الرئيسية / قراءات / “مِائة عام من العزلة”.. أسطورة ماركيز.. محمد حمدان *

“مِائة عام من العزلة”.. أسطورة ماركيز.. محمد حمدان *

نشرت هذه الرواية للمرة الأولى عام 1967 وقد حققت نجاحاً باهراً وهي مصدر شهرة غابرييل ماركيز العظيمة التي نعرفها له اليوم. وهي ثاني رواية منشورة له بعد “في ساعة الشر” التي نشرت عام 1962.
تتحدث الرواية عن عائلة بوينديا التي بدأها الزوجان خوسيه أركاديو بوينديا وزوجته أورسولا.. وهما يتصلان بصلة قرابة مما جعل أورسولا تتخوف من أن تنجب طفلاً بذيل خنزير خاصة بأن هناك تاريخاً في العائلة لحادثة مشابهة أنجب فيها بالفعل طفل بذيل خنزير لزوجين تربطهما صلة قرابة. ولهذا السبب، ورغم أنهما تزوجا رغماً عن أنف العائلة إلا أن العائلة نجحت في زرع تلك المخاوف في عقل أورسولا.. التي كانت من فرط خوفها أن قررت عدم تفعيل الزواج مع زوجها.. فامتنعت عن سرير الزوجية لعامين كاملين.. وهذا بدوره جعل الكلام يدور حول عجز زوجها.. الذي كان يمتهن مصارعة الديوك في ريوهاتشا وهي مدينة كولومبية تقع على الساحل الكاريبي.. وبسبب كلمة قالها أحدهم في عرض خوسيه أركاديو بوينديا.. لم يتردد في أن يرتكب جريمة قتل دفاعاً عن شرفه.. ومن ثم انتهت أيام عزلة أورسولا لسرير الزوجية.. وبسبب شعورهما العارم بالذنب.. غادرا ريوهاتشا.
أسس خوسيه أركاديو قرية ماكوندو على أطراف منطقة المستنقعات وهي حسب الوصف المذكور في الرواية تتطابق مع وصف القرية التي ولد ونشأ فيها ماركيز نفسه أراكاتاكا وهي تقع إلى الجنوب من مدينة سانتا مارتا.. وإلى الجنوب الغربي من جبل بيكو كريستوبال كولون الذي يفصل بين منطقة المستنقعات وريوهاتشا. وبهذا تبدأ حكاية مائة عام من العزلة مع عائلة بوينديا وماكوندو التي تنتهي بنهاية العائلة.
الحكاية هي عبارة عن حكاية عائلة بوينديا وماكوندو في أعوامها المائة وتروي حكاية كل جيل من عائة بوينديا حتى النهاية. وأود أن أتوقف هنا عند حدثين:
الحرب الأهلية التي خاضها أوريليانو الابن الثاني لخوسيه أركاديو بوينديا تحت راية الليبراليين ضد الحكومة المحافظة. ومن الجدير بالذكر هنا أن هذه الحرب كانت حقيقية وتعرف باسم حرب الألف يوم ! لكن الحرب المذكورة في الرواية استمرت أكثر من عشرين عاماً. صحيح أن المناوشات كانت دائماً موجودة قبل أن تبدأ حرب الألف يوم.. وكان هناك قتلى.. لكنها كانت محصورة وكان عدد الضحايا كذلك محدوداً.. لكن حرب الألف اليوم امتدت لتشمل كل كولومبيا.. وفاق عدد الضحايا مئات الألوف.. فقد كانت كارثة دمرت البلاد تماماً.. وهي الحرب التي انتهت باتفاقية نيرلنديا المذكورة في الرواية. كما أن هناك العديد من الروايات التي تتحدث عن تواطؤ الحكومة المحافظة في إمداد المعارضين الليبراليين بالأسلحة لتطويل أمد الحرب وجعلها مبرراً للمزيد من التشريعات الإستبدادية. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن لهذه الحروب جذورها.. فمن المعروف أن سيمون بوليفار كان من المحافظين لكنه حورب فيما بعد وتم نفيه عن البلاد واستبعاده.. وتورط المحافظون بعده بعقد علاقات مشبوهة مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وقد أدى ذلك التواطؤ بين الحكومة الكولومبية المحافظة والحكومة الأمريكية لنتائج فادحة على كولومبيا فقد غزت القوات الأمريكية القسم الشمالي من كولومبيا وأعلنت استقلاله تحت اسم باناما.. وقد أُسست قبل ذلك شركة الفواكه التي كان لها نفوذ ضخم في أمريكا اللاتينية وهي تمثل شكلاً استعمارياً من الشركات كشركة الهند الشرقية. وقد تحدث جون بيركنز كثيراً عن دور هذه الشركة في إخضاع دول أمريكا اللاتينية للإرادة السياسية الأمريكية في كتابه الإغتيال الإقتصادي.
