ديسمبر 15, 2018
  • ديسمبر 15, 2018
أبريل 8, 2018

فصول من رواية الأعراف (برزخ بين جنتين) * أنــور الــسّباعـي *

By 0 159 Views

الإهداء
إلى تلك البقعة من الجغرافيا التي مزّقها التاريخ
إلى كل الذين صُنعت من أشلائهم أصنام الإيديولوجيا
-1-
كنت أقلّب قنوات التلفاز بحثا ً عن شيء أقتل به الوقت، عن شيء ما ينتزعني من وحدتي في هذه الزنزانة و قد كدت أصاب بالصداع من صوت قارىء القرآن الذي يمدّ بنشوز في قناة القرآن الكريم التي أمامي، تلك المحطة التي أقضي عليها معظم وقتي، أراجع حفظي، و أواسي بها تاريخا ً متخما ً، لعلّ الله يكتب لي بكل حرف حسنة .
كنت أقلّب ببطء شديد و أنا أضغط بقوة على جهاز التحكم القديم في يدي حينما ظهرت أمامي فتاة نصف عارية، كادت أن تخرج من الشاشة بغنجها، كانت ترقص بشهوة كأنّها على وشك أن تقذف في وجهي، كان قلبي متعبا ً، صدئا، كنت أتخيل نفسي و أنا أقوم بطرد الحور العين من قصري الذي أتخيّله في الجنة، هذا إن دخلتها أساسا ً، تبسّمت بذبول و أنا أذكر واحدة من آخر فتاوايّ قبل أن أدخل السجن بحوالي العام، كنت جالسا ً في المسجد أقرأ القرآن بخشوع و أنا أهز رأسي بطرب يمنة ويسرة، كان الوقت ظهرا ً، و لا أحد تقريبا ً في المسجد سوى آثار جباه المصلين التي انطبعت على سجادة المسجد القديمة، كنت أنتظر موعد خروج ابنتي من المدرسة حتى أقوم بمرافقتها إلى البيت كما أفعل كلّ يوم .
و بينما كنت أرخي فقرات ظهري الصدئة إلى مسند الصف الأول فإذا برجل يدخل إلى المسجد، تلّفّت و هو يمسح المسجد بحثا ً عن ظل إنسان ما، قبل أن يتعثّر بخيالي المتأرجح ، اقترب مني ثم جلس أمامي و هو يقول : السلام عليكم يا عم ’، رددت عليه السلام، سألني عن إمام المسجد فأجبته بأنّه قد ذهب، بدأ يتأمّلني بعمق و يسبر ملامح وجهي قبل أن يضيف : عفوا ً، ألست أنت الإمام ؟ ألست أنت الإمام البلقينيّ ؟؟
وددت لو لم يميّزني، تمنيت لو أملك القدرة على الكذب عليه حتى أجيبه بـ ’ لا ’ و أنا الذي هذّب لحيته و خلع غترته حتى لا يميّزه الناس .
في النهاية اضطررت أن أقول له : نعم أنا هو ’، فما لبث أن هجم عليّ و صار يحاول أن يتناول يدي اليمنى ليقبّلها، قبل أن أنتزعها من بين براثن شفتيه بصعوبة، فلمّا استيأس عاد إلى جلسته أمامي و قال : شيخي، الحمد لله أنّك هنا، أنت خير من يفتيني، أنت خير من إمام المسجد .
حاولت أيضا ً التهرب و لكنّه أصر، قلت له على مضض : تفضل، ما سؤالك ؟
– تبسم بفرح ثمّ قال : شيخي، ابني يعمل في الإمارات العربية المتحدة و قد اتصل بي يخبرني أنّه على وشك أن يأخذ قرضا ً من أحد البنوك الإسلامية هناك، فقلت له بأن يتريّث قليلاً حتى أستفتي من أعرف من العلماء، فأنا رجل أخاف الله و لا أريد أن يدخل في بطني ليرة واحدة من الحرام، و ابني يا شيخي يريد هذا القرض حتى يبعث لي بالمال من أجل تجديد بيتي الذي تهدم جزء كبير منه جرّاء القصف، و نحن مقبلون على الشتاء يا شيخي .
– فكّرت قليلا ً قبل أن أجيبه بقولي : قل لابنك أن يأخذ قرضا ً بفائدة من أحد البنوك التجارية، فهذا أفضل له .
– قطب الرجل حاجبيه و هو يقول : شيخي ! تلك البنوك تعطي قروضا ً بفائدة ربوية، و الله قد حرّم الربا ,,,, شيخي !
– قاطعته : أين أذنك ! ’ و صرت ألمس إذني اليمنى بيدي اليسرى من خلف رأسي .
