سبتمبر 18, 2019
  • سبتمبر 18, 2019
يوليو 13, 2019

كنت وزيراً جيلالي عمراني - الجزائر

By 0 314 Views

استيقظت متأخرا، أو عدت من موتي أخيرا، وجدت شخصا وحيدا جلس قبالتي، قريبا مني، يبدو في الوهلة الأولى مجرد شبح منكمش على نفسه  في الظّلمة، هزيلا، يشبه هيكلا عظميا، بصعوبة حددتُ موقعي داخل القبو، بالكاد يدخل شعاع نور خافت، نرى بعضنا البعض، جسدي المسجى شبه معطّل، كلّ أعضائي ميتة تقريبا، من البرد و الجوع و التعذيب المتواصل بالإضافة إلى نتانة القبو.

كان رفيقي يكتب بيده في الفضاء، تأكدت أنه كان يكتب باستمرار جملا، أجل كان منهمكا في سرد طلاسم و ألغاز، أو حكايات، عندما تفطن لاستيقاظي، أراه يفتح حدقتي عينيه، ينظر إليّ بفرح و بسعادة، أنا أيضا كنت سعيدا بوجود كائن بشري في لحظات عودتي من الموت. بدأت ألملم ما تبقى من قوتي الواهنة. تفقدتُ لساني، لحسن حظي ما يزال في موقعه، أعضائي، قاموسي اللغوي، شعري، لم أفقد شيئا في الواقع و هذا مؤشر جيد، تذكرتُ أني الإعلامي جمال زغلامي الأعزب، و المختطف.

منذ متى؟

قال رفيقي:

-حمدا على سلامتك. صوت مألوف، في نبرته نغمة أعرفها. بالتأكيد لست في حلم، حاولت التحديق في وجهه.

– أين أنا بربك؟ و من أنت؟

– في الحفظ و الصون. لا تقلق. أنت في القصر، معزز و مكرّم، لا تقلق. أنا  هنا معك.

– تقول أنا في القصر؟ اي قصر؟ هذا جهنم.. أي.. أي..

– فعلا أنت في القصر السفلي، أنا أيضا أسير مثلك لكني لم أتعرض للتعذيب، ربما احتراما لمهنتي.

-أسير مثلي؟ كأني اعرف هذا الصوت الرخيم.. من أنت؟

قال:

أنا أيضا سمعت صوتك، لكن اين.. أين؟

لا أذكر، عموما مهم أن نلتقي مجددا، هل متأكد أنت لستَ منهم؟

أبدا، كنتُ منهم ثم طردتُ الى هذا القبو.

جيد، على الأقل وجدتُ صديقا مثلك.  أنا جئت  من أجل كتابة سيرة الوزير لستُ أسيرا، ثمّة خطأ ما، لعلّ تلك الشّقراء ستصحح الوضع، ستوبخهم، بالتأكيد ثمة خطأ غير مقصود،

– أبدا، احتمال وارد لكنه ضعيف، خبرتي تقول أننا وقعنا في قلب المؤامرة، سنكون وقودها قريبا،  أنا و أنت يا صديقي في قلب الانقلاب الجاري تفاصليه منذ أول الليل.

أضاف:

-أنا محتجز مثلك،  جئت قبل أسبوع في مهمة مختلفة، مختلفة تماما، ها نحن في عداد الأسرى أو الموتى بعد حين، آه نسيتُ لم أقدم نفسي، معذرة، أنا “علي الغسّال” جيء بي من أطراف المدينة المنسية، كنت في اللامكان، جيء بي إلى هنا، في انتظار موته لأغسّله و أجهزه، على ما يبدو سيغسلوننا قريبا، أكيد، أو يرموننا في ظلمة اللّيل، من يعلم فيما يفكرون الآن؟ أو كيف يتصرفون فيما بعد؟ ثمّ يجب أن تسامحني، لأني أنا من رشحتك لهذه المهمة، نعم، قبل ليلتين بالضبط، اقترحت عليه أن يدوّن مذكراته وحياته الغنيّة بتجارب انسانية و رحلات مكوكية، نعم، قلتُ له ذلك.

-أنت؟ هل كنت تعرفني؟

– أجل. لا أعرف قيمتك ككاتب، أو مستواك، ولم التقك يوما، كلّ ما في الأمر ان بلاط الوزير لم يجدوا اسما يليق بسمعة الوزير، اتصلوا ببعض الأسماء المهمة ولم يتلقوا ردا شافيا أو غلقوا الهاتف في وجه أمين الحارس الشخصي لمعالي الوزير، ثم هند.. قبل ليلتين في غمرة سروده الفوضوية عن حياته، اقترحتُ اسمك، أنا سبب تواجدك معي، ستشاركني للأسف لحظات رحيلنا النهائي، لا عليك يا أستاذ، الحياة لا تستحق منا كثيرا  من العناء يكفينا شرورها، تصور أنا في الخمسين حملت على ظهري خمسين عقبة، خمسين هما كل عام، الحسبة في النهاية في صالحنا لو تكرموا برمينا بالرصاص. أفضل ذلك على الذبح أو الخنق مثلا. وانت لو خيروك بماذا تفضل مغادرة هذا العفن؟

أنت فعلا جننت، أريد الخروج من هنا و كفى. الموت لا، الموت لا، لا لا لا..

