الرئيسية / حكاية الرواية الأولى / محاولة نبش “الصندوق الأسود”.. معركة من نوع آخر نبهان الحنشيّ/ روائيّ عُمانيّ
55

محاولة نبش “الصندوق الأسود”.. معركة من نوع آخر نبهان الحنشيّ/ روائيّ عُمانيّ

قبل نحو عشرين عاماً من الآن، كنت أمسك بين يديّ رواية متوسّطة الحجم، يتسيّد غلافها لونان: الأزرق والأسود. كانت: “موسم الهجرة إلى الشمال” لعبقري الرواية العربية “الطيب صالح”. كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع بهذا الاسم، والفضل يعود إلى جارتنا التونسية، زوجة أستاذي التونسي في اللغة العربية في المدرسة التي تعلمت فيها حتى المرحلة الثانوية آنذاك.
أشارت إلى “الطيب صالح” ونصحتني بقراءة روايته “موسم الهجرة إلى الشمال”. تأخّرت بعض الشيء، فمكتبة المدرسة، وبرغم توافر بعض كتب الأدب العربي والعالمي المترجم فيها، إلا أنها كانت تخلو من كتب “الطيب صالح”، ومن أي كتاب لأيّ أديب سودانيّ آخر. وكان معرض الكتاب الدوليّ الذي يقام في مسقط، يقام مرة واحدة كلّ عام، وكانت مسقط تبعد عنّا مسافة 3 ساعات بالسيارة. وباعتباري مجرّد طالب ثانويّ، كان الأمر يتطلب أكثر من مجرّد الذهاب من مسقط.
الرواية فتحت لي آفاقا جديدة، مختلفة، مدهشة ورائعة، ورغم أني كنت قد قرأت قبلها روايات من الأدب المصريّ لنجيب محفوظ ونجيب الكيلاني ويوسف السباعي وعبدالحميد جودة السحار ومحمود عبدالحليم عبدالله، إلا أنّ هذه الرواية بالذات كان لها تأثير مختلف عليّ، بداية من رسم شخصياتها المتنوعة في عالمين مختلفين: الشرق والغرب، مروراً بأحداثها غير المتوقعة والتي تنقلك من الكلاسيكية العربية التي تعودتها في الروايات السابقة، إلى شيء مختلف. هناك الصراع الذي تطوّر بين الشخصيات التي بدأت متناسقة متآلفة متكاملة في البداية، وتطور المكان ومدى التغيير الحادّ مع تطور عامل الزمن. والتنقل بين عالمين: عالم الراوي وعالم المروّي عنه.
مرّت السنوات، وحاولت أكثر من مرّة الشروع في كتابة عمل ما، بعيداً عن القصّة القصيرة التي بدأت بها مشوار كتاباتي، وكان الشيء الوحيد الذي يقلقني: هل سأستطيع أن أدهش/ أقلق القارئ، كما فعل الطيب صالح..؟
بالتأكيد، كان من العبث مقارنة السؤال وإجابته بكاتب كبير كالراحل الطيب صالح، ولكنّ الدافع الذي أوجدته بداخلي والحيرة كذلك، دفعاني إلى التخلّص من مشروع ثلاث روايات، شرعت في كتابتها في مراحل زمنية مختلفة، وكلما كنت أصل إلى نقطة ليست بالبعيدة في كل رواية، كنت أتخلّص منها!
لكن مع “امرأة تضحك في غير أوانها” كانت لتجربة السجن والغربة الأثر الأكبر هذه المرة في تحفيزي، مرارة الفقد والفراق لهما من الأثر ما يدفعك للكتابة عن الأشياء التي لا تريد أن تخسر تواجدها ولو كذكريات!
المجتمع السلطة الفرد الحرية وغيرها من الأمور التي بدأت عوالمها تتضخم وتحتل مساحات شاسعة داخلي، وبالتأكيد؛ الحب.
المجتمع الذي لا تستطيع فيه الاعتراض ولو “إنسانيّاً” على كلّ ما يثير “قلقك” أو ما ترى فيه انتهاكاً صارخاً للإنسانية، عادة ما يدفعك إلى الانفجار كتابيّاً ولكن بتهذيب.
مَن يعتاد على العيش في مجتمعات تتصنع الاعتيادية في كلّ شيء، وتختصر وصفها دائماً في إجابة اعتدت سماعها: “الحمد لله، ماشي الحال”، يكون من المربك، وليس فقط من الصعب، أن تكتب صراحة عن تفاصيل ما يجري بداخلها، أو ما يحبّ المجتمع، وباتفاق جمعيّ غير معلن ولا منصوص؛ الاحتفاظ به بعيداً عن الإشهار.
