قرابين الظهيرة لكريم كطافة.. كواليس الفنون والسجون

قرابين الظهيرة لكريم كطافة.. كواليس الفنون والسجون

ما يضجر في مهنة الجلاد أن هناك الكثير من الأبرياء، ومن الذين انزلقوا صدفة إلى العالم السفلي، ليس لديهم ما يُرضي غروره ويدعم أهليته للمنصب.

تزوّدنا المطابع بنصوص كثيرة عن فظاعات السجون، ولكن مع ظهور كلّ نصْ جديد نشعر بأننا ما زلنا عاجزين عن الوصول إلى بقعٍ خفيةٍ في مخيلة السجّان، تشتغل على دفع الأبرياء والبسطاء إلى ان يعانوا معاناة الابطال والشهداء. في روايته الرابعة (قربان الظهيرة، الصادرة عن منشورات المتوسط _ 2017) يذهب بنا المؤلف _ كريم كطافة _ إلى بلدةٍ حدوديةٍ شمال العراق، لم يُحدد اسمها، للتحقيق في قضية خلية جاسوسية تتراسل مع دول الجوار بواسطة الطيور. تجري أحداث الرواية في تسعينيّات القرن الفائت، بعد توقف الحرب وهرس الحصار لحياة العراقيين. المتهمون هم معلم مدرسة وهاو للطيور وأمام جامع وحكواتي مجنون وملحن موسيقي ظن بان تلحينه أغنيات تمجد الحرب والسيد الرئيس قد ساهمت بقتل الجنود على جبهات الحرب، فترك العاصمة وعاد ليعتكف في بلدته. رغم حضور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في جولات التحقيق والتعذيب إلا ان رواية _ قربان الظهيرة _ ليست رواية المخبر السريّ، وليست رواية بوليسيّة، بقدر ما هي رواية عن السجون. فمع جريان السرد وانكشاف وهن تهمة “التجسّس” وإصرار النقيب “شرهان” على لبس ثوب رئيسه، سنشهد تراجع عنصريّ التشويق والغموض لتحل محلهما دهشة موجعة سببها طبيعة المتهمين الذين جرى التقاطهم من شوارع البلدة، من دون ان يكونوا مهيئين لتجربة السجن والتعذيب.

عنوان الرواية _ قرابين الظهيرة _ أحالنا إلى فعلٍ صراعيّ صاحب تطور البشريّة، غالبا ما كان ضحاياه من غير القادرين على الفعل. والسطر الأول من الرواية أدخلنا مباشرة في صمت السجون (لا صوت يُسمَع في متاهة ممرات الزجاج سوى صوت كعب النقيب شرهان)15. ثم واصل الراوي القص، بالضمير الثالث، حكاية السجناء الذين يحملون جسدهم كل يوم إلى جولة تعذيب جديدة، وكيف سيأخذ بعضهم اسراره معه إلى ساحة الإعدام. واقعية النص تنهض على الصراعات التي تعقب الحروب، حيث تتفاقم الازمات وتزداد ظنون الديكتاتور بان له اعداء في كل المدن والبلدات. وأن الأنشطة الحياتيّة اليوميّة، كالغناء والعبادة والتعليم وتربية الطيور والجلوس في المقهى، قد تخبئ في ثناياها العداء للدولة. للوهلةِ الأولى يبدو من الاستهلال ان السارد ليس بحاجة إلى تبريرات لدخول الابرياء السجن، فالجميع مذنب في زمن الديكتاتور، حتى الأعوان والأقارب. لكننا سرعان ما ندرك ان الاستهلال هو خيط السرد، نلمسه في استهلالات الفصول الأخرى عن ورش التعذيب في مدن وبلدات بعيدة لا تتسم بحضور سياسيّ واقتصاديّ فاعل. تواصل حضور الاستهلال حتّى السطر الأخير من الرواية حين تصل الشاحنة رقم (13) التي تنقل السجناء، يقودها “عبدال” إلى حفرة في الصحراء، ينتظرهم عندها النقيب ” شرهان” ومديره، ثم تنتهي الرواية نهايةً مفتوحة على عذابات سجناء آخرين تنقلهم شاحنات أخرى من سجون سريّة إلى مقابر مجهولة في الصحراء، وهي نهاية تنسجم مع ما حدث للعراقيين في تسعينيّات القرن المنصرم (هذا كله وعبدال لم يعرف قبل أن يخبروه هم هناك؛ أن شاحنته في ذلك اليوم.. تلك الشاحنة غريبة التصميم بلونها الأسود وشكلها المخيف.. لم تكن هي الوحيدة الدائرة في عراء تموز…)318

