سبتمبر 22, 2018
  • سبتمبر 22, 2018
فبراير 8, 2018

في ذكرى رحيل “مؤنس الرزاز”.. عن لقائي اليتيم بـــه جلال برجس*

By heysem1@hotmail.com 0 1 Views





ما زلت أتذكر تفاصيل ذلك النهار من عام 1994، حينما قرأت إعلانًا عن (جائزة رابطة الكتاب الأردنيين لغير الأعضاء)، عبر الصحيفة التي حرصت لثمانية عشر عامًا في الصحراء الأردنية الشرقية أن تصلني كل يوم. كنت في ذلك الوقت ما أزال عسكريًا أعمل في مجال هندسة الطائرات هناك، وكنت بعد إدماني لذة القراءة التي حولت غرفتي إلى مكتبة قد كتبت عددًا من المقالات، والقصائد، والقصص، والروايات غير المكتملة دون أن أنشرها امتثالًا للقوانين العسكرية. كنت أعرف الكتّاب عبر ما راقني من كتاباتهم من دون أن تتاح لي فرصة لقائهم إلا عبر الكتب. كانت مرحلة غريبة اقتصرت على الكتابة، والتأمل انتظارًا للحظة التي أحال فيها على التقاعد، ويصبح بإمكاني أن أمارس ما أريد، لكن ذلك الإعلان جعلني قلقًا كمن يجلس على كرسي من جمر؛ إذ أدخلني في صراع بين ما هو محظور، وبين وما هو مرغوب ومُلِح بالنسبة لي إلى أن قررت المشاركة بهذه الجائزة.





