الرئيسية / نزوح مريم: وصف القيامة السورية مخلص الصغير
_145597331115

نزوح مريم: وصف القيامة السورية مخلص الصغير

في ما نسمّيه أدب الربيع العربي، تصبح الرواية أشبه بوصية كبيرة يكتبها صاحبها للآخرين، يخلفها من ورائه، ويخلد فيها مشاهداته وشهاداته وانشغالاته.

بمنتهى الرقة، وكل الألم والحرقة، تروي الأم سارة لابنتها مريم قصة نزوحهما من الرقة إلى إسطنبول، وقصة نزوح سوريا نحو المجهول. وعن سارة عن ابنتها مريم، يحكي لنا الروائي السوري محمود حسن الجاسم في روايته الثانية “نزوح مريم”، الصادرة أخيرا عن دار التنوير، بعد روايته الأولى “غفرانك يا أمّي”، التي صدرت سنة 2014، ولسان حاله يهتف هذه المرة “غفرانك يا سوريا!”.

الرواية شهادة

على لسان امرأة يحكي محمود حسن الجاسم هذه الرواية، وأمام عينيها تجري وقائعها الدامية، لتكون ساردة شاهدة على الحاضر السوري السوريالي، الفائر دما والهادر ألما ومأساة. مشاهد دمار وتقتيل وسفك للدماء واغتصاب للأرض والنساء، واختناق للهواء الذي تعرّض للتسمم، تحت الرايات الرسمية والألوية الدينية المتناحرة. إنه الطوفان السوري الذي يرسمه الروائي أمامنا، من غير حاجة إلى أدنى خيال، ما دام الواقع يفوقه بشاعة واستحالة. وما دامت المعاني مطروحة ومقتولة في الطريق. لذلك، كان رهان الروائي في “نزوح مريم” هو استغاثة اللغة حتى تستطيع وصف القيامة ونقل مشاهدها الحارقة.

ابنة محردة السورية المسيحية سارة طوني جبور سوف تلتحق للعمل في مدرسة النجاة، مدرسة للغة الإنكليزية، في بلدة مسكنة، ما بين حلب والرقة، هنالك حيث تعرفت إلى مهندس مزرعة النجاة هاشم سعيد الحسين. ورغم كونه مسلما، ورغم اعتراض عائلتها على هذه العلاقة الشقية، سوف تقبل سارة الزواج من هاشم، بعدما شغفها حبا، لينتقل الزوجان إلى الرقة، ومعهما ابنتهما مريم. وما إن حلّت سنة 2011 حتى انطلقت شرارة الثورة السورية، من دمشق وحمص وحماة ودرعا وبانياس.. أما سارة فظنت وظن زوجها هاشم أن الرقة ستبقى بمنأى عن الجحيم، وأن هذه المدينة الخضراء ستظل هائمة نائمة على كتف الفرات، تنعم بالهدوء وبالحياة. من هنا، ظلت سارة تستنجد بالذكريات، وبقصص الحب على شط الفرات، وفي مزارع مسكنة، كلما خنقتها الفجائع وحاصرها الموت والسواد.

وبينما حلّ شهر مارس من سنة 2012، والوقت وقت ربيع، إذ دخل هاشم على زوجته متقبض الوجه على غير عادته، ليخبر سارته أن البلاء قد بلغ الرقة.

كانت سارة تعيش في بيت خديجة، أمّ زوجها هاشم، وأخيه بشير، البعثي المتعصب للنظام القائم والقاتم.. بينما كان زوجها على خلاف ذلك. لكن أمراء الدم والظلام، وبمجرد ما استولوا على الرقة، حتى قرروا القضاء على بشير، فلما اقتحموا البيت كانت المجزرة.. لم يكن في البيت غير هاشم، واعتقدوا أنه بشير، فأذاقوه كل صنوف العذاب. وكذلك فعلوا بسارة ووالدته خديجة، أمام أنظار الطفلة مريم، وجرى اقتياد هاشم إلى المجهول، وظلت الأمّ خديجة في حيرة وحسرة من هول الفاجعة، وظلت الطفلة مريم في ذهول، إلى آخر الرواية، وإلى آخره.

وظلت سارة على قلق بينهما، ما بين الجدة والابنة، ما بين سوريا الماضي وسوريا المستقبل، بينما تمثل هي سوريا الحاضر الكافر بأدنى معاني الإنسانية والآدمية. وهنا، تذكرنا سارة بجارة دوستويفسكي كاترين، التي قتل التتري عائلتها، قبل أن يختطفها إلى المجهول، لتكون رواية “نزوح مريم” إحدى “روايات الزلزال السوري”، بتوصيف الروائي السوري نبيل سليمان، الذي أصدر خلال الشهر الماضي (يناير 2016)، رواية “ليل العالم”، وهي تحكي قصة ما جرى وما يجري من دماء في مدينة الرقة، بعدما سيطر عليها تنظيم داعش، منذ سنة 2012، أمام عيني الطفلة “مريم” في هذه الرواية.

الرواية رحلة

هاشم لم يعد، وبشير لم يظهر له من أثر. وماتت الأمّ خديجة غما وكمدا، فأزف الرحيل، وقررت سارة أن تعود إلى بيت والدها في محردة، حاملة في ذاكرتها مشاهد الرعب وفائض الدم والألم، وحاضنة بين ذراعيهما ابنتها وعزاءها الوحيد مريم. وعندما قررت العودة إلى بيت والدها في محردة، كان عليها أن تخترق عددا من الحواجز التي نصبها تنظيم داعش، وأن ترتاد رحلة محفوفة بالمخاطر، وأن تخوض مغامرة الحياة أو الموت.

وبعد رحيل والدها، وبتشجيع من صديقة الطفولة رنا، على الفايسبوك، والتي دعتها إلى خلاص الهجرة، بينما تعيش رنا في فرنسا، قررت سارة أن تلجأ إلى أوروبا، وتخوض مغامرة هجرة سرية، على متن قوارب الموت، من لبنان إلى تركيا، ومن تركيا إلى اليونان، لو تحقق ذلك. ورغم كل الخسران والهزيمة، تقاوم سارة، ومعها ابنتها مريم، مثل “البطل الذي يحمل ألف وجه”، كما هو عنوان رواية جوزيف كامبل، هذا الأخير الذي اكتشف أنه، وفي جميع الأساطير والثقافات، منذ الأوديسية، وحتى الزمن المعاصر، يسير البطل على الدرب نفسه، ويسعى إلى الهدف ذاته، وهو يخوض رحلته ومغامرته، ويواجه كل ما يعترض سبيله حتى النهاية، ولا يكترث إن انتهت الحكاية بالحياة، أو الموت دونه.

وجدت سارة نفسها بين يدي عصابة لتهريب البشر، والاتجار في أحلامهم، في البر والبحر، ولا شيء جعلها تستطيع المقاومة لولا ابنتها مريم. فتعرّضت لشتى صنوف العذاب، وكل محاولات الانتهاك والاغتصاب، وكادت تقضي وابنتَها في عرض البحر “الأحمر” المتوسط، الذي تحوّل إلى مقبرة سورية جماعية، لولا أن السلطات التركية اعترضت القارب الذي كان يقلها وابنتها، لتحبط أحلامها وآمالاها، وينتهي بها المطاف في ملاجئ النازحين السوريين، في مخيمات غازي عينتاب. هنالك حين تقاسمت مع عائلة سورية خيمةً رحمةً باللاجئين السوريين، حيث وجدت أوراقا وأقلاما لتكتب هذه الرواية، وتلفظ وقائعها وفجائعها، وتتركها لابنتها مريم، قبل أن تلفظ الأمّ سارة أنفاسها المتبقية.

الرواية وصية

في ما نسمّيه أدب الربيع العربي، بشكل عام، وأدب اللجوء، أو النزوح، بشكل خاص، تصبح الرواية أشبه بوصية كبيرة يكتبها صاحبها للآخرين، يخلفها من ورائه، ويخلد فيها مشاهداته وشهاداته وانشغالاته ورؤاه ونزيفه وبكاه.

انتهى الأمر بالأم سارة وابنتها مريم في خيمة إلى جانب عائلة أخرى من أم وابنتيها، وهي عائلة مكلومة بفقدان الزوج وولدين قتلوا في الجحيم. وكانت البنتان تواصلان دراستها في مدرسة المخيم، فتابعت معهما سارة دروس الإنكليزية، حتى خطرت لها فكرة أن تكتب حكايتها، لما انتبهت إلى وجود الأقلام والدفاتر التي تمنح مجانا للاجئين. فشرعت في كتابة حكاية نزوحها مع مريم. وكانت حالة سارة قد تدهورت وأوشكت المرأة على الذبول بينما تنظر إليها ابنتها في ذهول فاجع. في تلك الفترة كان مجموعة من الشبان قد التحقوا بالمخيم هاربين من أحد السجون التي يحرسها الغزاة الجدد. وكان من بينهم المهندس هاشم، والد مريم. وما إن شاهدته ابنته الصبية حتى شرعت تبكي وتضحك وتقفز، تنظر إليه وترتمي عليه من جديد، بدهشة أبكت الجميع. وكانت أمها سارة قد فارقت الحياة بعدما كتبت وصيتها الأخيرة “نزوح مريم”.

كاتب من المغرب
مخلص الصغير

عن صحيفة العرب