يناير 18, 2019
  • يناير 18, 2019
ديسمبر 17, 2018

“مسيح دارفور” لبركة ساكن.. غيرنيكا سردية علجية حسيني - تونس

By 0 431 Views

” غيرنيكا لبيكاسو” الإجابة الفورية عند اغلب المهتمين بالرسم ان سئلوا عن: ” أي لوحة تجسد رعب الحرب في القرن العشرين ؟”. وإن عدنا لتاريخ قصة هذه اللوحة فقد أنهى بابلوبيكاسورسمها سنة 1937 وجسدت تعبير فني عن وحشية الحرب. استوحى فكرتها اثر قصف القوات النازية والفاشية الألمانية والايطالية لسوق صغير ومكتظ بالناس في غيرنيكا، الباسك. وذلك جاء بعد طلب الجنرال فرانكومن القوات النازية لمساعدته على القضاء على الحرب الأهلية في اسبانيا بترويع السكان. وتتضمن صورة لمشهد مجزرة ناتجة عن القصف. ونقل عن بيكاسوأنه لم يبد في رسوماته (قبل اللوحة) موقفه من الصراعات السياسية، رغم أنه كان من المعارضين لحكم الجنرالات (الدكتاتورية) بعد الانقلاب على الحكم الجمهوري الذي كان يعني الديمقراطية. وقد عاش في فترة من أحلك فترات حكم الفاشية والدكتاتورية تحت حكم فرانكوالذي شرد ألاف المواطنين وقضى على كل أشكال الحياة وجعل من اسبانيا جحيما. إلا أن قصف غيرنيكا لساعات، مخلفة وراءها ( وان لم يحدد العدد الصحيح للضحايا) أكثر من 1654 قتيلاً و800 جريح، من بين ما يقارب 7000 من إجمالي سكان غيرنيكا. قتلت العديد من الحيوانات. هدمت المنازل. أحرقت الأراضي. وصلت النار إلى أكثر من%70 من السكان والتهمت %20 من الأراضي. أمام هذا الخراب العام انتفضت إنسانية بيكاسووتخلى عن حياده ورسم غيرنيكا ليعبر عن موقفه الرافض للحرب والدمار.

نتمكن، في اللوحة، من رؤية مشهد مجزرة مروعة في مكان تم قصفه. دمرت القذائف كل ما وجد أمامها: دمار، بقايا حريق، أجساد تشوهت وتحولت إلى أشلاء وتصرخ جراء قتل أي شكل من أشكال الحياة واهانة الكرامة الإنسانية. ولا تزال لوحة غيرنيكا محل انبهار والهام لدى المهتمين بالفن ونجد من بينهم الكاتب السوداني عبد العزيز بركه ساكن. فروايته مسيح دارفور تعد غيرنيكا سردية للقرن الواحد والعشرين.

والمعروف عن بركه ساكن أنه لا يعترف بالحدود بين الفنون تماشيا مع نظرية رولان بارت الناقد الفرنسي أن :”اللغة ليست بريئة على الإطلاق، فللكلمات ذاكرة أخرى” وهوما ينفي تقسيم الفنون إلى أجناس مستقلة بذاتها. فالأعمال الفنية تحوي آثارا لأجناس مختلفة مثل ما تضم رواية مسيح دارفور أثرا للوحة غيرنيكا . ومسيح دارفور مثال عن إمكانية أن تلهمنا لوحة رسم إلى ابتكار نص سردي. وهذه سمة من سمات أدب ما بعد الحداثة وهوالتناص “Intertexualiy”. بما يعني ابداع عمل فني جديد ويشبه أويتأثر بعمل سبقه.

عند قراءة مسيح دارفور، نتوصل إلى الأسباب المنطقية التي جعلت بركه ساكن يستوحي فكرة الرواية من مشهد لوحة غيرنيكا. فكلا العملين انبثقا كرد فعل إنساني رافض لأهوال الحرب المدمرة والمهينة للجنس البشري. فمثلما كانت اسبانيا تعاني من حرب أهلية بسبب الدكتاتورية فان السودان بدورها لا تزال تعاني من حرب عرقية. وكما استعان الجنرال فرانكوبألمانيا وايطاليا لترويع الأسبان، الميليشيات والتنظيمات المشاركة في حرب السودان حسب التقارير المسربة مدعومة من الصين وروسيا وغيرها من الدول الأفريقية والأوروبية.

وكما قال فينسنت فان غوخ: ” الفن هومن يساوي أولائك الذين كسرتهم الحياة”. هذا التقارب في السياق التاريخي وراء العملين أكسب معنى لاستلهام الفكرة من اللوحة. وحسب عبارة غابريال غارسيا ماركيز، الكاتب الكوبي”الزمن لا يسير وإنما يدور حول نفسه”. دورة الزمن زادت من التقاطعات التاريخية والسياسية والإنسانية بين لوحة غيرنيكا ومسيح دارفور.

لكن لا يجب قراءة اللوحة والرواية مجرد محاكاة حدث أووقائع تاريخية بحتة. العمل الفني ليس تقرير صحفي مهمته الأساسية نقل الواقع، كما هو. وكذلك يصبح اجحافا في حق غيرنيكا ومسيح دارفور، إن ربطنا تحليلهما بالإطار التاريخي فقط. فهما قبل كل شيء، تعبير عن عالم فني لمخيلة الفنانين. وحتى لا نسقط على حد عبارة ويليام ك. ويمسات ” المغالطة المقصودة” أو” The Intentionnal Fllacy”. وهوما يعني حسب تيار “النقد الأدبي الجديد الأمريكي ” Criticism American New “، أن العمل الفني يجب دراسته بمعزل ومستقل عن الاطار التاريخي عند ظهوره. حسب ويمسات حياة الكاتب ونواياه وتجاربه لا دخل لها في تقييم قيمة ونقد العمل. لكي نقترب من الأثرين ب”قراءة مقربة”، وجب رؤية المحتوى إن كان حقيقياً تاريخياً أوخيالياً، تجربة فنية. التركيز أصبح على العمل وما يحتوي من تقنيات فنية وليس الرسام والكاتب. وكذلك مؤسسو” الشكلية الروسية ” أو” Russian Formalism ” يرون أن الفن متحرر من الحياة الواقعية وليس محاكاة أوتمثيل. يرى فيكتورب. شكلوفسكي ” الفن كتقنية” وليس وصف للمجتمع. لأن الفن كخطاب يختلف عن بقية الخطابات الأخرى. فهويتناول ما هوشيء يومي واعتيادي ويحوله إلى صورة جديدة وغريبة عن المتلقي. وهوما يطلق عليه عبارة ” Defamiliarization “.

ويصل الفنان الى هذه النتيجة كلما أتقن استعمال الاليات والتقنيات الفنية الملائمة لعمله. وكما يقول رومان ياكبسون، أن الشاعر أوالفنان في العموم: “يرتب ويعيد ترتيب المادة التي تحت تصرفه”. وهذا متحقق باتقان أدبي في مسيح دارفور، بتحويلها بشكل ملفت ويستدعي الدراسة، من رواية الى لوحة سردية. بركه ساكن رتب وأعاد ترتيب آليات النص النثري المكتوب الى عمل مرسوم ويشابه لوحة غيرنيكا.

نستنتج من القراءة الأولى للرواية تقارب التعبير عن مشهد المجزرة. محتوى لوحة غيرنيكا يعبر عن مشهد مجزرة اثر قصف بالقذائف وشخوصها عالقين في الرعب والهلع من الموت والنار. وشخوص مسيح دارفور لا يقلون عنهم رعبا. المجزرة انحصرت في مدينة غيرنيكا أوتحت سقف واحد. وتعطينا الانطباع أنها تنتشرالى الخارج وتصل الى البشر المحيطين بالبناية. المجازر في مسيح دارفور تمتد تقريبا على كامل السودان لتصبح التراجيديا لانهائية ولا يستثنى منها أي مواطن سوداني أعزل ومسالم. لا يستثنى الشيخ ولا المرأة ولا الطفل. يرى أى مشاهد أوقارىء، دون استثناء، الرعب والهلع والسبب وراء الحالة المذلة لمكونات اللوحة وشخوص الرواية. و يمكن أن نبني مقارنة بين مكونات غيرنيكا ومسيح دارفور فنرى الكثير من انعكاس مكونات اللوحة وتأثيرها في الرواية حتى أنها تصبح بذاتها لوحة مشاهد بنص سردي.

