أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
مايو 21, 2019

قراءة تفكيكية في رواية “نزوح مريم” لمحمود حسن الجاسم زياد الأحمد

By 0 297 Views

ثلاثة أجيال سورية في مهبّ النزوح..

النزوح هو ذلك الاقتلاع القسري الذي يفرض على الإنسان، وما أعتاه وأظلمه حين تفرضه رياح الحرب عليه، وهي تخلع أوتاد ظلاله الضاربة في عمق المكان، لترحل بكل السقوف التي تظلّله بدءاً من سقف البيت وانتهاء بسقف الوطن.

ورواية نزوح مريم ليست حكاية فرد يقتلع من بيته وذكرياته وأحلامه فحسب، بل هي حكاية نزوح وطن بأكمله، وطن نسفت الحرب سقفه، خلعت عنه كلّ ظلاله، عرّته حتى من ظل أجنحة الحمام، ولون السماء، ففرّ مُكرها بكل ما فيه من بشرٍ وشجر وحجر وحمام، هي حكاية وطن يُقتلع من ماضيه وحاضره ومستقبله، ولتتشرد بذلك جميع مكوّنات وجوده المادية والاجتماعية والمعنوية، وليجد نفسه عارياً أسير دروب الهجرة واللجوء، الموغلة عبر بحار وبحار من ضياع، وليس من حقّه فيها موطئ قدم.

وتحاول هذه الدراسة استقراء الرؤية السردية التي رُصدت من خلالها هذه المأساة، كاشفة تفاصيل وصفها وآثارها وباحثة عن رؤيا لأسبابها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة. وذلك من خلال قراءة تفكيكية تعتمد بشكل خاص على استنطاق العتبات النصية من عنوان وإهداء، ومقارنتها بمقتطفات من النص لكشف مضامين تلك الرؤية لظاهرة النزوح في الحرب السورية.

خلاصة الحكاية:

تبدأ الحكاية من تعيين سارة طوني جبور ابنة محردة؛ البلدة ذات الطبيعة الأقرب إلى جبال الساحل وغاباته ولطف أجوائه؛ مُدرّسة للغة الإنكليزية في مزرعة النجاة، من مزارع سد الفرات ما بين حلب والرقة، لتؤدي هناك خدمة الريف، ذلك الريف القاسي المختلف عن أجواء بلدتها بحرّه وبعوضه وبشره وتقاليده وحتى دينه، والذي جعلها تستغيث بعمها في العاصمة لينقلها منه إلى بيئة أقربَ إلى بيئتها، ولكنها تقع في حب مدير المزرعة هاشم؛ فيغير الحبُّ رؤيتها للمكان وللناس وتتحول مزرعة النجاة إلى واحة حبّ، ودفاعاً عن حبها تواجه أسرتها المسيحية لتتزوج من حبيبها المسلم، وتنتقل معه إلى مدينته الرقة؛ لتعيش هناك مع أمه العمة خديجة، والتي كانت لها أماً، وأخيه بشير؛ أمين شعبة الحزب، والذي تربّى على احترام أخيه الأكبر هاشم والحرص على عدم إغضابه، ولتُنجب هناك ابنتها مريم، التي بدأت الثورة مع بداية خطواتها الأولى، ثم تأتي الحرب لتقتلعها من الرقة مقطعةَ الجذور التي ربطتها بها؛ ولتنزح مرغمة مرةً أخرى، وذلك بعد اعتقال زوجها من قبل الثوار، وموت أمه العمةِ خديجة، فتعود إلى محردة حيث أبيها وعمتها وذكريات طفولتها وشبابها، وحين تكتشف فقدان المكان ومن ثم فقدان الأشخاص هناك ايضاً، تقرر الرحيل من جديد فتخرج عن طريق المهربين من تجار البشر إلى بيروت، ومنها إلى تركيا، محاولة اللجوء إلى أوربا، ولكن ينتهي الأمرُ بها في مخيمات اللجوء التركية في غازي عينتاب، لتموتَ هناك تاركة دفتر مذكراتها الذي يضم هذه الرواية لابنتها مريم، وذلك قبل أن تهنأ برؤية حبيبها هاشم الذي هرب من سجون داعش وجاء باحثاً عنها وعن ابنته.

 

الراوي وطريقة السرد: 

 

الشخصية الرئيسة في النص هي سارة، وهي الراوية الوحيدة، وتمثل راوياً متموقعاً، يرصد الأحداث من موقعه وزاوية نظره، وتعتمد طريقة السرد المتداخل ما بين السرد اللاحق لماضيها والسرد المتزامن مع الأحداث بدءاً من 2011؛ بداية الحراك السوري، مدونة الأحداث في دفترها بشكل ما بين الرسالة والمذكرات، مخاطبة فيها ابنتها مريم الطفلة. لتكون تذكرةً لها بمعاناتهم حين ترجع إلى الوطن وتستحم بياسمينه من ذلّ النزوح.