الحدث الثاني يتمثل في مجزرة إضراب عمال شركة الموز. وشركة الموز هي ذاتها شركة الفواكه المذكورة أعلاه. وهذه المجزرة هي مجزرة حقيقية حدثت عام 1928 وذهب ضحيتها أكثر من ثلاثمائة شخص. وقد تعاملت السلطات معها تماماً كما ذكر في هذه الرواية.. بالإنكار التام..
وهذا ما يقودنا لنقطتي التالية: إذا ما رجعنا لنظرة ماريو بارغاس في بنية الرواية.. فهو يقول بأن الرواية تبنى على أساس بذرة شخصية.. وهذه البذرة الشخصية تترك لتنمو من الإضافات التي نضفيها عليها من خيال.. وهذا بالضبط ما قام به ماركيز في هذه الرواية؛ لقد اخترع حكاية أشبه ما تكون بالأسطورة واستخدم الكثير مما خبره شخصياً في حياته. فماكوندو ليست سوى القرية التي ترعرع بها.. إلا أنها في أسطورة ماركيز المكان الذي تحدث فيه كل تلك الأشياء الغريبة.. وتنتهي حياة القرية كلها بذلك الإعصار العجيب والذي يشهد على نهاية عائلة بوينديا في النهاية أيضاً. وليس الكولونيل أوريليانو بطل ثورة الليبراليين على المحافظين سوى الكولونيل رافائيل أريبا أريبا والذي كان جد ماركيز قد حارب تحت إمرته في تلك الحرب.. لكن الكولونيل رافائيل في أسطورة ماركيز يستحيل إلى الكولونيل أوريليانو الذي يموت وهو يبول تحت الشجرة التي ربط إليها والده ! بينما مات الكولونيل رافائيل تمزيقاً بالفؤوس في عملية اغتيال بشعة.. وهي تذكرنا بالكولونيل الليبرالي الآخر الذي ورد ذكره في هذه الرواية وقد مات أيضاً تمزيقاً بالفؤوس !
لقد تميز أسلوب ماركيز في هذه الرواية بالسرد المباشر.. والمستمر دون انقطاع.. وهو في ذات الوقت لم يدخل في تفاصيل وخلفيات الشخوص أكثر مما هو ضروري لمتن السرد الروائي. وهذا ما سمح لحكاية أجيال متتالية تستمر لمائة عام أن تسرد في خمسمائة صفحة فقط. بينما نجد حكاية لا يتجاوز عدد شخوصها الرئيسة الأربع أو الخمس كالجريمة والعقاب تفوق الألف صفحة من كثرة التفاصيل والإسهاب الشديد في الوصف. ويمكنني فقط أن أتخيل لو أن كاتباً كدوستويفسكي كان الكاتب لهذه الرواية فكم صفحة كانت لتكون ؟!
يصعب عليّ الخوض في كل شخوص الرواية من كثرتهم.. لكنني سأنتقي بعض الأمور للتعليق عليها.. وأهمها تلك الرغبة العارمة والمتفشية في عائلة بوينديا لزنا المحارم ! والتي ما أن تجسدت أخيراً بانجراف آخر أطراف العائلة أوريليانو وأمارانتا أورسولا حتى كانت النتيجة طفلاً بذيل خنزير !
ميلكياديس الغجري العجيب ورقاقه الأعجب المكتوب بالسنسكريتية والذي لم يكن سوى نبوءات ميلكياديس لمصير العائلة المأساوي والذي كانت كل أفراد عائلة بوينديا يتناوبون من جيل إلى جيل على محاولة فك رموزه وفهمه. هذا الرقاق هو جزء من الأساطير الكثيرة التي تعبق بها الرواية والتي جعلت من حبكتها الشكل الذي رأيناه جميعاً في نهاية المطاف.
ماركيز متأثر جداً بفترة نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وهي زمن هذه الرواية وكذلك روايته الأخرى الحب في زمن الكوليرا.. حيث شاهدنا هناك أيضاً ذلك الأثر للصراع بين المحافظين والليبراليين. ويحضرنا أيضاً رواية ماريو بارغاس الأكثر من جيدة كذلك “حرب نهاية العالم” والتي تتحدث عن ثورة أخرى في جارة كولومبيا الأكبر وهي البرازيل مما يذكرنا بمدى تداخل وتشابه تاريخ دول أمريكا اللاتينية.
باختصار، هذا العمل هو أحد الأعمال المميزة في تاريخ الأدب الإنساني. فليس من السهل أن تضع كل هذه الشخوص بين دفتي رواية لا تتجاوز الخمسمائة صفحة ضمن حبكة أسطورية كهذه..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد حمدان: كاتب أردني مقيم في السعودية. ولد في الكويت، وتلقى تعليمه الثانوي في الأردن عام 1997 ليدرس بعدها الصيدلة في جامعة فيلادلفيا. له في الرواية:
“ •سمات بشرية لا نفتخر بها”، 2012
“ •عن ظهر قلب”، 2016

الرواية نت

شاهد أيضاً

“بوركيني” لمايا الحاج.. عن الرمز العار في كلية الفنون محمد حمدان

مايا الحاج هي كاتبة وناقدة لبنانية تكتب بشكل دوري في صحيفة الحياة اللبنانية. وهذه هي …