أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
كتب إرنست همنغواي نهاية روايته “وداعاً للسلاح” العشرات من المرّات قبل أن يستقرّ على النهاية التي اختارها واستقرّ عليها، وهذا يدلّ، في جانب منه، على القلق الذي كان يسكنه ويصاحبه ويدفعه للبحث عن الأفضل والأنسب، ولم يكن ليقتنع بسهولة أو يقنع نفسه أنّ عليه التخلّص من روايته وإيجاد تخريجة فنّيّة لها كنهاية متوقعة، أو غير متوقّعة، ودفعها للنشر بحثاً لأنّه ملّ من مراجعتها، أو لم يعد لديه الجلد والصبر لإعادة التدقيق فيها والتركيز عليها.. تراه كان يسكن عوالم روايته وهو مسكون بها.. أي يعيشها بكلّ تفاصيل حياته، وقلقه، وإحساسه بالمسؤولية العظمى تجاه كلمته المكتوبة، وكلّ ما في الرواية من تفاصيل وأحداث.
 
تذكّرت همنغواي وقلقه وحرصه على اختيار نهاية لروايته الشهيرة، أثناء قراءتي لعشرات المخطوطات الروائية التي تقدّم بها أصحابها من أجل المنافسة على جائزة الشيخ حمد بن راشد الشرقي في دورتها الأولى، لأنّني كنت من ضمن لجنة تحكيم الجائزة فرع الرواية للكبار. – الكبار هنا دلالة على العمر وليس للتقييم، لأنّه كانت هناك فئة للشباب ممّن تقل أعمارهم عن 40 سنة-.
 
شعرتُ وأنا أقرأ عدداً من المخطوطات أنّ أصحابها لم يكلّفوا أنفسهم عناء مراجعتها أو تدقيقها لغوياً، لأنّ الأخطاء الإملائية والنحوية التي كانت واردة فيها مشينة لدرجة كبيرة، ناهيك عن أخطاء الصياغات، والاستعجال البادي على النفَس الكتابي، بحيث تشعر بلهاث صاحب العمل وهو يجاهد لإنهاء عمله، بعيداً عن القلق الذي يضفي على المبدع المزيد من المسؤولية، ويجعله دائم الشكّ بعمله قبل أن يوقّع عليه ويضع نقطة النهاية ويدفعه للناشر.
 
كنت أقرأ المخطوطات ولا أعرف أسماء أصحابها، لأنّ قانون المسابقة أن ترسل المخطوطات من دون أسماء أصحابها للمحكّمين، وكنت أتعاطى مع النصّ من دون أيّ خلفية عن اسم صاحبه، أو أي تعريف مسبق به، ولأنّ الفئة كانت فئة الكبار، فكنت أفترض أن تكون الأعمال ناضجة ودقيقة ومحبوكة، لكن للأسف قسم منها كان يعجّ بالأخطاء اللغوية والصياغية، ويبدو وكأنّ صاحبه لم يراجعه، أو كأنّه أخطأ وأرسل المسوّدة غير المدقّقة.
 
يصاب المرء بالخيبة جرّاء الاستخفاف الذي يتعامل به بعض الروائيّين مع أعمالهم، تراهم يسلقونها على عجل من أجل ألّا يفوتهم موعد الاشتراك في مسابقة أو التقديم عليها، فيرسلونها من دون مراجعة أو تدقيق أو حرص، وبثقة زائدة ويقين شبه مطلق يسكن دواخلهم، أنّهم أحقّ بالجائزة من غيرهم، وأنّ عملهم يستحقّ أن يتوّج بالمرتبة الأولى.
 
كثير من الأدباء يقعون في أخطاء إملائية أو نحوية أثناء كتابة مخطوطات أعمالهم بمسوّدتها الأولى، ثم تراهم حين يراجعونها يصادفون أخطاءهم ويقومون بتلافيها قدر الإمكان، ومَن ثمّ يدفعونها لمدقق أو أصدقاء يكونون مصدر ثقته، لقراءتها وإبداء الرأي بها، ومن ثم يعيد العمل عليها وقراءتها من جديد، فيستدرك ما فاته، ومن ثمّ يتردد قبل إرسالها للناشر، فيعيد قراءتها أكثر من مرة، ويقف على ما يلتقط من أخطاء أو صياغات قد يجدها غير محبوكة كما يريد، وبعد أن يرسلها للناشر يكون مسكوناً بقلق المسؤول ولا يستخفّ بكلمته، ولا يسارع إلى حرق المراحل وصولاً للنشر، لأنّه يدرك بأنّ الكتابة مسؤولية تاريخية ينبغي عدم الاستخفاف بها، والتعامل معها بتبسيط أو لا مبالاة.
 
عدت بعد الانتهاء من قراءة تلك المخطوطات للتفكير بقلقِ همنغواي المبدعِ، وفي الوقت نفسه استخفاف روائيّين عرب معاصرين بالرواية وتعاطيهم معها من منطلق المناسبة التي تنتهي بانتهاء زمنها وتوقيتها.
 
يقيناً أنّ الجوائز المخصّصة للإبداع، سواء كانت رواية أو قصة أو شعر أو أي مجال إبداعي آخر، تسعى للارتقاء بها، وتكريم أصحابها، ودعم المميّز منها وتصديره، لكن بعض المتهافتين يفقد نفسه توازنه واتّزانه ويستخفّ بالكلمة والأدب، وهو يرنو متعامياً لبريق الجائزة مسيّلاً لعابه، على ما يمكن أن يحصله من نقود وشهرة لاحقتين مفترضتين، بعد فوزه المأمول بها.. وفي هذه الحالة يمكن القول وداعاً للرواية.
عن صحيفة العرب اللندنية
https://alarab.co.uk/%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9