أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
أبريل 22, 2019

مسرى الغرانيق في مدن العقيق: رؤية سردية أخرى للتأريخ ناصر السيد النور*

By 0 371 Views

حازت الروائية السعودية أميمة الخميس مؤخراً جائزة نجيب محفوظ للرواية عن روايتها (مسرى الغرانيق ومُدن العقيِّق)، الصادرة عام 2017م عن دار الساقي في بيروت. ويأتي هذا التتويِّج للروائية المتمكنة بعد أن حازت أعمالها جوائز وترجمات وانتشارا أكاديميا واسَّعا يشير فيما يشير إلى جودة الأعمال واتخاذها منعطفاً سردياً مغايراً؛ لا يتوقف في موازاته للأدب الموسوم بالنسوي في دارج التصنيف النقدي العربي الذي سّاد على وصف الأعمال الروائية للمرأة العربية.

وللخميس من الأعمال السردية (الوارفة) و(زيارة سجى) و(البحريات). ومن ثَّم وصلت رواية (مسرى الغرانيق ومُدن العقيِّق) إلى القائمة الطويلة في جائزة البوكر العربية 2019م.

تثير هذه الرِّواية بحجمها الكبير (تربو على الخمسمائة صفحة) جدلاً على مستوى التأريخ والعقل والأسطورة والمعرفة العربية، وذلك على مدى تكوُّن البناء الحضاري في وجهته التأريخية بالصورة التي تفاعل بها وتبدى على فضائه الإنساني وما خالطه من إشكالات متداعية. ومن ثَّم تخّلق عالم– على عموم الوصف – سردياً معقداً ولكنه يتوافق وسياقها السردي الملحمي. والسياق هنا بما يُفضي العمل الروائي إلى تقنيات سردية وما ينظم مساره متصعداً ذروته التي تتجلى عليها بما يفهم منه رواية تسجيب إلى شروط كتابتها السائدة. ثُمَّ إن المساحة التي غطتها (الرواية) بامتدادتها الجغرافية (نجد، بغداد، القاهرة، الأندلس) بما يمثل المكان في أبعاد الرواية؛ وآفاقها التأريخية والفكرية والفلسفيِّة (المعتزلة وإخوان الصفا،..الخ) تنزَّلت بصيغة سردية Narrative Form لا تُحدُّ بالمقاربة التأريخية حصرا؛ ولكنها ذات بعد محوَّري يضع السرْد في أتون التحقيب الزمني للأحداث في تزامنها التأريخي (الزمن) ورؤية الروائية حسبما تتطابق الرؤية السردية والتأريخ في التخييل السردي. فالمقاربة ههنا القراءة الفاحصِّة وبالتالي التفسير إن لم يكن التأويل في نطاق تأريخي احتدم فيه التنَّازع اللاجِّب لمداخل معرفية وكلامية تقارعت حججها الفلسفية والفقهية والكلاميِّة. والتأريخ في الرواية ليس رواية لأحداث وقعت في الماضي وبالتالي يُعمد إلى تحليلها وفق منهج تأريخي محكوم بنظرة آحادية، ولكن تتبع الحدث التأريخي في ابتداعاته سردياً بنظرة مغايرة يعرفها السرد وتجليها الرواية بأحداثها وشخوصها. وغني عن البيان، لاينفي هذا وجود الرواية التأريخية بتقاليد كتابتها التقنية المستقرة.

وإذ يستبق النقد التحليلي في مقاربته لنص سردي يقوم على مرويات (سرديات) تأريخية يحاول مقاربة الحدث ليس على محدَّدات تنهض على اعتراضات التأريخ، بل بتقديم نظرة عبر شخوص تلتحمُّ بالحدث ونَبْضٍ سردي يتنزع فعاليته من قدرة السرد على بناء المتخيل الروائي المتداخل صرَّاعاً مع آنية الزمن التسلسلي للأحداث. وبِّما أن َّ الاستيعاب لحجم مُهَّول من الحَّراك البشري بكامل مكوناته الحياتية يقتضي الإحاطة الموسوعيِّة بمَّا استقر في خبرة الإنسان صانع تلك الأحداث بتشخيصها الانثروبولوجي للمدن والمجتمعات، والمعرفي بما أنتجته أفكاره يضرب بأسدال تُغبش الرؤية من مسافة زمنية تطاول عليها العهد. ولقد حاولت الرواية من خلال الاحتواء التأريخي المقاربة السردية في تكوين تاريخ بشخوصه الروائية وأفكاره في مكان دائماً ما كان مرتسماً ومعرَّفاً في التأريخ التدويني أو الموقع الجغرافي. إذ إن الرواية بمحاولاتها اتخاذ التأريخ وأحداثه مرجعاً في تمثل كامل لشخوص الرواية وما أثارتها من أحداث في سياق المسار السردي؛ تضع من التصور النقدي التأريخي أن ينظر إلى الجدل الفلسفي المكثف متجسداً في شخصية (مزيد النجدي) وما رافقه من جدل فقهي ولغوي ليست إشارات إلى تضطلع معرفي بقدر متطلبات العمل الروائي. ومحاولة كهذه في تنقيِّح ذلك سردياً هي المحاولة العصية على استعادة التأريخ مكتملا، مما يشكل تحدياً آخراً ما يلبث أن يقاوم المنطلقات السردية لتشكيل صورة بصرية سردية واضحة الملامَّح. وصورة بهذا الاتساع السردي المتحول يستدعى مقاربة نقدية توظيِّف استراتيجية الخطاب بما تعني الاستراتيجية من شمول يتحسّسُ منظومة العناصر العديدة التي أحدثتها الرواية في سيِّاق إنتاج التأريخ متخيلاً بالتحليل والقراءة الدلالية Semantic دون عثار في مستنقعاتها الشائكة التي بدورها تحيل النقد إلى مسارات متعددة بحثاً عن نقد سيوسيولجي وما يتصل بالمفهوم الفليلولوجي في قراءة وتحليل النصوص وتلك العناصر التي شكلت جزءًا من النص الروائي أو تناصت (التناص) Intertextual Elements مع النصِّ ومصادره التأريخية.

إِنَّ تقديم التأريخ كعلمٍ وظاهرة أحاطت بالوجود الإنساني، لايُخفى أثره في مسار الفكر الإنساني الذي أفضى بصراعه إلي تكوّين الحضارة البشرية؛ وانتهى إلى صفحات مٌوثِقة تستودع أحداث تفاوتت قيمتها إلا أنها اتخذت صفة الحدث التأريخي! ولِّزم الأمر أن يكون مبتدأ التأريخ هو بداية التدوين في جانب منه بما عرف بكتابة التأريخ Historgraphy ، ولما كان أمر التأريخ لا يتوقف حصراً على تدوين أحداثه كمرويات تخبر عن الماضي في أزمانه السحيقة، تنبثق فلسفة التأريخ ليست كلاحقة مضافة إلى حقله، ولكن لاستكناه وفهم وتأويل ما حدث وكيف انتهى المصير الإنساني على ما هو عليه. وهكذا تصاعدت قيمة التأريخ ومكانته بين العلوم واكتسبت أهمتيه تعميمات جارفة احتوت غالب النشاط البشري حيث لم يعد التأريخ وفلسفته موجزاً يحدث أو يخبر بالإصطلاح الخلدوني عن مرحلة محددة في مسيرة التطور البشري؛ ولكن بينما تتقدم العلوم وتتداخل مناهجها يصبح التأريخ المدخل المنهجي المهمين على كافة العلوم. فإذا كان الوجود يخضع للعامل الزمني وفق منحياته التأريخية أيضا، فلكل علم تأريخ (تاريخ العلوم، التأريخ السياسي، التأريخ الاقتصادي…الخ).

النصُّ والبيان:

الرَّاوي في رواية (مسرى الغرانيق في مدن العقيق) مزيد الحنفي من نجد بوسط الجزيرة العربية كما توثُّق له الرواية منذ أن أنطلق في رحلته من موطنه. لاشك إنه في هذا الإنطلاق أو التحَّول اختراق للتأريخ، وخاصة أن الرواية تساندت إلى التأريخ في حقبه المركبة وإن كان الاتجاه في صورة أو تجلي سردي أختلف عن الشخصية التأريخية كمحور للتأريخ كما في رواية ليون الأفريقي لمعلوف، حيث كثافة الحضور السيوسولوجي والرصد الديمغرافي بطلها شخصية تأريخية يؤرخ لها سردياً؛ أو رواية (موت صغير) لمواطن الروائية محمد علوان، حيث السرد التتابعي الذي استقصى رحلة الفيلسوف الصوفي الأشهر ابن عربي وإن بدا في الرواية كرحالة يطوي الأرض طيا من الغرب (الأندلس) إلى الشرق (دمشق). ربما قاربت رواية عزازيل ليوسف زيدان الشخصية التأريخية في زمانها التأريخي ومنزع البحث المعتقدي في منازعات الطوائف الدينية وغيرها في تحليل روائي تاريخي. وفي هذا المنزّع القصدي لإختراق التأريخ لم يكن في التجريب السردي العربي – المثقل بتراثه التأريخي – يبعد كثيراً عن حوليّاته Annals المبثوثة حكياً في مقاماته، وإعادة دائمة لأصداء المدن والمذاهب والنحل والملل في ذلك الزمن التأريخي كما صاغته الرواية. وطغيان المادة التأريخية على لا يستدعي نقداً تأريخياً أو قراءة تأريخية للنص السردي، فالنقد التأريخي غير المقاربة النقدية للنص السردي؛ بمعنى ألا تكون قراءة لا تأريخيةahistorical في سيِّاق تطوري آخر للعملية السردية. وبما أن الرواية بمقدماتها القبيلية لا تخرج إلا في حيز ضيق من الرواية التأريخية البحتة؛ ولاينقص ذلك من أسلوبها المستحدث في استقصاء الزمن التأريخي من خلال تحكم سردي رغم الخوض في غزارة المادة المعرفية التي وظفتها الرواية بما يقتضي منطق السرد.

إن الربط بين وقائع التأريخ وأحداثه والشخصية التخييلية ضمن دائرة سردية متخيلة، يمكن تفسيرها في سياق التأريخ أو السرد. والوقائع في الرواية لاتتصل بما يفهم من تحقيب التأريخ؛ بل أسئلة لاجبة مستثارة حول الأفكار والفلسفات والمعتقدات. فإذا كانت بغداد – من بين مدن الرواية – منطلق الجدل الاعتزالي، ففي القدس حيث أرتحل الراوي محملاً بوصياه حيث العقيدة المسيحية وهكذا يمتد جدل الأفكار في الرواية مما يزيد من تعمقها المعرفي داخل اطار سردي محكم ولغة أنتجت زمن السرد، وكذلك عبرت عن الشخصيات بمفردات لغوية ودلالاتها المتطابقة لواقع الحال في الزمن والمكان.

تمكنت الروائية من إيجاد الراوي (مزيد الحنفي) ليس بنقله من فضاء إلى آخر، ولكن بدمج الشخصية الروائية في زمن ومكان الحدث الروائي أيا يكن توصيفه بين الوقائع التأريخية والسرد المطلق بتداعيه التسلسلي. ولكن هذا الوجود الفاعل للشخصية الروائية في خضم الأحداث التأريخية محور السرد قد أجهدت بالتفاصيل والحوادث ووسعت من المساحة السردية، فالسرد في التأريخ هو التجسيِّد المادي لما أحتواه ذلك التأريخ وتطويعاً باستخدام تقينات السرد في الخطاب الروائي. فالرواية اتخمت بما احتد في صراعات الأفكار والمذاهب وأنماط الحياة في كل جزء وطأه الراوي بما يتجاوز التناص إلى النقل المباشر. يحاول النص في هذه الرواية العثور على ذاته في السياق السردي المتسق مع التأريخ ولكي لايكون سردا تأريخيا مبهماً، حاولت الرواية عكس صور حياتية وما اتصل بها من نتاج حضاري أو فكري شَغُف به الراوي في التنقيب عن كتب الحكمة وما اصطرع من أفكار حادّة لامست ثوابت عقدية في لجة ما أعترى الحركة الفكرية في ذلك الوقت. ومن ثَّم تحرَّك النص وفق قراءة سردية للكشف عن مواجهات صدامية في علاقات الراوي في بغداد العباسية وشيخه التميمي وباعة الكتب وأجواء مغامراتها وحِجاج حِلق المساجد وتشدّد الجماعات الدينية (راجلة الحنابلة) وجماعات الغناء والطرب…الخ

هُوية الراوي:

لقد حافظ الراوي على تجسيد هويته خلال المدى السردي والتنقلات التي أمتدَّت بين مدن وقارات وأحداث تباينت وتيرتها السردية قوة وضعفاً في إظهار هوية الراوي كشخصية تقترب من البناء الكلي للرواية أو رؤية الروائي؛ إذ إن هوية الرواية التأريخية Historical Fiction ومطابقتها لتقنيات الكتابة التخييلية، فإنّ هوية الخطاب السردي، هي بنية من جملة معطيات الخطاب الروائي، فالسرد تكوين وتوحيد لعناصر وموجودات متشكلة من بنى تخييلية كما في الخطاب الروائي أو أفكار قائمة بالصراع كالأيدولوجيات. فالهوية (الشخصية) في الخطاب السردي (الرواية) تشكل أحد التصورات الأنطولوجية متمظهرة سردياً ومعزّزة وجودها المتحقق بأدوات تقاوم في استمرار اختلال نسقها وبنية هويتها كما في عالم (كتب) الراوي وبحثه الدائم العقلي في التنقيب كأحد السراة حاملاً لوصياه السبعة.
فالعالم في النص (الخطاب السردي) المندرج ضمن صراع الوجود محققاً لهويته في مقابل هويات أخرى. وهي تجسيد تبزغ أزمته من واقعة المستحضرة من مجموع تفاعلات تلقي بنتائجها على الهوية السردية وتشير إلى نقطة اختلاف (صدام) الهوية في مواجهة هوية الآخر، لأن الهوية السردية ليست وسيطاً يحدُّ أو يجرد الهوية الذاتية للشخصيات الروائية، ولكن محاولة لتثبيت تلك الصفات مطابقة لتلك الهوية مع النظم تسود بنية الخطاب الروائي. يعد انتقال الراوي إلى القدس ( أورشليم) دون أن تؤثر على الاختلاف العقدي ( المسيحية).