“قرابين وظهيرة” رواية لا تخلو من أسئلة السياسة، شُيدت على عالم متقابل، جلادون/ضحايا، استدعى ذلك بنية سردية تنسجم مع هذا التنافر، وتحفر في التفاصيل الصغيرة لعوالمهم. المؤلف لم يسقط في الشعاراتيّة والتحليلات السياسيّة، وانشغل بثيمة النص المبنية على اذلال السلطة للفرد، نلمسه عبر احداث متنامية ومستمرة، لملمها المؤلف وربط بين خيوطها، صانعا بذلك إيقاع الرواية الداخلي. كان من الواضح ان المؤلف حاول تسكين ميّله الايديولوجي في التعامل مع شخوصه وفي توزيع المساحات وفي ترك مسافة بينه وبينهم، الجلاد والضحايا على حد سواء. قد تضيق المسافة أحيانا بسبب طبيعة الموضوع، او تتوسع في الجانب الإنساني عند الكشف عن أحلام وطموحات كلا منهما. ففي وصف السارد لبؤرة الشر في الرواية “النقيب شرهان” خيط السرد الرئيسي من سطر الرواية الأول وحتى نهايتها، أعطاه وسع المخيلة في ابداع وسائل تعذيب جديدة من تفاصيل الحياة اليومية؛ فخيانة زوجته ستتحول إلى عمليات اغتصاب في السجن، وان عطل جهاز التبريد في سيارته سيتحول في مخيلته إلى قدر ضغط عملاق تحمله شاحنة تنقل سجناء في حرِ شهر تموز، ليموتوا من دون إطلاق رصاصة واحدة، فبشاعة القتل النظيف عند ضباط الأمن له مفاهيم غير تلك المتعارف عليها إنسانيّا ودوليّا. السارد صوّر النقيب “شرهان” ضحية خوفه من مسؤوليه وخوفه من زوجته وخوفه من حزبه الذي لا يخطأ ولا يرحم، وأفسح له مساحة لخوض سباق وصراع مع أقرانه في الاجهزة الأمنية الأخرى من أجل البقاء في عمله، وهو صراع سيعود إليه المؤلف في أكثر من مكان، انسجاما مع ثيمة النص المبنية على اذلال الإنسان وكسر إرادته داخل السجون. ثم عاد السارد وأعطى النقيب متنفسا للهروب من مشاكل زوجته “الذيبة محاسن” ليمكث بالسجن ويعدّل مزاجه العكر في اكتشاف وسائل تعذيب قادرة على إيقاظ ذاكرة السجناء وعلى اضعافها إذ (لا حدود لشرور الإنسان وسعيه لأذى أخيه صــ 246). السارد أغدق على النقيب “شرهان” صفة التسامح بعد اكتشافه الطريقة الشاذة التي حصل من خلالها أحد اعوانه “الصبي” على المعلومة الاستخباراتية في عشة المطيرچي. النقيب “شرهان” بدى متسقا مع أفكاره وحزبه، وسمعناه أكثر من مرة وهو يعترض على أساليب العمل الاستخباري القديمة في جمع المعلومات، وأحيانا يحتقر مساعديه في السجن لكسلهم وغبائهم، حتّى أنه فضّل عليهم في احدى حفلات التعذيب قضيب “المطيرچي” الذي ما يزال منتصبا على الرغم من مضيّ خمسة أعوام من التعذيب المستمر (بشرفي، أفكر أخلّيه يستلمكم واحد واحد.. وعلى طريقته. كانت التورية واضحة ومفهومة لأتباعه، كما هي للسجناء الذين شملتهم موجة الضحك) صــ172. المؤلف صنع توليفة من القسوة والذكاء والغباء لتحديد ملامح الجلاد، تجلّت في توقعات سطحية وأفعال شائنة، وأحيانا شتائم قاسية بين الجلاد والضحية، وبين الجلادين أنفسهم، جاءت من السياق الداخلي للنص لتكشف عن طبيعة الحياة اليومية في العالم السفلي.

