أكتوبر 19, 2018
  • أكتوبر 19, 2018
أغسطس 5, 2018

مقطع من رواية “أنثى الوعل” فيصل عسيري

By 0 119 Views

أخبرني أنت يا سيد روبنسون..

فقال وهو يراقب البحر ..

حسنا كنت محتاجاً أكثر منها للسفر ورؤية العالم. أردت أن أعود للواقع من جديد فسافرت مع البعثة، ووعدتها ان أعود بأسرع ما يمكنني ..

وفي أثناء وجودنا في أحد مواقع الآثار بمدينة بابل القديمة، بقينا نعمل إلى فترة متأخرة من المساء، وكانت طريق العودة إلى المدينة طويلة ووعرة، ففضلنا المبيت في الموقع لاستكمال أعمال التنقيب صباحا .. قام مرافقو البعثة بإعداد مخيم صغير تم تجهيزه مسبقا، وبسبب الإرهاق فقد نام أفراد البعثة بسرعة ..

كل ما أتذكره عن تلك الرحلة أن الجميع قد حلم تلك الليلة بحلم واحد ..!

كنا ثمانية، أنا، وحفاران عراقيان، ومنقب نرويجي، ومرممة آثار انجليزية شاركت في ترميم بقايا المسارح الرومانية في الشمال الليبي، ومتدرب في جداريات العصور القديمة من جامعة كيبتاون الأهلية يجيد قراءة النقوش بمدينتي نينوى والنمرود ،إضافة إلى مساعدي في إدارة البعثة الألماني ذو الشعر الأحمر.

شارك معنا نحات ورسام من بودابست، عمل في المجر والتشيك وتخصص في منحوتات السيدة العذراء في أكبر الكاتدرائيات حول أوربا، ثم عاد واعتنق الاتجاه الطوباوي في الفن وأصبح يرسم النساء كما خلقهن الله دون قطعة من الملابس!، زاعما انه يرسم أمنا حواء قبل يغويها الشيطان!. كانت منحوتاته جميلة تحمل روح منهجه الفني، وفي وقت سابق سألني عن اهتماماتي في الفنون فقلت له انني مهتم بنتاج عصر الباروك بشكل عام وبما قدمه برنيني على نحو خاص، بالإضافة الى جميع أعمال الرسام بول سيزان وبالتحديد سلسلة لوحات لاعبو الورق، وأفضيت له بسري الصغير حول امتلاكي لنسختين من لوحة المستحمات، ولوحة الولد ذو الشارة الحمراء، فأبدى اهتماما بما قلته، لكن اهتمامه خبا سريعا موكدا أنه لا يميل كثيراً الى ما يرسمه الفرنسيون، ثم حدثني كثيرا عن فن الكنائس في شرق أوروبا حيث يكمن عشقه هناك… وحين استيقظ من الحلم الجماعي وتطابقت تفاصيله مع تفاصيل أغلب الفريق قام على الفور وقال:

هذه إشارة إذن من السيد المسيح كنت انتظرها! .

لا نعلم ماذا كان يقصد لأنه حمل حقيبته وغادر على الفور سيرا على الأقدام إلى أقرب مدينة، ثم إلى بغداد، وسافر إلى براغ على أول طائرة. تخلى فيما بعد عن رسم الأجزاء السفلية من المرأة إلى الأبد، واكتفى بصنع تماثيل نصفية تعبر عن الجزء العلوي فقط من النساء والرجال، وسمعته يقول في مقابلة له شاهدتها بعد ذلك في إحدى قنوات التلفاز أن صدر المرأة وعنقها وشفتيها تقدمان للبشرية أكثر مما تقدمه بقية الأجزاء!، وحين سأله مقدم البرنامج عن رأيه في انتشار لوحات فنية ترسم جسد المرأة بشكل مجرد، أجاب:

” أن السيد المسيح المقدس لن يكون سعيدا بذلك!”.

