الرئيسية / حكاية الرواية الأولى / قلقُ البدايات والخوف من الفشل محمد الطيب يوسف *

قلقُ البدايات والخوف من الفشل محمد الطيب يوسف *

حكاية روايتي الأولى “الحبل السري”..
أو فلنقل البداية الأولى، فكتابة الرواية الأولى تصلح لتكون تأريخاً يميّز بقبل وبعد، حدث أن قرأت حتى التشبع قبل كتابة روايتي الأولى، حدث أن تراجعت ألف مرة قبل كتابة روايتي الأولى، حدث أن أنصت لهمس الفشل وفخّ التكرار ولازمة النقد قبل روايتي الأولى.




أصابتني جرثومة القراءة في وقت مبكر قبل تشكل الوعي بأهمية القراءة نفسها، أذكر تلك الفترة جيداً، وقتها كنت أحب رائحة الورق، نعم هي القراءة بالأنف ولا عجب، كنت أظل دافناً رأسي على صفحات كتاب أو صحيفة ما، أتنسم الرائحة وأتحجج بالقراءة، ولا زلت أعشق رائحة الكتب، بل هناك احتمال راجح ألا أشعر بالتواصل مع كتاب ما بسبب رائحته الباهتة، كأنه وردة بلاستيك أو شفتي بوتاكس..




تلك المزاجية الحادة في القراءة لابد أن تنتج كاتباً يجيد جلد الذات وهكذا كنت، ما أن أقرر الكتابة حتى أبرع في خلق عشرات العثرات التي تعيقني فأبعد، كأنني كنت أهرب من قدري فيضحك هازئاً بي، ولجرثومة الكتابة نكتة في القلب توخز آناء الليل وأطراف النهار، تطاردني وأنا مع أصدقائي وبين يدي أنس زوجتي ومناغاة طفلي ودعوات أمي، هي هناك دائماً تنبض بإيقاع ساعة حائطية معلقة بجدار القلب “تك، تك، تك)”.. “اكتب، اكتب، اكتب” فهادنتها ببعض النصوص القصيرة والقصص القصيرة جداً ولكن كان مثل إعطاء الظمآن قطرة من ماء، فازداد نبضها سعاراً ونكتتها في القلب اتساعاً وسيطرتها على إحكاماً فأذعنت إذعان الأسير، وشرعت في كتابة روايتي الأولى “الحبل السري” هل كان هذا في أواخر 2009 أم بداية 2010 الذاكرة لا تسعفني للأسف ولكن لا زلت أذكر جلوسي على شرفة شقتي المطلة على طريق عادي وسط حي ينبض بالناس والحياة فتتقاطع الأصوات في الأمسيات وتمتزج أبواق السيارات المتباعدة وأصوت الباعة وسمر الأصدقاء فتصلني منصهرة في نغمة واحدة شكلت خلفية الرواية الصوتية الخفية، كما أذكر البرد جيداً، كانت الخرطوم أكثر برودة من أنف كلب مزكوم، وكنت أكتب مرتجفاً لا أدري من البرد أم من الإثارة، فرغم أني عاقرت القصة القصيرة مرات عديدة ولكن ما شعرت به كان مختلفاً فلو كانت القصة القصيرة صديقة، فالرواية هي الحبيبة والعشيقة التي أفرّ إلى ظلمة الشرفة وبرودتها لتهمس في أذني فأرتجف..
لم يستمر الأمر أكثر من أسبوع واحد ثم ملتني العشيقة السرّية ونأت عني في منتصف الطريق تاركة إياي أسيراً لإحساس الغدر والخذلان فتقوقعت وبادلتها هجراناً بهجران وخذلاناً بخذلان.. ثم أعقب ذلك كُفري بالقراءة أيضاً، سلمت بأن الحياة الحقيقية لا تحتاج إلى كتاب بين دفتي غلاف أنيق فابتعدت عن كل ما يمت للكتب بصلة.
في تلك الفترة الطويلة لم أكن مشغولا بالفلسفة أو التأمل مثلاً، عشت الحياة على حقيقتها فقط، جالست البسطاء والمتنطعين والحالمين وبائعي الأوهام والأبطال المنسيين ومتعهدي الحكي الطاعم وآخرون متعهدي الحكي الماسخ، مجانين كرة القدم ومدمني الورق وأحجار الدومينو والساسة المنافقين وآخرين صادقين، على ندرتهم، ثم ختمتها بعزلة إجبارية امتدت لعامين اثنين جعلت كل هذه العوامل تنصهر لتؤتي أكلها كأعظم معرفة جنيتها في حياتي..




