نوفمبر 17, 2018
  • نوفمبر 17, 2018
أكتوبر 30, 2018

هل يتقاعد الروائيّون؟ تحقيق: خلود الفلاح

By 0 57 Views

ماذا يعني أن يقرر الكاتب التوقف عن الكتابة؟ هل هناك فترة عمرية محددة يجب أن يتوقف فيها الروائي عن كتابة الرواية والتفرغ مثلا للقراءة فقط. تماما كأي موظف في دائرة حكومية؟ ربما الأمر لا علاقة له بالفترة العمرية وإنما بعدم القدرة على إنجاز عمل جديد يتفوق أو يكون في مستوى السابق من الأعمال. وجهات النظر مختلفة حول تقاعد الكاتب. فمثلاً الروائي الأمريكي فيليب روث أعلن انه قد توقف نهائيا عن كتابة الرواية بعد أن بلغ الثمانين من عمره معللا ذلك بـ “ليس بإمكان كل شخص أن يكون مثمراً إلى الأبد”.

رفضت الروائية المصرية رضوى الأسود فكرة تقاعد الكاتب، وأضافت: “في فترة ما شعرت بعدم الرغبة في الكتابة فتوقفت. حال الكاتب مثل المطرب عندما يحس أن صوته ضعف أو يهتز، هناك مرحلة قد تطول وقد تقصر تسمى متلازمة الورقة البيضاء. يفقد فيها الكاتب بشكل مؤقت ملكة الكتابة أو الالهام، الكاتب ممكن يتقاعد في حالتين حسب تقديري لو رغبة منه بشكل شخصي لأي سبب من الأسباب، أو الاحساس انه بيكرر نفس الشخصيات ونفس تيمة العمل. الشيء الذي اقدر اقاوم به شيخوخة الكاتب أو شيخوخة الكتابة الاتجاه نحو القراءة باعتبارها تعمل نوع من الابديت أو الفريش للعودة للكتابة من جديد”.

نوع من الاستحواذ

يقول الروائي التونسي شوقي برنوصي: سأسلّم بأن مصطلح “تقاعد” مرتبط دائما بمصطلح عمل. يعني العمل للحصول بالضرورة على أجر مقابل انجازه. يشعر أغلب الناس بالذنب حين يكونون في حالة بطالة. إذا اعتبرنا أن الكتابة عملا في حد ذاتها ولربح المال فقد نجانب بذلك الصواب إذ من الكذب أن تكتب لجني الأرباح في أسواق الأدب مثلما يصرح الكاتب الأمريكي راي برادبوري.

وتابع: الكتابة ليست كغيرها من المهن قبولا بتصنيف ابن خلدون لها، لأن فعل الكتابة فعل منعش يمتزج فيه تشبث الكاتب بالحياة برغبته في إيصال أفكاره المتّقدة للقراء. لا أميل شخصيّا لفكرة سن تقاعد الكاتب لأن الكتابة حية على الدوام ولا تخمد أنفاسها رغبة ما أو قرار بسيط بالتوقف. فكم من كاتب منحته الكتابة القدرة على مقاومة الموت. أحسن مثال على ذلك محمد خير الدين الكاتب المغربي باللغة الفرنسية، فقد تعرض لمرض عضال أسكنه المستشفى. أتم رغم أوجاعه المبرحة وعدم قدرته على الأكل بسبب التهاب في فكه يومياته بعنوان (يوميات سرير الموت) ورواية بعنوان (عجوزان من القرية)، وتعتبر الأخيرة من أكثر رواياته نجاحا. لم يفكر خير الدين بالتقاعد عن الكتابة بسبب مرضه العضال، بل استغل كل لحظة قبل موته ليدوّنها. الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو والمتحصل على جائزة نوبل سنة 1998 أصدر آخر رواياته (قايين) سنة 2009 عن سن 86 عاما أي عاما واحدا قبل وفاته، قبل ذلك بعام أصدر روايته (ذاكرة فيل).

طلب ساراماغو قبل وفاته حرق جثّته ونشر رماده وسط تربة زيتونة صارت مزارا للسياح في لشبونة، أي أنه جعل نفسه مثمرا إلى الأبد. تجعل الكتابات من كتّابها مثمرين ومؤثّرين للأبد، مثل دوستويفسكي أو كافكا مثلا. من منا لم يعاود قراءة أعمال هذين العلامتين مرات ومرات، ولم يتأثّر أو يعتبر من شخصيّتي راسكولنيكوف أو غريغوار سامسا.

الروائية السورية نغم حيدر ليست ضد اعتبار الكتابة مهنة بالرغم من خصوصيتها. لكن هناك أمرين أساسيين الأول وهو عملية إنجاز كتاب ونشره وما يتوجب على هذا من اشتغالٍ على النص وجهدٍ خاص في العمل عليه ومراجعته وتنقيحه وما إلى ذلك، أما الأمر الآخر فهو الارتباط النفسي الوثيق بين الكاتب وفعل الكتابة الذي يتدخل في شخصه.

وتشير حيدر لا أعتقد أن ثمانينياً ك فيليب روث قد تخلى تماماً عن الكتابة أو عن إحياء طقوسها فالأمر لا يمكن التحكم به ذهنياً. إنما توقف عن نشرِ ما يكتبه أو تقاعد عن نشر الكتب فقط، إذ أن هذا يتطلب جهداً جسدياً وصبراً وجلداً من نوع خاص. علاقة الكاتب والكتابة تأخذ مع الوقت شكلاً من الاستحواذ. بخلاف أية مهنة أخرى فإن الأحداث في حياة الكاتب وعلاقاته والأشخاص من حوله يسخرها واعياً أو لا واعياً كي تصبح مادة لكتاباته. لا يمكن لكاتب ما الفكاك من التحامه بالكلمة بهذه السهولة.

هدنة مع الذات

يتفق شوقي برنوصي مع فيليب روث بأن الكتابة جهد عضلي وذهني في نفس الوقت، وعلى الكاتب أن يكون متأهبا. لكنه يرفض فكرة التقاعد التلقائي، فالكتابة بحسب برنوصي، فعل يومي وفلسفة حياة ولا تقتصر على كتابة الروايات فقط. يجعل جنس اليوميات على سبيل المثال من الكتابة فعلا يوميا ضروريا وحيويا. أظن أن روث قصد من كلامه كتابة الرواية وليس الكتابة عموما، إذ يتطلّب هذا النوع من الإبداع جهدا خارقا للتخييل وتماهيا مع الشخصيّات الأكثر قتامة على حد قول أورهان باموك.

قالت نغم حيدر: يبقى الشك، والقلقلة وعدم الرضى ملازمين للمؤلف في كل عمل يطرحه.. إلّا أن القراء يمكن أن يتذوقوا العمل بطريقة مختلفة لم يكن يتوقعها، أو قد يحتوي الكتاب على قيمة ما جديدة كُل الجدة عمّا عرف عن هذا الكاتب. إن للكتابة في سن متقدمة نفس خاص حيث يحمل الكتاب للقارىء خلاصةً عمر كامل وأدباً ناضجاً متأملاً. يحضرني خوسيه ساراماغو كمثال وقد عرف ككاتب حين كان في الستين من عمره واستمر بعدها في الإنتاج وحصد الجوائز.

وتابعت ضيفتنا: أتفق مع روث حين اعتبر أنه قد قدم إلى ذلك الوقت أفضل ما لديه ولم يعد لديه شيء يضيفه إلى سجله هذا. من الجميل أن يحرص الكاتب على إبقاء أعماله بصورتها الأنيقة المدروسة وقيمتها التي ارتضاها دون أن يضيف لذلك كتابةً ما لمجرد الإضافة فقط. عبث بلا مزاج أو رغبة فقط حتى يبقي قلمه عاملاً. كثير من الأدباء يفضلون الاكتفاء بطرح كتاب واحد خلال عدة سنوات على أن يكتبوا بزخم ليس بذي جودة. كتاب واحد يكون خُلاصةَ جهد مرير وعراك طويل الأمد بين الكاتب ونفسه قد يحقق له اكتفاء ما فيعزف بعدها عن الكتابة وقتاً طويلاً كي يعود ويشحن نفسهُ من جديد. ربما وجد روث أنه قد تصارع مع ذاته بما فيه الكفاية واحتاج إلى هدنة معها لبعض الوقت، عندها اختفى الكلام وتوقّف الحبر عن السيلان.

أوضح الناقد العراقي عبد الغفار العطوي أن قرار اعتزال الكتابة الذي اتخذه الكاتب الأمريكي فيليب روث في سن الثمانين أمر طبيعي بالنسبة للكتّاب أن لا يكتبوا، ويتخلوا عن متابعة الإنتاج، ماركيز هجر الكتابة في السن ذاتها، الشاعر الفرنسي ارثور رامبو هجر الشعر وهو لما يزل فتيا، وهناك المزيد من الأمثلة لكتّاب غادروا الكتابة طواعية أو كرها كافكا، ادغار الن بو، هرمان ملفل، وترتبط فكرة اعتزال الكتابة بشخصية الكاتب، واستعداداته الفكرية والثقافية والعائلية والبيئية والصحية، لكن هناك احساسا يشترك فيه كل الكتّاب بالركون إلى الصمت الكتابي هو ما أكده الفيلسوف البريطاني الفريد نورث هوايتهيد في إقراره بأن كل ما نكتبه نحن المعاصرين ما هو إلا تهميش على فلسفة افلاطون. فلسفته المثالية التي كتبها على شكل مسرحيات لم تترك لمن بعده ما يقوله، مقولة لا جديد تحت الشمس في الفكر البشري، لأن أي كاتب تأخذه حماسة الشباب في أن باستطاعته إصلاح العالم وتغيير الإنسان، لكنه بعد أن يصطدم بإن لا شي يجدي يفكر بالصمت، وإعلان الكاتب عزمه على الصمت هو تجديد لروحيته التي أخذت بالأنهيار.

وتابع: المطلوب من الكاتب الحقيقي أن يقول شيئا صادقا، يحافظ على مستوى لياقته في تقديم نفسه لقرائه، بمعنى ليس هناك سن معينة لإنهاء خدمة الكاتب ولو استطاع الكاتب أن يمارس الكتابة بعد الموت لما توانى في ذلك، ومثلما فقدت الفلسفة في القرنين الماضيين الكثير من حقولها لصالح العلم كعلم النفس والاستطيقا وعلم الاجتماع، وبالتالي في منتصف القرن العشرين تحولت إلى إداة منهجية في تحليل النظم اللغوية والثقافية للعلوم. يظل الكاتب متدفقا في وعيه. قد يفقد الكثير من جوانب خصبه لكنه يبقى، صحيح انه سيفقد البريق الذي كان يدفعه للأمام والنشوة في إضرام الأفكار الخلاقة لكنه سيبقى، ولن يصدق مقولة أن للكاتب كتابا واحدا طوال حياته وأن تعددت كتاباته، المهم روح المغامرة هي التي تبقي على حماسة الكاتب، وعليه تتوقف حدود الكتابة عند مقدرة الكاتب واحساسه بالجدوى من عدمها.

الرواية نت