عاد صوت الفتى يوهان ليصل إلينا من بعيد، حزينا، مستنجداً، يخاطب المجهول، فيما يبدو أنه الفصل الأخير من المسرحية:

“ليتني تحولت إلى قطرة في بحر تتلاطم أمواجه!، أغرق في الموج ،فلا أعود للظهور أبداّ..”

تلاشى صوت الفتى الألماني، وغاب في موج البحر الهادئ فسألت السيد روبنسون:

أي نوع من الأحلام رأيتها في بابل؟

وكأنه يتذكر حدثا واضحا لديه قال:

أبصرت حلما فيما يشبه الحالة التي بين النوم واليقظة، وحين صحى أفراد البعثة اكتشفنا أننا جميعا قد عشنا الحلم ذاته .. شعرنا بالذهول، وحاول البعض العودة تاركين إكمال المهمة اعتقادا منهم أنهم وقعوا تحت سيطرة أرواح شريرة او قوى خفية تتلاعب بهم .. وما زاد الأمر تعقيدا أن أحلامنا متطابقة تماما، فيما عدا تفاصيل صغيرة لم يكن بعضنا متأكدا أنه رآها بشكل واضح.. مثل تلك التي تتعلق بالممارسات الجماعية الهوجاء، التي تطورت على سرير ابنة الملك -التي أقيم لها احتفال بعيد ميلادها العشرين-إلى احتفال جماعي، وتورط في الممارسات المشينة تلك أشخاص عليهم شارات الفروسية، أغلبهم كانوا قوادا في الجيش او ما شابه. وكذلك كانت الاختلافات في التفاصيل التي تتعلق بسقوط كائن بحجم سيارة على مقر الحفل البابلي، فالبعض قال انه نسر والآخرون رأوه فرسا ذي أجنحة.. وماعدا ذلك فالحلم متطابق وكأنه نسخة تم توزيعها على النيام جميعا في الوقت ذاته.

بدأ الحلم، كما رواه أفراد البعثة الجالسون في الخيمة واحدا، واحداً، باحتفال كبير لابنة أحد ملوك بابل بمناسبة عيد ميلادها تخلله صخب كثير .. في البدء تقدم موكب صغير يضم فرسانا يعتلون صهوات جياد بيضاء، ويحملون رقعة كبيرة سوداء اللون تشبه علماً عليه صورة رأس أسد، معلقة فوق سارية من الحديد المذهب، وكأنهم قدموا منتصرين من معركة في مكان بعيد.. وبدا لنا أنهم يعيدون تمثيل انتصار الملك في معركة خاضها في زمن متقدم، لأن بعضهم كان يحمل فوق الدروع سائلا بلون الدم ..

ثم خفتت الأنوار وتقدم من طرف الصحراء البعيدة جمع من الأسرى والعبيد، بينهم رجال ونساء وأطفال ومعهم ماشيتهم، بغال وحمير وغنم، تمشي عن يمينهم وشمالهم في موكب حزين. تقدم فارس من موكب الملك وقال مخاطبا ملكه الذي ظهر فوق كرسي عال من الذهب يحمله أربعون من أقوى وأجمل فتيان المملكة، لابسين ثيابا بيضاء مطرزة بالحلي الصفراء ويضعون شارات الحرس فوق صدورهم:

“يا سيد الأنهار والصحاري ومعمر بابل وأور، وقاهر ملوك آشور.. يا من يدين له ربان السفينة في البحر وعامل المحراث بين جبال الصنوبر في لبنان!.. ها إنه قد وصل سبيكم العظيم من أبناء الكنعانيين.. جاءوا من السامرة ، حفاة يمشون إلى ملكك الأبدي.

كانت وجوه الأسرى المسبيين مغبرة،حزينة، نحيلة، بفعل السير تحت سياط الغزاة، في جوف الصحراء القاحلة.