 

العتبات النصية (العنوان -الإهداء):

 

أول ما يلاحظ ومن العتبة النصيّة الأولى للكتاب وهي العنوان، والذي يتوقع منه أن يكون العتبة النصية التنبئية الأولى التي تفضي إلى مضمون النص، يلاحظ أنه يحمل تناقضاً ظاهرياً مع مضمون الحكاية السابقة وذلك من ناحيتين؛ الأولى هي أنّ صاحبة النزوح أو الترحال الحقيقي عبر الرواية هي سارة الأم، وليست مريم البنت، والثانية أن ما أطلق عليه العنوان نزوحاً لا ينطبق في كل المراحل على سارة -ولا ابنتها مريم- التي مرت بكل تسميات الانتقال المكاني من (هجرة ونزوح ولجوء) وفق المفاهيم الاصطلاحية.

فانتقال سارة من محردة إلى مزرعة النجاة يندرج تحت عنوان الهجرة الداخلية القسرية، فهي مجبرة على تأدية خدمة الريف في محافظة الرقة، ويندرج انتقالها إلى الرقة مع زوجها هاشم تحت مصطلح الهجرة الداخلية الاختيارية، فبعد أن كانت تستنجد بعمها في العاصمة لينقلها إلى بيئة ألطف، وأقرب إلى بلدتها، تقرر البقاء والزواج من هاشم والانتقال معه إلى مدينته الرقة، أما الانتقال الثالث فيأتي بعد دخول داعش إلى الرقة وفقدان الأمان وعوامل الارتباط بالمكان (العمة والزوج الحبيب) وتندرج عودتها إلى محردة تحت مصطلح “النزوح” والذي يعرف بأنه حركة الفرد أو الجماعة داخل حدود الدولة وليس خارجها، ويكون إجبارياً وغير مخطط له ودون أن يحمل النازح مستلزماته، وهذا ينطبق على انتقال سارة إلى حد ما،  لأنها خططت له وحملت بعض مستلزماتها كالذهب الذي هرّبته في طيات ثيابها، أما انتقالها إلى لبنان وتركيا فهي هجرة خارجية قسرية، وتندرج تحت مسمى اللجوء أيضاً لأنها تفر من أرض حرب  فقدت الأمانَ والأهلَ فيها، ولم يعد أمامها إلا الفرارُ بابنتها المريضة برعب وكوابيس الحرب لتعالجها في الخارج. وباختصار هذا العنوان لا ينطبق على الراوية سارة ولا ابنتها مريم، ومنه لابد من قراءة العنوان بطريقة تفكيكية مختلفة عن ظاهره، وخاصة أنه الجملة الوحيدة في كل الرواية التي جاءت على لسان الروائي.

من خلال تتبع مظاهر النزوح في الرواية؛ بحكم أنه مفارقةٌ لحالة استقرار نحو الشتات والمجهول نجد أن أول النازحين هو حالة الهدوء والاستكانة والخضوع للنظام الحاكم وخروج البلاد عليه وذلك من الصفحة الأولى في الرواية:

“تراقب الرقة تلك الأيام بعين خائفة. تنهمر الأمطار على سوريا وتبشر السنة بخصب غير مسبوق…

الشوارع تغلي بالتظاهرات تتفجر ملتهبة في سماء سوريا تسيل مثل حمم بركانية في معظم المدن والبلدات، وتتزايد يوماً بعد يوم تتعدد الشعارات تتلون وجائحة الاحتجاجات والتظاهرات انتشرت في الهواء كالطاعون …” (ص 8)

فالبلد مقبلة على تغيير جذري لا يمكن أن يوقفه أحدٌ وخاصة أولئك البعثيون الحمقى المؤمنون بالعنف و” لا يستطيعون تقبل أنّ حكم الحزب الواحد انتهى في العالم كلّه والنماذج المتبقية مآلها الخسارة” ص 26، وهذا القول جاء على لسان هاشم المؤيد ضمنياً للحراك الشعبي، والثورة على النظام الحاكم عكس أخيه بشير المؤيد للنظام وعنفه في قمع ذلك الحراك ومن اختلافهما ندرك أن النزوح الأول بخروج البلاد أدى إلى نزوح آخر؛ وهو نزوح تلك الألفة والعلاقات الأسرية المبنية على الود والاحترام.

ومع دخول داعش إلى الرقة رحلت حالة الأمن والطمأنينة والكثير من العادات والأعراف، وخاصة بالنسبة للمرأة التي فرض عليها اللباس الذي يريدون، ومنعوها من الخروج إلا مع مُحرم.

وطبيعي أن يرحل ذلك التعايش والتسامح الديني الذي عاشته مريم لتجد نفسها فريسة لكوابيس السبي.

وما إن نصل الى سنة 2013 حتى تكون كلُّ الأماكن قد رحلت، فالرقة لم تعد هي الرقة المدينة الوادعة الجميلة ذات المشاوير المسائية مع نسمات الفرات، تغير كلّ شيء مع الحكام الجدد “حتى مفهوم الوجاهة تبدّل لم يميز الحكام الجدد بين القوم، خلطوا عباس بدرباس فهاجر الأعيان والأطباء والمحامون” ص 112 “حتى أسراب الحمام حلقت بعيداً بعيداً” ص 131

وكذلك مزرعة النجاة التي كانت عشَّ الغرام الأول، فحين مرت بها مريم في طريق نزوحها تصفها قائلة: “ذهلتُ، معالم المزرعة غريبة عليّ كأني أمرّ فيها لأول مرّة… البيوت تغيرت الوجوه كابية مهزومة خاوية … الغربان تملا الفضاء نعيقاً … السواد ابتلع الخضرة، والحياة في كل مكان من الفرات.. تمتد الخيم المتشابهة مثل دمامل مبعثرة في وجه الطبيعة الأخضر … كل هؤلاء نزحوا من الذبح تركوا بيوتهم تحترق وتتهدم وتنهب حين اجتاح الجيش ريف حلب الجنوبي والشرقي …” ص 147

