الرئيسية / حكاية الرواية الأولى / كتبتُ رواية وما زال القدر يضحك.. عبير إسبر *
16681929_1572934752721201_3697540332200535082_n

كتبتُ رواية وما زال القدر يضحك.. عبير إسبر *

الحياة نكتة، فقط إن سمحت لك روحك بالضحك.
أردت دوماً أن أكون مخرجة أفلام وهذه الـ “دوماً” لم تكن واضحة للجميع كما كانت بالنسبة لي، فكلّ ما فعلته كان من أجل السينما، وكلما سرت خلفها خطوة هربت أمتاراً ، تخرّجت في الجامعة، سافرت، كتبت رواية وما زال القدر يضحك.
في صيف الـ 2002 ، في واحدة أخرى من ملاحقاتي العجائبية للسينما، في مصادفة تليق بالمصادفات، حضرت إعلاناً لوزارة الثقافة السورية، لم يهمني حينها، أنّهم يبحثون فيه عن مواهب روائية، وأنّ هناك مسابقة لاختيار أفضل ثلاثة أعمال روائية وقصصية، لم يهمّني أنّ الموعد النهائي لتسليم الأعمال سيكون خلال شهر ونصف، وأنّ هناك حتماً المئات من المتقدّمين. ما شدّ انتباهي هي الجائزة المالية، التي قد تكفيني لإكمال ثمن الكاميرا، التي سأصوّر بها فيلمي الوثائقي المرتقب، حضرت الإعلان مرة ثانية، هدأت لثوانٍ خمس، وذهبت للمشي وقرّرت.
قرّرت أن أكتب الرواية وأحصل على الجائزة الأولى، وأشتري كاميرا، يومها كان كتاب “الوصايا المغدورة” لميلان كونديرا يرقص بين يدي، أحضنه، أتمايل معه، أنبهر به، وأحفظه، كان دليلي للوصول إلى نصّ كامل، رشيق، ممتع، وكالكُتّاب المحترفين؛ الذين لم أكن طارئة لا على قراءتهم، ولا على معرفة أمزجتهم الحكائية أو اللغوية، بدأت ببناء بروتوكولات العشق تلك، اخترت مزاجي الكلامي، وقرّرت بوعي كامل، أنّي أحبّ المحكيّ لأصالته، وأنّي عبر خزّان الوجدان الجمعيّ للأقصوصات الشفهية، وحكايا الجدات “تيتا رحمة تحديدا” سأضيف إلى جسد اللغة العربية رشاقة، تشبه تلك الرشاقة التي أضفتها الأخطاء اللغوية للمهاجرين على خصر اللغة الانكليزية، نعم!
بدأت ليس فقط بكتابة رواية، بل بالتنظير لها، فلديّ كل ما يلزم: الخفّة اللازمة للمتبجّحين، استعجال الجَهلة، جملة افتتاحية لائقة، ورغبة ملحّة بالحصول على ألفين دولار!
كنت مجنونة كما رآني الأستاذ إبراهيم “والدي” وبطلة من نسل هرقل، بلمسة رومنسية لحفيدات عشتار كما رآني سومر، الصديق الوحيد الذي اعترفت له بنواياي، أما أنا فلم أُرهق نفسي بالتسميات، كان علي كتابة رواية، وربح جائزة وشراء كاميرا، والتحضير لفيلم، فمن لديه وقت حتى للقلق؟!
وهكذا أنهيت الرواية، وحصلت على الجائزة، ولم أشترِ كاميرا أو أصنع فيلماً، لأني لازمت البيت لأراقب موت والدي، الذي مات قطعة قطعة، على مهل، بينما ولدت “لولو” روايتي الأولى، ولدت دون سبب إلا رغبتي المعتوهة بصناعة فيلم، ولدت من أهواء لا قصدية، ورغبات غير مضبوطة النوايا، مُنحت بسببها جائزة ولقب بتوقيت خاطئ، لتخبرني الحياة، أن هذه أيضاً لم تكن حكاية بنهاية سعيدة، بل ملهاة أخرى، دليل واقعي، على أنّ في جعبة الله الكثير من النكات، فقط إن استطعنا الضحك.
نعم أردت إخراج الأفلام أكثر من أي شيء آخر، لكن الرغبات ليست سوق رفاهية تتمشّى به، تمدّ يدك وتلتقط ما تشاء، الرغبة مرادف لصيق للشهوة، وإرواء الشهوات لعنة غير رادعة، أدّت لصعود مئات الأنبياء حتى سماء الرب، وسقوط جنس بشري بحاله! وأنا أردت وسقطت.
فعندما يقرّر والدك، عليك أن تستجيب، وأن تنهي دراستك الجامعية المعلّقة منذ تسع سنين، لأنّه قرر الآن أن يحقّق رغباتك، ويمارس أبوّته، ويرسلك لدراسة السينما في باريس كما أردت، عندها لم يكن لائقاً أن تضحك، فأهم شيء في الكوميديا هو التوقيت، وأنت كخبير ضحك عاشر المختصّين، تعلم أنّك في هذه المرحلة، يجب أن تكون جدّياً كما يليق بحالم، فرسالتك القوية قد وصلت، وممارستك الفشل الدراسي الممنهج قد أتى أُكله، خاصة عندما تدرك أن “الأستاذ ابراهيم” لم يكن ليسمح لابنته، التي كانت بتفوّقها فرجة المدرسة، أن تعدو في حياتها دون شهادة جامعية، فيبدو عرضه: “التخرّج مقابل دراسة السينما” منطقياً للغاية، وثمناً غير باهظ لرغبة فتاة مدللة، كانت تدرس “بيأس شخص منتحر” اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق، التي لا شيء إنكليزيّ فيها حتى كعكات الصباح، بل تحمل كلّ مشاكل بلدك التعس، من موات وركاكة، لفظية وتعليمية. نعم استسلم والدك الحقوقي الألمعي لرغبتك، واقتنع أخيراً أن ابنته “شعلة الذكاء” – كما كان يراها – قد انطفأ فيها كل شيء، حتى قدرتها على “الزعرنة” فوجب أن يتصرّف، وأعلن دون إبطاء: تخرّجي من الجامعة واذهبي لدراسة السينما ولو في الجحيم!”. فتخرّجت، وأنهيت 18 مادة “انكليزية” في عام واحد، وسافرت إلى مدينة الليل. وباريس لم تكن جحيماً.