بعد خطبة الفارس صفق الملك بيده ثم طلب من جواري القصر أن يرقصن، وأشار بيده لفرقة الموسيقى فعزفت لحنا وطنيا.. رقصت جارية، وتقدم وفد من السبي الكبير يحملون قراطيس قدموها للملك محنيي الرؤوس قائلين له:

– ها نحن ذا نضع ببن يديك سفر اللاويين، فيه روح الأنبياء وحكمتهم. فنظر الملك في بضع صفحات ثم وضع القراطيس في يد كاهن على يمينه وأشار بيده فانطلق سهم اخترق صدر أكبر الوفد سناً فركع على ركبتيه قبل ان ينكب على وجهه عند قدمي الملك. صاح صوت امرأة من الأسرى:

– لا تقتلوا كاتب العهد القديم، سيصيبكم إذن الطوفان إن فعلتم! .

وحين تعالى العويل والبكاء من داخل الأسرى، نزل الملك من عرشه فإذا هو برأس رجل، وجناحي نسر، وقدمي حصان.. وطار فوق الجمع وهم يحيونه ثم نزل قريبا من الفرسان. تتالت بعد ذلك الاحتفالات ورقصت ابنة الملك ووصيفاتها من الأميرات، في جناح خاص يحيط بهم قواد الجيش، و أبناء كبار رجالات الحاشية في القصر.

نظر إلي روبنسون، ليتبين مدى تصديقي لما قاله ثم أضاف:

لكنني رأيت شيئا مختلفا في حلمي، أخفيته عن الجميع ولم أخبر به أحدا سواك يا سيد حامد. فبعد أن انتصف الاحتفال وبينما كنت أتأمل جلالة الملك بشغف، وهو يتابع بإعجاب طابوراً من العربات العسكرية التي تجرها الخيول، ويقتعد عليها قادة حروب سابقة بعضهم قد هرم من كثرة النزالات والانتصارات التي لا تشوبها هزيمة. بعضهم يرفع رمحا لتحية ملكه، وبعضهم يرفع درعا مضروب الجوانب كدليل على معارك خاضها في أزمنة بعيدة. أغلبهم كان هرما يغوص في دروع منسوجة بالذهب المتموج، وبعضهم ما زال في فتوته لم يتقاعد بعد .. في أثناء ذلك اقترب مني طفل بين الخامسة والسادسة من عمره يلبس نسجا من ملابس القطن عليها ماسات من الزمرد الأزرق والأخضر ويضع على جبينه سلسالا في وسطه ياقوتة حمراء لامعة، وسألني:

من أنت؟!

تفكرت قليلا قبل أن أقرر بأن أجيبه إجابة تليق بمظهره الجميل:

عالم نقوش جاء يزوركم من أوروبا!.

حين التفتّ لأجيبه كان الطفل قد اختفى ولم يعد له وجود.

فعدت لأفكر في سؤاله.. “بالفعل من أنت يا روبنسون”؟!

ثم قال وهو ينظر في الأفق كمن يكلم نفسه، وقد لفت عينيه سحابة من الحقيقة المجردة:

رأيت الحلم بالفعل معهم، صحيح أن ثمة بعض الاختلافات التي تتعلق بالألوان التي كانت ترتديها الراقصات في ساحة الرقص، وبعدد القتلى تلك الليلة من العبيد المجاليد، لكن سؤال الطفل ظل يتردد في فؤادي حتى قبل أن استيقظ: ” من أنت؟”.

صحوت رجلا جديدا بمشاعر من ينجو من تحطهم طائرة، حتى إنني بقيت أحس بوخزة رمح الفارس البابلي المسن، في كتفي الأيمن لعدة أيام بعد الحلم. والتي أصابتني عن طريق الخطأ، في أثناء مرور كوكبة الفرسان المتقاعدين.

أضاف يقول :

شعرت بأني شخص آخر متحرر من كل شي، من الحزن، ومن الخوف، والاحتياج .. ولم أعد بحاجة إلى شيء سوى البكاء بالقرب من أمي المتوفاة منذ خمسة وثلاثين عاما! . هل لأنها امرأة ام لأنها أمي؟. شعرت بالكثير من الحنين إليها تلك اللحظة، ثم تلاشى الحنين، وبقي وهج التحرر من حياتي السابقة، وقبل رحلتنا هذه للجزيرة العربية زرنا أماكن عدة، زرنا مصر وسوريا والهند وأثيوبيا وتخصصت أكثر في التاريخ الشرقي وبدأت بتكوين مجموعتي الفنية من المنحوتات وواصلت عملي في تجارة اللوحات الفنية النادرة.

