سبتمبر 23, 2019
  • سبتمبر 23, 2019
ديسمبر 29, 2015

مناوشة مع حسن داود معن البياري

By 3 189 Views

لو أن الروائي اللبناني، حسن داود، استجاب لمطلب والده، وذهب، في يفاعته، إلى النجف في العراق، ودرس سبع سنوات هناك العلوم الشرعية، ثم عاد إلى ضيعته، لكان قد صار إماماً ومن مشايخ عقود الزواج ودفن الموتى. يُخبرنا صاحب “غناء البطريق” أن رغبة والده تلك لم تكن لتديّنٍ فيه، بل لأن نقصاً في قرى جنوب لبنان وضيعاته في هؤلاء المشايخ. عارض الفتى الذي كانه صديقنا ذلك، وانصرف إلى مسار حياته الذي نعرف، ولو غدا “سيداً” نجفي المرجعية، ولو من دون رغبة فيه، لما كنا سنخسر، فقط، روائياً وقاصاً عربياً لافتاً، وصاحب منجز رائق في الرواية العربية، بل أيضاً، منظّراً صاحب أطروحة في كتابة الرواية وتلقيها، وإذا كان في هذا الوصف تزيّد وتجاوز، يجوز القول إننا كنا سنخسر صاحب مزاج حاذقٍ في الأمرين، أي كتابة الرواية وتلقيها، وهو الذي كان محقاً من كتب عن رواياته إنها لا تصلح للقراءة قبل النوم. وحين يقول داود نفسه إن الرواية عمل فكري قبل أن يكون سردياً، فإنه، في هذه المعادلة، يورّطنا في سجالٍ معه، على الأغلب سيكون غير هين، ذلك أن صاحبنا يتسلح،
في انتباهاته ونظراته، في الرواية، كتابة وتلقياً، بثقافةٍ وخبرةٍ عاليتين. ولكن، لا بأس من اشتباكٍ طفيف معه، بالقول، هنا، إنّ الفكر في الكتابة الروائية لا يستحق أسبقيته على إبداعية السرد، ولا تستقيم له هذه الصدارة التي يخلعها صاحب “أيام زائدة” عليه، بدليل أن روايات حسن داود العشر ما حازت مطرحها الرهيف في راهن الرواية العربية، في الثلاثين عاماً الأخيرة، لولا الشحنة العالية الإيحاء في سردها، وليس في الأفكار التي أرادت أن تبثها في أفهام قارئها ومداركه.
مناسبة هذه المناوشة مع الصديق حسن داود، هنا، تهنئته بفوز روايته “لا طريق إلى الجنة” (دار الساقي، بيروت، 2013) المستحق، أخيراً، جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأميركية في القاهرة، وقد صرنا نعرف أنها كتبت مرتين، بعد ضياع مخطوطتها الأولى، قبل 12 عاماً. وربما ثمّة بعض المفاجأة في قول كاتبها إن فيها شيئاً منه، ذلك أنه مع التسليم ببديهيّة أن في كل نص أدبي، يقوم على التخيل، شيئاً من صاحبه، فإن الحالة، هنا، تستنفر رغبةً بالتعرف إلى شخص حسن داود أكثر، بعد أن استكشفناه، إلى حد بعيد، روائياً وقاصاً، منذ رواية “بناية ماتيلد” (1983) وقصص “تحت شرفة آنجي” (1984). تُرى، ما الذي في السيد الشيخ المعمّم، بطل “لا طريق في الجنة”، من داود الذي لم يستمزج أن يصير سيّداً معمماً، نجفيّ التأهيل؟ وإذا كانت هذه الرواية، (كما كل رواية له كما يفترض حسن داود) فرديةً، لا صلة لها بالحال العام، ما الذي في فردانيّة ذلك الشيخ، الذي شعر لمّا لبس العباءة والعمامة بأنه يستعير ثواب سواه، يُوازي شيئاً ليس معلوماً لدينا عن صاحبنا. لقد فُرض على بطل الرواية أن يسير في ديدن عائلته، عندما تعلم الإمامة والمشيخة، غير أنه، تالياً، قرّر أن يتخلى عنهما، ويخلع الجبة والعمامة، فيما إيمانه بوجود الجنة والنار مؤكد، غير أنه صراع في دواخله يأخذه إلى قلقه هذا، وهو الذي أصيب بالسرطان، وأصابه هوى وميلٌ إلى أرملة أخيه غير المحجبة. وتنشغل الرواية، في سردها الوئيد وإيقاع مسارها الذي ينهض على تناوب الحاضر والتذكّر، بهذا القلق والاشتباك النفسي الجواني لدى هذه الشخصية، والتي لا ترى غير التمرد على ارتداء العمامة سبيلاً لحل الإشكال الذي يُتعبها.

تُرى، هل هذا الذي يُغالبه السيد المعمّم في “لا طريق إلى الجنة” شيء من حسن داود الذي لم يذهب إلى النجف، ولم يقض هناك سبع سنوات، ولم يصبح إماماً وشيخاً يعقد الزيجات ويلقّن الميتين؟ هل أراد صاحب “مائة وثمانون غروباً” أن يكتب عن بعض ما كان قد يصير عليه، لو ارتحل إلى المشيخة والمكانة الدينية، ولو لم تأخذه الحياة إلى أقدارٍ مغايرة للتي آل إليها، كاتباً وروائياً، ومثقفاً شاباً بعض الوقت في الحزب الشيوعي اللبناني؟ هذا اجتهاد ممكن، في قراءةٍ للرواية التي أعجب لجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ فيها أسلوبها “الصافي الهادئ”، و”جملها المُحكمة التي تُبطن أكثر مما تكشف” وسردها الذي “يشبه سرد همنغواي”.
تُرى، ما الأقوى في هذا العمل، محموله الفكري بشأن علاقة الإنسان بالدين، أم بهذه السجايا، محض الأدبية التي لحظها المحكّمون، ويقع عليها قارئ الرواية بمقادير من المتعة، وإنْ مع بعض الجهد في القراءة والتلقي؟

عن صحيفة العربي الجديد

3 تعليقات
  • LinkAdalt 4 سنوات ago

    By the way, Ann is coming back today.

  • LinkAdalt 4 سنوات ago

    I didn’t really like the concert. In plain English, the concert was terrible.

  • OliaprAmb 4 سنوات ago

    Hay. I feel like going for a walk. I don’t feel like working now, I’m tired. http://best-prog.at.ua/index/8-27646 .

Comments are closed