الرواية أيضا، القدر دائماً..

عندما تبدأ الآن بتذكّر حوادث وقعت منذ عشرين عاماً، ستدرك بغصّة أنك كبرت، وعندما تتحوّل كلّ سيناريوهات أفلامك التي لم تُنفذ، إلى روايات كتبتها بنفسك، ستعلم أنك غُدرت، والواقع الذي آمنت أنك ستغيّره، قد تشكّل من دونك، وأنّ الصخور التي نطحت بها رأسك لم تنكسر، بل سُمكت من دم رغباتك المتخثر، ستعي كلّ هذا ولن تستطيع الضحك، لتدرك، أنّ الهدف الذي تحرّكت تجاهه، ظل ينزلق عن حواف حياتك بارتجاج زئبق، وأن الوقت لم يكن وقتك، وتغادرك الضحكات، فبعد فيلم كُتب ولم يموّل، ومسلسل نفذ كاملاً ولم يعرض، كان عليك أن تنتبه لرسائل الله، ولوجه القدر الذي مدّ لسانه لك، بكامل طوله كمهرّج تعس، لكنك لا تنتبه، لم ترد أن تنتبه، ستكتب كل هذا أيضاً.. ستكتبه في رواية..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* روائيّة سوريّة مقيمة في كندا.













شاهد أيضاً

SaifAtefAbu

أسئلة الهوية والحفر في الماضي عاطف أبو سيف *

لا أعرف إذا ما كنت أريد أن أكون كاتباً أم لا حين كنت أضع رأسي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *