نوفمبر 17, 2018
  • نوفمبر 17, 2018
أغسطس 26, 2018

مزحة كونديرا وليد غالب - العراق

By 0 159 Views

عام 1967 كتب ميلان كونديرا أول رواية له، الفكرة الرئيسة، التي تنطلق منها الرواية، تتحدث عن شاب يدعى لودفيك، يرسل مزحة مكتوبة على بطاقة بريدية تدمّر حياته، هذه المزحة تتمثل في الجُملة التالية “التفاؤل أفيون الشعوب، العقل السليم معفّن بالغباء، عاش تروتسكي”.
حسنا. لنترك تفاصيل “جملة لودفيك” مؤقتاً، لأني أريد أن أوضّح المناخ الذي أُطلقت فيه هذه المزحة.

المكان والتاريخ

عام 1946 خاض الشيوعييون التشيكيون انتخابات لم يحصلوا فيها إلا على 38% من أصوات المواطنين. لكنهم مع هذا الأصوات حصلوا على وزارات مهمة مثل وزارة الداخلية. وأصبح كلمنت جوتوالد – القائد الشيوعي الموالي لستالين- رئيسا للوزراء. وفي شباط 1948 سيطر الشيوعيون تماما على تشيكوسلوفاكيا بانقلاب مدعوم من قبل ستالين، وفي هذه الأثناء تمت تصفية الخصوم. وتحولت تشيكوسلوفياكيا لدولة شيوعية تماماً.

الشخصية

لم يكن لودفيك في رواية المزحة مواطناً اعتيادياً “كنت أشغل منصباً هاماً في اتحاد الطلبة” وكان لديه “موقف إيجابي تجاه الدولة والعمل” فضلاً عن “معرفتي بالماركسية”.
في مواقف مشابهة، قد تؤدي فعلاً مزحة لهلاك قائلها، هذه الأمور حدثت في العالم كلّه. سمعنا عن مواطنين اُعدموا فعلا بسبب طُرفة عن رئيس أو عن شخصية مقدّسة، الفارق – عن لودفيك – أن قائل المزحة لا يكتبها على بطاقة ويرسلها بواسطة البريد، ما يحدث وبالعادة. فإنه يرويها لمقربين وتتم الوشاية به.
حسنا. ماذا يمكن أن نقول عن شخص ألماني أو أوروبي أو أميركي يُرسل عام 2018 بطاقة بريدية لصديق مكتوب عليها: “عاش هتلر” إلا أنه مجنون أو بأقل احتمال غبي!
هذا بالضبط ما فعله لودفيك بطل رواية المزحة – الشاب الشيوعي الذي يشغل منصباً هاماً في اتحاد الطلبة – كتب “التفاؤل أفيون الشعوب” و”عاش تروتسكي” في بطاقة بريدية وأرسلها لصديقته ماركيتا، في زمن وبلد يخضع ويُدين بالولاء التام لستالين – ألدّ أعداء تروتسكي – الغريب أن هذا الشاب الشيوعي المثقف يقول بعد اتهامه بالتروتسكية “لم أكن إجمالا أعرف ماذا تعني التروتسكية على وجه التحديد”.