– بدت الحيرة على ملامح الرجل و هو يقوم من مجلسه و يقف على قدميه قبل أن يقول : مع احترامي لعلمكم يا إمام، و لكنّي سأنصح ابني بأن يتعامل مع البنك الإسلامي .
– وقفت أنا بدوري على قدمي و قلت : يا رجل ! المعنى واحد، إن هي إلّا أسماء سمّيتموها .
– بدا الرجل غير مستوعب لكلامي و هو يقول : هناك علماء ,,, مشايخ ,,, فتاوى .
– أمسكت بقميص الرجل أشده إليّ و أنا أقول بغضب : فتاوى ماذا يا رجل ؟ الفتوى ثوب، و نحن الخياطون، نقصّره، نضيّقه، نوسّعه، نطوّله، بحسب مقاس الزبون ’ صرت أضحك بعد أن تركت ثوب الرجل ’ ثم علت وجهيّ ملامح الجدّية و أنا أقول : هل تعلم أنّي أستطيع أن آتيك بفتوى معينة، و بناء ً عليها يمكنك أن تفتح مشروعا ً ناجحا ً، سيكون اسم المشروع ( نادي التعرّي الإسلامي )، ما رأيك ؟
– ابتعد الرجل خطوة إلى الوراء بفزع، صار يتمتم : كيف ؟؟؟ من ؟؟؟
– علت ضحكتي في المسجد الخالي و صار الصدى يضحك معي : نعم، نادي تعرٍ إسلامي، هل تعرف أنّ جمهور علمائنا يقولون بأن عورة الجارية ما بين السرّة و الركبة، أي ببساطة، يمكن لنا أن نعتبر نساء الكفار – الروسيّات مثلا ً – بحكم الجواري، نفتح مسرحا ً و نقوم بتركهن يكشفن عن صدورهن و الرجال ينظرون إليهنّ كما يشاؤون، و كلّه وفق الشرع، ما رأيك ؟؟
فرّ الرجل هاربا ً من أمامي و تركني أتبادل ضحكاتي مع الصدى في ذلك المسجد المقفر .
هداني السأم أخيرا ً إلى قناة صوفيّة تبث الأناشيد الدينيّة ، رحت أتأمل السجن الذي أنا فيه على تسابيحها .
دخلت في حوار مع نفسي و صرت أقول لها : يبقى السجن سجنا ً و لو كانت جدرانه من الذهب، و قضبانه من الياقوت ,,,,, و ماذا عن الموت ؟ هو صنو السجن في صنع الخلود، الأهرامات تشهد لفراعينها، خالدون هم برغم فعالهم، نحن نذكرهم كلّما رأينا قبورهم الفارهة .
ماذا كان اسم رئيس العمال ؟ لا ندري .
ماذا كان اسم الطفل الذي وقف بالخطأ تحت صخرة تدحرجت مدفوعة بقدرها الأسود فوق جسده الرقيق ؟ أيضا ً لا ندري .
ليس مهمّا ً، فدموع أمّه لا تلسع وجودنا، ضحكاته، أنّاته، عيناه اللامعتان، رائحة غرته التي طالما أصابت أمه بالخدر .
اقتل رجلا ً و ستصبح مجرما ً، اقتل شعبا ً و ستصير بطلا ً، أو قد تصير ,,, إماما ً .
كنت جالسا ً في عزلتي، في زنزانتي، أتحسس تجاعيد وجهي، تجاعيد لا ملمس لها تختبئ تحت لحية بيضاء طويلة، قلبي بدون نبض، كأنّي بحر مشوّه لا موج له، يتعكّز على زرقته المزيفة التي يستيعرها من السماء، يفاخر بها الشواطىء و الجزر .
سمائي قاحلة لا غيوم لها، آه لو كنت مومسا ً، لغسل الدمع مكياجي، غسل آثامي، و لكنّي أنا هو، أنا الإمام البلقيني ّ .
هراء قولهم أن ّ الحياة نهر يسير، إنما الحياة لحظة ، لحظة واحدة، ستنفق باقي أيامك تدفع ثمنها .
تلك اللحظة، حين تشعر أنّك مملوء بكلّ شيىء، الكون كلّه مختصر في مشهد، أتأمل جدران زنزانتي الرمادية، سقف يكاد العفن يهطل منه، شباك يسمح للشمس بأن تزوره لساعة يوميّا ً, نعمة الضوء لا يدركها إلا العميان، و المساجين، كنت أحتفل بقدومها، أرقص مع ذرات الغبار في خيطها الرفيع، استنشق بها الضوء و الحياة، ضحكات كانت تخرح من تلك النافذة الصغيرة، أعين لامعة، رائحة عرق الشتاء، خطوات متجمدة .
كان اصبع قدمي الكبير يخرج من الجورب المثقوب، البرد يأكلني من الداخل، كأنّه ينبع من عظامي، كلّ شيء جميل في الشتاء، إلا ارتعاش الفقراء و السجناء .
كانت مدفئة الكهرباء تشعّ ضوء ً باردا ً، خافتا ً، أبكي من البرد في قلبي، الصقيع ينهشني، و تاريخي لا يشفع لي، أصرخ، أهذي ” أنا الإمام ” فتهمس الزنزانة في أذني بصدىً متقطّع : لا إمام لك اليوم، لا حياة لك خارجي، ستسكن في أحشائي، ستدفن في صقيعي، و جسدك سيأكله عفني .
كنت أسألها، أستحلفها، بحق الأيام التي قضيتها أحاول ترويضها، أن ترأف بي قليلا ً، أن تدفئني للحظة، كنت بحاجة لعناق واحد، قبلة واحدة، رشفة من فمها كانت تكفيني، لأشعر بالحرارة مرة أخرى، لأموت بسلام، و لكنها كانت دائما ً ناكرة للجميل، تماما ً كما الحياة .
كانت الأفكار تروادني عن نفسي في غمرة البرد و الصقيع، عدت أتلمس تجاعيد وجهي و أتساءل، هل أعرف نفسي ؟ و كنت أجيب : طبعا أعرفها، أعرفها بكل تناقضاتها، بكل وجوهها .
فأنا مثل الحياة، بألف لون، و ألف وجه، تحت كل شعرة في لحيتي تقبع روح تتعذب، خلف كل تسبيحة يوجد طفل يبكي أمه، بعد كل فتوى يوجد دماء تسكب، و لحيتي تطول، أكثر فأكثر، بعدد الأراوح و الدموع .
هذه الزنزانة التي تئنّ تحت وطئة اسمي، تاريخي يملؤها، سيخلدها يوما ً حين ينتهي التاريخ و تقوم القيامة، تبدو الضحكات أشد قبحا ً و لذة حين تصير في مستودع الذكرى، تصبح أشد لسعاً، لا شيىء أكثر قسوة من ذكرى جميلة في وحدة أبدية، أنزف ذكرياتي وحيدا ً، ألهو بقطرات الدمع، أصّفها، أدحرجها، لا غد لي، هو الأمس فقط منتصب كخشبة صليب، و أنا ليس لي مسيح و لا فداء، خطاياي ترزح تحت جلدي، لا أجد ورقة شجر أستر بها سوأتي كابن آدم الأول .
كانت المسافة في تلك الزاوية تتآكل، و أنا أحبس الروح في صدري كي لا تخرج في غفلة منّي، أحنّ إلى قبلة من البحر، موجة واحدة أتدثر بها، لا شيىء أكثر، سكون صاخب بهدوئه يراودني، كنت أغفو بين اللحن و اللحن، قصتي كدمعة متحدرة من كمنجة حزينة، أفق الزنزانة الضيق يتسع و يتسع، الدنيا بكل ما فيها تتربص بي في تلك الزاوية . جاءت إليّ لتشمت بي كأنها نبيّ يرمقني بتلك النظرة و يقول : لا تقتلوه، فقط اتركوه، اتركوه يتدثّر أكفان قتلاه، ضعوه في الغرفة وحيدا ً، مع ألعاب أطفال ضحاياه .
كل الوجوه في الزمن الغابر كانت حاضرة ، أظافري كانت طويلة جدا كأنّها تبحث عن لحم لتنهشه ، طريق واحد كنت أبحث عنه، طريق الموت الأخير، موتي الذي لا رجعة منه، لا بعث منه، قبر يضمني بدفء .
كنت أهذي في داخلي كشاعر مبلل ٍ بالوحدة و أنا أنتظر ضيفي على أحرّ من الدمع لكي نسافر معا ً, كي نتنادم معا ً .
كان التلفاز في غرفتي يصدح بأناشيد دينية، و كان الإصبع الهارب من قدمي يزعجني، فتوجهت نحو الباب، صرخت بأعلى صوتي حتى يسمعني الحارس من النداء الأول ’ هيه، يا عليّ ’ و ما هي إلا لحظات حتى جاء عليّ، فتح باب الزنزانة بجلافة ليست مستغربة منه : نعم يا شيخ، ماذا تريد ؟
قلت له : أريد جوربا ًجديدا ً، فقال : حاضر يا شيخ، سأحضره لك، أتريد شيئا آخر ؟
قلت له : نعم، أريد بعض الوسكي .