وحين وصلت إلى بلدتها محردة كانت هي الأخرى قد رحلت، فسارة التي عادت كما يعود كل مغترب يفتش عن مشاعر وعواطف تركها يافعة حارة ” فإذا بها قد جفت وذبلت ويبست منذ سنين يرى أن بيته ليس بيته الحارة ليست الحارة ولا الأصدقاء“، تقول سارة: “اقترب من بيتنا وكأنه ليس بيتنا، الجدران شاخت والباب تشقق… “ ص 175

وحين ذهبت إلى حماة وإذا “بكل شيء قد تغير ” اصطبغ كل شيء بلون الموت الناس بائسة مهزومة، حواجز وسواتر، جنود بكامل الأهبة على الحواجز .. المشردون من خارج المدينة يملؤون الطرقات نساء جاثمات على الأرصفة” … ص 190

ومنه نستنتج أن نزوح البشر -ومنهم سارة ومريم- كان نتيجة رحيل الأمكنة وما فيها من عوامل ارتباط لأهلها بها. وهكذا تتضح دلالة العنوان “نزوح مريم” فكل ما جاء في الرواية من مكونات مكانية وبشرية وأوضاع حياتية اجتماعية وسياسية ودينية تتعرض لحالة تغير وتحول وانتقال اختصره الروائي بكلمة مريم، وليست مريم أو سارة إلا جزءاً من خضمّ السيل المندفع، ومن هنا ندرك أنّ النزوح هو نزوح وطنٍ لا فردٍ، وقد اختار الروائي اسم مريم؛ لما يحمله من إيحاءات دينية تحيل إلى عوالم البراءة والسلام، والأمومة وعذاباتها، وبتقاطعه مع اسم الطفلة مريم يضيف معاني عذابات الطفولة والويلات التي سببتها لها الحرب. وباختصار اسم مريم هو المعادل الموضوعي لاسم سوريا. فهي النازحة الحقيقية وضمن حدودها، وقد صرحت الرواية بذلك “النزوح لا ينحصر في الرقة ولا في مزرعة النجاة إنه في سوريا كلها … ص ” 190.

ومن جهة أخرى: إن هذا العنوان يمارس حذفاً مضمونياً إغرائياً؛ فهو لا يصرح بمآل هذا النزوح هل هو إلى النعيم أو إلى الجحيم؟ وبهذا يحيلنا إلى النص ليجيبنا عن هذا السؤال.

فكلمة “النزوح” توحي للوهلة الأولى بمعنى سلبي ففيها مفارقة للموطن الأصلي، ومغادرة مكانية لكثير من الارتباطات المادية والمعنوية نحو عالم آخر، لكنها من جهة أخرى ارتبطت في تراثنا العربي بنزوح القبائل من مكان إلى آخر ضمن الجزيرة العربية؛ بحثاً عن الكلأ والماء أي بحثاً عن عوالم أكثر خصباً، وبهذا تتضمن لفظة النزوح المعنيين السلبي والإيجابي، وهذا ما قصدته بتضمن العنوان بعداً إغرائيا وحذفاً مضمونياً سنحاول استجلاءه من خلال استقراء زاوية الرؤية السردية لشخصيات الرواية.

ولنبدأ باستقراء العتبة النصية الثانية بعد العنوان، في الإهداء الذي جاء على لسان سارة الأم في قولها لابنتها:

إليك مريم أدون الحكاية …. حتى تعرفي وتنقلي ما جرى لنا بصدق …تركت لك مفتاح البيت بعدما عجزت وضعت وبعدما أمرت بذلك …. ستعودين يا مريم بمفتاح البيت مطمئنة قوية مباركة وتغتسلين بياسمين الوطن لتدفني ذل النزوح والضياع وليضيء جمالك من جديد في الدنيا كلها.                                                                  أمك سارة طوني جبور 

مريم المخاطبة هنا هي مريم الابنة وليست مريم العنوان فهي مقيدة الدلالة بالتوقيع في نهاية الإهداء بكلمة (أمك) ويسجل هذا الإهداء موقفاً سلبياً من النزوح؛ فهو ذل وضياع، وبعد عن الأمن والطمأنينة ورمزية البيوت التي لم يبق منها إلا المفاتيح، ولكن هناك إيمان راسخ بالعودة (ستعودين يا مريم …. وليضيء جمالك من جديد)؛ لكنها ليست عودة قريبة فسوف تستغرق ثلاثة أجيال الأول؛ هو جيل الأجداد ومنه والد سارة وأم هاشم وقد ماتا في بداية الحراك، ثم جيل هاشم وسارة والثالث جيل سارة فهي لم تقل لها: سنعود يا مريم بل قالت “ستعودين” أي أن جيل الأم لن يشهد العودة، وإنما جيل مريم هو الذي سيعود بالمفاتيح ويرمي ذل النزوح.

ويتضمن هذا الإهداء إشارة مفتوحة على دلالتين للوطن؛ فهو الوحيد الذي ستستحم بياسمنيه مريم من ذلّ النزوح، ولكن أيّ وطن هو؟ هل هو الوطن الذي كان قبل الثورة والذي تتباكى الراوية على بياض أيامه؟ أم الوطن الحر من دكتاتوريات الماضي التي تفجر في وجهها ذاك الحراك؟ ولمعرفة الجواب نحاول استنطاق الرؤية السردية للراوية الوحيدة سارة.

 

الرؤية السردية لمشاهد الأحداث:

 

ترصد الراوية نزوح الناس نحو مصير أسوأ مما كانوا فيه، فالوطن كان يعيش حالة لحمة وطنية ودينية، واستقرار وتوحد بين كافة الشرائح الاجتماعية كما يلخصها هاشم بقوله:

يا سارة نحن نأكل المأكولات السورية نفسها، ونغني الأغنيات الفيروزية والشعبية نفسها ونؤمن بالخرافات والحكايات نفسها، ونحلم بذات الاحلام … ص 98

ثم تأتي الثورة لتعصف بكل هذه الوحدة، ولتمزق كلّ شيء حتى رابطة الأخوة في البيت الواحد، ويبرز هذا الانتقال في قول سارة لابنتها:

“آه يا مريم لو كان والدك يرى الآن واقع بلده سوريا التي كان يعتبرها دليلاً على تعايش الأديان آه ترى هل سيبقى على تلك الآراء إنه الواقع المر يا بنتي الواقع الذي أدخل التعصب بالدين وأدخله في السياسة ليحوله إلى مأساة، إلى مرض فتاك مثل الطاعون يحرق الأخضر واليابس” 

ونلمح هذا البكاء على أطلال الماضي في تذكر سارة لأيام زواجها:

“عشنا هانئين سعيدين أيامنا تمر كالأعراس قصيرة ولذيذة نبع من نور وأحلام تغسلنا محبة لحظات شعرية تجعل للحياة طعما حلواً جديداً .. أذوب حنينا إلى تلك اللحظات لأبلّ الصدأ يا مريم”. (ص 109)

وفي موضع آخر تصف سارة ما حدث بأنه: الجائحة التي أصابت بلادنا الآمنة.

وتكرر سارة أكثر من مرة هروبها إلى الماضي الجميل بعد أن سيطر المسلحون على الرقة:

“أهرب إلى الماضي الجميل أعود إلى أيام العشق في مزرعة النجاة …” ص 51

وحين تمر نازحة بمزرعة النجاة، التي كانت تصفها بكل شاعرية، وتفاجأ بمخيمات النازحين هناك تسأل:

  • من أين يأكلون ويشربون؟
  • خلّها على ربك يأكلون من رحمة الله، يغسلون من المصرف ويشربون من المصرف ويعيشون على المصرف.

وتتلخص تلك الرؤية السلبية لما حدث في البلاد في قول أبي سلطان والذي كان وجيهاً في عشيرته:

“كنا بألف نعيم وكل واحد له وزنه وله حدوده اليوم طلعت لنا وجوه ما أحد يعرف أصلها ولا فصلها” ص 159

وباختصار تتضافر جميع المشاهد في الرواية لتصور ذلك الماضي الجميل مقارنة بمآسي النازحين، والويلات التي لحقت بهم مقدمة بذلك صورة للتحول السلبي الذي لحق بالبلاد والعباد.

وهذه الرؤية التي يتزامن فيها السرد مع الحدث لا تتعدى واقع ما يحدث، لا من قبل ولا من بعد، إلا من خلال لمحات عابرة؛ أولها جاء في الإهداء كما ذكرنا بذكر وطنٍ يغسل ذل نزوح أبنائه بالياسمين، والثاني في الأسطر الأولى من الرواية، وبكناية تخفي تفاؤلاً بتغيير خيّر ” تراقب الرقة تلك الأيام بعين خائفة، تنهمر الأمطار على سوريا وتبشر السنة بخصب غير مسبوق ومع ذلك فإن هاجساً مقيتا مخيفاً أخذ ينمو بدهاء وخفاء “ ص8. وهنا تشير الأمطار إلى التظاهرات التي بدأت في سوريا، ولم تصل بعد إلى الرقة، وإلى ما كان يعتمل في قلوب الناس من تفاؤل بتباشير الخلاص من الحقبة الاستبدادية الجدباء؛ التي خيمت عقوداً على سوريا، وثمة إشارة هنا إلى أن هناك من كان يعمل في الخفاء، وبكل دهاء لتحويل هذا التفاؤل إلى حالة رعب من القادم المجهول. وأما الثالث فكان في موقف هاشم من الاحتجاجات التي رأى فيها مطالب حق للمتظاهرين، وأنهم ليسوا غرباء ومندسين، وعلى الحكومة أن تدرك أن الحزب الواحد ما عاد له وجود، ومهما بالغت في العنف فإن مصيره السقوط. ولولا موقف هاشم هذا لما وجدنا أية رؤية سابقة أو مفسرة لكلّ ذاك الحراك.

إضافة إلى ما سبق من تغنٍ بالماضي الجميل للوطن سنقرأ دعوة للتمسك به رغم كلّ الموت الساكن فيه، وذلك من خلال مقارنة غير مباشرة ما بين الهجرة الداخلية والخارجية.

فحين قررت سارة العودة الى بلدتها محردة وُدّعتْ وداع جنازة، الجميعُ كان يحبها ويكره فراقها ويريد لها الخير، لم يتركوها تسافر وحدها بل رافقها سالم وأمه في مغامرة قد تودي بحياتهم جميعاً، وأوصلوها إلى بيت أبي سلطان، وهناك يرافقها أبو سلطان وزوجته في رحلة الموت حتى يبلغاها مأمنها في حماة أمام إصرارها على متابعة الطريق وحدها إلى محردة. أما في رحلتها الخارجية فالأمر مختلف تماماً، فما إن أصبحت خارج سوريا وفي أول مستودع جمعهم فيه تجار البشر في بيروت تتعرض لمحاولة اغتصاب:

” يقترب مني بوجه يتلون يخطو نحوي، أنظر فيك يا مريم وأرفع نظري، وحشية تنغرز في خلايا جسمي مثل الإبر، يقترب ويبتسم دون أن يتكلم، عيناه حمراوان متوحشتان قالتا الكثير، تراجعت حتى استندت إلى الجدار، يقترب مني، وضعت يدي على صدري وتكورت وقلت بصوت متضرع: لا أرجوك … هجم عليّ مثل الوحش بسرعة” ص 216

وبعد ذلك في إسطنبول وفي إحدى الغابات تقول: ” نساق كالسبايا والأسرى رجالا ونساء ممنوع أن نعترض نعامل بخشونة، راحت تشتد شيئاً فشيئاً، أوصلونا إلى مكان صغير مثل مستودع حشرونا فيه لم يكن أفضل من مكاننا السابق، ولا من المكان الذي حشرنا فيه في بيروت بل يتفوق عليه في البرودة والقرف” ص 220

وبعد ذلك يركبون البحر على أمل الوصول إلى اليونان مغامرين بحياتهم لوضع حد لهذا العذاب، يقولون لهم: ” نصف ساعة وتكونون في اليونان … نحلم بالوصول على اليونان ونحلم بنهاية مرحلة العذاب يسوقوننا نحو القارب بالزجر والصراخ” ص 227. وبين أمواج الموت يلقي خفر السواحل القبض عليهم ” انقضوا علينا مثل الوحوش يضربون، ويفتشون، أقاوم يريدونك يا مريم، وبضربة واحدة كنت غائبة عن الدنيا …

وتتضح بؤرة الرؤية من هذه المقارنات بين النزوح الداخلي والهجرة الخارجية لطلب اللجوء حين تستيقظ سارة في أحد المشافي التركية وأحدهم يقول لها:

  • سيدة سارة أنت تعانين من نزيف معوي وتحتاجين إلى مراقبة لفترة
  • أعيدوني إلى سوريا.
  • تحتاجين إلى مراقبة لفترة لا نستطيع تحديدها الآن نرجو أن تهدئي أنت وابنتك في مكان آمن اطمئني

كيف أطمئن والندم يجلد قلبي، غريبة مع بنتي اليتيمة الوحيدة وألم حارق في أحشائي

نستشف من مقارنة وصف تفاصيل الرحلتين الداخلية والخارجية ومن الحوار السابق موقف الراوية الذي خلصت إليه (الندم لمغادرة البلاد … أعيدوني إلى سوريا) لا بديل عن الوطن حتى لو كانت الحرب تعصف بكل ما فيه … ويؤكد هذا تذكرها لقول العمة خديجة:

  • يا سارة انتبهي على مريم هذا البيت بيتها
  • نعم يا مريم لك بيتان واحد في الرقة وآخر في محردة ص 236

ونعود لقولها عن البيوت حين غادرت محردة:

  • يا مريم نحن في سوريا لا نبيع البيوت عندما نهاجر نتركها للذاكرة والحنين ونحتفظ بصورتها قد تموت بعدنا وقد تحيا بعودتنا إليها، كنت أحس كأي مهاجر قد نعود إلى وطننا ص 209 م

وهنا تأكيد آخر على ارتباط السوري بأرضه وعدم استبدال أي بلاد بها.

وثمة مشهد آخر يؤكد ارتباط السوري بأبناء وطنه حين دخلت مريم مخيم عينتاب تقول:

” حين دخلنا إلى المخيم وأنزلتك عن يدي رحت تنظرين وقد انزاح عنك ذاك الخوف الذي كنت أراه في عينيك منذ أن دخلنا ذلك الكهف المشؤوم في بيروت تنظرين هنا إلى الناس، إنهم يشبهونك ويشبهونني أخذني شعور خفي كطفل وجد أمه مع أن الحمى تشتد، أبادلهم النظرات والابتسامات وأنت تتنقلين بينهم، وتنظرين إلي بفرح لم أره فيك، فرح عذب يملأ روحي ويفيض ص234

أسئلة بلا أجوبة:

تنتهي الرواية تاركة أسئلة كثيرة كان من واجب النص أن يتكفل بالإجابة عنها بوضوح أكثر، ومنها لماذا كل هذا الحراك؟ ما دوافعه؟  ما الأسباب البعيدة والمباشرة له؟ وما السبب الحقيقي لكل ذاك النزوح…: وإلى أين سيمضي هذا الحراك بالنازحين بشكل خاص والوطن بشكل عام؟

 ونرى أن عدم إجابة النص عن تلك الأسئلة لا يكمن في صغر حجم الرواية فحسب (240ص) بل كان نتيجة سببين مهمين: الأول موقع الراوية والثاني المكونات الشخصية التي منحها إياها الروائي.

  • موقع الراوية: لا يُنكر أن الراوية ومن خلال موقعها قدمت مشهد النزوح بكل واقعيته لكنه جاء  محكوماً بزاوية الرؤية التي وضعت فيها، فكان مجتزأً من مشهد الحرب الكلي،  آنياً في رصده -يرصد ما يحدث الآن أمام الراوية- لا يقطعه إلا مشاهد استرجاعها لأيامها البيضاء في مزرعة النجاة، مقارنة بالسواد الذي جلبب حياتها في الرقة،  فهي رؤيا مشهدية تكاد تنقطع عما قبلها من أسباب وما بعدها من نتائج، إلا من تلميحات عن فساد النظام الحاكم والحزب الواحد وأعتقد انها ليست كافية، لتبرير حراك بهذا الزخم الغاضب، فنزوح وطن بهذا الهول لابدّ من الوقوف على أسبابه البعيدة قبل المباشرة، ولكن الراوية إضافة إلى عدم ذكر الأسباب البعيدة تمر بالأسباب المباشرة بكلّ حياد  مروراً عابراً عبور السيارة التي كانت تحملها في طريق عودتها إلى محردة، ودون أن تحمل مسؤوليته لطرف دون آخر، فحين تسأل سالم زوج أخت هاشم عن المنازل الغريبة المبنية جنوب شرق المزرعة يقول:
  • هؤلاء من مسكنة هربوا من المعارضة. ثم أشار بيده إلى الخيم التي تملأ الحقول حول الاقنية وعلى طول المصارف:
  • وهؤلاء من قرى حلب المحيطة شرقها وجنوبها هربوا من قصف الطيران السوري والبراميل. ص 150

وحتى النازحين ما كانوا يجرؤون على الخوض في أسباب نزوحهم او المسؤول عنه:

” وإذا سألهم أحد عمن شردهم وأحرق منازلهم يرددون عبارات مبهمة مترددة غامضة تبدو أجوبتهم متهربة قلقة وخائفة، يبتعدون عن كل ما يثير أسئلة حولهم وحول أسباب نزوحهم.

وتتجلى الوسطية والوقوف على الحياد أيضاً في موقف هاشم الذي التزم سياسة النأي بالنفس و“كلّ شاة تعلق من كرعوبها

ولا نقرأ في كل الرواية موقفاً واضحاً وصريحاً إلا موقف بشير المؤمن بالمؤامرة الخارجية، وللحكومة أن تقتل ما شاءت للحفاظ على الدولة.

فيقول واصفاً المتظاهرين:

  • حثالة المجتمع. مرتزقة زعران. كل ما فيهم مهين للرقة.

ويقول مخاطباً أخاه الأكبر هاشم:

  • هل من الضروري أن نعيد الأسطوانة يا هاشم؟ هل سأقنعك باننا ندافع عن الدولة؟ ماذا نفعل؟ قد تضطر الدولة لقتل المئات، الآلاف. نقوم بذلك حفاظاً على البلد وليس رغبة في القتل…

وفي موضع آخر: أقسم بالله العظيم مؤامرة خارجية وهؤلاء المتظاهرون مرتزقة حثالة ص 40.

ونقرا أيضاً مواقف جماعية تجلت في قمع المظاهرات وقوفاً مع النظام، ويقابلها الخروج الجماعي في التظاهرات ضد النظام.

 

وبهذا تكون الراوية حتى في وصفها الظاهري قد التزمت الحياد بين طرفي النظام والمعارضة، وإن كانت قد أسهبت في تصوير ممارسات داعش والرعب الذي حلّ بوجودها فذلك بحكم معايشتها لهم وبغياب كل الأطراف الأخرى.

ثم إن ذلك الموقع الذي اتخذته الراوية لم يسمح لها بالإجابة عن سؤال مهم:

  • أين الزمن المفقود ما بين الجيش الحر وداعش؟

فالمعروف أن جيش النظام طرد من الرقة في بداية آذار 2013 أمام كتائب الجيش الحر آنذاك ومساندة بعض الفصائل كجبهة النصرة وكتائب الفاروق وأحرار الشام، وعملت حينها التجمعات الشبابية المدنية على ملء الفراغ الأمني ساعية لتحويل المدينة إلى أيقونة للثورة؛ بحكم أنها أول محافظة محررة، وفي غفلة من تلك المجالس المحلية، وانشغال الجيش الحر بمجابهة النظام خارج المدينة سيطرت جبهة النصرة على زمام الأمور ثم انسحبت تاركة مكانها لداعش في بدايات 2014 أي بعد قرابة عشرة أشهر من تحرير المدينة، وهذه الفترة تكاد لا تظهر في الرواية إذ ترصد الراوية ومن اللحظة الأولى ممارسات داعشية من قتل ونهب واعتقال وتخريب وترويع للسكان، ثم تحدثنا عن انتشار الرايات السوداء التي جعلت الناس تترحم على أيام النظام، وأعتقد أن الموضوعية تقتضي من الروائي وليس الراوية أن يكون لتلك المرحلة راويتها الخاص بها لنفهم هذا التحول والذي أجمع مؤخراً أن النظام كان وراءه بشكل مباشر أو غير مباشر، وبغياب هذا الراوي رأينا كيف تطابق مشهد النظام في قمعه للمظاهرات ومشهد دخول الجيش الحر لمدينة الرقة. بل كان ما بعد النظام أكثر هولاً وترويعاً ويتضح ذلك من مقارنة مشهدين؛ الأول قمع قوات النظام للمظاهرة التي شهدتها، والثاني يوم دخول الثوار إلى بيت هاشم مفتشين عن الشبيح بشير، ولنقارن تأكيداً لقولنا بين المشهدين:

خرجت سارة لتشتري الخبز يوم الجمعة قبيل المظاهرة، ووجدت نفسها في المعمعة حين بدأ إطلاق الرصاص على المتظاهرين فتكومت على الرصيف منعقدة اللسان وهي ترى سحل الشباب، وانهيال العصي على رؤوسهم وإطلاق الرصاص على أرجلهم ثم اقترب منها أحدهم ليرى الخبز في حضنها ” رفسة على كتفي أخرى على وجهي سائل دافئ بطعم جديد في فمي:

  • يا شرموطة وقت خبز؟

وحين دخل الثوار الرقة وداهموا دارهم بحثا عن الشبيح نقرأ المشهد التالي:

“زعيق مثل الغربان ويدخلون

  • الله أكبر يا شبيح تتسابق الطعنات على هاشم، وهم يجرجرونه على الأسفل أصرخ مع عمتي خديجة وصرخاتنا تضيع بين ركلات الأرجل
  • يا ديوث
  • أمك اختك مرتك الـ…

كسروا الدالية، وشجرة الرمان، وأغصان الأشجار هاشم تحت الأحذية يمسح الدم، وهو بينهم ….

  • يا شرموطة يا أم الشبّيح

يلتفت أحدهم باللهجة الرقّاويّة نحوي:

  • أين الشبّيح يا قحبة …

ومن مقارنة المشهدين ندرك أن الراوية تصور فاعلاً واحداً لفعلين لا يختلفان إلا زمنياً زمنياً فقط؛ الأول في الماضي أيام النظام، والثاني في الحاضر بعد زواله أما المفعول به لكلا الفعلين فهو المواطنون العزل.

 

ففي المشهد الأول تعرضت للشتم والضرب ولكن في النهاية أعادوها إلى البيت بسيارتهم، ربما لأنها قريبة أمين الشعبة، وبريئة من المظاهرة، ولكنّ الثوار اعتقلوا هاشم رغم براءته، وأهانوا أمه العجوز، كما أهانوها فالمشهد هنا أكثر ترويعاً ولم تكن داعش قد دخلت، وتقر الراوية بذلك بعد صفحات من هذا المشهد بأن الاعلام السوداء علت سماء المدينة في أب 2013 حيث راحت تسهب في تصوير ويلاتهم بعد أن حولوا الناس إلى قطيع على حد قولها في مشاهد طويلة إذا قورنت بذكر براميل النظام التي كانت ترمى على الرقة من الفرقة والمطار.

 

  • المكونات الشخصية للراوية:

والسبب الثاني لعدم إجابة الرواية عن الأسئلة السابقة يكمن في مكونات شخصية الراوية.

فقد رأينا أنّ الروائي اختار راوية واحدة لروايته هي سارة المتموقعة في موقع واحد ترصد من خلاله ما يدور حولها وفق المكونات التي منحها إياها الروائي، وقد جعلها تحمل أكثر من وجه من وجوه المرأة فهي المرأة المتعلمة، والمدرسة للغة الإنكليزية، لكنها ليس لها أية رؤية أو تخندق سياسي مع النظام أو المعارضة، وهي أنثى عاشقة وزوجة محبة، وأم لطفلة وابنة لأب مدمن حنون، وهي كنّة بارة بأم زوجها، كما أنها تنتمي لبيئة منفتحة (محردة) قياساً إلى بيئة الرقة، ويلاحظ هذا من غيرة بنات مزرعة النجاة حين جاءت تلك المحرداوية المزيونة لتختطف منهنّ مدير المزرعة هاشم، إضافة إلى هذا هي تنتمي ديناً إلى أقلية من مكونات المجتمع السوري الذي يشكل فيه المسلمون الأكثرية والتي تعيش بينها، وتتميز برؤية تسامحيّة  حتى بدت منتمية لدين ثالث هو مزيج من المسيحية والإسلام، ، ولا ننسى أنّ الراوية هذه تعيش حالة من النوستالجيا (الحنين إلى الماضي) الذي يحضر في كل مشاهد الرواية كماض حلمي جميل. ومن خلال هذه المكونات كانت ترصد الأحداث التي تعرضت لها.

ومن خلال مكونات شخصية الراوية لا ننكر أنّ اختيارها  لراوية حدث النزوح السوري له إيجابيات وسلبيات؛ فإيجابيته أنها حملت أكثر من وجه من وجوه المرأة فهي الحبيبة والأم والابنة والزوجة والمعلمة، وهذا يُكثّفُ أكثرَ من شخصية أنثوية في امرأة وحدة، وكونها امرأة فهي الأكثر هشاشة في وجه ويلات النزوح، ومعاناةً لآلامه، وخاصة أنها تحمل معها فلذة كبدها، آخر ما تبقى لها من حب في الدنيا، ثم إنّ كونها امرأة ومسيحية فهي الأكثر تعرضاً لاجتياح الكوابيس التي فرضتها داعش على النساء وعلى الأقليات، ومن جهة أخرى، إن انتماءها للمسيحية وزواجها من هاشم قدم وصفاً غير مباشر لحالة التسامح الديني الذي كانت تعيشه سورية قبل الحرب، فأسرة هاشم لم تعترض على زواجه من مسيحية بل كانت تنتظرها بكل الفرح ، وحتى أسرتها اعترضت اعتراضاً سطحياً لم يلبث أن تلاشى مع بداية الأحداث، ثم بنزوح مريم وأقصد هنا الطفلة أو الجيل الجديد إشارة مبدعة تشير إلى انحسار ذاك التسامح الديني، وتقوقع الطوائف على نفسها الذي تجلى من قبل في زواج هاشم وسارة ومن قبله في زواج جده من أرمنية، ولا ننسى أنها قبيل نزوحها كانت تردد دعاء السفر الإسلامي والمسيحي.

وكل ما سبق كان من إيجابيات اختيار الراوية ولكن كان فيها من السلبيات الكثير الذي أوقع الرؤية السردية بقصر النظر إلى الأحداث، وعدم التغلغل في أعماقها الحقيقية فسارة هي وافدة على البيئة التي ترصدها فهي من بيئة ترتدي المرأة فيها بنطال الجينز كما يرتديه الرجل وحصلت على حقها في التعليم مقارنة ببنات مزرعة النجاة اللواتي كن يعملن في الحقول، وبلادهم تحتاج لمعلمات وافدات من بيئات أخرى فيها فائض من المتعلمين، وكانت تعيش أجمل حالات الحب والهناءة، ثم جاءت الثورة لتسلبها كل هذه الميزات وتحولها إلى شبه أرملة تعيش لياليها وحيدة مع كوابيس السبي الذي شاع عن داعش في موصل العراق، فهي متضررة من الثورة والحرب التي أدت إليها، ومن حقها وهي التي تعاني من النوستالجيا أن تكون في صف النظام ضد المعارضة أو الثورة بشكل عام، وخاصة أنها لا تتسلح برؤية سياسية أو موقف مسبق من النظام الحاكم في سورية  فرؤيتها رهينة بما فقدته، ورغم محاولة الروائي جعلها تلتزم الحياد إلا أنها كانت تسهب في مشاهد الويلات التي سببتها المعارضة أكثر من النظام كما رأينا.

ومن هنا نقول إن اتكاء الرواية على راو واحد متموقع في موقع واحد أفقدها الكثير من الرؤى التي لا يمكن أن تكون في زاوية نظرها من موقعها ووفق سماتها التي ذكرنا،

فرواية تنقل تحولاً تاريخياً وأحداثاً مروعة بهذا الهول -وقد حاولت الراوية من موقعها الذي ذكرناه أن تنقلها بمصداقية وموضوعية – تحتاج أكثر من راو وفي أكثر من موقع ولا يمكن نقلها من خلال راوية واحدة. فلو وجد راوٍ ينقل لنا من زاوية أخرى قصة الشاب العشريني المنتعل حذاء رياضياً، وهو يهين امرأة عجوزاً كأم هاشم، ويصور الدوافع التي كانت تحركه، وكذلك راوٍ لتلك الحلقة المفقودة بين الجيش الحر وداعش من أولئك الشباب الذين أخذوا على عاتقهم تحويل الرقة إلى أيقونة للثورة، ثم سرقت منهم الرقة بأكملها …  أو راو آخر إضافة إلى أبي سلطان الذي يبكي الماضي لأنه فقد وجاهته وسلطته العشائرية؛ ليروي لنا ما في تلك الخيام المحيطة بأبي سلطان في مزرعة النجاة، فربما كنا سنخرج بمواقف أكثر قرباً من مصداقية ما جرى في الرقة وفي سورية. ونخلص إلى القول: إن الرواية كانت تعاني من نقص في الرواة أمام ضخامة وهول الحدث.

وفي النهاية:

إن رواية نزوح مريم هي بحق حكاية نزوح وطن وتغيّر هويته، بكل مكوناتها التاريخية والحاضرة والمستقبلية، حاولت أن تنقل مشهد النزوح بكل مصداقية وموضوعية من خلال وجهة نظر راويتها، وشخصياتها، ولهذا يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية لمظاهر الحرب السورية وليس بواطنها، مكتوبة من وجهة نظر راويها، ولا يعني هذا مجانبته الحقيقة فيما يرى وفق ظرفه ومكوناته التي اختارها له الروائي، والذي لم يتدخل في رؤيته. فقد رأينا تخفياً حقيقياً للروائي محمود الجاسم خلف عالم تخييلي جميل ومؤثر وشائق، تاركاً الحرية لشخصياته تمضي بها الأحداث إلى النهايات المنطقية التي يفرضها الواقع. وبهذا تكون رواية نزوح مريم مقارنة بغيرها من روايات الثورة السورية من الأعمال الجيدة بتركيز رؤيتها على موضوع واحد بعيداً، عن الذاتية والسِيْريّة التي طغت على معظم الروايات التي سبقتها.                    **************

[1] حسن الجاسم – محمود – نزوح مريم – دار التنوير للطباعة والنشر – لبنان – ط1 /2015

 

الرواية نت