أقبل باتجاهنا الأصدقاء من بعيد ضاحكين، بعد أمضوا وقتهم مع البحر وقد تبللت بعض ملابسهم بالماء، وقبل أن يصلوا قال لي السيد روبنسون:

– توجهت في نهاية ذلك اليوم إلى مدينة بغداد حيث يوجد هاتف دولي واتصلت بالمنزل، وحين سمعت صوتها تقول: مرحبا، بادرتها قائلا:

– نادين!. سنبيع المزرعة، ونطوف مرتحلين لرؤية العالم!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن “أنثى الوعل” بقلم كاتبها: فيصل عسيري

حكاية الحكاية! ..

لكل رواية روح .. هذه قناعتي .. وبطابعها المرح، تتناول روايتي أنثى الوعل بأسلوب المتكلم قصة شاب في مقتبل العمر يتكلم عن نفسه وعن مواقف مر بها في حياته ، يعرضها أثناء قيادته لحافلة ومعه وفد أجنبي في مهمة لزيارة منطقة أثرية في شمال الجزيرة العربية للاطلاع على بعض الآثار.

أثناء الرحلة يقوم الراوي بمقارنات بين ثقافة الشرق والغرب، وفي أثناء ذلك يعلو صوت النقد أحيانا وينخفض.

تحتوي الرواية على إشارات اجتماعية ووطنية وسياسية آخذة شكلا كوميديا في بعض المراحل ، وفي مراحل أخرى تأخذ الشكل الجاد الذي يحاول رسم الصورة كما هي.

في هذه الرواية لم يتم تحديد مكان معين أو زمان محدد وذلك بشكل مقصود فهي إذن رواية اللازمان واللا مكان، حتى يتمكن القارئ العربي من الدخول كشريك في إسقاط حالته الشخصية او الاجتماعية وحتى السياسية التي يمر بها تبعا لكل موقف.

يبدو الشكل العام للرواية مقسما لأقسام منفصلة يحتوي كل قسم على قصص مستقلة لكنها في الواقع ترتبط بعمود البناء الرئيسي للرواية من زاوية ما ..

فيما يتعلق بالجوانب الجسدية فهي لا تعدو كونها ملامسات لهموم الشباب وهواجسهم والتي تبحث عن ملئ الفراغ العاطفي ، ووجود اشارات داخل الرواية تخاطب هذا الجانب فهو ما يجعل الصور واقعية أكثر، من خلال تقريبها أكثر فأكثر ، ثم إعطاء القارئ فرصة للشعور بأن لغة الجسد هي في الواقع لغة عالمية يتشارك فيها البشر كلهم بل وجميع الكائنات الحية على حد سواء.

يمكن القول بأن عمود الرواية له جانبان: الاول هو فكرة الشفاء من الماضي من خلال قصة الزوجة الايرلندية التي فقدت شيئا عزيزا وتشعر بالقنوط من الحياة. والجانب الآخر هو محاولة للمقارنة بين الشرق بعاداته والغرب بانطلاقته.

حين نتحدث عن (عوض) كشخصية مستقلة نجد انه يقدم جميع مكونات الرواية من خلال شخصه لوحده .. “رواية في شخص” .. كما يمثل السيد روبنسون طاقة العقل الواعي الذي يختزن خبرات لا تنضب.

أفكار الحياة والموت والحب والوفاء والفقر والغنى والطبقية وإقصاء الآخرين من اجل الدين او العرق .. كلها حاضرة لدينا هنا في رواياتي هذه ..

فقط حاولت أن المس جوانب متعددة مثل سلك كهرباء طويل تمتد على جوانبه لمبات معلقة، بعضها كبير واضح الإضاءة، والبعض الآخر منكفئ على ذاته بضوء صغير ومقصود .. آملا أن أكون وفقت في تقديم أفضل ما لدي ومتمنيا لكم قراءة ممتعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية نت