أضاف الغسّال بهدوئه المريب:

-أتعرف؟ تمنيت لو كان معك كراس، أوراق، و أقلام؟

– أوراق و كتابة؟ و أنت في هذه الظلمة و القتلة عند العتبة، ينتظرون الأوامر، ماذا تكتب في هذه العتمة؟

قال بفرح:

كم هي جميلة هذه اللّعبة. الكتابة في أخر الأمر متعة، متعة لا نظير لها، هل تصدق يا أنت، عندما أخرج من هذا القبر حيّا سأكتب قصّتي، قصّة الوزير، ربما قصتك أيضا، لكن لا تحزن لأني لا أذكر اطلاقا بكاؤك كالنساء، انا ما بكيت قط، أعرف أني سأموت، سأكتب هذه الليالي السوداء، لذلك وجدتني أقوم الان بتمارين في الفضاء.

– بل أنا الذي يكتب قصة الوزير، أصلا أنت جئت لمهمة أخرى غير مؤهل لفعل الكتابة، أنت في النهاية مجرد غسّال. هذه أنانية من طرفك يا رفيقي.

– ممكن، ربما ستفعل لو لم تتأخر يومين كاملين، كان معاليه ينتظر أحدكم بفارغ الصبر، في كل حين يسأل هل جئتم بالكتبة. تقول هند عما قريب. في الليل البهيم، عندما ننهي حكاياتنا السمجة التي تكررها هند و امين ثم الطباخة ثم أنا، ينعس الجميع بما فيهم أنا، الوزير حينها يستعد للمزيد، يقول لي خذا قلما و اكتب يا غسّال. هل تعرف الكتابة؟ تمنيت لو قلت لا اعرف، قلت أعرف يا معالي الوزير، يفرح، يأمرها بمنحي الاوراق و قلما و اسود  أضاف:

– عليك في آخر المطاف أن تترك اثرا ها هنا، أن تترك بصمتك. أكتب، من أين تريد أن نبدأ.

أرأيت يا سي جمال كم تأخرت عن رواية الوزير. صحيح تلك الصفحات التي تقارب الثلاثين صادرها الإنقلابيون أو اللصوص، لكن حفظتها عن ظهر قلب. أرأيت. سأكتبها  بأسلوبي، ثم من يدري ما تفعله أنت؟ أنت مأجور.. من يدفع أكثر..  ثمّ هم من طلبوا مني ذلك، يعني أكتب لأنجو من سيوفهم، من الليلة الماضية كنت أنتظر أحدا لينقذني بالأوراق لأفرغ ذاكرتي، إيه، أنا في ورطة حقيقية، طالبوني بالنسيان، تصور، هم يعرفون عني أكثر مما أعرف، غريب أمرهم، من أين لهم ذاك الكمّ من الأخبار و المعلومات. قال قائدهم نأمرك بذلك، اذ سحب كرسيا خشبيا وضع رجله اليمنى على حافته، يخاطبني من منخريه، من التاريخ السّحيق، من.. فتح  الضابط فمّه(هل هو ضابط أم مجرم) ليخاطبني بلغة جافة، لا لون لها، قائلا بإسفاف: “أنت الغسّال؟ طبعا حلمت في يوم ما بدخولك الى القصر، أليس كذلك؟ ها أنت بين جنباته، وعشت ما كتب الله لك في دهاليزه، و أكلت صنوفا من الأطباق الشّهية، و ثرثرت بما فيه الكفاية مع تلك العاهرة التي ضاجعتها مرات عديدة بتشجيع منها. لا تقل شيئا الآن، وعرفنا كم من مرة خططت للهروب ليلا، لا عليك، هذا من حظك أن تحلم و تحقق الحلم بأقل قدر من المحاولة، لكن ليس الخروج من القصر مثل دخول اليه، ربما من الأسهل ان تدخل، بسبب خطأ ما، بتوصية، أو القصر بحاجة إلى تافه مثلك، لنفترض أنك كنت مهما و  نقيا و مواطنا صالحا، ليكن هذا، مع ذلك تحسبا لأي طارئ غير محمود، نريدك ان تنسى كل ما رأيته في هذا القصر، أجل النسيان نعمة، نعرف و نقدر هذا الأمر من العمليات الصعبة بل المستحيلة أحيانا، لا عليك سنساعدك في تجاوز هذه الصعوبة، و رأينا لتنسى يا أنت عليك ان تكتب كل ما رأيته و سمعته، أو قيل لك و انت هنا ضيفا عزيزا علينا، أقول لك كل شيء، ما قلته و ما قاله لك السيد و الشقراء اللعينة، عن فرجها الذي يشمه كل ليلة، لا تنسى…الامر قد يأخذ بعض الوقت، حسب قدراتك و تعاطيك بشكل سليم و صحيح مع الموضوع، ثق يا رجل كلنا سنفعل، سننسى، و نكتب مثلك، خروجنا يتطلب منا النسيان، انسى على مهلك. فنحن نعرف كل صغيرة و كبيرة عنك، اذن اكتب…لا تكذب”