لوحة غيرنيكا: تتضمن امرأة تصرخ وتمسك بيديها طفلا، ثور، جندي ممدد على الأرض ويقبض على سيف بيده اليمنى، حصان، فانوس بالسقف، امرأة تظهر من الشباك وتمسك مصباح، امرأة هاربة، ما يشبه امرأة تلتهما النار. لا توجد صورة مكتملة لأجساد البشر أوأجسام الحيوانات. كلهم مشوهون مما يزيد في رعب المشهد.

لوحة مسيح دارفور: المرأة التي تمسك بين يديها طفلا وتصرخ وتنظر إلى الأعلى ولا من مجيب أومغيث لها أولابنها في لوحة بيكاسويقابلها، كانعكاس أوتناظر بتقنية الرسم، مشهد المرأة الطويلة والنحيفة وأم الطفلين التي نكل بها الجنجويد. نراها معلقة في شجرة وأمامها رأس ابنها مفصول عن جثته، “كانت جثة طفلها الذبيح مسجاة ليس ببعيد عنها، رأسه ً المتورمة ترقد أبعد قليلا، تريد أن تلمس رأسه، كأنما سوف تواسيه بذلك أوتقلل ألمه، لم تحس بأنه ميت، بل يرقد برأس مفصولة متورمة عن الجسد، تجمد الدم عليه في مكان العنق، تحس أنه يحتاج إليها، يحتاجها بشدة”. عذابها لم ينته هنا، رأس زوجها قطع وأخذه الجنجويد معه، ” أخرج جنجويد من جرابه رأس زوجها، وقال إنه سوف يعلقه في باب بيته، إلى أن يأخذ بثأره”. وليواصلوا التنكيل اغتصبوها الواحد تلوالآخر، “بينما أخذ أحدهم يجردها من ملابسها بقطعها بالسكين، ثم بمساعدة آخرين ربط رجلها اليمنى على شجرة النبق والأخرى على وتد دق بالأرض، وأخذ يغتصبها وهي تصرخ وتقاوم، تعض وترفس. .. ثم أخذ وراءه آخر وآخر” . لم يرحمها القتلة والمعتدون بالموت بل تركوها كما قال أحدهم، :”إن الموت بالنسبة لها راحة، خليها تمشي تعيش في معسكر كلمة بين ميتة وحية، لا زوج لا أطفال لا أم لا أب لا بيت لا قرية لا شرف. “. ولتكتمل التراجيديا الانسانية للمرأة، لم يكترث لها ولم يغثها فريق الأمم المتحدة. وجدوها مغتصبة ومرهقة ومعلقة في شجرة جاؤوا وغادروا تاركينها في وضعية قاسية ووحشية ولم يحاولوا مساعدتها خوفا منها. فأفراد فريق الأمم المتحدة ” فجأة اختفوا، تركوها كما هي”.

وجود الحيوانات والجنود الموتى والحرائق والحطام موجود في كلي اللوحتين. في لوحة غيرنيكا يوجد رأس ثور دون جثة وحصان في حالة غضب. في الرواية أحصنة العم جمعة ساكن تبدأ بالصهيل والاضطراب عندما ترى جنجويد وكأنهم يذكرونها بالقتل والرعب، “وليست لديهم حرمة للروح الإنسانية؛ لا يفرقون مطلقًا ما بين الإنسان والمخلوقات الأخرى؛ الكلاب الضالة مثلا”. وتغمر المعاني التي لها صلة بالحرق والقتل كامل الرواية، “حرقنا المنازل وما تبقى من بيوت لم تُحرق حتى لا يعود إليها ساكنوها مرة أخرى ليثيروا الفتن”.

ذهب بعض نقاد لوحة غيرنيكا إلى أن وجود النساء يرمز إلى الحياة والجمال وبقتل النساء يعم القبح والموت. وهوما ينطبق على لوحة مسيح دارفور، فالنساء دائما الضحايا في المرتبة الأولى مثل أم الطفلين وعبد الرحمان التي، “التقطوها من لظى المذبحة حيث إن موظفي الإغاثة وجدوها حيَّة تحت جثتين متحللتين”. النساء في غيرنيكا يصرخن وينتحبن من رعب الموت الذي يلفهم. النساء في مسيح دارفور مغتصبات وثكالى وفاقدات عائلاتهن ومشاركات في الحرب أيضا للانتقام. يرجح بعض نقاد غيرنيكا ان سبب غياب الرجال المدنيين في اللوحة يرجع إلى أن الرجال في الحرب فقط النساء والأطفال كانوا موجودين في السوق لحظة الهجوم بالقاذفات. في سودان مسيح دارفور، النساء أيضا يشاركن في الحرب إلى جانب الرجال. وتكون الصورة تنتمي للكوميديا السوداء والقاتمة بتحقق المساواة بين النساء والرجال في الرعب والانتقام. مساواة عبثية لا تؤدي إلى شيء إنساني.

السبب الرئيسي لدمار الإنسانية في العملين هو تخلي الدولة عن مواطنيها. المجزرة في غيرنيكا، ايحاء مباشر لاستدعاء الجنرال فرانكوالنازيين لقتل هؤلاء الضحايا. القوات الحكومية في سودان الرواية تخلت عنهم ولم تحميهم من الجنجويد، “وقالت له بصورة واضحة إن الذين قتلوا أمها وأباها واغتصبوا أخواتها حتى الموت، ليسوا جنودا نظامين ولكنهم الجنجويد، وهي تعرف وتفهم الفرق، نعم كان بإمكان الجيش أن يحميها، ولكنه لم يفعل”.

وإن كان يوجد فرق البسيط بين لوحة غيرنيكا ومسيح دارفور في إن مكونات اللوحة تمثل الضحايا فقط. لكن في الرواية نرى الجلاد والبريء، السفاح والأعزل ويعيشون في المكان نفسه، “لقد حرق الجنجويد قريته وقتلوا أباه، والآن يسكنون فيها ” و ” نيالا… يسكنها الضحايا المهجرون من قراهم معا والقتلة الذين يرتكبون فعل التشريد والتهجير”

الجزء الذي يمثل المجرم والمعتدي في لوحة مسيح دارفور هم في الصف الأمامي وهم الجنجويد . هم” مغول” الرواية كلهم جنكيز خان وكلهم هولاكوفي بغداد في القرن 13 م. أضرموا النار في بيت الحكمة وتعد من أعظم المكتبات في العالم فاحترقت كتب علمية وفلسفية واجتماعية نفيسة. ورموا باقي الكتب في نهري دجلة والفرات . وعذبوا أهل العلم والثقافة ودمروا المعالم العمرانية قتلوا وشردوا أهلها. “مغول النيل”، الجنجويد، في رواية بركه ساكن، مهمتهم الحرق والقتل والاغتصاب لا فرق بين رجل وامرأة وشيخ وطفل . الجنجويد تحركهم عداوة للحياة وحب للقتل في أي لحظة، “على أكتافهم بنادق جيم ثلاثة صينية تطلق النار لأتفه الأسباب”. وتعريف كلمة الجنجويد في “ويكيبيديا ” :”جنجاويد” أوجنجويد مصطلح سوداني مكون من مقطعين هما: “جن” بمعنى جنى، ويقصد بها أن هذا الجني (الرجل) يحمل مدفعا رشاشا من نوع “جيم 3″ المنتشر في دارفور بكثرة، و”جويد” ومعناها الجواد.. . ومعنى الكلمة بالتالي هو: الرجل الذي يركب جوادا ويحمل مدفعا رشاشا. كلمة جنجويد تعني كما ذكر سابقاً (جن راكب جواد يحمل مدفع جيم 3) وترمز للرجال الذين يقاتلون من فوق الخيل ويحملون ال ج3 (البندقية الالية المعروفة) والكلمة تأتي من (جنجد) حسب رواياتهم وتعني (النهب) حيث أنهم منذ سنوات عديدة يحترفون النهب المسلح بمنطقة دارفور، ويقولون (نمشي نجنجد) أي ننهب ومنها أتت تسميتهم بالجنجويد … ومنهم من يمتهن النهب لجلب القوت له ولأسرته. وقد ارتبط هذا المصطلح بأزمة دارفور بشكل كلي، إذ ينسب سكان دارفور من ذوي الأصول الإفريقية هذا المسمى لميلشيات شبه منظمة وذات أصول عربية تعمل على فرض سطوة الحكومة المركزية على الإقليم، وتتهم أيضاً بتنظيم عمليات اغتصاب وإبادة جماعية ضد السكان الأصليين”. تصويرهم في الرواية هم في الحقيقة اقرب للشيطان من الجن. لأنه حسب التأويل الديني يوجد نوعان من الجن جيد وسيء أما جنجويد الرواية فهم شياطين لأن الشيطان كان مدحورا ومذموما. فقد أخرجه الله من الجنة ومغضوبا عليه إلى يوم القيامة. ليس وحده وإنما من آمن به. فمسيح دارفور أكد ” أهون لجمل أن يَلج من ثُقب إِبْرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله”.