استمر هجراني للقراءة والكتابة خمسة أعوام حسوماً، ثم أتى العام 2015 ووجدتني في لحظة تبلبل فيها يقيني وثقتي في نفسي وفيما أقوم بفعله في حياتي، تذكرت أنني غالباً كنت أفعل ما ينبغي فعله لا ما أحب فعله، تذكرت عشرات الأمنيات الصغيرة المؤجلة إلى أجل غير مسمى، وحين غصت عميقاً في نفسي وجدت أرق الرواية الأولى يختبئ بين حنايا القلب مثل النار تحت الرماد، أخرجتها ونفضت عنها رمادها فعادت تأتلق بالحياة، أذكر أنني وقتها كنت وحيداً، بعيداً عن أسرتي، فأسلمتها قياد نفسي، أصل الليل بالنهار، تشرق شموس وتغرب وأنا في غيبوبة محمومة تفضي بي إلى الاحتراق.. حين عادت أسرتي الصغيرة انتشلتني من غيبوبة الرواية فنظمت وقتي كي أظفر بهما الاثنين، وخلال خمسة أشهر وأربعة أيام كنت قد كتبت 430 صفحة بالتمام والكمال..
“الحبل السري” أتت مندفعة وتلقائية صادقة وحميمة، ما إن تلج بين دروبها حتى تسلمها قيادك، ربما لأنها كتبت بدافع الحب أو عودة الحبيب الغائب أو لمسح نكتة الخذلان التي حفرت عميقاً في القلب، وبعد أن فرغت منها احتفلنا أنا وزوجتي بابنتنا الجديدة، ثم وقعت في مأزق النشر..
كنت خالي الذهن عن كيفية النشر وكيفية التواصل مع دور النشر، وأخيراً استعنت بصديقي العزيز “غوغل” فأرشدني إلى ستٍ من كبريات دور النشر العربية فراسلتها موقناً بأنها سترفض جميعاً، ولكن المفاجأة كانت في قبول أربعة من تلك الدور لنشر روايتي الأولى، في حين اعتذرت الخامسة عن النشر، أما السادسة فأظن أنها لم تحسم أمرها بعد، وبين الموافقات الأربع سلمت بأن “الدار العربية للعلوم ناشرون” والأستاذ غسان شبارو، هم الأكثر جدية واحترافية فسلمتها لهم كما يسلم الأب ابنته عروساً لزوجها، بخليط من الفرح والحزن والأمل والقلق والحب والخوف.. هكذا أصبحت “الحبل السرّيّ” بالنسبة إليّ تأريخاً يميّز بقبل وبعد..
27498109_10156155301555956_1296072289_n
ــــــــــــــــــــ
* محمد الطيب يوسف، من مواليد السودان سنة 1977م، مقيم في المملكة العربية السعودية، حصل على بكالوريوس مع درجة الشرف كلية الصيدلة جامعة الخرطوم، كما حصل على ماجستير إدارة أعمال جامعة بحري. صدرت له رواية “الحبل السري” من الدار العربية للعلوم ناشرون 2016، كما صدرت له رواية “روحسد” من الدار العربية للعلوم ناشرون 2017م.
الرواية نت – خاصّ




شاهد أيضاً

“الزفير الحار”.. نضج الذاكرة والرؤى وجيهة عبد الرحمن *

أن تكتب رواية يعني أن تكون ناضجاً بما يكفي للإلمام بالتفاصيل التي ستسردها في نصَّك. …