الرئيسية / فصول روائية / لوحة من رواية “الجانب المظلم للحب” الكاتب السوري الألماني رفيق شامي/ ترجمة خالد الجبيلي

لوحة من رواية “الجانب المظلم للحب” الكاتب السوري الألماني رفيق شامي/ ترجمة خالد الجبيلي

دمشق، 1940-1953
94-دمشق
ليست دمشق مدينة، مكاناً موسوماً في أطلس الخرائط، بقدر ما هي حكايا تمتلئ بالبيوت والشوارع والقصص والشائعات وتفوح منها الروائح.
لقد عصفت بالمدينة القديمة الأوبئة والحروب والحرائق مرات لا حصر لها عبر تاريخها الذي يمتد على مدى ثمانية آلاف سنة. وبما أنه لم يكن هناك موقع أفضل من موقعها لإعادة بنائها، فقد كانت تبنى دائماً في الموقع نفسه. فاليد التي شيدت دمشق وشكلتها حتى يومنا هذا، كانت يد مخطط المدن الإغريقي، هيبوداموس المليتي الذي قسّم المدينة إلى مربعات هندسية ذات شوارع طويلة ومستقيمة تتقاطع مع بعضها بعضاً بزوايا قائمة. فقد كان الإغريق يحبون الخطوط المستقيمة، بينما يفضل العرب المنحنيات والمنعطفات. ويعزو البعض ذلك إلى تعلقهم برحلاتهم المستقيمة المنهكة عبر الصحراء، لأن المنحنيات تقصّر المسافة، على الأقل بالنسبة للعين. ويدّعي آخرون بأن الحياة تتبدى في منحنيات: فشجرة الزيتون تنحني تحت وطأة ثمارها، وبطن المرأة الحامل تتكور، وتشكّل أغصان شجرة النخيل شكلاً مستديراً. في حين يوجد لدى الدمشقيين القدامى تفسير مبسط أكثر وهو أنه كلما ازدادت المنحنيات في شوارعك، سهل الدفاع عنها.
عندما تبدأ بالتحدّث عن دمشق، يجب أن تحذر لئلا تغرق، لأن دمشق بحر من القصص. والمدينة تعرف ذلك جيداً، لذلك، على الرغم من حبّ العرب للشوارع والأزقة الملتوية فإنها تحتفظ بشارع مستقيم واحد، يطلق عليه هذا الاسم أيضاً. وهو نقطة التوجيه لكلّ مشوار سيراً على الأقدام ولكلّ قصّة. وإذا أربكتك المنعطفات الكثيرة في الأزقة والحارات المتعرجة والممرات الملتوية، يمكنك عندئذ أن تعود دائماً إلى الشارع المستقيم، فهو بوصلة ضخمة تري الناس منذ أكثر من ثلاثة ألف سنة الطريق المتجهة من الشرق إلى الغرب.
كان يا ما كان في قديم الزمان، كانوا يقولون إن عرضه يزيد على عشرين متراً. جادة رائعة تحفّها الأعمدة والأروقة. لكن التجّار أخذوا ينتقلون بأكشاكهم ومحلاتهم أكثر وأكثر إلى الشارع على كلا الجانبين، أما اليوم فلا يتجاوز عرض أجزاء منه عشرة أمتار. إن تجّار دمشق ماهرون في حيل وضع اليد على الأراضي، فهم يتمددون على نحو خفي في المنطقة التي توجد فيها أكشاكهم بأن يضعوا صندوقاً من الخضراوات، أو هرماً صغيراً من الصناديق المرصعّة، أو صينية من الفستق الحلبي على الرصيف لبضع ساعات ليجفّ في الشمس. ثمّ ينصبون مكانها كشكاً خشبياً خفيف الوزن ويغطّونه بقطعة من القماش الرقيق لحماية بضاعتهم عندما تشتد حرارة الشمس، عندها تعتاد عيون المارة ورجال الشرطة على رؤيتها. وبعد فترة يهوي الكشك الخشبي، فيجد التاجر نفسه مرغماً على استبدال الكشك المهلهل بشيء أشد صلابة، ثمّ يصبح له باب كي يتمكن من الاستمتاع بقيلولته دون أن يخشى اللصوص، وسرعان ما تصبح له نافذة صغيرة تغطيها ستارة. وبعد أسبوع، يقوى خشب الكشك الرقيق بطريقة سحرية بقطعة آجر من الطين، وبعد عملية في الخفاء في الليل، يطلى الهيكل الصغير فجأة بطلاء أبيض، وتطلى أبوابه وإطارات نافذته باللون الأزرق. بعد فترة قصيرة، تجد صندوق خضروات آخر خارجه لجذب انتباه الزبائن، فيتذمر الشرطي المسؤول، لكن يتم استرضاؤه بالكثير من الأحاديث الطلية وفنجان قهوة -حتى يأتي الوقت الذي يُنقل فيه هذا الشرطي إلى مكان آخر. ويمكن أن يقسم الشرطي الجديد بأنه يوجد دائماً منعطف في الطريق هنا.
مرّ على دمشق حكم العرب والرومان والإغريق والآراميين، وشهدت ستة وثلاثين شعباً من شتى الثقافات والطوائف. وحكم هؤلاء المدينة بالتعاقب، وفي بعض الأحيان حكموها معاً، ولم يذهب عرق إلا وترك أثره على دمشق، لذلك أصبحت عملاً تاريخياً مرقعاً، مكتباً للأمتعة المفقودة من الثقافات، ويقارنها الكثيرون بقطعة فسيفساء ركّبها المسافرون على مدى ثمانية آلاف سنة.
لقد منح الذين بنوا دمشق الدمشقيين جميع أنواع الهدايا. فهنا ترى عموداً يونانياً، وهناك جسراً رومانياً وجداراً متواضعاً مشيداً بأحجار من قصور تعود إلى الألفيات الماضية. وهناك ترى نباتات جلبها الرقيق من أفريقيا. وحتى يومنا هذا، يمكنك أن تسمع في الشارع كلمات كان يتحدث بها أجانب منذ مئات السنين، وتلتقي بأناس، سواء أكانوا باعة خضروات أم أطباء، يتحدّر أجدادهم من إسبانيا أو من اليمن أو من إيطاليا، لكنهم يعتبرون أنفسهم دمشقيين أصيلين، والغريب في الأمر أنهم محقّون في ذلك.
تُعد دمشق واحة مليئة بالثمار في الصحراء العربية. وفي نهاية الأربعينات من القرن العشرين، أقيمت شركات كبيرة عديدة لصناعة النسيج بالقرب من المدينة، وافتتحت مدارس عديدة، وتوسعت الجامعة، وامتلأت الأكشاك بالصحف والمجلات، شاهدة على ثراء دمشق الثقافي. وأصبحت دور السينما عصرية، وخصصت لها أيام خاصة للنساء، وكنت ترى أحياناً رجلاً عاشقاً ينتظر في الشارع طوال ثلاث ساعات لكي يرى محبوبته عند خروجها من السينما. وكان عليه أن يتوخى الحذر الشديد لكي لا يلحظه أحد وهو يبتسم لها. وإذا بادلته الابتسامة فكان يعتبر أنه ذاق طعم الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن صفحة المترجم خالد الجبيلي على الفيسبوك












شاهد أيضاً

راحلة.. مقطع من “حديقة القلب” نعيمة السي أعراب

جَلَسا لِتناوُلِ الطعامِ في مكانٍ راقٍ وجميل. قَدِمَ النادِلُ حاملاً المشروبَ في يدِهِ، قلَبَ الكَأْسَينِ …