شخوص الرواية، من الضحايا، هم يمثلون أهل السودان الضعفاء. وكأنهم جمعوا كلهم في “بورتراي ” (Portrait ) داخل صورة فوتوغرافية لوجوه بائسة وحزينة. كل فرد مرتاب، “ولا أحد يثق في الآخر “. كل فرد يمثل خطر يهدد حياة الآخر، سوداني يري نفسه هابيل والسوداني الآخر قابيل قد يقتله أي وقت، دون سبب ويترك جثته ملقاة . شيكيري توتولم يثق في إبراهيم خضر إبراهيم في أول معرفتهما ببعض، “لذا لم تتوطد علائق لا جيدة ولا حسنة من قبل، بني شكيري تُوتُوكوه وإبراهيم خضر إبراهيم، ولا بين أحدهما وأي إنسان آخر. ونستطيع أن نقول: الأيام الأولى لهما في شعبة الاستخبارات شهدت شكوكا متبادلة بني الاثنين، ومشادات عنيفة. تردد في متابعة التعبير عما يفكر فيه. العمة خريفية لم تطمئن لعبد الرحمان خوفا من أن تكون وراءها قصة، كأن تكون، “ما يُحتمل أن يكون برطابرطا ( كائن يشبه الأنسان ينام بالنهار ويستفيق بالليل ويتحول لما يشبه حيوان مفترس لقتل الناس ويأكلهم دون أن يترك أثرا ) ليأكلها بالليل، لولا ذلك ما تأخرت في أن تأخذ عبد الرحمن معها لبيتها”.

حسب قولة جون بول سارتر، في سودان الرواية، تحول “الآخر جحيما”. ليس إلغاء فكري أوعقائدي فحسب وإنما أيضا إلغاء وجودي من الحياة. وتجسدت قولة الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز: “الانسان ذئب لأخيه الانسان”. لأن حسب رأيه الانسان أناني بطبعه وشرير وعنيف ومتوحش. وهذا جذري فيه. المفارقة أن شخوص مسيح دارفور طبيعيين عند الولادة. لم يولدوا أشرار قبل ظهور الجنجويد، وانما دفعوا للعنف كوسيلة للدفاع عن الحياة أوللثأر لحياة خطفت. فيضاف لضحايا لوحة مسيح دارفور هلعا آخر لم يظهرعند قتلى لوحة غيرنيكا . لأنهم مشتتين بين الطبيعة الفطرية الإنسانية التي ولدوا بها والسلوك العنيف المكتسب للدفاع عن أنفسهم جراء وحشية الجنجويد .

لو نقترب من الحياة النفسية لشخصيات مسيح دارفور، فإنها قلما تعرف الفرح والابتسام. دائما في حالة حزن وكآبة وغم وغضب متواصل. الضحك نشازا. الوحيد الذي يضحك، شارون، وضحكته غريبة عند سامعيها وكأنها في المكان والزمان الخطأ. تتساوى الشخصيات نساء ورجالا في المعاناة. لا يعرفون الحرية ويحرمون من امتلاك أي هامش منها حتى وإن كان التفكير فقط، ” لقد حيل بينهم وبني الأسئلة الفعلية أوطرائق نهاياتها، الأسئلة التي تخص هم كبشر، التي تخص خياراتهم بالذات، التي تجعلهم أحرارا في نهاية المطاف”. دافع من دوافع السلطة لقتل مسيح دارفور هوتشجيعه حرية التفكير، ” لا يصبح حر َّ ا من لا يستطيع أن يتبني أسئلته من لا يستطيع أن يتبنى أسئلته. .. وكان يقصد الأسئلة التي تطلقهم أحرار مثل طيور السمبر”. مسيح دارفور يمكن أن يكون المثقف الذي يحاول النهوض بوعي وتفكير أبناء بلده، ولذلك وجب قتله،” وبهذا يستحق صلبًا حزينا بائسا يجعل كل من يحاول أن يدعي النبوة __ وهم كثر في هذه الأيام — أن يفكر ألف مرة قبل أن يعلن ذلك”.

أكثرهم دفعوا للرعب والقهر والمشاركة في القتل رغما عن إرادتهم. كل أخذ مكانه في ونصيبه من جحيم لم يقترفوا إثما لدخولها. وأكثرهم قهرا هؤلاء الذين اعتدى عليهم الجنجويد وقهروا بالعيش كعبيد عند ألد الأعداء، ” وهم يعتقلون عددا من السكان الأصليين، يستخدمونهم كرق في العمل بذات مزارعهم، جنائنهم وأراضيهم، يغتصبون نساءهم”. الرجال لا يعرفون إلا الحرب وذكرياتها. فمنهم المدفوع للخدمة العسكرية التي تبدأ ولا تنتهي في الحرب، فصوروا كأنهم رهائن مخطوفين، “بكى فيها كل المجندين، عندما أقلعت بهم الطائرة العسكرية اليوشن الروسية العجوز نحوما لا يعلمون من البلاد، لكنهم جميعا كانوا موقنين أنهم يتوجهون إلى ميدان معركة ما، حامي الوطيس، في الجنوب أوالغرب. .. وكانوا يعرفون أنهم سوف لا يرون الخرطوم مرة أخرى إلا إذا كانت في الجحيم مدينةٌ بهذا الاسم”. كلهم يعرفون أنه لا فرار من الموت في الحرب، ” الليل في الصحراء بعيدا عن البيت لا يعني شيئًا غير العدم، والصحراء لا تعني للجندي غير الهلاك”. وما يجعل الحرب أكثر عبثية هوأن الجنود لا يعرفون أسبابها الحقيقية، “الجندي المعني ليس ذلك الثوري الذي يحارب من أجل قضية وطنية ضد عدوأجنبي دخيل، طالما آمن بها وتبنَّاها “. إبراهيم خضر إبراهيم يفضل أن ينعت بالجبان ويطلق سراحه على أن يشارك في حرب لا يعرف أسبابها ولا يعتبرها تعبر عن قضية ما هويؤمن بها. بل يستهزأ بالبطولة والشهادة التي تكون ناتجة عن المشاركة في هذه الحرب. ومأساة إبراهيم خضر أنه مثقف ويؤمن بفكر جمهوري ديمقراطي في بلد الكل يحارب الكل، لا أحد يعرف ” شيئًا عمن يَقتُل أومن سوف يقتله هوفي آخر المطاف، ذلك الجندي الحزين وكان إبراهيم الخضر دائما ما يسخر من الشهداء والأبطال الذين توجوا بهذه الألقاب وهم يحاربون بني جلدتهم ذات بني تُرابهم “.

