ماذا تحكي روايتك الجديدة؟

ماذا تحكي روايتك الجديدة؟

بشير مفتي

ربما هو أصعب الأسئلة مشقة على الكاتب، ليس لأنه لا يعرف ماذا تحكي روايته؟ ولكن لأنه يعجز عن وضع ملخص لهذه الحكاية، فكل ملخص بالضرورة هو تشويه وتغاضي عن تفاصيل وحكايات كثيرة داخل الرواية، ولهذا على قدر ما يبدو السؤال مهما للصحفي الذي يريد معرفة سريعة بالرواية على قدر ما يجد الكاتب مشقة في الإجابة
عندما أرسل فردينالد سيلين روايته الفخمة ” رحلة في آخر الليل” إلى غاليمار طلب منه الناشر أن يلخص الحكاية فكتب سيلين رسالة طويلة لا يلخص فيها الرواية بل يشرح فيها لماذا تلخيص الرواية عمل مستحيل بالنسبة له ..
هل وحدثت هذه القصة بالفعل ؟ أظن قرأتها يوما في كتاب رسائل سيلين أو تخيلت القصة لأنها تناسب فكرتي الآن ..
هل هذا يعني أني لا أستطيع تقديم ملخص عن روايتي ” وحيداً في الليل” لا بالعكس، الرواية لا تقوم على موضوعة محددة، وربما هي كمجمل رواياتي يمكن أن يكون لها موضوع أساس، لكن بصراحة لا أعرف ما هو بالضبط ؟ ومن يقرأ الرواية سيعرف وحده ما هو الموضوع الأساس الذي يخلص إليه بنفسه: هل هو الخوف؟ الصداقة؟ الخيانة؟ لماذا تفعل بنا الحياة ما تريد أم نحن نفعل بحياتنا ما نريد ثم عندما تكون النتيجة سيئة نربطها بالظروف والأقدار وغيرها من المبررات
لا أفكر في الكتابة على أنها جملة من الأجوبة الجاهزة التي يقدمها كاتب حكيم خبر الحياة وقرأ المئات من الكتب وصار بإمكانه أن يقول شيئا عن الحياة المرئية وحتى تلك التي لا نبصرها ونكتفي بما نحسه به نحوها ..
الكاتب يكتب لأنه لا يعرف الإجابة ولأنه شديد الولع بطرح الأسئلة التي قد تزعج القارئ العام الذي يبحث في النص عما يريحه أكثر مما يبحث عما يقلقه ..
لقد تآلفت مع الكتابة بشكل ما، بطريقة تناسبني إلى حد بعيد، يعرفها بعض الأصدقاء القراء الذين لسبب أجهله يتعاطفون مع ما اكتبه، ويجدون فيه ما يلبي شغفهم، أو إلى حد يشعرون أنه يعبر عنهم، وكثير من القراء الذين يراسلوني على الخاص يؤكدون لي هذا التعاطف، وأنا أحس بصدقهم في التعامل مع نصوصي الروائية المختلفة حتى لو رأى فيها البعض أنها تحكي ربما قصة واحدة، وتتحدث عن شخصية واحدة والحقيقة أنه حتى في القصة أو الشخصية الواحدة يمكن أن نكتب عنها عشرات الأعمال من منظورات ورؤى مختلفة
الكتابة بالنسبة لي صارت قدرا الآن، لا مفر منه، ولم يعد يهمن ما يقال أو لا يقال، إن ما يجعلني أكتب هو بعض الإيمان أني لا أخون نفسي، ولا أخون أحداً، وإني أصدق فكرة أن الأدب يملك في هامشه الصغير مساحة واسعة من الحلم الذي يجعل الإنسان يقاوم بنبل حتى الأخير من أجل الأشياء التي يؤمن بها
كنت سأجيب صحفية سألتني عن الرواية فكتبت هذا الشيء