نوفمبر 17, 2018
  • نوفمبر 17, 2018
يوليو 7, 2018

هوس الجملة الأولى.. جسر الرواية محمد حجيري

By 0 91 Views

كُتب الكثير عن “لغز الجملة الأولى” في الروايات، والهوس بها والقلق منها، إذ لكل جملة حكايتها التي توازي حكاية الرواية أحياناً، وتتعدد التفسيرات لهذه الظاهرة، خصوصاً أن بعض الجُمل صارت مثل أقوال مأثورة أو قاعدة للحديث عن الروايات، فأي سرّ في ذلك؟ أي سحر للجملة الأولى؟ هل هي حقاً مفتاح الرواية والعلامة لمسار السرد؟ ربما التجارب والتعليقات تبيّن جانباً من “اللغز”.

يقول الفيلسوف باسكال: “إن آخر شيء تجده عندما تؤلف كتاباً هو أن تعرف الشيء الذي يجب وضعه في البداية”، وكتب الأديب الروسي ايفان بونين: “الرواية الجيدة تبدأ بجملة حقيقية. حقاً ان الجملة الأولى لها الدور الحسم، فهي التي تحدّد في المقام الأول حجم العمل وصوته ككل. وإذا لم تنجح في العثور على الصوت الصحيح، فلا مفر من تأجيل الكتابة أو التخلص مما كتبت ورميه في سلة المهملات”.

لكن كيف نكتب الجملة الأولى، بأي طريقة وبأي توجه؟

يقول الروائي التركي أورهان باموك “أصعب شيء دائما هو الجملة الأولى ـ هي المؤلمة”، وهو يكتب بالقلم، في كراسات رسم، يكتب في صفحة، ويترك الصفحة المقابلة لها فارغة للتعديلات، ويدرج ما يشبه البالونات الحوارية المعهودة في القصص المصورة. ثم يرسل كراساته إلى طبّاع يعيدها إليه مخطوطات مطبوعة، فيدخل عليها تعديلاته، ثم يعيدها إلى الطبّاع، وتتكرر هذه العملية ثلاث مرات أو أربع.

وتأخذ الجملة الأولى في الكتاب، الكثير من وقت غارسيا ماركيز، “لأنَّ الجملة الأولى يمكن أن تكون المختبر الذي يتبلور فيه الأسلوب والبناء وطول الكتاب أيضاً”. وفي العام 2003 نشر ماركيز المجلد الأول من مذكراته “عشت لأروي”، ويصف الليلة التّي جاء فيها زميله في السكن بثلاثة كتب كان قد اشتراها للتوّ: “لقد أعارني أحدهم هذا الكتاب عشوائياً لمساعدتي على النّوم كما أفعل في العادة، لكن هذه المرة، حدث العكس. لم أنم بعدها مطلقاً بسكينتي السابقة. لقد كان كتاب “المسخ”(التحول) لفرانز كافكا، وكان بمثابة اتجاه جديد لحياتي من سطره الأول، القائل “استيقظ غريغور سامسا من أحلامه المزعجة، صباح يوم ما، ليجد نفسه في سريره متحولاً إلى حشرة عملاقة”، وبلا شك يعد هذا السّطر اليوم من أهم ما ورد في الأدب العالمي”. ويضيف: “عندما أنهيت قراءة “المسخ”، شعرت بشوقٍ لا يقاوم للعيش في ذلك الفردوس الغريب. يومها تناولت الآلة الكاتبة المحمولة، محاولاً كتابة شيء من شأنه أنّ يشبه بطل كافكا المسكين إذ يتحول إلى صرصار ضخم”.