الضحايا دائما في رغبة للانتقام لعائلاتهم المقتولة ونساءهم المغتصبة وبيوتهم المحروقة. وهوما يبعث الإحساس أن الحرب تتمدد ولانهائية. منهم من يعبر عن ذلك وبشكل دائم مثل شارون، “يحكي شارون ذلك لكل من يجالسه في أول دقيقة، ويعلن أن أول أهداف ثورته هي تحرير مواطني قريته ضلاية”. ويكظم آخرون غيضهم ويأجلون تنفيذ انتقامهم مثل عبد الرحمان والعم جمعة ساكن. عبد الرحمان أظهرت أنها نسيت المجزرة التي تعرضت لها عائلتها. لكن في داخل أعماقها لم تنس ما حصل لها. فكان قرارها ألا تتزوج الا من يساعدها على الانتقام. طلبت من زوجها، ” طلبًا غريبًا ومباشرا وهما في الساعة الأولى من الزواج، طلبت منه: إما أن ينتقم لها، أويساعدها على الانتقام، ولا خيار ثالث”. و تتحول الرواية إلى شكل من أشكال “مسرح الانتقام” الذي ظهر في بريطانيا في عصر النهضة، حيث نجد الشخصيات في حالة مستمرة في التخطيط للانتقام. داخل مسيح دارفور الكل ينتقم من الكل. القبائل التي كانت مسالمة وأهلها رافضين للحرب، ما يبقى منها ينتقم من القتلة الجنجويد، “تم إعدام الجنجويد والمجاهدين بصورة بشعة، حيث ذبحوا ذبحا، طاليبن منهم في سخرية أن يبلغوا تحياتهم للحور العين بالجنة”. وهذا الأخير ينتقم لقتلاه، ” أخرج جنجويد من جرابه رأس زوجها، وقال إنه سوف يعلقه في باب بيته، إلى أن يأخذ بثأره”. الجيش النظامي يقتل القبائل المعارضة بمعية الجنجويد. ومن ينجومن تلك القبائل يبدأ في رحلة الانتقام. وهكذا تتواصل حياتهم داخل حلقة مفرغة لاتنتهي.

المطالبون بالمشاركة في صلب مسيح دارفور من الجنود والنجارين، هم أيضا مدفوعون لمشاركة في القتل. لا أحد منهم يستطيع الرفض ولو أن في قرار أنفسهم يعرفون أنهم يقومون بعمل غير إنساني، لأن المسيح لم يضرهم في شيء ولا يشكل خطرا على حياتهم، “العسكر ال ٦٦ لا يرغبون في الحرب، وليست هي من ضمن هوايات أي منهم. إنهم من أسر كريمة تقدس الحياة وتحترم الجار والصديق وتقيم الصلاة أيٍّا كانت، في الكنيسة أوفي الجامع أوفي أي من أمكنة الله الكثيرة، وتعرف أن الرب لا يحب أن تُقْتل البشرية”. وبعض النجارين يتطيرون من صنع الصلبان لأنهم يخافون من نتائج ارتكاب جريمة قتل، ” أما بالنسبة للقلة فإنهم يتشاءمون كثيرا بصنع الصلبان… ويستر الله إذا لم يدخلوا النار يوم القيامة من جراء هذه الصلبان التي يقومون بصنعها الآن؛ يعملون بجد واجتهاد، بينما تدور كل هذه الهواجس في رؤوسهم”.

يتسم عالم لوحة غيرنيكا وعالم في مسيح دارفور بالعبثية ” Absurd”. يعجز المتلقي عن تبرير أوايجاد معنى لما حدث. المتلقي يختنق من البشاعة التي تغرق فيها كلها الكائنات الحية. فكلهم يتخبطون في المجهول واللامعنى لوجودهم. عندما ندقق النظر في غيرنيكا ، نرى الضحايا مرعوبين ومصدومين وقد يكون من ضمن أسباب حالتهم المأساوية جهلهم لما حدث. لم يستوعبوا بعد الأسباب الحقيقية لماساتهم، وهوما يعمق هلعهم. الشخوص في مسيح دارفور يواجهون المصير نفسه. فسبب الحرب مجهول واختلقته الحكومة من وهم. الحكومة تتعمد إبقائه غير مفهوم، وكلما جهل الناس هدف الحرب، طالت أكثر. يخوضون حربا أسبابها وهمية. الضحايا تسقط يوميا دون أن يعرفوا السبب الحقيقي لماساتهم من وراء الحرب. ويبقى السوداني مخدوع وموهوم ولا يكتشف السبب الحقيقي لما يحدث له، ” ومن الأهداف الثانوية التي تحققت للسلطة المركزية هي أن تبدوالحرب في دارفور كما لوأنها حرب بني مجموعتين وهميتين، وهما ما يُسمى بالعرب والزرقة”. ليس الأبرياء فقط يجهلون الحقيقة، القتلة أيضا يرتكبون جرائم في حق الإنسانية وهم يجهلون أنه وقع استغلالهم والاستهانة بهم كبشر قادر على التفكير. فالجنجويد “يحارب من أجل هدف غامض لا يعرفون كيف يعبرون عنه؛ لأن السياسيين الذين يدفعون بهم للتهلكة لا يفصحون عنه في الغالب، إما لقناعتهم الشخصية بأن الجنجويد لا يفهمون، أولخوفهم منهم إذا فهموا”.

السبب الرئيسي للمأساة الانسانية، في غيرنيكا و مسيح دارفور وفي هذا العالم العبثي هواحتقار الذات البشري. لا حرمة للكائنات الحية من البشر والحيوانات في لوحة غيرنيكا . وحشية المعتدين تركتهم أجسام مشوهة وأشلاء متناثرة. لم يهتم القتلة لما سيحدث لهؤلاء الأبرياء العزل من النساء والأطفال الضعفاء. يصبح الكائن الحي هش وبلا قيمة وكأنه قشة أمام سادية القاتل. في مسيح دارفور ، الجندي لا تعتبره الدولة كائنا بشريا. تتصرف الدولة في مواطنيها كمن يحمل حقدا لأبنائه. وهوما يجعل أي جندي، مقبوضا عليه في الخدمة العسكري، لا يرى لنفسه أي قيمة انسانية وانما مجرد كائن يساق الى أهوال الحرب ” فردا يؤدي الخدمة الوطنية مكرها ومجبرًا، ويُساق إلى ميدان المعركة جنديٍّا محترفً كما تُساق النِّعاج إلى السلخانة”. الخدمة الوطنية تصبح طريقة غير مباشرة للاعدام للتخلص من أبناء السودان. وان رجعنا لفكرة تقنية التناص، فان بركه ساكن التجأ إلى ” الكوميديا السوداء” أو”الكوميديا القاتمة”، التي استعملها كتاب الأدب والمسرح العبثي، للتعبير على فضاعة الضعف الإنساني أمام القدرة اللانهائية للشر والنزعة المرضية للقتل دون شفقة. والتي يكتسبها الكثير من الناس يشاركوننا العيش في هذا العالم. الكوميديا السوداء تعبر عن قتامة المواقف وعبثيتها. الدولة تجهز جيشا كبيرا للقضاء على مجموعة صغيرة ومسالمة، ” كل قوته التي لا تحمل أيٍّا من الأسلحة هي ١٥ رجلا ُ وامرأة واحدة،”. كما وصف سوداوية الروح البشرية عند القتل واستعمل كثير أسلوب التضاد بين اللفضي والمعنوي الذي يأديه، ” سيجدون جنودنا في انتظارهم. والصلبان الغليظة تتشهى أجسادهم النحيلة الكافرة وتتشوق لعناقهم الأبدي”. وليؤكد تعطش المساهمين في الإعداد لصلب المسيح، يستند بركه ساكن على الكوميديا السوداء، باستعماله أسلوب وصف يلائم فنانا وهويصنع فنا إنسانيا، ليصف شخص مقبل على قتل ذات بشرية، ” الشخص الذي صمم طريقة القضاء على الرجل كان يمتلك خيالا خصبًا يُحسد عليه كما أنه يتسم ببرود أعصاب وإصرار على القتل بصورة مدهشة”.