توافق لغوي:

لم تقتصر البنية السردية في الرواية على التقنيات التقليدية، ولكن أضافت بعدا لغوياً ذي سمتٍ متجذر في البنية التراثية حيث الموقع التأريخي والجغرافي واللغوي لأحداث الرواية. فالمفردات اللغوية وتطبيقاتها السردية نصاً ودلالة لم ترد معزولة عن منطق النص السردي؛ فبالملاحظة المجردة – قراءة – تشير إلى استيعاب النص الروائي ما يندرج ضمن اللغة التراثية وتنوع مفرداتها ذات الجذور المعجمية. وتوافر المعلومات السردية بزخمها التأريخي قد لايفضي إلى محاكاة تنقل أحداث بسردها التأريخي المتسلسل لأن الصيغة اللغوية يختلف موضوعها أو سياقها المنطوق بقدر اقترابها من مصادر في حالة الخطاب الروائي من مصادر التأريخ. وهذه اللغة الكثيفة في الرواية وما استودعته من مجتزاءات الماضي أفضت إلى مقاربة أركولوجية (المكان) وظفت القاموس الواسع لاحتواء عناصر المراحل التأريخية المختلفة في عوالم الرواية. فاللغة تحيل النص الروائي إلى نص لغوي إبداعي يحتمل المنطق السردي من وجه البنية السردية، والجمالية في مقاربته للنص الروائي وخصوصية الحركة السردية في سياق تطور مكوناته التي يدور حولها محور الخطاب الروائي واللغوي. ويخضع النصُّ الروائي إلى آليات السرد من منطلق أن السياقات السردية تتعالق حولها نصوص مُهجنة للبنية المحورية للخطاب السردي ومن ثم تتناص مع نصوص أخرى أو بما يعرف بالتناص Intertextuality أي مجموعات الخطابات الأخرى الموظفة في الخطاب الروائي.

الخطاب السردي بما يمثله كخطاب لديه منظومات وعلامات لغوية تفسر علاقاته بين النص والمتلقي؛ يكون الخطاب الروائي داخل وخارج الخطاب اللغوي المتشكل في السياق السردي العام، وذلك لأن عناصره الحوارية ولغته، وأداته التوصيلية في النص الروائي التي تسود في تفاعلاته المعقدة تجعل منه خطاباً مستقلاً وفق نسقه الخاص به. إذ يكوّن الخطاب الروائي رؤيته ويوجه عناصره السردية نحو اتجاه تفعيل الصور اللغوية وتأويل الأحداث وبناء شخصيات روائية ناطقة بجوهر رسالة النص السردي. وفي نص مثقل بالحجاج الفلسفي والديني استدعى لغة تماسك بناؤها.

تلزم المقاربة النقدية بقراءة رواية (رواية مسرى الغرانيق في مدن العقيق) وفق بما يحمل تفسير النص ضمن اتجاه تأريخي أخذاً بمحتواها البحثي والتأريخي خاصة أن استخدام الخيال السردي أقترب – في هذه الرواية – من الواقائع التأريخية ومع ذلك حافظت على الإطار الروائي Fictional العام. إن رحلة الرواي وما استغرقته من وقت مؤثر بحدة في الزمن السردي جعل من التشويق في القراءة حالة استشكاف متتابعة من بدء الرحلة في نجد إلى منتهاها في الأندلس بالطريقة التي أوصلت بها الرواية الأحداث ما يشي بانعكاس الحاضر في واقع زمان ومكان الرواية. وبقيت شخصية مزيد النجدي كما جاء على لسانه، وهو يبلغ منتهى أقاصي رحلته: ” أنا مزيد النجدي، ضربت لك أكباد الأبل كم قلب نجد، فلم أجدك سوى مدينة أخرى من مدن العقيق تبرق بالثارات والدماء وتنازع السلطان …ماذل لديك يا قرطبة، لفتى ينهض دائماً من الحضيض ليحلق في البعيد… أي مدينة أروم بعدك، فأنت تقعين فوق كتف العالم؟ “.

الرواية نت