 29, 2018

وَقَائِعُ السَّرْد في رِوَايَة نَفَقُ الذُّل ناصر السيد النور *

By 0 205 Views

الكاتبة سميرة المسالمة رئيسة التحرير السابقة لصحيفة تشرين السورية، والمقيمة حالياً بالنمسا تخطو بدايتها السَّردية في روايتها الأولى (نفق الذُّل) صادرة عن منشورات ضفاف 2014م. وبما الرواية تُعّد العمل الروائي الأول للكاتبة الصحافية الذي يأخذ بالتجربة المحيطة بها تنبثق من واقع سياسي متفجر حاولت رصده سردياً بما يحقَّقُ شروط كتابة سردية تستجيب للقلق الإنساني المبدع ويوثِّق على نحوٍ ما لمرحلة لها تداعيات إنسانية بالغة التأثير على أكثر من مستوى إنساني وتأريخي. ولعل في اختيار العنوان وما له من دلالة موحية أفضت إلى جانب ذلك في تشكيل رؤية سردية واصفة لثيمة ستتابع عبر الرواية ذات الخمس وعشرين مقطعا يندرج ضمن عنوان مرتب حسب كل مرحلة يبلغها السرد. وبما أن الرواية تنفتح على وصف العلاقة رصداً بين عماد ومنى يمثل كلٌ منهما طبقة مختلفة من حيث النفوذ والتكوين والأحلام ولكن تجمعهما العلاقة الإنسانية في الحبُّ الذِّي يتنازعهما في خضم التناقضات بين الطبقتين. ولم تكن الرواية لتبعد عن التناول القريب من التجربة الحياتية للروائية وبالتالي عند ترجمتها سردياً تنتقل معها في مزيج من المفارقة والرصد والإسقاطات لتكوّن نصاً سردياً في سياق ما علق بتعريف الخطاب الروائي كنصٍ ينفتح على كل الفنون والعلوم بحسب منظر الرواية الأبرز مخائيل باختين.

ما بين مقطع كشكول الأحلام في مفتتح الرواية إلى نهاية الرواية في مقطع مفارق في دلالته كـ (نفق آخر) تمدَّد السَّرد في رواية ( نفقُ الذل) متوغلاً بزمن بطيء ناقلاً تفاصيل مباشرة تمكنت الرواية من التعبير بأقصى فعل سردي ممكن لاستنطاق الشخوص الروائية والأحداث التي لازمتها في تفاعلها مع الواقع والطموح والآلام والخلاص. وبما أنها الرواية الأولى للروائية، فقد استمدت الرواية بنيتها السردية وتشكيلها التقني من تجربة في الكتابة جعلت من النص الروائي يتصل في اضطراد بالثيمة المركزية للرواية في نقدها للخطاب السياسي من خلال (مراكز قوى) النظام؛ والفساد والتهتك الأخلاقي للمتنفذين فيه. ومع أن الرواية جَهِدت في تقصي ممارسات الأنظمة السياسية وتحولاتها إلا أنها تداخلت ما بين ما هو إنساني ممثلاً في رغائب الشخصيات الروائية وصراعها النفسي في عبورها لـ (نفق الذل) الذي صممته الروائية كمبنى يحمل دلالات النص الروائي من البداية إلى النهاية العمل. فالعنوان يشترط انعكاسه داخل النصّ بحيث ليصبح محتوى دلالات العنوان هو النص عينه مقروءا ومُفسراً معه. وبوجه من القول، فإن الاختيار القصدي عزَّز من فرضية القراءة الواعيِّة في المعالجة الموضوعية لثيمة السرد المركزية. فإذا كان العنوان أو عتبة النصًّ في البعد النقدي يحُلِّل الدلالات والمواقف التي أراد الراوي اختزالها في العنوان كاستهلال يؤشر إلى فحوى النص. وبالتالي يَضعنا عنوان الرِّواية أمام صورة بصرية مستدعاة من واقع أُسقط عليه تخييل ليصبح الثابت في تداعيات السرد.