فقال : طلباتك أوامر ؟
تأمّلت للحظة ثم قلت له بخجل : أين ضيفيّ الذي وعدتني به منذ اسبوع ؟ فقال : لقد وصل منذ لحظات إلى السجن، و عمّا قليل سآتي به إليك .
تبسمت له بابتسامة حزينة فانصرف .
أسابيع قليلة قد تتمدد بفعل البرودة حتى تصل إلى الشهر، كانت هي ورديّ السنوي في هذا السجن الفاره، و لكن ليس اليوم، ليس الآن .
عدت أقلب قنوات التلفاز بحثا ً عن شيء أغتصب به الوقت و أجعله يمرّ بسرعة، و أنا أنتظر ضيفي، نديمي، أول من سيشاركني زنزانتي هذه، و لربما آخر إنسان يخرج منها .
كانت الزنزانة كبيرة، تتسع لبضعة رجال، و لكنها كانت مخصصة لزوار السجن من علية القوم، من أمثالي، فوضع فيها سريران اثنان و مجلس عربي صغير على الأرض ، تلفاز، و جهاز مستقبل فضائي .
كان فيها حمام صغير لقضاء الحاجة و الاستحمام معا ً، يبعد عن المغسلة نصف متر، ثم الباب، و بين السريرين الشباك اليتيم الذي تطلّ منه الشمس .
أمرت حارس السجن أن يزيل كل المرايا التي في الزنزانة، كنت لا أريد شيئا يذكّرني بنفسيّ التي أمقتها، في الليلة الأولى قبل أن يزيل الحارس المرايا، كان وجهي يفزعني حين أنظر إليه و أنا أغسل وجهي، آخر قناع ارتديته، ذلك الوجه كان يذكرني بكل ما هو قبيح في حياتي ، كل ما هو أجوف، كل زبد و صراخ في هذا الكون يسكن في تلك الملامح المترهّلة, بينما يقبع في قلبي شيىء ما ينبض بالعطر، الإنسان في قلبي لم يمت، و لأجل ذلك ظللت حيّا ً حتى اليوم .
كان لي طلبات خاصة، خاصّة بي أطلبها من حارس السجن، لا يأخذها إلا من يملك الواسطة و من يدفع، كنت عادة لا أدفع شيئا ً، و لكن هذه المرة دفعت بعض المال، ليس بكثير، فلقد راعاني مسؤول السجن نظرا ً إلى التاريخ الذي يجمعنا، و الليالي الطوال التي قضينها نسمر معا ً، دخان و شراب، كنت أدخن بشراهة، و أشرب الشراب، أيضا ً بشراهة، فعادة، كانت هي فرصتي السنويّة التي أحاول فيها أن أشبع جوعة الأيام خارج السجن، حيث لا أستطيع أن أشرب و لا أدخن إلا خفية، و إذا شربت، شربت باعتدال لا أحبه، و لكن ليس اليوم، ليس الآن .
كنت قد أنهيت قدحي الثاني حين طرق باب الزنزانة ، دخل الحارس بجلافته المعهودة و هو يجرّ جثة بالية لا تكاد تشبه إنسانا ً على قيد الحياة، كان يمسكه من قبّة قميصه الرماديّ المهترئ، قميص كان يختصر الوطن كلّه ببقعه المتداخلة، كلّ درجات لون الدم كانت تمتزج فيه بعنف و قتامة .
ترك الحارس تلك الجثة الحافية القدمين واقفة أمامي و هي على وشك السقوط ، أغلق الباب بعنف و هو يقول : هذا ضيفك يا شيخ .
قمت من مكاني متوثّبا ً، استجمعت كل الدفء الذي في قلبي، كلّ الدمع الذي في عينيّ و اقتربت ببطء من ذلك الشبح الذي كانت تظهر تفاصيل عظامه من تحت الجلد الرقيق، كأنّ جلده شراع قد التف على صارية سفينة تائهة في البحر، أسمر كلون رغيف الفقراء، في رأسه أخدود عميق، قد انسحب الشعر منه، كأنّه جرح سكين، أو لعلّه ضربة هراوة .
تجمدّت في مكاني كأنّي في صلاة ، كانت لحظة من تلك اللحظات، تأملته بعمق و حزن، و لم أدر إلا و الدموع تتفلت مني، تقدمت خطوتين و أنا أتأمل عيناه الذاهلتين، كان رجلا ً في الأربعينياّت من عمره، خريفيّ الملامح ,عيناه غائرتان بخوف، عصفور صغير يختبئ في عشّ ضيّق ، و لكن ذلك لم يستطع إخفاء تلك اللمعة اللاسعة و الدفء الذي لا يقاوم، كان شعره مكسو بشيب ثلجيّ، ذقنه نافرة إلى الإمام قليلا ً من شدة نحولته .