كل ما نستخلصه من احتقار الجنس البشري، من خلال رسم وتصوير عذاب ومعاناة الذات الإنسانية ، في اللوحة والرواية، أن الإطار الإنساني خال من الدين والأخلاق. لا انطباع للمتلقي بوجود الاه يحكم هذا العالم. الجوالعم يوحي أن العالم يحكمه الشرير والمجرم دون خوف من عقاب الاهي. قانون الشر هوالمهيمن ولا من مغيث للضحية من الظلم. لا تحوي غيرنيكا أي إشارة لله. الضحايا تركهم المعتدي في صرخة أبدية وجحيم مأساة لا فرار منه. وهذا ما نجده تقريبا في مسيح دارفور. رغم الإيحاء لممارسة بعض الشعائر الدينية أوتلفظ مفاهيم دينية، إلا أن بشاعة المجازر ومعاناة الشخوص ينقص أويلغي قيمة الدين. الجنجويد هم من يقررون من يعيش ومن يموت ولا الاه رادع لهم. فمشهد التنكيل بأم الطفلين لم يحدث لهم بعده أذى بل استهزأوا من فكرة الله القوي والعادل، “قبض الأصغر ابن السابعة، سمته أمه أحمد، وحاول ذبحه، قالت له الأم: ما تخاف الله يا راجل؟ رد عليها وهومنشغل ْ بتخليص الطفل من يدي أمه اللتين تقبضان عليه بشدة: الله؟ منوالله؟ اللي قتلناه في وادي هور قبل أسبوعين وضحك في وحشية “. وواصلوا تعذيبها دون رحمة أوشفقة ولا خوف من عقاب الاهي، “وقالت إنها أحست بأن الأرض تَميد تحت رجليها، وكانت تظن أن الله سوف يخسف بالجنجويد الأرض أويحرقه حيا لنطقه بهذا الكفر البين، ولكن الجنجويد في لمح البصر فصل رأس الطفل عن جسده تماما، رمى بالرأس بعيدا وهويصرخ مكبرًا في هستيريا، بل جنون وقح”.

الجو العبثي الذي طغى على غيرنيكا على مسيح دارفور يثير في المتلقي الشعور بالعدمية ” Nihilism “. من المؤكد أن المشاهد للوحة غيرنيكا فور عرضها في الثلاثينات أوبعدها، أصابت المشاهد بالإرباك. وحركت فيه التساؤل عن معاني القيم الإنسانية كالحب والتآخي والخير. وفي الآن نفسه يصاب المشاهد بالإحباط واليأس من وجود أي قيمة للوجود الإنساني. وينفي ويرفض الأيمان بأن للعالم قيمة أخلاقية تسيره. يتوصل المشاهد إلى أن العالم تسيره قوى الشر والخراب. أيضا، قارئ مسيح دارفور لا ينجومن الإحساس بالعدمية واليأس من جدوى الأخلاق والقيم الإنسانية. لا يمكن للقارئ أن يتجنب أويقاوم الشعور بالتشاؤم والإحباط أمام الظلم المسلط على الضعفاء. قوى الظلم تبيد ضحايا دون سبب ولا عدالة أخلاقية تتحقق في كامل الرواية. لوكتبت مسيح دارفور في سياق للأدب الإغريقي، لاستنتجنا أن مأساة سودان الرواية تعمقت بفعل ظلم الآلهة. حتى أنه قد يصرخ القارئ ” أين الآلهة؟ لا توجد آلهة. الآلهة غير عادلة. أنا كفرت بهم”. وكفرت العمة خريفية في الرواية لما شهدته من وحشية وسادية وظلم العالم عند سماعها قصة أم الطفلين، ” قالت العمة خريفية لنفسها: ما في عدالة، ما في «رجالة»، ما في إنسانية، ما في ما في ما في . . . ؟”. ولقد خصص لها بركه ساكن فصل من الرواية عنونه :” لماذا كفرت العمة خريفية؟ “. لونرجع إلى الآلهة في الأسطورة نجد آلهة الانتقام والعقاب وهن ثلاث آلهة إناث Erinyes The ويدعون أيضا Furies The. ومهمتهن الأساسية معاقبة ولعن القتلة والمجرمين. وقد كانت الآلهة تسلط عقابها على المعتدين. يصاب القتلة بالأمراض والعلل والهلاك حسب الأسطورة. المفارقة الماساوية في سودان الرواية، العزل والأبرياء، هم الملعونون. لم يرتكبوا ولا خطيئة من الخطايا السبع (الغرور والجشع والشهوة والحسد والشراهة والغضب والكسل). يمكن أن تكون خطيئتهم أنهم لم يغادروا أرضهم ليتركوها للغرباء أوأنهم يسكنون أرض بها ماء، ” منبع مائي صغري، وكان هومن الأسباب التي قادت الجنجويد إلى المكان وإبادة ساكنيه”. لكن الآلهة أخطأت التمييز وعاقبت الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ. فالضحية الإغريقي إن ظلم يطلب العدالة من الآلهة لتلعن المعتدي. في السودان الإلهة سلطت لعنتها على الضعفاء والمظلومين ليحكم عليهم بالعذاب والجنون والمعاناة لتزر وازرة وزر أخرى.

كتقنية رسم و كتابة فان الرواية واللوحة لا يختلفان. فالتقية الفنية عبرت بإتقان عن الخراب الموجود في الأثرين لأنه وبحسب أرسطو: “ليست مهمة الفن تقديم الشكل الخارجي للأشياء، وإنما تقديم المدلول الداخلي لها”. الفوضى تعم العملين. المحتوي لا يدور حول محور واحد. لا توجد صورة مكتملة للأجسام في اللوحة أوتدرج في رسم الخوف والذعر. وتكسر المبنى الكلاسيكي للرواية في مسيح دارفور. فتصميم سير الأحداث في الرواية لم يتبع بداية وعقدة وحل العقدة. ولم يرسم محور مركزي تنبني عليه حبكة الرواية. أسلوب السرد جعل من أحداث تصل منتهى التوتر من بداية الرواية حتى نهايتها. كما نعثر على نمطين من الرؤية الروائية. نجد أن معضم أحداث الرواية سردت عبر راوي بضمير الغائب “هو”. لكن نتفاجا بتغيير الراوي وأصبح بضمير المتكلم “نحن”. لا يعرف القارىء من الراوي الحقيقي للرواية. هل هوفرد من الجنجويد أم من الجيش النظامي أم ممثل للحكومة، ” فتأكد لنا أن لا خطر من وراء امرأة بذاكرة مشوشة، فأطلقنا سراحها”. و”دفنا ولدها وجدته في قبر واحد، حِفر عند أعلى التل الرملي من حيث قاد زوجها مقاومتنا وقتل جنجويدنا التسعة”.

تنتمي لوحة غيرنيكا الى المدرسة التكعيبية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين وأبرز روادها بابلوبيكاسووجورج براك. وقد كانت بداية للقطع مع مدارس الرسم التقليدية التي سبقتها والتي كانت تهتم برسم الأجسام طبيعية وكاملة عن طريق محاكاة الأشكال الطبيعية. اعتمدت المدرسة التكعيبية على الأشكال الهندسية لرسم الأجسام. فاستعمل الخط الهندسي والمكعب والمربع والاسطوانة. وامن رساموالتكعيبية بضرورة رؤية الأجسام من جميع الجوانب والزوايا. ولا يتحقق ذلك إلا بتحطيم الشكل الخارجي للجسم وبروزه في شكل أجزاء وقطع. وهاته التقنية تخدم هدف بيكاسولتصوير المجزرة. فمن غير المنطقي أن تترك القذائف بعدها الأجسام منظمة ومرتبة وكاملة وأعضاء متصلة ببعضها البعض، دون أن تقطع وتفقد شكلها الطبيعي. ونظرا للإحساس بالموت والهلع والصراخ الذي يعم المكان كانت الأجسام في لوحة غيرنيكا في وضعية فوضي واضطراب. وهوما يتلائم مع التقنية التكعيبية. فهي تظهر أجزاء من الجسم(رأس فقط) ومنحنية ومنحرفة ومعوجة وخطي مع الأرض.