بعد أشهر ، أعلن عن يوم توزيع الجوائز . هناك وفي رابطة الكتاب الأردنيين كان محض استلامي لشهادة تقدير مذيلة بتوقيع من رئيس الرابطة آنذاك مؤنس الرزاز قد أثار في نفسي غبطة عالية جعلتني في اليوم التالي أضع لهذه الشهادة إطارًا، وأعهد بها لصدر الجدار في بيتنا لأبقى أيامًا أحدق بالشهادة كأنني أفتش عن إجابة ما. إلى أن قررت الذهاب مجددًا إلى الرابطة ومقابلة مؤنس الرزاز، أحمل معي عددًا من القصص المكتوبة بخط يدي.
كان لرابطة الكتاب الأردنيين مهابة في ذلك الوقت، وكنت ما أزال أحيط كل كاتب قرأت له بهالة من القداسة الإستثناية. حينما عبرت البوابة الرئيسية في ذلك الصباح، لم أجد أمامي إلا سكرتير الرابطة الأستاذ (محمد المشايخ) أول وجه بشوش رأيته في أول زيارة لي للرابطة، دلني على مكتب مؤنس الرزاز وعاد يكمل عمله. حينما قرعت الباب وأتاني صوته المتحشرج، كدت أغيّر رأيي، وأعود بسبب تلك المهابة التي تلبستني لحظتها، لكن شيئًا سريًا دفعني للدخول بخجل واضح. نهض الرزاز من وراء طاولته حينما رآني أمشي نحوه بشيء من التوتر وصافحني وسيجارته في يده اليسرى لا تنطفئ. بقيت واقفًا في مكاني حينما عاد إلى كرسييه وأزاح جانبًا الأوراق التي كان يعمل عليها ثم حدق بي باستغراب طالبًا مني الجلوس فجلست على طرف الكرسي، ورحت أحدثه على استحياء وتلعثم واضحين ( أعرف أن وقتك ثمين، لهذا لن أطيل عليك). كانت المرة الأولى التي فيها أكتشف أن مؤنس الرزاز مقلّ في الكلام حينما أجابني بصوت خفيض وهو يشعل سيجارة ثانية ( لا عليك). قلت وهو ينظر إلي بعينين انتفخ جفناهما ( أنا كتبت عددًا من القصص، فأتيت إليك بعد تحديق طويل في توقيعك على شهادة التقدير التي حصلت عليها من الرابطة، لتخبرني هل أصلح للكتابة أم لا؟ ). مدَّ يده يريد الأوراق التي أمسكُ بها بيدي الإثنتين كأني أمسك بدليل نجاة من ورطة ما. أخذ يقرأ الأوراق تباعًا إلى أن وصل إلى الورقة الرابعة فحدق بي لقليل من الوقت ثم عاد يكمل القراءة، بينما بقي رماد سيجارته يتكون إلى أن سقط على الطاولة مع انتهائه من قراءة الورقة الأخيرة.
أشعل سيجارة جديدة، وحرك كرسيه نحوي بحيث صار أقرب، وقال لي بصوت خفيض كمن يخبر أحدًا بسر:
( هل قرأها أحدٌ غيري). قلت له بما يشبه الأسى الذي أحاول تجاوزه ( نعم، قرأها زملاء لي في العمل، وأخبروني أن هذا محض هراء). اقترب أكثر، ثم قال لي بنفس وتيرة الصوت (اشتغل على نصك ولا تأبه بالعصي التي توضع في الدواليب. الكتابة مغامرة، والمغامرة بحاجة إلى جرأة كبيرة، فكن جريئًا وكن حرًا)
قلت كمن رأى ضوءًا في نهاية النفق ( هل أكمل إذن؟). أطفأ سيجارته في المنفضة بهدوء كأنه يحرص على أن لا يؤلمها ثم أكمل حديثه الذي كنت أعتقد أنه انتهى:
(كم كتابًا قرأت؟ ) قلت ( ربما مئة)، قال وعلى وجهه طيف ضئيل لابتسامة خفية ( اقرأ كثيرًا، كثيرًا، لتستطيع كتابة ما وجدته في هذه الصفحات).كنت أريد أن أعرف ما وجده في تلك الصفحات، لكن دافعًا سريًا يشبه دافع عدم الحديث عن فكرة رواية ستكتب إلا حين تصدر جعلني أتراجع.
حينما غادرت الرابطة، بقيت مصابًا بزهو وفرحة عارمة وأنا أستمر بالمشي عبر اللويبدة إلى أن وصلت (وسط البلد). لم أقل لمؤنس الرزاز أني لم أقرأ له سوى مقالاته، ولم يسألن هل قرأت له أم لا، لم يحضّني على قراءة رواياته، ولم يحدثني عن نفسه. كان مستمعًا بقدر ما كان متحدثًا هادئًا.
من مكتبات وسط البلد، اقتنيت كل ما صدر للرزاز آنذاك وبدأت في الحافلة التي أقلتني إلى مادبا وهي تسير بطيئة بقراءة (أحياء في البحر الميت). ما أن وصلت حتى وجدتني قد قرأتها كاملة، لكنني انعزلت لأجل قراءتها مرة ثانية دون أن أدري أنني فيما بعد سأقرؤها مرات كثيرة ليس لأنها كما أشار مؤنس في بدايتها ” ليست للقارئ الأرق، بل إنها الأرق بعينه” إنما أيضًا لأنني وجدت صورة لتشظ أحس به في دواخلي ماثلًا في تلك الرواية التي رثت زمننا العربي المنكسر. ومنذ ذلك الحين رحت أواظب على قراءة ما اقتنيت له من روايات، وما صدر له بعد ذلك التاريخ من روايات، وسيرة، ومقالات، إلى أن عرفت مؤنس الرزاز مليًا عبر ما يكتب، إنسانًا آذته انكسارات الإنسانية، وانكسارات الإنسان العربي دون أن يخفض من صوته، أو يبيع قلمه، أو يهادن لأجل امتيازات من ذلك النوع الذي غرق الكثير في مستنقعاتها. عرفت مؤنس عبر كتاباته ذلك الروائي الكبير الذي يذهب إلى بياض الصفحة وهو يعي كم عليه أن يكون مغامرًا وجريئًا، ومجددًا، وحداثويًا، دون اكتراث إلا بالصورة التي يرى عليها الواقع.
لقد تكرس نتاج مؤنس الروائي بجدارة بحيث يمكنني القول أنه بات نهجًا ومدرسة في الكتابة الرواية التي تغوص في أعماق الإنسان، فهو ليس من أولئك الكتاب الذين يكتبون وفق ما يريد القارئ المستسهل، بل كان يكتب ليرتفع بذائقة القارئ إلى مستوى النص الذي يقول شيئًا مهمًا. كان الرزاز روائيًا ملتزمًا بقضايا الإنسان، وبأحلامه. وما كانت تلك السوداوية إلا انعكاسًا لما حل بالمشروع القومي العربي من هزيمة. ستبقى تجربة مؤنس الرزاز علامة مضيئة في تاريخ الرواية العربية، وستبقى تذكرنا برؤيته الحقيقة للواقع، حيث الواقع أشد غرابة من الخيال، الفانتازيا ”
في 8/2/2002، كنت أخطط لأذهب أثناء إجازتي إلى مكتب مؤنس الرزاز في وزارة الثقافة لأطلعه على ما كتبت؛ إذ كنت قد انتهيت من كتابة عدد من القصص دون جرأة على كتابة الرواية التي تحتاج خبرة كبيرة في الحياة تعادل خبرة مثل خبرة الرزاز لكتابتها. كانت قد مرت ثماني سنوات على لقائي الأول بمؤنس الرزاز. في ذلك اليوم، تأخرت الصحيفة عن الوصول لمكان عملي في الصحراء الأردنية الشرقية؛ إذ وصلتني مساء مع أحد الزملاء. كان خبر وفاة مؤنس الرزاز يتصدر العناوين. كنت مستلقيًا على سريري والصحيفة بين يدي حينما قرأت الخبر . نهضت من مكاني ورحت أدور حول نفسي كمن أصيب بدوار مفاجئ. حينها، غادرت الغرفة ومشيت باتجاه الظلمة في تلك الصحراء التي حظيت السماء فيها في تلك الليلة من شهر فبراير بالنجوم، وبالشهب، والنيازك التي كانت تهطل بغزارة.
ما أتذكره، أني افترشت الرمل، ووضعت رأسي على ركبتيَّ، وانتحبت بغزارة ثم تمددت على الرمل بعد أن أطلقت صرخة كان علي أن أطلقها، وبقيت أراقب نجوم وشهب ونيازك تلك الليلة كيف ترثي رحيل إنسان بحجم مؤنس الرزاز.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
* روائي أردني

الرواية نت – خاصّ







Next Post

الأدب وتحدّي الخوف

فبراير 10, 2018 0