الرئيسية / حكاية الرواية الأولى / “لاشيء سوى الدخان”.. صور غير نمطية عن الحياة في بلاد العم سام سيروان قجّو *

“لاشيء سوى الدخان”.. صور غير نمطية عن الحياة في بلاد العم سام سيروان قجّو *

ما إن بدأت طائرتي بالاستعداد للهبوط في مدينة شيكاغو، حتى قرّرت كتابة رواية عن هذه المرحلة الجديدة من حياتي كمهاجر في هذه البلاد البعيدة، معتمداً على ذكرياتي ومغامراتي في سوريا ولبنان. بعد ذلك اليوم بسبع سنوات، كانت روايتي “لا شيء سوى الدخان” متوفرة لقراء اللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة وخارجها.
لطالما كانت كتابة الرواية إحدى الرغبات التي ظلت كهاجس في مسيرتي الكتابية التي بدأت مبكراً قياساً بعمري. عندما أصدرت أول مجموعة شعرية باللغة الكردية سنة 2008، كنت على يقين أنها الخطوة الأولى فحسب في مشواري الأدبي.
كنت مدركاً أن المشروع الكتابي لدي سينضج تدريجياً، فالكتابة – الإبداعية منها على وجه الخصوص – هي نتاج تزاوج بين الموروث الثقافي الشخصي والتراكم العلمي المستديم عند الكاتب.
لكن الرغبة شيء والواقع شيء آخر. مرت خمس سنوات منذ اتخاذ قراري بكتابة الرواية في الطائرة، وأنا أحاول إيجاد طريقية تحفيزية لإطلاق مشروع كتابتها. في هذه الأثناء كنت أرتب أفكار الرواية وتسلسل أحداثها وفصولها في ذهني، دون اللجوء إلى مشقة وضعها في دفتر ملاحظاتي. غيّرت فيها الكثير وقمت بإعادة صياغة بعض الأحداث وحذف البعض الآخر – كل ذلك في رأسي. وكأنّ رفضي وضع تلك الأفكار كتابياً على جهاز الكومبيوتر، هو بمثابة تهرّب غير معلن من مواجهة مسؤولية الاستمرار بجدية أكبر في كتابة الرواية.
هناك شعور بالذنب يعاني منه معظم الكتّاب. ذلك الإحساس الذي يداهم الكاتب في فترة تكاسله وتقاعسه عن الكتابة. عندما بدأ ذلك الشعور بالتأثير على حياتي الشخصية والمهنية، قررت بشكل حازم أن أبدأ بكتابة الرواية والانتهاء منها في غضون سنة. وبالفعل قمت بوضع جدول أسبوعي لتنظيم ساعاتي الكتابية، بشكل يضمن كتابة سلسة من دون انقطاع. بدأت بالكتابة في المنزل، وللتخلّص من الرتابة والملل، قمت بتغير أماكن الكتابية متنقلاً بين هدوء مكتبة الجامعة التي درست فيها، وضجيج المقهى الذي كنت أقضي فيه معظم أوقات فراغي.
الكتابة على الكومبيتر تعطيك مساحة لتطوير أفكار جديدة وبلورة أخرى قديمة. وذلك ساعدني بشكل كبير على تغيير أجزاء كبيرة من روايتي”لا شيء سوى الدخان” عما كنت أكتبه في مخيلتي. لكن ذلك كان على حساب الجدول الزمني الذي فرضته على نفسي للانتهاء من المسودة الأولى من الكتاب. فبدلاً من إنهائها في سنة واحدة، أخذ الأمر منّي سنة إضافية – هذا علاوة عن أني كتبت الرواية باللغة الإنكليزية، والتي أعتبرها لغتي الثالثة بعد الكردية والعربية.
قرار الكتابة باللغة الإنكليزية بحد ذاته كان كبيراً بالنسبة لي. كان بإمكاني أن أكتب بالعربية أو الكردية بشكل أسهل وأسرع. لكن تحدي الكتابة بلغة كنت ولازلت أتعلمها، كان كافياً لأتخذ قراري بشكل أسرع. كانت لدي أيضاُ أسباب أخرى دفعتني لإصدار الرواية بالإنكليزية، منها الوصول إلى أكبر قدر ممكن من القراء الأمريكيين والآخرين الذين يتكلمون الإنكليزية، باعتبار أن الرواية تحمل أيضاً رسالة سياسية، وتتحدث عن ناس لا يعرف عنهم الأمريكي العادي سوى أنهم مقاتلون أشداء.
وكونها رواية تعريفية تسرد قصصاً غير معروفة بالضرورة لدى القارئ الأمريكي، اتبعت أسلوب السرد المباشر مستفيداً من خبرتي في الكتابة الصحفية. وهو أسلوب شائع في الرواية الأمريكية المعاصرة. اعتمدت على شخصية محورية وهي شخصية “كاوا” التي تجمع بين الفكاهة والجدية، البساطة والدهاء، المغامرة والخوف. كان هدفي من ذلك إظهار الجانب الإنساني في شخصية تحاول الخروج من تحت أعباء كتلة من التناقضات التي ساهمت بشكل كبير في تكوينها.
كاوا، ورغم محورية شخصيته، عبارة عن تمازج عدة أشخاص حقيقية، ذو اهتمامات مختلفة وأطباع مغايرة. كانت غايتي من ذلك إظهار صورة متكاملة عن الشخصية الكردية السورية الشرقية للقارئ الأجنبي. ولعلها كانت محاولة لإغناء الرواية بمشاهد وقصص حقيقية جرت في فترات زمنية غير مرتبطة، بغية استكمال الحدث الروائي، وتلبية لرغبة ملحّة عندي لسرد أكبر قدر ممكن من الحكايات في كتاب واحد.
في محاولة أخرى، قمت برصد جانب من الحياة الأمريكية من منظور لاجئ جديد في هذه البلاد. قد يعطي ذلك فكرة للقارئ الأمريكي عما يجول في خاطر مهاجر مثل كاوا حول أمريكا، وكذلك قد ينقل صورة غير نمطية عن الحياة في بلاد العم سام للقارئ غيرالأمريكي، في حال تمت ترجمة الرواية إلى لغات أخرى.
عشت تفاصيل جميلة مع الرواية، بل استمتعت بكتابتها أكثر بكثير من فرحتي بصدورها. حاورت شخوصها، جادلتهم في أكثر من مناسبة، وقمت بعقد صداقات أبدية معهم. أشتاق إليهم وأحاول باستمرار أن أعيدهم إلى حياتي اليومية. ولعل شروعي في كتابة رواية جديدة ما هو إلا محاولة في ذلك الاتجاه.
حكايتي مع “لا شيء سوى الدخان” متجدّدة كحلم جميل، أعيش تفاصيلها وأستعيد محاوراتي مع شخصياتها، وهنا بهجة الحكاية ومتعتها..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صحافي وروائي وشاعر كرديّ سوريّ

شاهد أيضاً

الرواية.. كيف تنبض الحياة في الحكاية؟ عبدالله البصيّص

“القراءة كانت السبب”. هذا ما قلته لصديق سألني كيف كتبت رواية “ذكريات ضالة”؟. وأضفت: “عندما …