اقتربت منه ببطء و لم أدر إلا و أنا أفتح ذراعيّ محاولا ً أن أحتويه بحضن أبويّ، و لكن الرجل إنكمش على نفسه من الفزع و وقع أرضا ً يرتجف .
إنخلع قلبي من مكانه، دموعي هربت منيّ، كانت الغرابة تغلّف كل ثانية في تلك الدقيقة، إنحنيت حتى جثوت على ركبتي ّ، مددت يدي محاولا ً أن ألمس ذلك الخدّ الخشن المتيبّس .
ما أن لامست يديّ اليمنى أولى شعرات ذقنه حتى إنكمش أكثر مستلقيا ً على جانبه الأيمن و قد أدار ظهره المعوّج لي، صار صوت بكائه مسموعا ً أكثر، جسده النحيل كان يهتزّ بقوة و هو يهمس بصوت متقطّع : أرجوك يا سيدي ,,, أرجوك ,,, لا تعذّبني، لا تضربني ,,, أرجوك ,,,
اقتربت أكثر حتى ربتّ على رأسه برفق و أنا أقول : لا تخف يا غياث، لن يعذبّك أحد هنا، أنت بمأمن .
لم يكن لكلامي أي تأثير عليه كأنّه أصم ّ, و استمرّ بالبكاء و الإهتزاز و هو يكرر ترجّيه و توسلّه .
حضنته رغما ً عنه، إحتويت ذلك الميّت الحيّ كأنه طفل و صرت أداعب شعره المخشوشن بالقذارة .
كنت أبكي بعمق، أشهق و أزفر بقوّة، أترنّح بين حزن و فرح، دموعنا تعانقت للمرة الأولى فصارت دخانا ً دافئا ً, عبق ٌ عطريّ مالح يزيد الجروح ألما ً، و لكنّه يطهرها، يغسل كل إلتهابات الروح .
تبخّر الدمع و هدأت زلازل جسمه النحيل، فصرت أناديه بهمس : يا غياث، قم فاغسل وجهك، ثم ّ تعال لنأكل شيئا ً.
صوتي حرّض خوفه مرة أخرى فعاد إلى بكائه و ترجّيه، حضنته لساعة كاملة و لكن دونما فائدة، ففي كل مرّة كان يعود إلى خوفه، يعود إلى هذيانه .
تركته مستلقيا ً هناك عند عتبة الباب و جلست أرقبه من بعيد، أفكر بطريقة ما أستعيده بها من حالة الفزع التي كان بها .
قمت فحضّرت بعض الطعام ، و ضعت الأطباق على الأرض قربه لعله يشمّ رائحة الحياة في تلك المائدة المتواضعة، و أيضا ً دون فائدة .
عدت إلى مكاني فجلست فيه لساعات لا أفعل فيها شيئا ً سوى التأمل بعموده الفقريّ النافر تجاهي حتى باتت عيناي تغمضان لوحدهما فاستعذت بالله و قمت منتصبا ً، ناديت بصوت مرتفع بعض الشيىء : قم يا غياث، قم فنم على السرير ’ ثم ّ لمّا لم يستجب أعدت كلامي بلهجة أشد قسوة و كأنّها أمر عسكريّ : قم يا غياث .
قام الرجل ببطء كميّت يبعث من قبره، وقف منتصبا ً و هو ينظر للأسفل، لم يكن يجرؤ على النظر إليّ حتى .
قلت له : هذا سريرك ’ و أشرت إلى السرير، فمشى ببطء حتى اقترب من السرير ثم استلقى تحته على الأرض .
نم على السرير يا غياث ’ قلتها بشدة أكثر، فقام فزعا ً و استلقى على السرير ، نام دون أن يتدثر بشيىء .

-2-
عشرون ساعة مضت و غياث يغط في نوم عميق كأنّه أميرة نائمة تنتظر قبلة من فارسها .
كنت أتحسس نبضه بين الساعة و الأخرى، أراقب أنفاسه و هي تعلوا كي أتأكّد أنّه ما يزال على قيد الحياة، أراقب حرارته المرتفعة و أضع له بعض الكمادات، حتى أفاق قرب الساعة السادسة من بعد مغرب ذلك اليوم .
كانت نظرته حياديّة للوهلة الأولى قبل أن يعود إلى إنكساره و فزعه مرة أخرى، و إن كان بدرجة أقل .
عرضت عليه طعاما ً فلم يجب، فقمت و صنعت له شطيرة جبن و مربّى و ناولته إياها، فتناولها منّي بتوحش و صار ينهشها بعنف .
فرحت به أيّما فرح فصنعت له شطيرة أخرى، ففعل بها مثل ما فعل بالأولى .
بدأت أنفاسه تهدأ و صار البريق المختبئ في عينيه يزحف بتؤدة نحو أفق الزنانة الضيق ، تأملني لخمس دقائق ثم ّ عاد إلى النوم .
هذه المرة لم أكن مضطرا ً لأن أتحسس نبضه و لا لأن أراقب أنفاسه، فلقد كان يهلوس طوال فترة نومه التي امتدت لعشر ساعات .
كان يصرخ، كان يبكي، كان يضحك، أحيانا ً في لحظة واحدة، فلم أهنأ بنوم في تلك الليلة .
ظلّ على تلك الحالة لعدة أيّام، كان مقدار نومه يتناقص يوما ً بعد يوم ,و هذيانه يقلّ يوما ً بعد يوم ، بدأ يألف زنزانته الجديدة ، كان كحصان وحشي ّ أحاول ترويضه .
في اليوم الثالث استطعت أن أقنعه بالإستحمام في حمام تلك الزنزانة الصغير، ففعل، ثم قمت فأعطيته بعضا ً من ملابسي، بجامة شتوية، بينما رميت تلك الملابس الرثّة التي جاء بها .
في اليوم الرابع وجّه إليّ كلماته الواعية الأولى، فقال لي : هل ممكن ؟ ’ و هو يشير إلى الكأس الي كنت أتناوله، فأعطيته كأسا ً، تناوله و شربه بخجل .
حتى جاء ذلك اليوم، أفقت صباحا ً على رائحة دخان السجائر و هي تخمش صدري من الداخل، نظرت إلى مصدر الدخان و أنا أفرك عيناي، لقد كان غياث يجلس في المجلس العربي ّ عن يمين سريره و هو يدخن بعنف و يشرب بعضا ً من الوسكي .
صبّحت عليه و أنا ذاهب لأتوضأ حتى أصلّي الفجر و لم أكن موقنا ً إن كان سيردّ عليّ، و لكنّي تفاجأت بنبرة صوته و هي تصدح : صباح الخير يا إمام .
كان لسانه ثقيلا ً بعض الشيء من أثر الكحول، ففزعت إليه حتى جثوت على ركبتيّ أمامه و أنا أقول : غياث، هل عرفتني ؟ هل ميّزتني ؟ .
– نعم يا إمام، أنت الإمام البلقينيّ، شيخ الإسلام، حجّة الله على الأنام، كيف لا أميّزك، و قد كنت أرى بعض خطبك ، تلك الخطب النارية التي تحضّ على الثورة، و لكنّي لم أقابلك شخصيا ً إلّا الآن .
حمدت الله أكثر من مرة و أنا أرى إبتسامته للمرة الأولى، عصرت دمعة وحيدة و أنا أقترب منه حتى حضنته، ثم دفقت دمعا ً من وراء ظهره، دمعا ً أحاول كتمانه، شممت رائحة رقبته، كنت أودّ لو أنشق كلّ رائحة غرّته و أنا أقبّلها، لولا خوفي من استغرابه من ذلك التصرّف .
كففت دمعي محاولا ً إخفاءه، و ذهبت لأتوضأ و أصلّي الفجر، صليتها على عجل ثمّ عدت إليه .
رغم أنّه كان تحت تأثير الكحول، و لكنّه كان أكثر وعيا ً من أي وقت مضى، فالكحول يغسل الرهبة من القلب .
جلست بقربه و قد صببت كأسا ً لأشاركه القدح الأول، ولم تكن تلك المرة الأولى التي أشرب فيها على الريق .
نظر إليّ غياث ببعض الدهشة و هو يرى بعض الشراب ينساب برفق على شعر لحيتي الطويلة، فقال لي : الإمام البلقينيّ يشرب الخمر ؟ رغم كلّ ما مررت به من غرائب في هذا السجن، و لكنّ هذا من أغرب ما رأيت .
– تناولت الكأس فشربته كلّه، ثم قلت : ليس ذلك أغرب ما سترى يا غياث .
– سكت قليلا ً ثم ّ قال : نعم ، ربما ما أثار استغرابي أكثر هي تلك الدموع التي كنت تهرقها عليّ منذ جئت إليك، أذكر بعض دمعك في استقبالي كخيال بعيد يؤكّده دمعك الآن، لماذا تبكيني يا شيخ ؟ و أنا الذي أراك شخصيّا ً للمرة الأولى في حياتي .
كان بخار دموعي ما يزال يطفو في جو الزنزانة البارد، ما زال عبقها يحاول هزيمة عفن السقف المتدلي، عادت شفتاي للنزول، غابت تلك الابتسامة المصطنعة من أثر الكحول الذي يباغت العقل في لحظة إذا ما شُرب على معدة خاوية .
تلك الدموع كانت بحاجة إلى تبرير، رجل أعرفه للمرة الأولى، أشاهد سمرة وجهه للوهلة الأولى، أبكي في حضرته، أضمه إلى صدري كأنّه أبي الذي عاد من الموت، كأنه ابنتي التي أشتاق إليها .
تركت عينيه تتأملاني، نظرت إلى الكأس الذي أصبه له و أنا أجيب بتلعثم الكاذب، برجفة طفل : كنت أشفق على حالك يا غياث، لقد كنت في حالة يرثى لها، كنت فاقدا ً لوعيك، كنت تهزّني من الداخل بهزيانك و ضعفك .
– نعم يا شيخ معك حق، لو مرّ بلال ٌ الحبشيّ بما مررت به من تعذيب لفقد عقله و لقال ” ألف، ألف ” بدل ” أحد، أحد ” ، و لكنّ هذا لا يبرر تصرفاتك، لقد شعرت بدفء ، عاطفة ما كانت تتسرب من خلايا جسدك و تدخل في صدري عندما كنت تضمني، هناك شيء أعمق، هناك شيء يختبئ وراء تلك الدموع .
سؤال آخر يا شيخي، لماذا أنا ؟
– ماذا تقصد ؟
– أقصد بأنك أتيت بي ” أنا بالذّات ” إلى زنزانتك ؟، هذه التي تبدو كغرفة في فندق، طعام جيّد، حمام و صابون، تلفاز، و الأهم من هذا، سجائر و شراب، هل نحن في سوريا ؟ أم لعلي قد متّ و هذه هي الجنة يا شيخ .
– حمدت الله في قلبي أنّه تجاوز تلك الدموع غير المبررة دون كثير أسئلة، فأجبته بابتسامة مصطنعة أخرى : لقد أردت صاحبا ً لي في هذه الوحدة يا غياث، هذا كلّ ما في الأمر .
شعرت به غير مقتنع بكلامي، و لكنّه تجاوز كلّ ذلك و عاد إلى السؤال الأول، كيف للإمام البلقيني ّ أن يشرب الوسكي ؟ فقلت له : يا غياث، أنا على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان في هذه المسألة .
– فكّر قليلا ً ثم ّ قال : نعم، نعم ’ أجاب بحياديّة أذهلتني، لا تتناسب نهائيا ً مع استغرابه الأول .
بدأ يشرب بشراهة، بلهفة، كأنّه عاشق يمارس الحب مع معشوقته ، بدأ يبحر في جسدها بعمق و ضياع .
شرب كأسا ً ممتلئة ً في لحظات، أحسست بارتوائه، نظر إلى السقف و هو يتنفس بعمق، ثم قال : على مذهب الأمام أبي حنيفة لا يجوز السكر، فكيف تعلم ما هي الكميّة المسكرة من الشراب ؟ ما هو الضابط ؟ ’ كان ينظر إلي بلؤم، بأعين لمّاحة .
– تأملت بريق عينينه، و أدركت أني أمام رجل من نوع آخر، لم يكن إنسانا ً عاديّا ً : سؤال جيد يا غياث، الضابط هو عادة الشارب، فهو يعلم متى يكون قريبا ً من السكر .
– نعم و لكن ,,
– قاطعته : غياث هل تريد درسا ً في الفقه أم تريد الشراب ؟ لعلنا نتحدث عن تلك المسائل لاحقا ً, و حسب علمي أنت من محبّي الشراب .
– استغرب من كلامي و هو الذي لم يقابلني في حياته إلا قبل أيّام : شيخي، و كيف علمت أنّي من محبّي الشراب ؟
– لا تستغرب يا غياث، فصفتك هذه هي أحد الأسباب التي جعلتني أستضيفك عندي في زنزانتي المتواضعة ؟
– أجاب بابتسامة خبيثة : لم ترد فقط صاحبا ً، بل أردت نديما ً لك في سهرتك إذا ً ! ’ ثم ّ عاد إلى سؤاله الذي تجاوزه منذ قليل ’ و ما هي الأسباب الأخرى ؟
– تبسمت : قلت لك ما هي الأسباب .
– لم تقل شيئا ً يا شيخ، لم أقتنع بكلامك .
– حسنا ً، الأسباب الأخرى ستعرفها لاحقا ً.
– لاحقا ً ؟ متى يعني ؟
– لا أدري، اترك السجن يأخذ مجراه .