مزحتنا ومزحة لودفيك

عام 1998 كنّا في التدريب العسكري نتدرّب على تمرين “طعن كيس القش” كنّا نركض من مسافة 15 متر تقريبا، حاملين بندقية في مقدمتها حربة، كان علينا قبل الوصول لكيس القش المُعلّق أن نقفز ونطعنه 3 طعنات ونصرخ صرخات متقطعة، بالعادة ينتهي هذا التمرين بعقوبات قد يكون بعضها قاسياً، كُنّا نُعاقب لأننا كّنا نضحك على بعضنا، لا أحد يمكن له أن يمنع الضحك، كان من الممكن أن يتحول أي أحد منّا – نحن الضاحكون – لمجرمين بسبب هذه العقوبات، ولا أحد أيضا – باستثناء من مرّ بهذه التجربة – يستطيع أن يفهم الألم الذي يسببه إذلال ضباط الصف للإنسان في مواقف كهذه.
لكني الآن ابتسم كلما أتذكر هذا الموقف، هذا بالضبط ما تعنيه مزحة كونديرا، إنها الألم الذي يُجبرك على أن تبتسم بأسى بعد أن تغادره بسنوات، متذكراً كلّ ما مر وكيف حدث ولماذا.
الفارق بين مزحتنا ومزحة لودفيك، هو أنه كتب على البطاقة البريدية اسم أكثر شخص تعتبره الشيوعية الستالينية عدواً لها، بينما نحن كنّا نضحك على بعضنا فقط.
بقناعة أقول أن كونديرا لم يكن موفقاً في تبرير “سوء المزحة” وأعتقد أن رد فعل الدولة أو الحزب حيالها كان طبيعياً، وما حصل للودفيك هو شيء منطقي في ظروف مثل التي مرّت على تشيكوسلوفاكيا. وأن بناء الرواية اعتمد على “مزحة” لم تكن محبوكة بشكل جيد، وغير مقنعة.
وبسبب هذه المزحة التي تم تحميلها حمولة سياسية، تم حرف مسيرة حياة لودفيك – فُصل من الحزب ومن الجامعة – بعد أن فسّر رفاق الأمس هذه المزحة المُرسلة لصديقته الشيوعية أيضاً، بأنها معادية للحزب، في زمن لم يكن قابلاً للمزح “لم يكن الهزل يتناسب أيضا مع روح العصر” أي في الأشهر التي تلت شباط 1948 بعد سيطرة الشيوعيين واستلام الحكم في تشيكوسوفاكيا.
يحاول لودفيك أن يبيّن لزملائه الشيوعيين المتزمتين أنه كان يمزح، ويعتقد أن هناك فرصة للخلاص من هذا المأزق بعد أن يعرف أن زيمانيك – زميله السابق الشيوعي – سيقدم تقريرا ينقذه فيه، لأن لودفيك كان على علاقة جيدة معه وكانا يسخران سويا من الجميلة ماركيتا – التي أرسل لها لودفيك البطاقة البريدية – لكنه يكتشف أن أول شخص يضحي به على مذبح الحزب هو ذلك الزميل الذي سيسرق زميلته أيضاً.
بعد 15 عام، يعود لودفيك وتتوفر له الظروف للإنتقام من زيمانيك، عن طريق إغواء زوجته هيلينا، لكنه يكتشف أن هذا الانتقام لم يتحقق لأن زيمانيك لم يعد يرغب بزوجته أساساً ويريد الإنفصال عنها، وإن لودفيك بهذا الفعل سيسدي خدمة له، فينتهي كل شيء بالنسبة للودفيك بخيبة.
هناك رأي يقول إن كونديرا قدم شهادة عن تأريخ تشيكوسلوفاكيا أثناء الحكم الشيوعي وأن المزحة ليست بصبغة سياسية، وهذا الرأي صحيح لكنّه يمرّ ببساطة على الرواية، لأني أعتقد أن كونديرا كتب نقداً ذاتياً عن أثر الحزب الشيوعي على حياة أعضائه بالذات، فعلى لسان لودفيك تتكرر جملة: “النقد والنقد الذاتي”.
هذا الأمر يتأكد، عندما نعرف أن الرواية كُتبت في زمن كان اقتصاد تشيكوسلوفاكيا يعاني من ركود تام، مصحوبا بمحاولات للتقييد على حرية الصحافة والأدب. ما اضطر كونديرا وبعض الكتّاب التشيك للدفاع عن هذه الحريّات والهجوم على من أسموهم “عملاء الروس” في المؤتمر الرابع لرابطة كتّاب تشيكوسلوفاكيا في حزيران 1967.
بعدها في أكتوبر من العام نفسه، خرج 1500 طالب في مسيرة ممسكين بالشموع ومتوجهين على قلعة براغ والقصر الرئاسي قبل أن تفرّقهم الشرطة، كان مطلبهم يعطي أكثر من معنى، كانوا يطالبون بإنارة الحياة أكثر، وليس بحثا عن “المزيد من الضوء” فقط. كما وصفهم البروفيسور والمؤرخ الألماني نوربرات فراي في كتابه “1968 عام ثورات الشباب”.
ويرى كونديرا أن الستالينية عزلت الأدب والأدباء التشيكيين عن العالم، لذلك كان مؤيداً وداعماً لما سمّي بربيع براغ برئاسة دوبشتيك الذي حافظ على حريّة التعبير، وحرية الصحافة والأدب. قبل أن تسحق هذا الربيع دبابات T62 الروسية.

في المزحة جُعلت شخصيات الرواية شيوعية وبالوقت نفسه ضحايا للشيوعية، لودفيك شيوعي ضحية زيمانيك الشيوعي، هيلينا شيوعية وهي ضحية لزيمانيك ولودفيك معاً، كوستكا ضحية رفاقه الشيوعيين، جاروسلاف أيضا شيوعي وضحية للنظام الشيوعي.
لم يكتفي كونديرا بجعل أبطاله ضحايا للشيوعية الستالينية، ومن الممكن جرد أكثر من 10 شخصيات هامشية في الرواية محطمة ومنكسرة، شباب وشيوخ وأطفال. ولم تسلم المدينة أيضاً من هذا الإنكسار، كانت “مليئة ببنايات مهجورة وأحياء متسخة مفتوحة على الفراغ” أيضاً “مسحت مرة اخرى الساحة الشنيعة بنظرة إزدراء قبل أن أدير لها ظهري”..

كانت هذه الرواية تطبيقا لمقولة اليساريين عن “النقد والنقد ذاتي” مارسه كونديرا على تجربته الشيوعية في تشيكوسلوفياكيا.
لكن، بعد دخول القوات السوفيتية لبراغ كان كونديرا يعتقد أنه “بصرف النظر عن وجود القوات السوفيتية، فقد تم الحفاظ على الحريات” وبعد مدة بسيطة تم طرده من وظيفته، ومُنع من النشر.

الرواية نت