اعتمد بركه ساكن على الكثير من الأساليب الأدبية ليوصل رسم حالة الخراب والفوضى في عالم الرواية. استند من بينها على تقنية ما بعد الحداثة ” Postmodernism” ومنها تقنية وسمة التجزئة ” Fragmentation “. مسيح دارفور هي تخلي عن النمط السردي القديم (سرديات عريضة ومتتابعة) وابتكار الرسم السردي لنشاهد الدمار. هذه التقنية الأدبية لرواية ما بعد الحداثة توصل إلى المتلقي حالة التشوه والانكسار لشخوص الرواية في مسيح دارفور. الشخوص تظهر ثم تأتي لاحقا بقايا قصصهم مثل شخصية إبراهيم خضر ابراهيم وشيكيري توتو. لم تكن قصصهم متتابعة وجلية من الأول وإنما انقسمت على كثير من الأجزاء. وترك الكاتب قصة جربيقا جلباق لينهيها في فصول أخري، ” سنلتقي بأبي دجانة أوجربيقا جلباق هذا في أزقة أخرى من الحكاية”.

الأحداث ليست متسلسلة أوتقسم علي أجزاء كبيرة وإنما نلملم شظايا مبعثرة ومفتتة لا نعرف أين ابتدأت قصصهم. القصة الدرامية آتية من تاريخ مجهول ولم تنته. وكأن القبائل السودانية منقسمة وفي حالة تأهب للحرب منذ القديم، فقط بتوفر سبب، ينفجر الكره والدمار. الرواية تبدأ بفصل تقريبا عند اقتراب النهاية ولكن لا يسترسل الكاتب في سرد الأحداث بل قطع تسلسلها. فرقها على فصول كثيرة لها علاقة بأحداثه كالتقاء شخوص يعرفون بعضهم من قبل وكانوا موضع تناول في أجزاء متفرقة من الرواية وتفرقوا مثل شارون وإبراهيم خضر وشيكيري توتوومريم المجدلية وعبد الرحمان. كما توجد فصول أخرى إما متزامنة معها أوسبقتها في تاريخ السودان لا يوجد رابط مباشر بينها. كل الأحداث تتأرجح داخل مد وجزر سردي غير مستقر.

التدفق المتقطع لسرد الأحداث هوالأسلوب الملائم لوصف الشخصوص الروائية. كل الشخصيات تفتقد التوازن النفسي جراء الحرب. نفسيا تهم مشوشة ومشوهة. وهذا ما يقابل الأجسام المشوهة والمعوجة والناقصة في لوحة غيرنيكا. اللاتوازن هوما يوحد شخوص الرواية. نجد من وصل إلي التشتت وفقدان العقل البشري كليا وهم المجانين، “وكما هومعروف أن نيالا بها هذه الأيام عدد هائل من المجانين؛ إنهم ورثة ً الحروب، من كل نوع وكل عمر”.

ومنهم من ضل يعاني من تبعات صدمة نفسية ” Trauma Psychic” و لم يشفى منها، نتيجة لما تعرض إليها، فتصبح الذاكرة عبئا عليه ومصدر عذاب. عبد الرحمان تخاف أصوات الطائرات لارتباطها بالمجزرة التي عاشتها، “أما عبد الرحمن، فعلى الرغم من كبر سنها مقارنة بغيرها ممن خبروا تجربة حرب الطائرات، ما زالت تحس بالرعب يتملَّكها عندما تسمع صوت الطائرة، أوتراها”. وكذلك الخل جمعة ساكن لم يستطع نسيان ما حدث لأبنائه الذين قتلهم الجنجويد ودائما في انتظار الانتقام .

كما تعاني بعض الشخوص، مثل شارون وعبد الرحمان، من ازدواجية في الشخصية واستبدل حديثا بمفهوم “اضطراب الهوية الانشطاري”. ويعني أن المريض ينتقل من شخصية إلى أخري أوإلى عدة شخصيات عند حالات الضغط النفسي. ويرجع المختصين أسباب المرض تعود إلى تعرض المريض إلى أذى نفسي أوجسمي أوجنسي وخاصة في الطفولة. أصبح هارون يلقب بشارون لعنفه. وشارون من بين الشخصيات الذين دمرت الحرب حياتهم وغيرت مسار حياتهم. فهومتعلم ومثقف ومتخرج من كلية الاقتصاد. لكن ظلم الجنجويد حوله إلى شخص متعطش للقتل، فيعطي انطباع اللاتوازن في سلوكه، “وتسمع ضحكته في كل أرجاء المعسكر إذا لم تكن هنالك محاولة هروب لأحد الأسرى، فاشلة كانت أم ناجحة، حينها يتحول هذا الرجل إلى وحش كاسر لا يرحم”. فهويجمع صفتين متضادتين، “رقيقا وشر سا”. رسم صورة عبد الرحمان مبني على التضاد وهي أكثر شخصية تعاني من التشظي والاهتزاز النفسي. فهي الفتاة الجميلة والمثيرة “كانت رقيقة جدا وناعمة، وبها أنوثة طاغية وملفتة “. ورغم قدرتها المتواصلة علي إغراء زوجها واستمتاعها بممارسة الجنس، فإنها أيضا تحمل نزعة للقتل والتمثيل بالجنجويد، “بدت له كوحش متعطش للدماء، كثائر مجنون لا يرى غير الأعداء والمكائد”. من أجل الوصول إلى هدفها وقتل عدد محدد من الجنجويد ترغم نفسها على ممارسة الجنس معه رغم كرهها المرضي له وتتحمل رائحته القذرة وجسده المقرف. ثم تتحدث عن استمتاعها بقتله وتشعر أن القتل الوحشي هوما يحقق الشعور بالإنسانية، “كنت باردة الأعصاب كأنما لوكنت أقتل كل يوم جنجويدا، أحسست بلذة عظيمة، إنني الآن أنتقم لكل أسرتي وأقاربي، أحسست بأني الآن إنسانة”. وتصل بذلك الى درجة تراجيدية من الاضطراب والتشوه النفساني بتحولها من وضعية الضحية إلى تقمص سلوك الجاني. كما أنها سمت نفسها عبد الرحمان وهواسم ذكوري ورفضت إبداله وكأنها ترفض جنسها كأنثى. وهوما يجعلها منقسمة إلى جنسين أنثى بالولادة وذكر بالاسم. وهذا سمة من سمات التصدع والتشتت في إحساس الفرد بهويته. ويوجد جيل كامل من الأطفال نصف إنسان ونصف وحش وهم أبناء نساء وطفلات قام الجنجويد باغتصابهن.

مرض “اضطراب الهوية الانشطاري”، في مسيح دارفور، يعاني منه الضحية والجاني على حد السواء. جربيقا المجرم أيضا يعاني من ازدواجية في الشخصية فهومجرم وقاتل وسادي اجرامي بمعني التحليل النفسي. لكنه يبدوضعيفا وإنسانيا إذا شهد موت أومرض شخص ن مجموعة محددة لديه، ” ولا ترف له عينا ما كان، بشرا أوحيوانً ُّ الأوامر، ولا يتردد إطلاقًا في قتل أي شيء كائنً أويرتجف له قلب أويرق ضمير، وعلى الرغم من ذلك فهوسريع البكاء إذا مات أحد أقاربه أومعارفه أوإذا مرض ولومرضا طفيفً هينًا”. وله أيضا ملامح لمرض الانفصام في الشخصية أو” الشيزوفرينيا Schizophrenia/ ” ومن أعراضه اضطراب المزاج والوجدان. فهوقام بقتل الأبرياء بدم بارد وعند انتهاء المجزرة بكى، ” بكى جربيقا كثيرا”.

الجنجويد رسموا وحوش في هيئة إنسانية فهم أقرب للحيوانات منهم إلى الجنس البشري، ” بصورة عامة كان أقرب للذئب منه إلى الإنسان”. ويمتلك الجنجويد صفة “أكلي لحم البشر” “cannibal” ” أكل قطعة لحم نيئة أخرجها من ذات الجراب، إنها كبد الإمباية، سوف أقتل: ألف ألف ألف ألف ألف إمباية”.

