سبتمبر 18, 2019
  • سبتمبر 18, 2019
يونيو 21, 2019

مَن أنتم لتكتبوا رواية عن القذافي؟ علي المقري

By 0 350 Views

كان يمكن أن تكون رواية “ليلة الريّس الأخيرة” للجزائري/الفرنسي ياسمينة خضرا فاتحة أولى لكتابة رواية عن ديكتاتور عربي لولا أنها حفلت بالكثير من إشكاليات الكتابة التي لا يمكن أن يقع فيها أي عارف بالإمكانيات الأولى لكتابة أي رواية. فالرواية، أية رواية، تُكتب في فضاء يفترض فيه إمكانية التحقق، حسب ميلان كونديرا، باستثناء تلك التي تُكتب منطلقة من تصورات خيالية للوقائع أو الأحداث.

ففي الرواية، يسرد القذافي قصصه وما يدور حوله باطمئنان وبدون قلق، فيما هو يعيش ليلته الأخيرة تحت القصف المهول! وقد يطلب من أحدهم أن يذهب لزيارة بناته لأنهن مشتاقات إليه (هكذا في ساعات مصيرية من الحرب)
والأكثر فداحة وصف القذافي في الرواية، لثورة الفاتح من سبتمبر 1969 بالانقلاب، وبعبارات كثيرة: (وكان إلى جانبي في انقلاب عام 1969) [ في الأصل الفرنسي: Lors du coup d’État ] و (عشية الانقلاب، ليلة 31 آب والفاتح من سبتمبر عام 1969، وفيما ضباطي يعملون على أدقّ تفاصيل العملية الانقلابية على الملك إدريس) و (في اليوم التالي للانقلاب)؛

وهو الحدث الذي يعدّه (ثورة) ويراه أكبر منجز في حياته!

وهناك هنات، في سياق السرد كعدم التفريق بين البال والعقل! أو بين (أوفى الأوفياء) و(أقرب الأقرباء)ّ.

وأن يصف أحدهم (إبراهيم طريد) بالعقيد تارة وبالمقدّم تارة أخرى. أو قوله: (ثم خاطبني بحضرة الملازم أوّل)، والصحيح كما يفهم من سياق السرد: (بحضرة النقيب).

أو قوله في مونولوج: (الله ليس مع أحد. ألم يترك ابنه يموت على الصليب؟)، فيما يقدّم نفسه قبلها كمسلم يؤدي الصلوات، وهذا يعني أنه لا يؤمن بالرواية المسيحية عن الصلب!

وفي الرواية، وفي هذه الأجواء، لدى القذافي وقت للتفكير بتفاصيل، أو لنقل أوصاف وحوارات للآخرين، وكأنه في حال يسمح له.

فهناك فرق بين أن يتحدث ديكتاتور في عزلته بعد سنوات في الرئاسة وبين أن يتحدث وهو تحت نيران القصف.

فإذا كانت، مثلاً، روح القذافي هي التي تحكي بعد موته فسيكون ذلك مبرراً لبعض هذا الهدوء والبطء في السرد.

لقد سبق أن كان الراوي هو الديكتاتور نفسه كما في رواية “أنا الأعلى” للكاتب الباراغوي آوغستو روا باستوس، حيث يملي الديكتاتور تفاصيل حياته على سكرتيره، وأظن أن حياة القذافي تقترب من حيث الأهمية من تنوعات سردية الديكتاتور في رواية أمريكا اللاتينية كـ “خريف البطريرك” لماركيز، و”عرس التيس” لفارغاس يوسا و”السيد الرئيس” لأستورياس و”اللجوء إلى المنهج” لليخو كاربانتيه.

وما يلاحظ أن ناشر الترجمة العربية (دار الساقي –بيروت 2016) قام بجهد متميز في التحرير لتحسين الرواية للقارئ، إذ أشار في الغلاف إلى أن القذّافي كان (يقبع في قبو إحدى المدارس) حين سرد ليلته الأخيرة مستعيداً خلالها ذكرياته السابقة؛ وهو ما يفترض أن تتيحه الإمكانيات الروائية ويتضمنه النص، حيث أن الأحداث تسرد تحت نيران القصف، لكن ما جاء في نص الرواية يقول غير ذلك، فيشير إلى أنه كان يمكث في مكان في أعلى المدرسة: (لماذا تتركني إذن وحيداً فوق؟)، (سأصعد لأرتاح)، (هرعتُ إلى الممشى ونزلتُ الدرج سريعاً)، (صحتُ بلا تبصّر على أمل أن يظهر أحدٌ ما في الطبقة السفلية. لم يجبني أحد. استندت إلى الدرابزين، ونزلتُ الدرجات واحدة واحدة). و: فيما رجاله (المخلصين في الطبقة السفلية من المبنى).

وهكذا، إذا كنت قد خبرت حياة القذافي كنموذج لحياة ديكتاتور عربي استثنائي، ستبقى عبارته الشهيرة مصاحبة لك وأنت تقرأ هذه الرواية وإن بطريقة أخرى: من أنتم لتكتبوا رواية عني، أنا معمر القذافي، من أنتم لتكتبوا رواية عن القذافي؟

من صفحة الروائي علي المقري على الفيسبوك

Next Post

في شؤون الرّواية وشجونها

يوليو 18, 2019 0