يونيو 25, 2019
  • يونيو 25, 2019
  • Home
  • قراءات
  • محمود الورداني يستدعي التاريخ في “باب الخيمة”
فبراير 13, 2019

محمود الورداني يستدعي التاريخ في “باب الخيمة” عبدالنبي فرج

By 0 318 Views

الاتكاء على السيرة الذاتية في بناء عالم روائي متماسك ليس غريبا علي الروائي محمود الورداني فمنذ روايته الأولى/ السير في الحديقة ليلاً / والنجوم عالية/ ورائحة البرتقال وغيرها، وهي جوهر أساس وعمود فقري، ولكن يظل التخييل والحرفة عاملاً مهما، فكل الأحداث ليست ملتصقة بالكاتب، فهو يقدم خلطة خاصة به، مع استدعاء التاريخ بشكل مباشر كما في أوان القطان/ أو في شكل حلم كما ظهر أخير في روايته ” باب الخيمة ” الصادرة حديثاً عن دار العين للنشر والتوزيع.

كشف الورداني في روايته عن الملف الأسود لمهنة الصحافة، في ظل دكتاتورية عسكرية فاشية، استطاعت بالعصا والجزرة أن تسيطر علي الصحافة وتجعل الصحف مجرد منشورات يحررها صحافيون أقرب لموظفي الشؤون المعنوية، يقتحم الورداني هذا العالم، من خلال عالم المكاتب الصحافية والوكالات وصحف الحكومة، وركز بشكل خاص علي التحرير الثقافي من خلال مجلة المستقبل الذي عمل فيها جل عمره المهني، وقد وزع الأحداث من خلال ثلاث شخوص رئيسية لم يهتم فيها لا باستبطان مشاعرهم، أو دوافعهم، أو الأسباب التي أوصلتهم لهذا التحلل والفساد الأخلاقي، كان همه بالأساس برأيي هو التعبير عن فضاء عام أسود وقامع من خلال وقائع وأحداث مباشرة، وهم/ بالترتيب/ الراوي/ جمال الصاوي/ ويوسف مطاوع رئيس تحرير المستقبل الثقافية والمقرب من الأجهزة الأمنية والشاعر عبدالرحمن سبعاوي الشاعر الثوري، ورغم أن ملامح الشخوص الثلاثة تشير لشخوص محددة ومعروفة في الواقع لمن يتابع المشهد الثقافي، إلا أنهم مجرد تمثيل لفضاء أسود لمهنة كان من المفروض أن تكون مهنة الدفاع عن الحريات، وحقوق الانسان العدالة وسيادة القانون إلي اداة تزييف، وتلاعب بوعي الجماهير، وسوط في قبضة وزارة الداخلية، وكل الوقائع وأكثر الذي أشار إليها الورداني معروفة بين المثقفين، ولكن عندما تأتي من صحافي وروائي يعمل داخل مطبخ جريدة ثقافية تساهم بقوة في تشكيل المشهد الأسود والذي استبيحت فيه الثقافة والصحافة معاً من خلال يوسف مطاوع، الكاتب والمخبر والسلطوي والموظف التعس الذي وظف المكان لصالح صناعة اسطورته الشخصية علي كل القيم والمبادئ، والأخلاق وتحول كل سطر لمادة يستفيد منها بداية من الأميرة الكويتية وعلاقته السرية الغامضة معها، وكيف كان يفرد لها الصفحات لنشر شعرها الأجوف، والتي بدأت مع احتلال العراق للكويت والتي كشف مؤخرا عن علاقتها بالمخابرات الأمريكية، أو تكوين لوبي ومافيا وشبكة بغاء لتبادل المنافع والهبات والمنح والعطايا والجوائز التي تقدم في العالم العربي، ولم يترك واحدة منها سواء مع النظم القومية الفاشية/ العراق/ سوريا/ اليمن/ليبيا/ جمهوريات الدم.. أو النظام البوليسي في الداخل، ويغازل إسرائيل، فكل شيء مبرر، وكل شيء قابل للامتصاص، والغريب رغم كل ذلك يبدل أقنعته بسهولة ويسر، وهذه النفسيات هي بيئة صالحة للاستخدام من أجهزة الأمن، وقد نجح بالفعل في السيطرة علي المشهد، فلم يمر كاتب أو شاعر إلا من خلال رضاه السامي، ويجب في كل الأحوال أن يحقق جزءا ما أو ضريبة لصالح شياطينه، أما الفتات فيتركها للثعالب الصغيرة المجرمة، التي رباها بمعرفته وحولهم إلي مسوخ بشرية، وكبرهم في المكان في حدود المسموح به، وتم تسكينهم أو تأمين حياتهم المادية من خلال أبواب سرية، مشاعة بين المثقفين، جائزة من الأمارات، سفرية لألمانيا، مستشار صحافي في سفارة، مراسل صحافي لجريدة عربية، كتاب في مهرجان القراءة للجميع، علاقات مع دوائر لصناعة نجم بائس، وكم من هؤلاء النجوم خرج من جريدة المستقبل، ولم يعد أحد يعرف عنه شيء رغم أنه كان ملأ السمع والبصر، ومن خرج عليه أو كبر أكثر من المسموح يفرمه.

يصف الراوي الوضع في المجلة “مجلة بنت قحبة والمؤسسة بكاملها بنت قحبة والأجر علي الله يا رجل. ثم يتردد قائلا لنفسه: الحقيقة أن الأجر ليس علي الله في هذه الأيام، ومطاوع وأمثاله” كومبينه كبيرة، ليس من السهل الإفلات منها، شبكة تمتد وتمتد خيوطها الخفية والعلنية في الصحف الحكومية، والمكاتب الصحافية والوكالات والدكاكين الصغيرة والكبيرة ومبني ماسبيرو بمشتملاته ومراسلي الإذاعات وقنوات التليفزيون ومندوبي الصحافة الأجنبية.”

ملف أسود لذلك مع آخرين وتم حذف وإقصاء كل الموهوبين والمعارضين للسلطة بشكل جوهري، وطفي كل الخرتية والسماسرة والخدامين، والمرتزقة”

الراوي وهو شخصية إنسانية ودراميه بامتياز ممزق بين عالمين عالم المبادئ والقيم وعالم السبوبة وأكل العيش، هذه المراوحة جعلته يعيش في المنطقة الرمادية، لا هو فاسد حتى النخاع، ولا هو نزيه، إنّه حالة مأساوية مرعبة لذلك تنتهي حياته بسيل من التنازلات حيث قبل الذهاب للعراق جمهورية الدم لحضور مهرجان المربد، وهو يعرف كيف يحكم صدام العراق بالحديد والدم/ ثم بعد ذلك يقبل بالسفر لليبيا في عهد القذافي اللعين وجمهورية الخزعبلات، وانهيار علاقته الزوجية والاستغراق في غيبوبة الحشيش، وهو الداعم الكبير ليوسف مطاوع في تزييف الوعي واستهلالك المثقفين في قضايا وحيل وألاعيب حواة، أما القضايا المهمة بالفعل وهو دور المثقف في التصدي للإرهاب وهذا الدور مهم ومنوط بالمثقف الحقيقي ولكن الدولة استعملت المثقف بطريقة غاية في الخسة، فدوره وظيفي في مقابل رشي من أبواب محددة ومعروفه هندستها وزارة الثقافة ،حتى تحول لخادم ومرتزق بأجر، يعرف بالضبط ما يريده النظام ، هل هو فاسد بالفطرة، بالتأكيد لا ولكن أفسد ماذا يفعل شاب في بواكير حياته وهو يري سقوط الأب/ واستسلامه وتخليه عن أفكاره لصالح الفاشية العسكري من أجل بناء وهمي اشتراكي، ورغم تبريرات الشاعر الثوري عبدالرحمن سبعاوي لقرار الأب لكن في النهاية/ عندما يسقط الرمز يحصل خلل ما في الروح، فماذا وهو أينما يول وجهه يجد سقوط اقنعة كان يراها في السماء، ثم وجدها تعوم في مستنقع خراء، ماذا يفعل وقد انخرط في منظمة شيوعية سرية ويحلم بالتغير الشامل والثوري ثم يجد نفسه في العراء، وقد تم حل المنظمة دون أن يعرف لماذا؟ ولكنه كان يشتم في الفضاء رائحه كريهة تخرج من الدائرة الصغيرة للجنة المركزية، الموكلة باتخاذ القرارات تحت حجج وهمية وصراع دينكشوتي. ماذا يفعل ولم يجد عملاً مناسباً، وتم استهلاكه في المكاتب الصحافية لجرائد لبنانية وعراقية والوكالات من خلال أعمل سطحية جوفاء، وفبركات وكذب وتشوية، حتى وصفها توفيق الشيخ بخدمة البيوت حتى عندما لقد سقطت الأقنعة وتعري المثقفون في رقصة استربتيز أمام من يدفع وهذا لا يعني أنه بري أبدا، ولكن في النهاية هناك حد ما منطقة ما لم يستطع أن يتجاوزها

الشخصية الثالثة في منظومة الخراب وهو الشاعر والثوري والمناضل الأكثر راديكالية والذي كتب للثورة والعدل والحرية والعمال والفلاحين، والنكرات في أهلنا المحروسة، والسجين السياسي في عهد عبد الناصر والسادات والذي هرب إلي العراق ليظل هناك ثلاث سنوات في الدولة الكثر عنف وطغيان تجاه شعبه، والمعادي بعنف للحرية وحق الأنسان في التنفس والعدل، كيف تواتيه الجرأة على البيع، ويصمت وهو يرى بعينه أصدقاءه يختفون في أقبية السجون، ويتم قتلهم بعد ذلك، ثلاث سنوات صمت وهو الرمز والقدوة ثم ينتقل بعد ذلك لجمهورية الموز، جمهورية القذافي ليظل هناك ثم يعود ليكون في كنف رجل أعمال فاسد واقتصادي بني إمبراطورتيه المليارية من علاقة فساد مع السلطة المستبدة، حتى بعد أن تورط هذا المليونير في قضية تجسس، تصرف وكانه لم يحدث شيء، المشكلة ليست هنا المشكلة الأكبر أنه ظل وكأن شيئا لم يحدث، وكأنه لم يخن الجماهير العريضة التي تحبه، وظل يخرج في الأعلام يلقي قصائده الثورية ويتصرف كثائر جموح، ثم يضيف إلى جرائمه تسويغ الفساد وإغراء الراوي كنموذج دال علي الذهاب لمقابلة القذافي في خيمته الشهيرة وإجراء حوار معه لجريدة المستقبل.