والمسافة الفاصلة إن لم تكن الفجوة بين حقائق (الواقع) والتخييل (السرد) تٌبنى عليها من خلال- التجسير – السردي القيمة الفنية للعمل السردي؛ فالرواية حددت وصفاً بما يمكن وصفه بالتوازي بين واقع حياة عماد ومنى. تلك الرّمزية المباشرة بين واقعين مختلفين غلب عليها الشرح التفصيلي بصورة جعلت بناء الشخصية الروائية تستقل في وجودها وحركتها في سياق النص. فالرواية قد أخذت بالتصورات السردية ولكنها في حدود المتوقع دائماً، فلا يأخذ الافتراض المتُخيل بعداً مفترضاً يُكوِّن نصاَ مفتوحاً يأخذ بالمكان والزمان ومع ذلك لا يحيلها إلى تقرير يكتفي بنقل شهادات متخيلة Imagined Statements تقتصر على الإدراك المُنتزع من ملاحظات عابرة. فقد استخدمت الصور السردية المتعددة في التنقل وصفاً وتشكيلاً، وبالتالي تمخض النص السردي كاشفاً عن تجلياتها على وقع الأحداث المتصاعدة في توافق مع التصور السردي. وارتكزت الرواية في نقدها لدوائر القرار السياسي في ممارسة الجنس والسيطرة على الجسد بدرجة أغرقت الرواية في سرد تفاصليها إمعاناً في تجسيد الوقائع وتثبيتها سردياً. ويصبح الجنس هنها ليس مرادفاً للخطيئة وحسب وإنما تَّم تصويره بشكل يجسد بشاعة الاستغلال الجنسي في طور انساني منحط، وفعلاً يجب إدانته والاقتصاص من مرتكبه ومصدر سلطته التي تبرِّر أفعاله. فحدّة هذا الفعل العنيف تتجلى في استخدام الجسد في التعذيب والجنس، فكأنّما أراد الراوي أن يتعمق في الكشف عن البعد النفسي الشخصيات التي لا بُدّ أن تتساكن مع قوة عصيبة بطاقة هائلة تعمل مجتمعة بتناغم فيزيولوجي في اقتحام الجسد جنساً وتعذيبا. فالجسد هنا يكاد يفارق أوصافه البلاغية والتصويرية وموقعه السيميائي والرمزي والدّال على هيأة تتصل في تفاعلها مع العالم الخارجي لتنتهي إلى عبء رُزئ به حامله ضحية الجنس والتعذيب. وفي أتون محرقة التعذيب والتلذَّذ يفقد الجسد أي معنى تعبيري كلغة الجسدBody Language لينتهي إلى قطعة مستهلكة بالشذوذ والانحراف.

إِن حضور المكان بين عناصر فضاء السرد وفضاءه الدلالي في الرواية يشكل حضوراً منفياً ولا يُعثر عليه كحالة تؤثر في سياق السرد غير مستقرة في تتابعه وتحولاته السردية، فعلى الرغم من تعدد واختلاف أسماء الدول والمدن والشوارع والمكاتب والأقبية ما يشير إلى أعلام ومسميات بعينها؛ إلا أنه لا يفرض سيطرة محسوسة على أحداث الرواية ويختفي أثره في سير الأحداث الروائية ولا يرتبط بالشخوص الروائية المتتابعة في سياق الأحداث، وتظل العناصر المتصارعة في منظومة السّرد كما في الراوي وشخصيات الرواية الأخرى دون أن تحكمها حدود المكان. وربما لأن الأحداث الرواية جرت في سوريا وما يدور فيها من أحداث تعدى صخبها التوقف حولها. وبأي مقاربة نقدية تتفاوت العناصر السردية في هيمنتها أو توافقها بين نصٍ وآخر فثمة توافق آخر مستبطنا في البنية السردية تعرِّفه بعض الاتجاهات النقدية بالتوافق الحكائي.

لا تكاد الشخصية الروائية تأخذ حيزها السردي بوصفها عنصراً يتأثر بمجمل العملية السردية فقد غطى عليها النقد للخطاب السياسي المباشر الصريح، خاصة في علاقتها مع اللغة الموظفة في البنية السردية، فكما يرى الناقد صلاح فضل فإن : تفسير هذه العناصر بتحديد جذورها الشخصية والموضوعية؛ أي تقويم الوسائل الأسلوبية باستحضار جذورها الذاتية في شخصية الكاتب من ناحية والشبكة الدلالية الموظفة لها من ناحية أخرى. ومن هنا فإن هذا التقدير الشامل لا يمكن القيام به إلا في مرحلة أدبية معينة أو في نطاق جنس أدبي خاص، محوط بوجهة موضوعية “أيدولوجية” تضفي على هذه المكونات الجمالية طابعها المتماسك. وهذا ما يماثل التتبع الذي حرك الشخوص الروائية في تفسيرها لمواقفها. فجاء على لسان الراوي ” ذهبت إلى ذاكرتي الدرسيّة في النصّ الأدبيّ للقارئ أن يكون هو المعنى المضاف للنصّ، ولكن ما علاقة جهة أمنية بالنصوص الأدبية وتنوّع معانيها، مع تنوع الزمان والمكان والقاموس اللغويّ للمتلقّي”. يشير هذا القول ضمن ما يشير إليه تناصياً إلى ما يفصل بين التطابق بين مسار السيرة الذاتية، وعناصر النص السردي المُدمجة ضمن سياق زمني يتحدَّد من عدة طبقات سردية.

وفي محاولتها لرصد مشروع سياسي تداخلت أو تناصت بالتوافق النقدي للمفهوم التناص في الرواية مع مفاهيم وتصورات أوردتها مجملة كالاشتراكية واحلام مشروع القومية العربية وتغول سياسات الانفتاح وشعارات مرددة. ولكن دائماً ما يرافق ذلك العودة إلى وصف حفلات المجنون وتهتك قيادات وزعامات النظم العربية؛ إلا أن ما ارتسم سردياً من استقصاء للمأساة الإنسانية في نقل بشاعة اقبية الأمن والممارسات الأمنية الفجة ومشاهد انتزاع الاعترافات وشخصيات تستلذ بألم الآخرين (سادية) فقزت من واقعها المدقع فقراً إلى السلطة وموبقاتها بتعبير الراوي منح بعداً متماسكاً للتدفق السردي. وبعض من هذه المعالجات قد لا تقع ضمن واقعية تبررها أحداث الواقع ولكن ربما تصوير على نحو معمق في دلالاته تأخذ به اطارها الفني في حدود ما يتسع من أفق يسعى السرد الى الوصول إليه.

وكما وردت الإشارة فإن التداخل بين التجربة الشخصية للروائية وتصاعد الأحداث السردية فقد استطاعت الرواية من خلال التجربة الذَّاتية أن تتمثل شخصية الصحافية سلام في تداخل بيِن مع تجربة الراوي وبالتالي يتضَّحُ سياق السيرة الذاتية Autobiography في سياق السرد وهو ما تمثله الدائرة السردية في مقطع (مؤامرة كونية). ثمة ما يوحي المستمر في النص الروائي يرتب الأحداث وفق سياق تحكمه رؤية الروائي على ما يكون عليها العمل المتُخيل والمصاغ بأدوات سردية تلزم الروائي عادة التقيد بنهجها، الأمر الذي تشكله الخبرة الذاتية والمعرفة بالمفاهيم التي تقف من وراء هذه الأدوات. ولكن استخدام ذاكرة الكاتبة الشخصية لا يمكن نقلها سردياً دون رؤية سردية تعيد انتاجها.

وتأخذنا الرواية بأحداثها وشخوصها المتوترة إلى مساءلة السلطة دون تحيّز أيديولوجي وإن يكن من العسير على الروائي نزع ما تراكم على تجربته الإنسانية وما شكَّل مواقفه في محيطه الوجودي. ومن ثَّم يبقى الاستحضار لأحداث بعينها كثورات الربيع العربي يتصل بسياق السرد دون أن يكون موقفاً ايدولوجيا ولو أوحى باتجاه ما؛ فالتفريق بين الرؤية الإيدولوجية والبنية السردية بتعبير منظر النظرية الأدبية تيري ايجلتون: فإذا لم تكن البنية النصية (السردية) تعيد إنتاج البنية الايدولوجية، فمن الضروري بمكان من ناحية أخرى تجنب الوقوع في تجريبية جديدة للموضوع الأدبي. إن المشهد التراجيدي الذي انتهت إليه حياة شخصية عماد ( اللواء عماد) إلى جلاد في السلطة مبرراً بقوله لمنى : ” أنت ابنة سيد السلطة وانا عبد فيها” وقتله لابنه غيث دون أن يدرك ذلك إلا باعتراف منى؛ ومن هنا قادت الرواية الأحداث عبر (نفق) مفتوحٍ يقود إلى نفق آخر.

_______________________
* كاتب وناقد من السودان.

الرواية نت