"متاهةُ الأذكياء" لإبراهيم أحمد: بيان انتقام من الدكتاتور

"متاهةُ الأذكياء" لإبراهيم أحمد: بيان انتقام من الدكتاتور

خلافاً لما أوحت به الكلمة على غلافها الأخير، فإنّ رواية “متاهة الأذكياء ـ شاعران ودكتاتور” للكاتب إبراهيم أحمد، لم تكن عن الدكتاتور العربي بإطلاقه، بل عن دكتاتور بعينه، دكتاتور من طراز خاص، متفرد في توحشّه وقسوته ودمويته وعنجهيّته وأمراضه، وإن لم ينفِ مثل هذه التفرد القاسم المشترك بين كل دكتاتوريي العالم. إنّ تجاهل الرواية لِاسم الدكتاتور، بشكل تام، كما سيعمد هذا المقال إلى فعله، بدا أنه لم يكن بقصد تعميم النموذج أو تعميته فمثل هذا التصوّر سيكون نوعاً من ثلب للرواية في فنّيتها ورسالتها. إنّ استنكاف الرواية عن ذكر اسم الدكتاتور، وهذا بُعد اعتباري، فضلاً عن البعد الفني، لم يكن ليخلّ بالتعريف به أو التعرّف عليه، والكاتب لم يكن في وارد تمويه الشخصية، وهذه بدورها لم تكن قابلة لذلك، فـ “انجازاتها” الدموية ماركة خاصة بها لا ينازعها بها أحد من دكتاتوريي المنطقة، انطلاقاً من عَثرات السيرة وظروف النشأة الخاصة بعلاماتها الفارقة، من عدوانية وشرور وخوف وشك، لذا فإنه (لم يستطع سوى صنع الخوف وتوزيعه على الآخرين). وقد استثمر الكاتب، القسمات العامة لهذه السيرة، حتى لما قبل الولادة، معيداً قراءتها وتوجيهها لتلتقي مع مآلات الشخصية ومنحى الرواية عموماً، دون استبعاد الوثيقة والخبر وحتى الشائعة، لينتظم كل ذلك ضمن نسْج أدبي متين، اتخذ من الحوار (الديالوغ) بين شخصيتي العمل الرئيسَتين “ماجد الرضواني”، شاعر الدكتاتور، و”بديع صالح”، الشاعر اليساري المعارض الذي أُضطر إلى المنفى بعد صعود الدكتاتور، هيكلاً للرواية، معتمداً في السرد، ضمير المتكلم والغائب، كذلك الحوار الداخلي (المونولوغ) وقبل ذلك، صوت السارد. تتوزع الرواية في وحدات قصيرة، إجمالاً، بلغت ثمانٍ وسبعين وحدة، عبرها يتدفق حوار الشاعرين وقد التقيا في شقة بديع في بودابست، بعد فراق عشرين عاماً، إذ كانا صديقين وباعد بينهما الموقف من الدكتاتور. ماجد ارتمى في أحضان الأخير، بحثاً عن منافع وامتيازات، كدأبه دائماً، وبديع اختار الضفة الأخرى، النأي عن الدكتاتور والامتناع عن تمجيده ومديحه، حتى بعد ان طُلب منه ذلك او بالأحرى أُمر به، وهو ما دفع ثمنه، سجناً وحكماً بالاعدام، ينجو منه بطريقة غامضة، فثمة أكثر من طرف يدّعي سعيه وتوسطه لاطلاق سراحه، بمن فيهم صديقه ماجد، فبزعمه انه هو من توسط له من خلال ضابط كبير بالقصر، ليتم اطلاق سراحه ضمن عفو عام. يلتقيان، إذاً، بعد عقدين وقد جرت خلالهما دماء كثيرة تحت جسور كثيرة، بفعل حروب الدكتاتور الخارجية وجولات قمعه وتصفياته الداخلية، يلتقيان كطرفي نقيض إن لم يكن كعدوّين، وقد جرفت مزالق السلطة وإغراءاتها ماجداً، بعيداً في جنوحه. بهذا المعنى كان اللقاء نوعاً من محاكمة لماجد، الذي لم يكن في نظر بديع سوى جزّار كلمات، وقد كان طوال الوقت متفاوتاً، مذبذباً في موقفه، بين تبريره الانخراط في مشاريع الدكتاتور الدموية، خاصة، حروبه، تحت ذريعة الدفاع عن الوطن، أو بين الانكفاء حين يُحاصر بالأسئلة وبمنطق بديع الصارم، ليعود منتقداً الدكتاتور، عازياً مديحه له بالخوف منه، دون التعفف عن ذكر مغانمه منه: قصر على دجلة، سيارة حديثة كل عام، أموال، سفر، عدا عن كون علاقته بالدكتاتور تُعد في حد ذاتها، امتيازاً، ليشبّه بديع نفسه، إزاءه، بالقس الذي يتلقى اعترافات الخاطئين. إنّ ماجداً بتجسده وتعيّنه على صعيدَي الرواية والواقع لم يكن إلّا استلهاماً وتوظيفاً لشخصية شاعر ارتبط اسمه بالدكتاتور، واقعاً، حتى النهاية، هو عبد الرزاق عبد الواحد، ولم تتردد الرواية في الاستعانة بوقائع من حياة وذاكرة هذا الأخير، مثال ذلك، من بين أمثلة عديدة، جمّة، الإشارة، وما لذلك من دلالة مفصلية في سيرته، إلى أن أول قصيدة مديح كتبها عبد الواحد في حياته كانت في مديح مراقب الصف في الأول المتوسط، كنوع من رشوة ليتغاضى عن تسجيل مجيئه متأخراً إلى الصف أو غيابه، أو واقعة استقبال الدكتاتور للشاعر، وجثو الدكتاتور على ركبتيه أمامه لإشعال سيجارته وهو ما عدّه أسطورة لا يمكن لأحد أن يصدقها حسب رواية عبد الواحد نفسه في لقاءين مختلفين معه. لكن رغم ذلك، يصحّ النظر إلى ماجد كشخصية رمزية، تجسّد ما هو انتهازي ونفاقي، لا تتوانى عن تسخير وتبرير أيّ شيء، حسب هواها ومصلحتها، وعادة ما تتبع هذه الرذائل، لدى نموذج كهذا، رذائل أُخرى: (بديع يعرفه، مهووساً بالدوران حول نفسه، التفاخر بشعره وتبجّحه وادّعائه المقرف، لم يذكر اسم شاعر إلا وحطّ من قيمته، وحاول أن يشوّه سمعته…).