“طيب ما دام راضي ياعم سبعاوي ومبسوط مني ..إيه رأيك بلاش مقابلة القذافي الله يخليك”

“تاني.. يا ابني إنت صحافي.. يعني مهمتك تعمل شغلك مع الجن الأزرق.. إنت ما تعلمتش صحافة؟.. لمّا تعمل مقابلة مع واحد مش معناه إنك موافق على كلامه؟..

ثم عندما يقرر الراوي الهرب دون علم الشاعر يفاجئ به يقابله ويقول له:

“أنا عرفت.. وسليمان صالح قال لي الصبح. أنا راجل عميل للمخابرات الليبية زيّ ما انت عارف! إزاي حاجة زي دي تفوت عليّ.. العموم انت حر.. مفيش مشكلة وانا مش حقول لأي حد.. ولا حتى المخابرات الليبية.

والحقيقة عنوان الرواية ” باب الخيمة” وان كان يشير بشكل مباشر لخيمة القذافي لكنها واسعة الدلالة وهي تشير إلى مظلة متسعة بطول وعرض الوطن العربي من القاهرة إلى العراق إلي ليبيا، خيمة سوداء أصبحت رمزا للتخلف والجهل والعنف والاجرام وسرقة أموال و أحلام الشعوب وإهدار كل قيمة أو رغبة في الحرية والانعتاق.

المكان في الرواية يراوح، ما بين تجاهل مكان العمل أو وصفة بشكل محايد، أو حميمي ودافئ وملطوش بالنستولوجيا، مثل شوارع شبرا و الشقة التي يسكنها رغم الخلافات الجوهرة مع زوجته، أو طارد وقاتم للروح كما في الفندق في ليبيا ومتاهة..

وكما هى عادة الورداني باستدعاء التاريخ في معظم أعماله، هنا أيضاً عاد ليقتطع مشهدا عن تجارة الرقيق في القاهرة قبل 100 عام مستندا على كتاب دكتور عبدالوهاب بكر، وكأنها عملية موازية بين البغاء الصحفي والبغاء الجنسي وفيه يسرد حياة كبير القوادين إبراهيم الغربي، وهو مخنث نوبي من قرية “كرسكو” بأسوان، ووالده كان يشتغل بتجارة الرقيق. جاء إبراهيم الغربي للقاهرة سنة 1890 وافتتح بيتاً للبغاء الرسمي بشارع وابور المياه ببولاق، ثم استأجر بيتاً في الازبكيه لتشغيل المومسات وألحقه بمقهى خصصه للرقصات الخليعة مثل النحلة وغيرها، وما هي إلا سنوات حتى صار الغربي ملكاً متوجاً على عالم البغاء في القاهرة، وملك أكثر من عشرين بيتاً في الازبكية وغيرها، وتمتع بسلطات واسعة وعلاقات وطيدة بكبار المسؤولين، وكان مسؤولو أمن القاهرة يرتعبون منه، وكان بعضهم يعمل في خدمته. والغربي كان أسمراً وطويلاً وملياناً، ومن عاداته ارتداء ملابس نسائية، وقد وصفه رسل باشا نائب حكمدار القاهرة وألد اعدائه قائلاً “نوبي ضخم الجثة، كان يشاهد كل مساء جالساً على مقعد خارج أحد منازله بشارع عبد الخلق واضعاً ساقاً على أخرى مرتدياً ملابس النساء ومنقب بنقاب أبيض، كان هذا الفاسد الكريه يجلس كالصنم الأبنوس الصامت، وعادة يخرج يداً مرصعة بالمجوهرات ليقبّلها أحد المارة من المعجبين، وكان له سلطة مذهلة في البلاد، إذ أن نفوذه امتد من الدعارة الى محيط السياسة والمجتمع الراقي، وكان شراء وبيع النساء في طول البلاد وعرضها في يده”.

مزج محمود الورداني بين اللهجة العامية المصرية و الفصيحة و التقريرية، في سبيكة لينة ثرية، تعبر عن المطلوب بالضبط بعيدا عن الترهل أو التقشف المبتسر، لغة الورداني مثالية منذ عمله الروائي الأول الفاتن” السير في الحديقة ليلاً” لغة مسكونة بالشعر، غلالة شفافة ونقية، تساهم بقوة في الاستمرار بالقراءة.