سألت الغسّال الدنيء بسوء نية:

-هل ضاجعتها فعلا أم تكذب و تستعرض عضلاتك معي؟

هذا غير مهم.

أين هي الآن؟

قال الغسّال ببرودة دم:

-لا أعرف، أذكر فوضى ما، شاهدت من شرفة الصّالون  رطلا من السيارات يصلن تباعا، خضراء و بيضاء و سوداء، أحاطت بالقصر، رأيت الحراس لحظة انسحابهم المخزي، لم أقدر الوصول الى هند أو غرفة الوزير، الفوضى بلغت أشدها من حوالينا، وصلت الى الرواق الضيق المؤدي الى مخرج النجدة، اذ سمعتُ هند تتلو آيات بينات من الكتاب العزيز الحكيم. توقفت برهة على امل الهروب معها، كانوا سباقين في اقتحام الصالون الأرضي و استولوا على كل المساحات،  هم يدخلون بسرعة، بخفة، أخرجوا هند أولا الى جهة غير معلومة، قد تكون المقبرة، ثم جاء دوري، وقفت يائسا من النّجاة،  رميتُ   إلى الطابق الأرضي، عيونهم مفتوحة على الممر المؤدي إلى المستودع، تبعتُ سيري بوجل، وجدت نفسي داخل هذا الفضاء المظلم، والعاري تماما، رأيت حصيرة مكومة هنا في هذه الزاوية، سحبتها بلطف،  انكمشتُ على أمل النوم كيفما كان الحال، ربما غفوتُ بصعوبة، رأيتُ في كوابيسي مرارا رأسي المفصولة عن جسدي. رأيت الشقراء تقطع اربا اربا، لعلي بكيتُ ثم أغسل جثتي المشوّهة. هذا كلّ ما في الأمر، لم أرها بعد ذلك، قبيل الفجر بقليل استيقظت على وقع ضربة أقرب من العنف المقصود أو ليذكرني الضارب أني مجرد داعر انحل بسهولة في براثن الشقراء اللّعينة، ضربة مركزة بل شديدة التركيز على منكبي الأيسرـ  ارتعبتُ، فركت عينني الثقيلتين، مع قلق مستمر، كأن مسلسل الرعب لا يزال قائما، يرسل ذبذباته العنيفة نحو جسدي الهش، اذ أرى الشاب النّحيف ببذلة سوداء و نظرات سوداء،  وقف عند رأسي،  ذكرني قبل تفوهه بكلمة بالانقلاب الحاصل. استوعبتُ الموقف وهو لا يزال واقفا متحفزا لسلخي بين قدميه و جمجمتي شبر، قلتُ في قرارة نفسي: قضي الأمر، لعلهم يحتاجونني الآن، لا عليك يا غسّال دائما ثمة أشخاص بحاجة اليك”

لم يتفوه بكلمة، بحث في ارجاء القبو عن شيء ما، لحظات بعد ذلك عادوا الى القبو بجثتك.

– وما مصير  الوزير ؟

-علمي علمك، الأعمار بيد الله، لكني شعرت بشيء ما يحدث في جسده، ليلة أمس تحديدا لم يتحدث معي، لم يهتم بي ولا بثرثرتي، ولم يطالبها بالجلوس كالعادة فوقه.

– هل تقصد أن الوزير ….,أمامك..؟

– أه، كان يستمتع جدا بتبعثرها فوق جسده، يفضل ان تتجرد من ثيابها، أو يطالبها بفتح ساقيها و يشمم فرجها، هند تخرج من غرفته شبه ميتة، لا يحق لها البكاء، لان القصر مزود بكاميرات في كل زواياه، تسجل كل تفصيلة و كل شاردة و واردة، متصلة بغرفة المراقبة، تشبه غرفة عمليات يسيرها شاب لا أعرف اسمه و لا رتبته، كانت هند تخرج من جلسات التعذيب تلك مقهورة، اتفهم صمتها بعد ذلك، او تدخل الى الحمام تطل مقرفصة لساعة.. تلك الامسية الحبلى كما قلت لك  لم يفعل شيئا، كان غامضا و محموماً..

 

الرواية نت – خاصّ