كما أراد الكاتب من خلال ماجد محاكمة ظاهرة موالاة سلطةٍ جسّدت أعتى صور البطش والتنكيل بمواطنيها، كما حرص على إضفاء مسحة كاريكاتيرية على صورة الشاعر في أكثر من تفصيل، كتسميته بـ (شاعر ختان الأطفال) بعد استياء الدكتاتور منه لقبوله تدبيج قصائد مناسبات لأقربائه أو بعض حاشيته، حتى وإن كان بدافع الخوف منهم، كذلك معاناته من منافسة الشعراء الصغار وسعيهم للإستيلاء على قلب سيّده الدكتاتور واهتمامه من خلال (إغداقهم المزيد من صفات الآلهة عليه)، رغم انه كان هو ذاته استاذاً لبعضهم، مثل دريد وصفي، بإيقاع اسمه الذي يحيل إلى اسم شاعر مداح حقيقي، آخر، مع عدم إغفال الإشارة إلى انّ العلاقة بين الإثنين، الشاعر والدكتاتور هي علاقة شائهة في الأساس لا تخلو من انعدام رجولة من طرف الشاعر المدّاح الذي يرى في الدكتاتور بطله وحتى ما هو أزرى من ذلك.

ولا يتوقف تصوير الكاتب لشخصية ماجد عند هذه التفاصيل وسواها بل انه طوال وقت تواجده في شقة بديع كان هدفاً للسخرية والتقريع، لتُختتم واقعة زيارته له بمشهد هو الأكثر قسوة وكاريكاتيرية في سياق الرواية إذ ينتهي المطاف به محبوساً في المرحاض من قبل بديع، الذي لم ير لشاعر الدكتاتور مكاناً يليق بوجوده سوى ذلك. ولولا مبادرة كلاري، الفتاة الهنغارية، بحضورها الطيفي في الرواية، لانتهى المطاف بشاعر الدكتاتور جثةً. ومثلما كانت كلاري، المترجمة في السفارة العراقية في بودابست، المكلفة بمرافقة ماجد، سبباً لخلاصه فإنها، فنياً، كانت بدورها خلاصاً وإنقاذاً للرواية من رتابة وتجهّم سيرها فيما لو انحصرت بتتابع الحوار بين شخصيتين على مدى أكثر من 390 صفحة، لكن على الرغم من حضورها الشفيف، الذكي، إلّا أنها بدت أحياناً غير مقنعة، مثال ذلك، تضارب أقوالها لناحية معرفتها بالوضع العراقي فهي تارة تبدو جاهلة به وتارةً تفصح عن إلمام بدقائق الأمور، كما يشعر القارئ أنها تنطق، أحياناً، بلسان الكاتب، لكن ملاحظة كهذه لا تمنع التأكيد على جمالية دورها في الرواية، خاصة وأنّ ظلّاً لعلاقة حب أخذ يمتد بينها وبين بديع. ولئن اتخذ الكاتب من شخصية بديع قناعاً له، فإنّ ثمة ما يُشير إلى استفادته من مزايا شخصية الشاعر العراقي حسين مردان، وعلى الرغم من الوفاة المبكرة لمردان، العام 1972، إلا أنه كان يستشعر بوادر قمعٍ مطبقٍ قادم، قياساً على بعض مؤشراته، وكثيراً ما ألمح إلى ذلك وحذّر منه في أكثر من مقال له، كما في مقاله “الجدل لا الكظم” المنشورة قبل وفاته بثلاثة أشهر.

وعلى صعيد الواقع أيضاً، ارتبط الإثنان، عبد الواحد ومردان بعلاقة صداقة، وإذا كان ماجد في الرواية يعدّ بديعا استاذاً له وهوالذي يكبره بسنتين ففي الواقع كان الأمر أشبه بذلك، فقد كان مردان يكبره بثلاث سنوات، هذا إذا أردنا المضيّ بإتجاه تعزيز “فرضية” توظيف ملامح من شخصية مردان لصالح بديع. على أن هذه التقابلات بين شخصيات روائية وواقعية لا تنزع عن هذه الشخصيات أو الرواية، عموماً، مداها الرمزي في تمثيلها للصراع الأبدي بين مثقف السلطة والمثقف المعارض. لهذه الدواعي ربما كاد الكاتب أن يجرّد شخصياته من أسمائها، وإذا ما منحها اسماً فهو الأول فقط، عدا ماجد، غير أن لقب هذا لم يذكر سوى مرة واحدة، ويرد بما يشبه السخرية، أما بديع فلم نعرف الاسم الثاني له “صالح” إلا على الغلاف الأخير للرواية، ضمن التعريف بها، وقد يكون ذلك سهواً! وإذا ما كان بديع، يمثّل الشخصية الضد لماجد، إلّا إنّه لم يدّع المثالية أو الطهر الثوري، بل هو تحدث عن خطايا اقترفها بل يذهب في الاعتراف إلى مدى أبعد بحديثه عن (انجذابه لمديح الدكتاتور)، وهو بذلك يشير إلى انشطار ونوازع دفينة للنموذج الذي يمثله، يتوجب فهمه من منظور نفسي، يؤكده “تشخيص” كلاري البليغ له، مقارِنةً إياه بماجد: (رغم أنك كنت تبدو نقيضه، لكنني كنتُ أحسّ، أو هكذا خطر في بالي، انك النصف الثاني المكمل له، انتما شخصيتان متناقضتان، لكنكما، في النهاية، شخصية واحدة..). لكن بديع، بالإجمال، هو نموذج مغترب، إنسانياً، حيال سلطة مستبدة، مثلما هو خارج على حزبه المعارض، ومن هذا المنطلق يشن بديع هجومه اللاذع على شخصيات معارضة هي الأُخرى أو اختارات المنفى، لكنها سقطت في أحضان دكتاتوريات عربية أُخرى ولم تتوان عن مديحها، كالجواهري والنوّاب. وإضافة إلى هذين فقد لمّحت الرواية إلى كثير من الشخصيات الأُخرى، دون الاقتصار على ضفة واحدة، في الانتماءات، وكلّ يُذكر في سياق واقعته أو دوره، فهناك أيضاً شفيق الكمالي، حسن العلوي وعبد الأمير معلة وسواهم، أقل شأناً أو أكبر، وكأنّ الكاتب أراد سبر فراسة قارئه وهو يصنع متاهته من الذوات الغُفل التي تبحث عن انعكاس أسمائها في مرآة هذا القارئ، ذاكرةً ومعرفة.

لقد بدت “متاهة الأذكياء”، على الصعيد الفني، اختباراً لمقدرة الكاتب، قبل كلّ شيء، حيث في 40 متراً مربعاً، هي مساحة الشقة التي احتضنت وقائعها، وخلال ساعات قليلة مثّلتها ليلة استضافة ماجد وكلاري، هي كلّ زمن الرواية، وما يعنيه مثل هذا الفضاء المحدود زمانياً ومكانياً، غير أنّه تمكن من إدارة لعبته الروائية، ببراعة، عبر أفعال صغيرة، محدودة هي الأخرى، كتبادل الأنخاب، التدخين، الذهاب إلى الحمام أو تحريك أطباق الطعام أو تغيير اسطوانات الموسيقى. وقد اتخذ من التسعينيات العراقية، حتى مشارف الألفية، مهاداً لعمله الذي أراد له أن يبدو نبوئياً، متكهناً بالحاضر الذي يعيشه العراق، في الوقت الذي استقت الرواية الراهن الذي تعالجه، بوصفه مستقبلاً، في منظور زمن الحكاية، لا الزمن الفعلي الذي كُتبت فيه.

لقد أراد الكاتب لهذا العمل المحتشد اللغة والمشاعر ـ وكم تمنينا أن يكون خالياً من الأخطاء الطباعية والسهو اللغوي، والأخير قليل، إجمالاً ـ أن يكون بياناً شخصياً وموقفاً باتاً من الظاهرة الأفظع، في بعدها السياسي، التي ألمّت بالعراق في عقديه الأخيرين أو يزيد، قليلاً، لكن مثل هذا البيان ـ الرواية، يمكن أن يُجمل ويلخّص، في الوقت ذاته، موقف الإنتلجنسيا العراقية، بجميع أطيافها، لا اليسار فحسب، وقد طُعنتْ في مشروعها الحداثي، ما أدى إلى تحطيم هذا المشروع على جميع الصعد، كما أنّ ثمّة الكثير من المواقف التي تطرحها الرواية تتناغم ومواقف هذه الإنتلجنسيا، كالموقف من الحرب العراقية الإيرانية والنظام الإيراني الثيوقراطي، كذلك الموقف من النظام الطائفي المقيت الذي مزق العراق بعد 2003، وسوى ذلك من قضايا مصيرية. ولا يضير الرواية هنا تسميتها برواية لغة، فمن منظورها نفسه يعدّ ذلك مزية وسمةً لها، وقد اضطلعت بمهمة صوغ بيان يلخّص سنوات المرارة ومعايشة الخراب، ولا غرابة بعد ذلك، في أن تكون محكومة بالخوف كما جسّده بطلها، استهلالاً وختاماً، وهي تستبطن هواجسه كمنفيّ مثقل بتاريخ من الملاحقة.
“متاهة الأذكياء”، كتابة ذكية بأحكامها واستدراكاتها ومقارناتها وفي سبرها لأعماق شخصياتها.

إبراهيم أحمد: “متاهة الأذكياء ـ شاعران ودكتاتور”
منشورات المتوسط، ميلانو ـ 2019
398 صفحة.

ـ تنويه: المقال نُشر في صفحة كتب في القدس العربي ـ الإسبوعي، ويُعاد نشره هنا مع بعض التوسّع الذي لم يكن يسمح به الحيّز المُتاح في الصفحة.