وأحاديث ماركيز عن طرقه في الكتابة لها وقع خاص، أو حكاية في الحكاية. نقرأ استهلال “مئة عام من العزلة” فنعثر على مستويات: “بعد سنوات طويلة، وامام فصيل الاعدام، تذكر الكولونيل…”، لقد قدم ماركيز جزءاً يسيراً من حياة اميركا اللاتينية وهي تستيقظ مجدداً بفعل قوى سحرية. تقول الروائية ماري موريس: “حدث في يوم من الأيام ـ ولا أتذكر السبب ـ أن بدأت قراءة “مئة عام من العزلة”. كانت نسخة من الترجمة الإنكليزية الأولى، في غلاف جميل مقوّى. كانت تمطر، في نهار رمادي تماماً، وأنا مستلقية بالكتاب في سريري. وفيما بدأت أقرأ، بدا وكأنني أرى اللون من جديد. تبدّد الرمادي. وحتى في هذا اليوم، بينما كنت أنظر إلى الكلمات الأولى مرة أخرى، شعرت بذلك الإحساس بالعمق واللون والثراء والخصوبة: شعرت بإحساس الحياة”. بدأتُ بتلك الجملة الأولى الفاتنة: “بعد سنين كثيرة، فيما كان يواجه فصيلة الإعدام، كان على الكولونيل أورليانو بوينديا أن يتذكر عصر ذلك اليوم البعيد الذي اصطحبه فيه أبوه لاكتشاف الثلج”. كان عليّ أن أتوقف وأقرأ الجملة الأولى مراراً وتكراراً. لم أكن قد قرأت من قبل جملة كتلك، جملة بدا أنها تحتوي عالماً بأكمله. بمعنى آخر، يمسك بتلابيب القارئ، يخطفه نحو نصه، ولا عجب في ذلك.

يقول ماركيز: “بحثت عن الجملة الأولى المناسِبة لرواية خريف البطريرك، طوال ثلاثة أشهر”، ويضيف إنّ “أصعب ما في الرواية هو الفقرة الأولى.. في الفقرة الأولى تحل معظم المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية..”. وستبدو هذه الشهادة الصعبة دليلاً على أهمية المفتتح أو الاستهلال أو العتبة أو المدخل، أو السهم الأول النافذ إلى قلب الرواية، وربما هذا أمر مبالغ فيه بعض الشيء، كما يرى البعض، لكنه حقيقة يتوجب تصديقها. فالمفتتحات ليست سهلة كما يعتقدها البعض، وتكمن صعوبتها في تهيئة المناخ اللازم للنص، وبالتالي هي قوة جذب للقارئ والناقد، خميرة من خمائر السرد الروائي، وبادئة على غاية الأهمية عند افتتاح الكتابة.

هل يبدأ الروائي روايته من جملة أولى، أم يكتب رواية ويضع لها جملة مناسبة وتكون تيمة لها؟ لا أحد يتكهن بجواب قاطع، لا أحد يمكنه أن يؤكد أو ينفي واقع مسار الروائي في الكتابة، لكن بعض النقاد لديهم رأيهم الخاص.

يقول الناقد ياسين التصير، إن الروائي لا يفكر بالجملة الأولى “إلا بعد أن ينضج العمل الفني في مخيلته، حيث تصبح أجواؤه وأبعاده مفاتيح دالة على المحتوي للنص وأفكاره أولاً، ثم محددة لمفردات وصياغات الجملة الاستهلاكية وصياغتها ثانياً”، فالمفتتح أهم أجزاء النص الروائي، بل هو أقدر أجزائه لأنه “واجهتُه الشفافة التي تدفع القارئ إلى الاقتراب من النص”. ومن بين آلاف النصوص الروائية، قليلة هي النصوص الثاقبة التي يتوقف النقاد عندها، ليبحثوا في سياقها، مع التذكير بأن معظم الروائيين يحاولون ايجاد معنى خاص للجملة الأولى.

