الرئيسية / «متتالية فرنسية»… رواية تتحدى الزمن والديكتاتورية النازية دينا نبيل
«متتالية فرنسية»… رواية تتحدى الزمن والديكتاتورية النازية

«متتالية فرنسية»… رواية تتحدى الزمن والديكتاتورية النازية دينا نبيل

يفترض العديد من النقاد أن رواية «متتالية فرنسية» للكاتبة الفرنسية إيرين نيمروفسكي أحد أقرب الأعمال الأدبية التي عاصرت وأرّخت لفترة الحرب العالمية الثانية.
ففي عام 1942 تنتهي إيرين نيمروفسكي ـ ذات الأصل اليهودي والجذور الأوكرانية ـ من كتابة أول جزئين من رواية خماسية، كانت تنوي نشرها كمسلسل، لتؤرخ فترة عصيبة في تاريخ فرنسا. وتكمن المفارقة أنّه لم يسبق لأحد أن سمع بالرواية قبل عام 2004، وسرعان ما أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً بعد أن ترجمت إلى الإنكليزية عام 2006. ومع ذلك، لم تر نيمروفسكي عملها مطلقاً، فبعد انتهائها من كتابة جزئين فقط، اعتقلت نيمروفسكي وفقا للقوانين النازية بعد احتلال هتلر لفرنسا، كونها يهودية، ومن ثمّ أرسلت إلى معسكر أشفيتز النازي حيث وافتها المنية. وبعد ستين عاماً تقرر ابنتها الكبرى دينيس إبشتاين فتح المخطوطة لأول مرة لتفاجأ أنها رواية ومن ثمّ تقرر نشرها.
تنقسم الرواية إلى جزئين: «عاصفة في حزيران» و»دولتشي». تدور أحداث الجزء الأول حول ما يشبه «سفر الخروج» لخمس عائلات خلال القصف الأول لباريس. فتتبّع الراوية مصائرهم وهروبهم من القصف بحثاً عن مأوى في الريف أو الضواحي. وقد راعت الكاتبة تنوع الشخوص ذوي الخلفيات الاجتماعية والمستويات الاقتصادية المختلفة والولاءات السياسية المتباينة، مخلّقة كرنفالية ثرية. فتلتقي عائلة بريساند البرجوازية، مع غابرييل كورت، الكاتب الشهير وعضو الأكاديمية الفرنسية، وصاحب المصرف مسيو كوربين، مع عائلة ميشود متوسطة الحال، وتشارلز لانجيليه جامع الخزف والتحف، وأسرة ساباري المزارعة، لتضعهم الكاتبة في حيز ضيق واحد وهو الطريق من «باريس» إلى «أورليانز». وتدور أحداث الجزء الثاني عن عائلة أنجيلييه» في قرية «بوسي» بعد أن احتلها الألمان. فترصد حال «لوسيل أنجيلييه اليائسة التي أُخذ زوجها الخائن أسيراً، ثم وقوعها في حب الضابط الألماني برونو فون فوك المكلّف بمهام كتيبته في القرية حتى مغادرتهم لغزو الاتحاد السوفييتي.
تحجم نيمروفسكي عن لعب دور مسجل لأحداث وقعت حولها، وإنما تتأمل ما وراء الأحداث، وتحاول صياغة تفسيرات لها وتبني عليها عواقب محتملة عبر وعيها الذاتي. ومن ثمّ، تغوص الرواية في الصدمات والاضطرابات التي هزّت أفراد الشعب الفرنسي وقت الحرب من دون الالتفات إلى طائفة عرقية بعينها. وعليه، تختلف الكاتبة عن ليو تولستوي؛ فبعد ما يقرب من نصف قرن يكتب تولستوي عن الغزو الفرنسي لروسيا في عام 1812 في روايته الشهيرة «الحرب والسلام»، في حين أن متتالية نيمروفسكي كانت ما تزال ترتكز على حمم ملتهبة. فتصوّر في أول مشهد من الرواية ارتجاف الأرض منذ بدء تساقط القنابل على الرؤوس، وهي استعارة موفقة تعكس حال التمزق الذي شرع يطرق المجتمع الفرنسي. إلى جانب هذا يسيطر شعور بعدم الثقة بين الحكومة والشعب الفرنسي الذي يرفض تصديق التقارير المزّيفة التي تتصدر أي هزيمة محققة. وتكمن الصدمة الكبرى عند توجّه الشباب المتطوّع إلى الجبهة ومواجهة الوضع الكارثي في ​​ساحة المعركة، مما أدى إلى تراجعهم وشعورهم بعقدة ذنب بلا ذنب. وهكذا تسلط الكاتبة الضوء على جيل الأبناء الثاني وموقفه من جيل الكبار المتمثّل في الحكومة والأسرة، والنظر إليهم باحتقار طالما غاب عن خطابهم المصداقية والشفافية.
تسهم الحرب بشكل كبير في الكشف عن أفضل أو أسوأ ما في الإنسان، فتضع الكاتبة كل شخوصها في ظروف واحدة من نقص غذاء وانعدام وسائل النقل والمأوى، راصدة تفاوت ردة الفعل من شخصية لأخرى. فتقود «شارلوت بريساند» أسرة كبيرة وتلعب دور الأم والأب معاً ولكن رغماً عنها تخلّف وراءها الجد وتتحمّل خبر وفاة ابنها الأكبر «فيليب». وتظهر الظروف القاسية أيضاً معادن آخرين مثل «كونتيسة دي مونتمور» التي أقامت صلوات في الكنيسة طالبة من القرويين الفقراء التبرع بمدخراتهم للجنود، في حين يستمتع الجنود الألمان بالشمس في مسبحها الخاص بقلعتها. ويتضح الزيف في شخص «كورت» الذي من المفترض أن يكون أديباً إنساناً متعاطفاً مع من حوله، ولكنه على النقيض من ذلك يشعر بالاشمئزاز من الفقر والقبح حوله؛ وينعتهما بالوجوه البشعة. وعليه تتسم الحرب بالكرنفالية وإن سقطت جميع الأقنعة لتتضح الحقيقة وتجتمع المفارقات في زمان وحيز مكاني واحد؛ الأغنياء جنباً إلى جنب مع الفقراء، مشاعر متباينة من مشاركة أو ازدراء وزوال الفواصل الوهمية بين الطبقات ووضع كل منهم في طريق الآخر لمواجهة مصير واحد.
وبعد ستة أشهر من الغزو، وفي إيقاع سردي أكثر هدوءاً يتتبع الجزء الثاني «دولتشي» ربيع تفتّح علاقة حب بين «لوسيل أنجيلييه» والضابط الألماني «برونو». فيطرح «برونو» سؤالاً وجودياً: «أيّهما أهم، الفرد أم المجتمع؟» ولاسيما في زمن الحرب، حيث تنتصر المصلحة الجماعية على الفردية. لاشك أنّ وحشية الاحتلال الألماني مرسومة بحرفية، ابتداءً من تغيير التوقيت الفرنسي ليتماشى مع الألماني، انتهاءً إلى سرقة مدخرات القرية وتشريد أهلها وقتلهم، إلا أنّ هذا ليس سوى جزء من الصورة؛ فتغوص نيمروفسكي في نفسية الجنود الألمان، مظهرة الجانب الإنساني الفردي من «الأعداء». على الرغم من كونهم غزاة، إلا أنّ الجنود الألمان يعانون بطريقة مختلفة؛ فهم لا يمتلكون إرادة خاصة بهم. فيشعر «برونو» أنه إنسان خارج الحس الزمني، بل إنه لا يوجد لديه عمر وهو أزلي قدم أكثر الأحداث أزلية على الأرض. فالجنود مسجونون في البلد الذي يحتلونه، وعليهم أن يطيعوا الأوامر كقطع الشطرنج من دون التفكير فيما هو صواب أو خطأ. وعلاوة على ذلك، يجب أن يتخلّى الجندي عن أي مصلحة ذاتية؛ فــ»برونو» مثلاً، كان موسيقياً، ولكن الحرب والموسيقى لا ينسجمان. وفي نهاية المطاف، تنتهي شخصية الجندي مشوهة، من دون أسرة أو عمل حقيقي. وتكشف نيمروفسكي التحول الحاصل في نفسية الغزاة؛ فالاحتلال يختلف عن الحرب. فعند البقاء لفترة طويلة مع أصحاب الأرض، وبعد الإقامة في منازلهم، وأكل طعامهم، واللعب مع أطفالهم، يبدأ الفرنسيون بالنظر إلى الألمان كبشر عاديين، وينبت بين الاثنين شعور بالمودّة والإخاء في معاناتهم الكبرى يصعب تجاوزه، عندما يقرر السياسيون تحرّك الجنود.
ولا يُعدّ عنوان الرواية «متتالية فرنسية» أصيلاً في ذاته، وإنما سبق تقديمه كـ»متتاليات فرنسية» موسيقية من تأليف الألماني يوهان سيباستيان باخ. و»المتتالية» كما عرّفها قاموس هارفارد للموسيقى هي سلسلة من الحركات المتباينة، مع بعض عناصر الوحدة، يتم أداؤها كعالم واحد». ودلالة التعريف في رواية نيمروفسكي أنها أردت أن تعطي روايتها شكل سوناتا، بحيث تبدو كسيمفونية من أربع حركات: بطء يليه سرعة وشرود، مستعينة بشخصياتها كــ»سولو» أو أدوار فردية منفردة ومتباينة في سيمفونية واحدة جماعية، تتآلف أدوارهم جميعاً في أوركسترالية متناغمة متحديّة طبول الحرب. ومن الانتقادات التي وُجّهت إلى نيمروفسكي أنّها لم تذكر في روايتها شيئاً عن «المسألة اليهودية» والنازية، الأمر الذي دفع بعض النقاد بالظن أنّها نوع شاذ من كتّاب معاداة السامية، كونها يهودية. ولكن يُذكر أنّ الاضطهاد الفعلي لليهود في حكومة فيشي لم يبدأ قبل 1941. كما أن نيمروفسكي لم ترد التركيز على عرق أو طائفة بحد ذاتها، بل على الشعب الفرنسي ككل، بل على الإنسان المعاصر بوجه عام عندما يسقط ضحيةً لبراثن الحروب.
كاتبة مصرية
دينا نبيل
عن صحيفة القدس العربي