تتضمّن رواية “امرأة تضحك في غير أوانها” مشاهد ناقصة من حكايات مجتمع يحتوي “صندوقه الأسود” الكثير والكثير للحديث عنه. مشاهد ارتكزت على عناصر الشخصيات لتقود القارئ إلى مناطق لطالما تجاهلها الضوء – أو تمّ ركنها بعيداً في زاوية معتمة داخل صندوق مهترئ – حاولت من خلالها قول القليل من الكثير الذي لم يُقل. لذلك أتت تتحدّث بصورة ما عن مجتمع وليس فقط عن شخصيات.
مثّلت شخصية “عليّ” كثيراً من الشباب الذين أفقدهم الحبّ اتّزانهم وثقتهم، وحوّلتهم الكتب والتجارب والناس والعادات من مجرّد أشخاص ساذجة تحرّكها الحاجة إلى قلوب مغلّفة بصفيح! كما مثّلت “مي” الفتيات اللواتي يحوّلهن المجتمع إلى ضحايا العادات والتقاليد لمجرّد اختلاف النسب أو القبيلة.
ولكن كان الجانب الذي عبرته الرواية في خطوط متداخلة وسريعة دون أن تأخذ حقّها في المشاهد الواسعة، هي الحوادث البسيطة التي تمثّلت في اغتصاب الأطفال، وقتل الفتيات بداعي الشرف، وممارسات المخابرات القمعيّة التي تتهدّد الإنسان في كلّ شيء وتمارس أقذر الأساليب لإرضاخ المواطن والتحكّم فيه بداعي الوطنية والأمن.
ولأنني ابن هذا المجتمع، فقد كنت أحسّ برقيب لم أتبيّن شخصه ولا ملامحه يقف خلفي، يتفحصّ الكلمات التي تكتب، كنت أخشى حتّى على الشخصيات التي كتبتها، التي وإن كانت وهمية، إلا أنها مجموعة من الشخصيات العديدة التي التقيت بها واقعاً في مراحل حياتي المختلفة. لذلك كنت أجاهد إلى إخفاء بعض التفاصيل، ثم أعود وأكتب ما عملت سابقاً على إخفائه دون الاندفاع كثيراً إلى كشف الكثير من التفاصيل أو جوانب هذه الشخصيات.
لكن، الرواية نفسها كانت معركة من نوع آخر، حيث لاحقتني بعض الشخصيات، وحاولت الابتعاد عنها أو التحكّم في حجم ظهورها ومساحتها من العمل، كنت قلقاً من أن يظهر انحياز الروائيّ مع الشخصيات التي يؤيّدها أو التي يرى فيها مثالاً لما يؤمن فيه من أفكار وغير ذلك.
لا أدري إن كنت قد استطعت فعلا التغلّب على هذه المشكلة أم لا، ولكن في النهاية حاولت تقديم الرواية كما أتت، كما حاولت إلباسها ثوب العاطفة كي أخفي عيوب الكتابة لديّ.
هل قادت الرواية بعد ذلك القارئ الآخر المختلف الذي لم يكن سابقاً يعلم عن هذا المجتمع شيئاً؟ أو هل نجحت في تنبيه واستدراج ابن المجتمع للتعرف إلى تفاصيل وملامح ذلك الركن المخفيّ الذي يعلم عن وجوده ولا يريد الحديث عنه؟ لا أدري. هل كانت الرواية هي مرآة للمجتمع؟ ربما، ولكن بالتأكيد مرآة تخفي أكثر مما تظهر من ملامح المجتمع. المجتمع الذي وكأي مجتمع آخر، تحتاج التمهل والدقّة والحذر في تناول تفاصيله أو رسم مشاهده، ولكن أكثر ما تحتاجه بالفعل؛ الروح. الروح التي تنهض بالعمل كمادة أدبية وليس فقط مجرد تقرير كتابي أو يوميات فرد. الروح التي تعطي للعمل أناقة الكلمة ولطافة الحدث وشهوة الفضول. الروح التي تمثّل ذلك الخيط الرفيع القويّ الذي يربط بين الكاتب ومجتمعه، بين الكاتب وشخصيات روايته، بين الكاتب والمكان والزمان وغيرها من التفاصيل التي وإن يتم تقديمها بصورة مغايرة، إلا أنها انعكاس لتفاصيل واقعية موجودة على أرض الواقع.
“امرأة تضحك في غير أوانها” انتصار لفكرة الجمال على القبح، انتصار للأمل على اليأس. احتمالات للتحقق لا للتحسّر. مزيج من الألم والوحدة والفراق والعزيمة والحب والوصال.

ـــــــــــــــــ
* روائيّ عُماني مقيم في لندن. صدرت له: “امرأة تضصحك في غير أوانها”، “ضوء خافت لذاكرة مهتزة” عن دار الانتشار العربي في بيروت. وله أعمال روائية قيد الكتابة والطباعة.













شاهد أيضاً

SaifAtefAbu

أسئلة الهوية والحفر في الماضي عاطف أبو سيف *

لا أعرف إذا ما كنت أريد أن أكون كاتباً أم لا حين كنت أضع رأسي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *