أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
أغسطس 9, 2019

في مشفى السرد.. شهادة روائية عبدالكريم العبيدي *

By 0 102 Views

سأحِدثَكُم عن تلك اللحظة التي انسقتُ فيها الى ما وراء أفقي، الى وُجهةٍ تقعُ ما بين الحقيقةِ والخيال، شيَّدتُ فيها مبنى لجمع كل مجانين رواياتي وقصصي، وأسميته مشفى السرد.

في ردهته الأولى احتفيتُ بمجنون الضياع في حفر الباطن. عانقته بشغف ورحت أردد معه أنشودة قديمة، كَتَبَها ولحَّنها يومٌ لا يشبهه يوم، اسمه عددٌ أصلي فوق السَّبْعة ودون التِّسعة، يخالف المعدود في التذكير والتأنيث إفرادًا وتركيبًا وعطفًا، وجمع معه ثلاثةً من أشباهه، ونبت في ذاكرتنا هكذا: 8/8/88.

 الأنشودة بدأت هكذا: انتهت الحرب. كل شيء بات يثور ويهتز، يخلع رعب ثمانية أعوام من الضياع، ويفلتُ من عفونةِ السواتر. كأن مطاحنَ تلكَ الأعوام قد صَدأت فجأة خلف ذلك السيل العارم من الرصاص ومشاعل التنوير والأهازيج. صخبٌ هادرٌ من صنع قلوبٍ تخلصت من رفقة الموت، وها هي ترى نجاتَها وقد تحولت إلى رصاصة، تحلق فرحةً في الفضاء، هاربة من هويتها، ومن أصابعنا التي لم تعد ترتجف بعد الآن.

بكينا كثيراً في تلك الليلة. كانت الأهازيجُ والأغاني تقذفُ بعيناتٍ من عيونِ آلافِ القتلى التي تناسلت فجأة من النسيان، وراحت تحصي معنا ملايين الاطلاقات المذنبة التي أمست فوق رؤوسنا مثل خيمة من نار، حتى أن رائحة البارود، رائحة أجسادنا، تميزت في تلك الليلة واتحدت مع رائحة البارود المنبعثة من الخنادق الإيرانية، لتصنع أول مصافحة للسلام فوق سواتر الموت. أوه… لقد انتهت الحرب.

* *

في الردهة الثانية استقبلني مجنون الذباب والزمرد، سألته عن حاله فقال بنبرة اعترافٍ يائسة: نحن نعوم في مِنهول مستهلك، نعيش على تلك المساحة المغبرة الضيقة من الزجاج، تلك التي لا تطالها ماسحات زجاج السيارات في تأرجحها المكوكي يميناً وشمالاً. وبينما تتوالى الاهتزازات التاريخية من حولنا، نمضي نحن بخفة نحو ظلمات العصور الوسطى. لكنني أدركت الآن حلول النهار الذي لم أعد أخشاه. النهار الأميبي، العاري، المتجرد، الذي تتكتك عقاربه ساخرة وهي تتزحلق على فوات الأوان، فوات الأوان دائماً تحت سطوة رقيبها المتنبّه. باختصار أصبحت حراً منذ الآن، منذ انسحابي المخزي من حلبة قلب الأشياء، من ذلك الخلو الذليل القابع بين مزدوجين لا يحميانه من أف. سأحتفل بشفائي إذن بعد انتهاء عقوبة المواطنة الصالحة، أو ما أطلق عليهاً أحيانا عقوبة عشق البلاد، بلادي التي أكرمتني القميص!

* *

في ردهة معلقة بلوشي عثرت على مجنون يجلس في زاوية الغرفة، التفت نحوي ببطء، ثم قال بصوت خافت: صرت في ركن أكثر عزلة، تتعرّى فيها، على نحو مذل، جوقة أقداري البائسة، وازداد هواناً وخيبة، أدرك أنني لن أتحرر يوما من تكراري المسيّر، من تابعيتي العرجاء، من أصابع العناية المركزة التي تتحكم بي، لتبقيني دائما على أهبّة الـ “دي”، تلك التي يطلقها الحوذي لحصانه، مرفقة بهز الحبل، وبلسعة السوط القاسية. آه… كم حوذيٌ قادني يا إلهي! ولكن مَنْ سيضبط حركة الزمن في الحروب؟ هذا السؤال أقلقني كثيرا، ربما كان من الصعب عليَّ إطلاق سؤال كهذا أو حتى تصور قبوله. لكن الحرب جعلتني أتعقب مرغما قهقهة الدقائق، وهي تقنص تَشوش ادراكي المستبد. لم أتحرر من أسار ذلك الاشتباك حتى الآن. كنتُ أعاني من غموض مرض السرعة التي يسير بها الزمن، أبحث، حينا في انفلاته، وحينا في تقلصه المر داخل أشواط لعبة الجثث. لا أعرف أيّ الأمرين كان أسوأ؟ لكنني جراء لهفتي واستعجالي في الهرب، واجهت ما هو أشد غموضا وغرابة منهما، اصطدمتُ بنكتة، أطلقها الرعب، وطالبني بمجاملته بضحكة!

* *

أخيراً، وصلتُ الى ردهة ثمانية أعوام في باصورا. نهض مجنون نحيف الجسم، تقدم نحوي وقال: شهور الخوذة والبسطال ما زالت تحتفظ بدهشتها، ما زالت تحوم كطائر شؤم، لتجبرني على الابحار بقوارب حربٍ لا تطالها العافية، ولا يمنحها المجذاف فرصة للعبور. لن تستطيع مياه أنهارك يا وطني غسل خلايا ذاكرتي من بشاعة الحروب، ستبقى تُشوَّه أحلامي، حلما شائخاً بعد آخر، ولا أظنك تكتفي بذلك، هل كُتِبَ عليَّ أن أمارس ميتات ويقظات متناوبة، حتى أبقى عالقا بين الحياة والموت؟ ها أنا أضع كآبتي في أعمق تلك اللحظات أسى، في أشدها عتمة، فبعد الآن، لا يعنيني الدخان، إن جاء من لهاثي، أو من سيكارة، أو من حرائق وطن فخور برائحة شواء لحم مواطنيه. جميعُنا الآن نحترق.

* ألقيت في جلسة احتفاء أقامها لي نادي الكتاب في بغداد عاصمة الابداع الأدبي – اليونسكو مؤخراً

 

* روائي عراقي