كما عانى بعض الشخوص من التشويش النفسي والتصور الرهيب لأفكار مرعبة جعلتهم مضطربين. شيكيري توتوأصبح ضحية لنوع من الهلوسة عند تصور زوجته تأكل كبد جنجويد، تأكل أكباد الجنجويد، نيئة كانت أم مشوية، لا يحب أن تكون زوجته آكلة للحوم البشر، ببساطة الفكرة كانت تُخيفه”. وأم الطفلين تبلغ ذروة التمزق والتشتت والعذاب الإنساني الذي لا يحتمل، بتصورها ما حل لولدها الذي هرب من الجنجويد ” كانت صورة طفلها محمد وهويهرب لا تفارق عينيها، لا أدري هل قضوا عليه أم أنه استطاع أن ينجو، ولكن كيف ينجو؟ وضعت عشرات التصورات لنجاته، ولكنها كلها انتهت إلى نهاية مأساوية “.

يعتبر بعض النقاد أن وجود والنافذة وضوء من المصباح، في لوحة غيرنيكا، يرمزان إلى أمل النجاة. وتضمنت مسيح دارفور بعض من نفس الحياة. هناك الكثير من النساء الجميلات مثل عبد الرحمان ونساء مقاتلات ومريم المجدلية التي سماها مسيح دارفور، ” مريم، تلك المرأة الجميلة” كما توجد بعض المشاهد لحياة شبه طبيعية للشخوص وإن حرموا منها كثيرا. مثل استمتاع شيكيري توتووعبد الرحمان بالجنس، “لقد افتقد شيكيري النساء كثيرًا، يمتلك الآن رغبة طازجة لأجلها وشهية لا تحدها حدود. أما هي فلم تمارس الجنس برغبتها الكاملة إلا اليوم”. إلى جانب عائلات أخرى واصلت حياتها في المعسكر، “بها نساء جميلات محاربات وزوجات في نفس الوقت، يقمن بواجب الزوجية بمتعة ٍ ويحاربن بشرف وبسالة”. رغم الحرب، يمتلك الشخوص بعض الأحلام . شارون يحلم بتحرير ضلاية ودارفور. وتحقق حلمه بطرد الجنجويد من ضلاية، ” طردوا الجنجويدُ والحكومة من ضلاية”. مريم المجدلية لم تتزوج لأنها ربطت زواجها بتحرير دارفور أوظهور المسيح، ” فهي تؤجل زواجها دائما لحين تحرير دارفور أوظهور السيد المسيح، أيهما أقرب” . والتقت بالمسيح وانجذبا لبعضهما. و عبر إبراهيم خضرابراهيم عن أحلامه وإن كانت بسيطة بعد أن كان يائسا في الحرب والأسر، ” قال لقائد المنطقة العسكرية العميد الشاب، إنه يريد فقط أن يعود لأسرته، ها هي سنته العاشرة التي قضاها في ميدان القتال، وتعرض للموت أكثر من عشرين مرة، أسر مرتين، وكاد أن يقتله الشبحان بالأمس، وإنه يريد أن يرى أمه وأباه، يريد أن يتزوج وينجب أطفالا ً مثله مثل الآخرين”. المناظرة بينه وبين المسيح هي تمثل بقعة ضوء وهواللجوء ولوجزئي للحوار بدل الحل الوحيد القتل. إبراهيم خضر من الشخصيات التي تحمل أملا في الرواية وفكره هوالحل الوحيد الذي يؤدي إلى السلام والنجاة من الحرب. فهوانعكاس للضوء والنافذة في لوحة غيرنيكا، ” أولا إبراهيم خضر ليس له قناعات مسبقة بأن هذا الرجل كاذب ٌ أوصادق ، نبي أم غير نبي، ويظن أن ذلك لا يهمه كثيرا بل ليس من شأنه الخوض في حريات الآخرين “. وبالطريقة نفسها، بقبول الآخر، تنبني رسالة مسيح دارفور. مسيح يدعوللحب والإخاء ونبذ العنف والقتل. امن به الكثير أصدقائه وأعدائه. رسالته التي تدعوإلى التسامح، كما يقول، ” نحن دعاة حياة ولسنا دعاة حرب واقتتال”، كان لها تأثير واسع. الذين أتوا لقتله آمنوا به كلهم، “ولكنها ألقت أسلحتها جانبًا وآمنت به على بكرة أبيها” . وقد يذهب البعض أن هذه الدعوة إلى السلام يمكن أن تكون بداية انفراج للمأساة وانبعاث سودان جديدة وشبه طوباوية بلا ضغائن ولا جراح، الكل متوحد في وطن واحد .

لكن ان طبقنا مبدأ نظرية التلقي ” Reception Theory “، فان أكثر مشاهد ي اللوحة أوقراء الرواية سرعان ما يفقدون بريق الأمل. قد يرى المشاهد أوالقارئ، الذي لم يعرف الحرب في بلاده، نقطة ضوء لإمكانية بناء عالم جديد، يعاقب الأشرار، لكن المتلقي الذي عاش الحرب أوفهم أهوالها عبر أشخاص عانوا من تجربتها، لن يرى لتفاؤل في العملين. هناك تفاصيل داخل العملين لا يستطيع المتلقي تجاوزها، حتى وإن لم يقرها الرسام أوالكاتب في العمل وترك غموضا في المعنى. يتوقف المتلقي عند هذه التفاصيل الفنية ويستنتج المدى الذي تذهب إليه. عندما نرى المجزرة في اللوحة نشعر بأن الألم يفيض من الضحية ويصل المشاهد. ونقف على حقيقة تكوين الإنسان المبنية على الشر ولا تنتهي إلا بانتهاء وجود الجنس البشري. فمجزرة غيرنيكا سبقتها وستعقبها مجازر أخرى في التاريخ الإنساني . مما يعني أن الكثير من البشرية ستبقى عالقة في الرعب مثل ضحايا اللوحة حتى الوصول إلى ضحايا الرواية. لا يوحي الرعب والفزع في عيون ضحايا غيرنيكا بالانتهاء. الفانوس في السقف، في لوحة غيرنيكا يمثل القنابل. وقد أجمع الكثير أن الألوان المستعملة في اللوحة كلها تشير إلى غياب أي بصيص أمل: اللون ألأبيض يحيل على الموت و يزيد الأسود والرمادي بتدريجاته من تراجيدية المأساة. لا وجود لألوان أخرى مما يؤكد استحالة وانبعاث الحياة في هذا الإطار الفوضوي والمأساوي.

في رواية مسيح دارفور وداخل هذا الكم من الدمار يمكن تفسير مشاهد الحياة أنها فقط لحظات من حلم قصير برز من بين أكوام من الكوابيس لدى كاتب الرواية أوقارىء متفائل. سودان الرواية هي ديستوبيا ” dystopia ” بامتياز. فهويحوي قتلة ضمن تنظيمات متجردين من الفضيلة والإنسانية ويحركهم الشر المطلق. ساهموا في إبادة لقبائل. فوضى إنسانية وتواصل الخراب والهدم نتيجة الشر الذي يحمله القتلة داخلهم. الشعور بغياب الأمان يمتد على كامل الرواية. وطن يشرف على الضياع وشخوصه عالقين في جحيم كل باب يؤدي إلي باب جهنمي آخر . فيصبح أمل البعث من جديد ونشر الحب والإخاء مجرد أضغاث أحلام في جوعقيم. السودان ييحكمها القتل والشر. تغيب الدولة أمام قانون وحشية الجنجويد، “من أجل الوصول لقتلة الجنجويد، اللذين أقسم قائدهما برأس أبيه ثم بالله، إذا لم تسلمه الحكومة قاتلهما أوقتلتهما، فإنه سيقتل — عشوائيٍّا — على الأقل مائتين من المواطنين، بسوق نيالا والشمس في قُبة السماء، لا فرق بين طفل ورجل وامرأة أوبنت عرب أم زرقة ولا أم خفر”. السودان أرض ملعونة مثلما حل العذاب والطاعون والأوبئة و الموت على مدينة طيبة ” Thebes ” في مسرحية سوفوكليس، أوديب الملك. سكان مدينة طيبة دفعوا ثمن خطيئة أوديب لقتل أبيه و زواجه بأمه . أوديب اعترف بخطيئته وفقأ عينيه. وان لم يكن جرمه بل كانت نبوءة ولا يقدر عن تغيير قدره. في السودان قاموا بتنفيذ قتل غيرهم من الأبرياء. لكن يحاول الخطاءين والمعتدين تبرئة أنفسهم والتنصل من مسؤولياتهم بمحاولة اتهام طرف آخر وراء المجازر. العسكر يرى المذنب القائد الميداني لأنه من يصدر الأوامر بالقتل، ” ولكن المرتكب الحقيقي لجريمة القتل هوالقائد الميداني، وهوالوحيد الذي يمتلك حق إصدار الأوامر”. القائد الميداني يتهم القائد الأكبر، “القادة الميدانيون بدورهم يحملون جرم ما يفعلون لقادة أكبر يتسكعون في المركز”. القائد الأكبر يبرر أن السياسي هوالسبب، ” هؤلاء يقولون إن القاتل هومن أشعل الحرب؛ أي ذلك السياسي الرقيق “. السياسي يرجع السبب وراء الحرب لأطراف أخرى، “والسياسي الحصيف يقف وراء المايكروفون قائلا: أمريكا وإسرائيل — وأخريًا أخذوا يُضيفون حكومة جنوب السودان — وراء هذه الحروب”. التنصل من المسؤولية يجعل الضمير مخدرا ويدفع إلى تواصل المجازر والحروب إلى ما لانهاية.