النقيب “شرهان” هو الشخصية المحورية في الرواية، إلا أن الرواية رواية شخوص، يتطورون مع مجريات التحقيق والتعذيب، رسمهم السارد بخطوط مألوفة في حياة البلدة الحدودية، ووصفهم بجمل شاعرية قربت بيننا وبينهم؛ أمام المسجد والموسيقي والمعلم والمجنون والمطيرچي. قادهم حظهم العاثر وترابط المصادفات إلى عالم النقيب “شرهان” الذي يعمل جاهدا لأقناع رؤسائه بأفضليته. ثم يتتبع المؤلف كائناته وما تتفرع عنهم من صداقات وخيانات زوجية وصراعات حزبية، رصد فيها المخاوف التي تنتاب الحياة اليومية في البلدة الحدودية زمن الحصار. السجناء الخمسة الذين دخلوا عالم “شرهان” السفلي جاؤوا من مستويات اجتماعية وثقافية مختلفة، ولكن أمام آلة التعذيب الصامتة سرعان ما تلاشت الفروقات وتشابهت المصائر. تبين انهم ليسوا أصحاب قضية أو مبدأ ليتحملوا صنوف التعذيب، واعترفوا يوم دخولهم السجن على كل مَن عرفوه، مذنبا كان أم بريء. ولكن النقيب “شرهان” لا يكتفي بانتزاع الاعترافات والاسماء من دون انتزاع إنسانية السجين وسحق مفردات البطولة والصمود في روحه. وفي مثل هذه الظروف المذلة ليس للمؤلف سوى تكثيف اليأس وإغلاق أبواب الأمل، بنبرة مؤلمة يدوي فيها الانسحاق والإهانة. أما العنصر الأكثر مأساوية في الروي فقد تجلى في أن الضحايا لم يفقدوا فقط الإحساس بأجسادهم، فالتعذيب لم يعدْ مؤلما بعد خمسة أعوام في العالم السفلي، ولكنهم فقدوا الإحساس بإنسانيتهم، وصاروا يطلبون الموت الذي عز عليهم.

إن جمالية السرد وتلقائيته لم يخففا كثيرا من الإحساس بالتوتر، فالنزول المكثف لعوالم السجناء، وتدفق صور التعذيب ومعاناة الضحايا، شكّل إرهاقا للقارئ، دفعه أحيانا إلى ترك الكتاب وفتح نافذة للهواء، على الرغم من درايته أن ذلك له ما يبرره فنيا في إدامة الحدث وتعميق ثيمة النص (ربطوه أياما من خصيتيه جاعلين البول المحتبس يكاد يشقق جلده وينفجّر. صعقوه بعصي الكهرباء. حتّى تلقفت مخيلة أحدهم وسيلة مبتكرة؛ سحبوا غلفة القضيب، وربطوها بخيط في نهايته ثقالات أم الربع كيلو، وأيشو معلق من ساق واحدة بخطاف السقف. وحتى بعد ان انزلوه من السقف، ظلت الثقالات مربوطة لأيام بدى معها كأنه يمشي بثلاثة سيقان. تهدلت الجلدة الخالية، وهرب جسم القضيب إلى داخل الجسم)صـ77

إنّ الوصف المكثف والساخن لعمليات التعذيب لعب دورا في تحديد الخطوط المكانية، وفي تحديد بنية السرد. غابت الحوارات، باستثناء الحوارات القليلة المقتصرة على أسئلة الجلاد للضحايا، والتي طغت عليها لهجة المناطق الغربية التي قَدِم منها أغلب ضباط الجيش والأمن والمخابرات العراقية. السجن ليس مكانا محايدا، انه مغلق وفقير التأثيث إلاّ من أدوات التعذيب والتعليق، وان الحديث عنه يحتاج مخيلة ومعرفة بالفظاعات التي تحدث بين جدرانه. المؤلف أفاد من تجربته الشخصية، ومن علاقاته الثقافية والسياسية التي أشار إليها في عتبته الأولى، في تحديد الموضوع ورسم الخطوط العامة لأمكنة الرعب. إلاّ ان رواية _ قرابين الظهيرة _ ليست حبيسة السجن، فبناء العالم الحكائي لتاريخ الضحايا ومهنهم وعلاقاتهم الاجتماعية قبل دخولهم السجن، استدعى اللعب في مناطق بعيدة، كعشق الصبيان وعالم الطيور وعلاقة فن الموسيقى بفن التراتيل، وهذه الأخيرة جاءت أشبه ببحث في الموسيقى والمقامات والتراتيل. لقد رسم المؤلف لوحة عن عالم الطيور وأسمائها وألوانها وطرق تزاوجها، وحدد ملامح (المطیرچي محمد أبو سعدة) بخبرة ودربة واضحتين، كشف عن اخيلته الجنسية وميله للصبيان في وجود زوجته. فمع كل صبي جديد يصعد إلى عشة الطيور تستعيد طقوس المطيرچي عافيتها؛ يعد شوربة العدس ويرش بالماء أرضية العشة ويفرش خارطة طيوره، ثم يتغنى بالزواجل التي تتراقص فوق سطح الدار، ويتحدث عن رائحتها وطرق لعبها ورحلاتها عبر الحدود. وكيف انها حملت اثناء عودتها من احدى الرحلات رسالة من هاو للطيور على الجهة الأخرى من الحدود الإيرانية، فيها عشرة دولارات ثمن إرجاع طير لصاحبه، صارت قرينة لأثبات تهمة التجسّس. إنّ طقس شوربة العدس الذي أثار حيرة زوجة “المطيرچي” وحيرة القارئ كذلك، لم يقل لنا المؤلف عنه الكثير، وتركه مفتوحا على خبايا الذات الإنسانية.

من بلدة حدودية وتهمة غير مكتملة العناصر أنشأ _ كريم كطافة _ واقعا عراقيا خالصا، تستفز موضوعته ذاكرة العراقيين الذين سبق لهم ان دخلوا السجن وعانوا ويلاته. بل حتى القارئ العربي سيصدق موضوعة السجن وحفلات التعذيب، فاختلاف الامكنة لا يبطل الحوادث التي وردت. في الصفحة الأولى يمهد المؤلف لنصه بسطور شكر لأصدقائه المثقفين والسياسيين الذين عرفوا كواليس الفنون والسجون، وفي الصفحة الثانية مقتطف قصير لــ (هنري ميلر) هو تصدير ضمن العتبات الاستهلاليّة، وضع القارئ في مناخ الرواية عبر تحديده طبيعة البشر الذين يميلون إلى (التصرف بطريقة تجعل الحيوانات تشعر بالخجل) ثم يختم المؤلف عتباته الثلاث بنصْ طويل (رواية بدولار) اشبه ببناء خارجي للرواية، وصفه بالــ “القدحة” التي أومأت إليه بموضوع الرواية. قدحة هيّأ لها المؤلف في النصف الأول من الرواية، ثم اندلع حريقها في النصف الثاني منها، عندما اكتمل بناء الشاحنة رقم (13) أو قدر الضغط كما يسميها النقيب شرهان، لينقل السجناء إلى مقابر جماعية اعدت لهم في الصحراء. رقم (13) رقماً مشؤوماً في الاساطير القديمة ويرمز للشر والسلطة، سيصادفنا في أكثر من مكان في الرواية. فبدأ عملية طبخ السجناء في الفصل الأول حدث يوم 13 تموز 1995، ويوم مولد النقيب ويوم زواجه ويوم انتسابه للجهاز الأمني ويوم ارساله للخارج لتطوير خبراته الأمنية، كلها حدثت يوم (13) ولكن في أشهر وأعوام مختلفة. هو يوم سعد النقيب كما يقول السارد. بل حتّى الزمن الخارجي للنص دام 13 ساعة فقط.

رواية _ قرابين الظهيرة _ سارت بزمنين، زمن مضغوط جدا (13) ساعة هو زمن أحداث الرواية، وزمن مفتوح على استعادة السجناء لماضي حيواتهم السابقة. وهما معا يدوران في دائرة سجنية مغلقة. موضوع السجن لعب دورا في تضييق مساحة اللعب بالزمن، وطد زمن وأوهن آخر. شاهدنا ذلك عند نزلاء العالم السفلي وهم يعيشون حاضرا مريرا، لا يعرفون فيه تحولات الليل والنهار، الصيف والشتاء، وليس لهم سوى العودة للماضي الجميل. أما المستقبل فهو زمن لا وجود له، إذ لا يوجد ما يكسر دائرة المعاناة في زمن الديكتاتور.

 

الرواية نت