ثمة مفتتحات لرواية عالمية لافتة للانتباه: “في مكان ما في لا مانشا، في منطقة لا يعني تذكرها، عاش قبل زمن طويل رجل نبيل، من هؤلاء الذين لديهم رمح ودرع مركونان على الرف، مع فرس هزيل وكلب سباق”. هكذا كتب سيرفانتس في افتتاحية روايته “دون كيخوته”. و”نادني إسماعيل”، هي الجملة الأولى في رواية “موبي ديك”، التي نشرت في العام 1851، للروائي الأميركي هيرمان ميلفيل (1819 – 1891)، ومن عوامل شهرة افتتاحيته تواصل الراوي المباشر والبعيد من التكلف مع القارئ. علماً أن هذا الاسم لا يتكرر في الرواية على الإطلاق، وإسماعيل هو البحار الذي يعمل على متن سفينة لصيد الحيتان بقيادة الكابتن أهاب الذي يبحث عن الحوت الأبيض (موبي ديك)، بهدف الانتقام منه بسبب تحطيمه سفينته، وجزءاً من ساقه.

وتعتبر افتتاحية رواية “آنا كارنينا”، لتولستوي، من أشهر الافتتاحيات: “كل العائلات السعيدة متشابهة، لكن تعاسة كل عائلة من نوع مختلف”، ويضيف: “كل شيء اختلط في بيت آل اوبلونسكي”.. فهي افتتاحية تعطي القارئ لمحة عن مضمون الرواية بأكملها، وبعد كتابة هاتين الجملتين اسرع تولستوي ليقول لأهل بيته: “لقد أنجزتُ الرواية!”. حقاً، كانت قد اتضحت حبكة الرواية امام عينيه كاملة، فهو يعرف بدقة ما الذي سيحدث لاحقاً، وكيف سيكتب الرواية، وتلك هي الجملة الأصدق والأكثر انطباقاً على عائلة تولستوي نفسه، أو هي كذلك للتحديد، في شقها الثاني.
وفي رواية “الطاعون” لكامو، نقرأ عن طبيب يريد أن يكتب رواية، إلا أنه لم يستطع يومًا أن يتخطى الجملة الأولى، لأنه يكتشف أن هذه الجملة الأولى يمكن أن تُعاد كتابتُها بطُرُق عديدة، وهذا ما يشلّه. كما اشتهرت افتتاحية “الغريب” لكامو: “توفيت أمي اليوم، أو ربما بالأمس لا أدري. فقد تسلّمت البرقية التالية من الوطن: توفيت الوالدة. الجنازة غداً. المخلص لكم. هذا لا يعني أي شيء فربما ما حدث كان بالأمس”. إن بدايته تهيّئ لأجواء الاغتراب، مع شخصية رئيسية لغريب، سواء على صعيد مشاعره أو العالم الخارجي.

لقد كان الخوف منذ البداية – بلا شك – هو الذي أدى إلى اختراع كتابة “الاقتباس” الذي يُصَدَّرْ به كتاب، ليوحي بفكرته العامة. ولذلك، يعتبر “الاقتباس” طريقة مبتكرة للتحايل على رعب السطر الأول من طريق اقتراض سطر من كاتب شهير. و‬يميل الأدباء في الغرب‮ ‬غالباً، عند كتابة السطور الأولى لرواياتهم، إلى تكرار الافتتاحيات المشهورة لأدباء من أمثال جين أوستن وميلفيل وديكنز. ‬وقد نشرت صحيفة “الغارديان” تقريراً حول أهم‮ ‬افتتاحيات الروايات من وجهة نظر الأدباء، واختارت من تضمنتهم القائمة الطويلة لجائزة “مان بوكر”،‮ ‬فحصلت على نتائج‮ ‬غير متوقعة ومتنوعة‮. ‬

في المحصلة، يقول فرانسواز لوفيفر في “ذهب الغرف”: “توجد دوماً جملة واحدة يُعتدّ بها في الكتاب، ولا يملك المؤلّف القدرة على تحديدها”.. أما الكاتب الأيرلندي، ماك ماكورماك، فقد فاز بجائزة دبلن الدولية الأدبية، عن رواية Solar Bones، التي تتكون من جملة واحدة، أي جملة واحدة بلا انقطاع طوال الرواية البالغ عدد صفحاتها 270 صفحة.

عن جريدة المدن الإلكترونية