لا مستقبل للشباب ويصبحون أسرى عند تنظيم كانوا يحاربونه ولا يعتبرونه عدو. ومنهم من بدأ في الثأر داخل تنظيم. ويبقى الجميع في حلقة مأساوية مفرغة، لا خروج ولا منفذ منها، “الفرصة الوحيدة للنجاة هي الهرب من هذا المعسكر بالذات، بالرغم من الحراسة المشددة ة التي به، إلا أن المجند إذا لم يتمكن من الهرب منه، فإنه لا محالة مواجه للموت في معركة ما، ضد سودانين متمردين على الحكومة المركزية في غابة أوصحراء ما”

تغيب الألوان التي تحيل على الحياة أوالربيع. مثل صور حرث الأرض أوزراعة أشجار وانتظار المحصول وتعاقب الفصول أوتزاوج بين الحيوانات. قد ينتهي النسل في أي وقت. الموت يحصد الجميع ليمحي عائلات بأكملها مثل العم جمعة ساكن، قتل أطفاله جميعا وعبد الرحمان وجدت بين أشلاء عائلتها. السودان في الرواية تفقد يوميا النساء(رمز الخصوبة والولادة) والأطفال (رمز الأمل وبناء المستقبل وتواصل الأجيال ). كل التفاصيل توحي بجومن التشاؤم ” وباندثار عاجل وآني للعالم.

تشترك اللوحة والرواية في تصوير قبح وحشية الحرب وما تتركه من دمار للإنسانية. وإن كان في الحقيقة عملين فنين من خيال الرسام والروائي، إلا إنهما وسيلة أووسيط فنيين لإيصال صورة واقعية. يقول بيكاسو: نعرف جميعاً أن الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة”. الحقيقة التي تعري القبح الداخلي للإنسان وساديته واستعداده لقتل الأخر. اشترك بيكاسووبركه ساكن من خلال لوحة غيرنيكا ومسيح دارفور ، في اهتمامهما بما يجري في عصريهما ورفضا الظلم والموت الذين دمرا الحياة الإنسانية. لم يقفا محايدين وصامتين أمام دموية المعتدين. الفن هومناداة للحفاظ على كرامة الجنس البشري وبقية مكونات العالم لأنه كما عبرت عنه يوكوأونو:” إذا كانت الإنسانية ترغب رغبةً أكيدةً في الاحتفاظ بحريتها وكرامتها، فإن عليها أن لا تقف موقفاً محايداً من المشاكل الاجتماعية والسياسية، والفنان هوأكثر البشر إنسانية، ولهذا فإن من واجبه أن يرفع صوته عالياً مدافعا عنها، هاباً لنصرتها، عندما تهددها قوى الجهل والبطش الفن هوطريقة للنجاة ”

ما يصل اليه المتلقي، عموما، من العملين أن غيرنيكا اللوحة وسودان الرواية أصبحتا مثل الأرض العقيم التي تحدث عنها ت. س. اليوت في الأرض الضائعة ، The Waste Land أرض لا يمكن أن تنتج حياة ويستحيل العيش فيها. ويبقى المعنى الدقيق للعملين غامض في ذهن المشاهد للوحة أوقارئ الرواية. ولا يمكن الاتفاق على تفسير واحد لمعنى العملين الفنين. ويمكن أن نرجع ذلك إلى محتوى الأثرين فهما انعكاس لعالم فوضوي، يغيب فيه المنطق الإنساني في عالم عبثي. إذ يقول بيكاسوعندما سئل “لماذا بعض لوحاته غير مفهومة ؟ ” أجاب: “العالم بلا معنى.. لماذا تريدون مني أن أرسم لوحات ذات معنى”.

عالم العملين الفنين وحشي وقاتم و سوداوي، تستحيل فيه الحياة. لكن، من القبح يولد الجمال، جمال الإتقان الفني. وكما يرى أرسطوأن محاكاة الأشياء القبيحة والبشعة تستطيع أن تمتلك الجمال. ويمكن تعليله بإيمان بيكاسووبركه ساكن بالقضية الإنسانية التي اعتنقاها وهوإن جمال الأثر الفني مرتبط بحب الفنان للموضوع وهذا ما أشار إليه رالف والدوإمرسون :” في الفن، لا يمكن لليد أن تنجز أي شيء جميل لم يستطيع القلب حتى ألان على الشعور به”. ورغم القبح الطاغي في اللوحة والرواية، فان المشاهد والقارئ لا يرفضهما بل يتقبلهما ويحاول فهم محتواهما حتى وإن شعر بالكآبة. يقول رولان بارت: “الأدب هوألا أستطيع أن أقرأ دون ألم ودون اختناق . “. وهذا نابع من أن وحسب فان غوخ: “للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة وعين الفنان لا تخطئ ذلك”. أوكما يقول محمد رضا شكري”هذه هي مهمة الفن: أن نجمّل الحياة، حتى في أقبح صورها”.

لا يقتصر إنتاج الجمال في لوحة غيرنيكا أومسيح دارفور على الرسام أوالكاتب بل ينتقل إلى القارئ. وهوما عبر عنه رولان بارت ب”موت المؤلف”. بهذه النظرية النقدية، يتحرر المتلقي من حضور ورؤية مؤلف العمل الفني. ولأنه لم تعد مهمة القارئ التلقي السلبي للعمل الفني وإنما صارت أكثر فاعلية، في تقصي المعاني والدلالات داخل اللوحة أوالرواية. وبذلك تتحقق “لذة النص” حسب تعبير رولان بارت. وهذا في الغالب يتوقف على قدرة المتلقي وإلمامه بالتقنيات الفنية التي استعملها المؤلف ليستطيع فك غموض وشفرات معاني النص. فكلما كانت ثقافة المتلقي الفنية عميقة، زادت جمالية العمل و”لذة النص”. لأن مهمة القارئ أوالمشاهد هي “العبور والاختراق” وليست النظرة السطحية للمشهد في اللوحة أوالقصة داخل الرواية. وكما أكد رواد التفكيكية “Deconstruction “، أنه لايوجد معنى موحد ومنسجم داخل العمل الفني. كل عمل فني مبني على تناقضات لانهائية للمعاني التي يحملها مما يظهر أن أي نص يحمل بناء مفكك. ولا يحمل العمل الفني محور أومركز يدور حوله معنى واحد للتأويل. وتعول التفكيكية على المتلقي على كشف الكثير من المعاني. تتحول السلطة على النص من الكاتب الى القارئ. ولهذا يتغير تقييم قيمة الإتقان الفني و المعني الإنساني في لوحة غيرنيكا أومسيح دارفور .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علجية حسيني ( تونس)

الرواية نت – خاص