– حسنا ً.
كان يتأمّل الزنزانة، وجهه يفيض بالأسئلة، كنت أشعر بهذا من حركات شفتيه، ثمّ توجّه إلي بالسؤال و هو يبتسم : هل كل المشايخ يعاملون كهذه المعاملة ؟
– لا، طبعا ً لا، فقط من يملك المال، أو الواسطة .
– فأيّهما تملك يا شيخي .
– الاثنين.
– إذا أنا محظوظ .
– نعم أنت محظوظ .
– هل تعرف كيف كانت زنزانتنا قبل أن آتي إليك ؟ كانت بحجم هذه الزنزانة تقريبا ً, و لكنّها كانت تستوعب حوالي الخمسين من المساجين، رغما ًعنها و رغما ً عن كل قوانين الهندسة و المساحة، عندما كان أحدنا يخرج منها كنت أشعر بها كرجل متخم يتقيأ بشرا ً من لحم و دم .
كنا ننام فوق بعضنا، كان يكفي أن تجرح جرحا ً خفيفا ً أثناء جلسة التعذيب، حتى تموت من الإلتهاب، تموت بكلّ ما للكلمة من معنى، كانت الجراثيم تعشش في كل بقعة من ذلك المكان، كان يموت عندنا يوميّا ًسجين أو اثنان، كأنّ ملك الموت مقيم دائم عندنا، زميل لنا بغير تهمة، كل يوم ينتزع روحا ً, كنا نفرح لمن يموت، و ندعوا الله أن يكون اليوم التالي هو يومنا، فالموت رفاهية لا نملكها، نعم، من يموت يتعذّب ساعة، و لكن كان الواحد منا يتعذب ألف ساعة، دون هدف، دون ضوء .
– نعم، أعلم هذا .
– ذات مرة يا شيخ، مات أحد السجناء و بقي في زنزانتنا قرابة الأسبوع، كان يتعفّن و ينتفخ، رائحة عفونته تزيد المكان قسوة، كنا نرجوا السجّان بأن يأخذ جثته، كان يضربنا بحقد و نحن نتوسله، و لكن لا فائدة، كان يعاقبه و يعاقبنا، لا لشيء، سوى أنه كان من أول من صوّر مظاهرة و بثها على الشبكة .
كان بطنه ينتفخ، تخرج الغازات القاتلة من فتحات جسمه، كنا نتقيّأ، فيفرح ملك الموت المقيم بيننا، كما قلت لك، الموت كان مقيما ً دائما ً عندنا .
– صببت له كأسا آخر و أنا أتأمل الأخدود في رأسه، و كأنّه لاحظ نظراتي فأردف : هذا الجرح سببه لي جلّاد من جلّادي الأمن، كان يضربني بكبل كهرباء و هو يسألني من دفع لي حتى أخرج بالمظاهرة، قلت له :لا أحد ’ فتناول جنزيرا ً من الحديد كان ملقى ً على الأرض و ضربني به، فانفجر الدم من رأسي، تطايرت أشلاء اللحم في أرجاء غرفة التعذيب و أعادوني إلى الزنزانة، حيث لم يكن لي من دواء سواء ريقي الذي أسيّله على يدي و أمسح به جرحي حسب نصيحة أحد المعتقلين و كان طبيبا ً، اعتقل بتهمة إسعاف أحد الجرحى من المتظاهرين، تخيّل !! لن تجد في أيّ حكومة في التاريخ مهما كانت عاهرة تهمة كهذه، إلا في دولتنا الكريمة، هي الوحيدة التي لديها تهمة اسمها ” مسعف ” .
المهم، دخلت في غيبوبة، لا أدري كم بقيت فاقدا ً للوعي، بعضهم يقول عدة أيام، و بعضهم قال اسبوعا ً، ولكن في النهاية و بقدرة قادر، عدت للحياة، و كم تمنيت ألّا أعود لها، يا ليتني مت و كنت نسيا ًمنسيّا ً .
– لم تكن تلك الروايات بغريبة عنّي، فكل سوريّ يعرف مدى قذارة أجهزة الأمن، خاصة بعد قيام الثورة، و لكن أن تسمعها ممن عايشها، تلك كانت مسألة أخرى، بدا عليّ الحزن و أنا أعلّق على تجربته المريرة : نعم، يا ليتني كنت نسيا ً منسيا ً، قالتها مريم البتول خوفا ً من الفضيحة، فماذا يقول ,,,
– قاطعني : فماذا يقول من كان يشاهد زوجته و هي تتلوى بين اثنين من رجال الأمن و هم يغتصبون الإنسانية كلها من أجل أن ينتزعوا كلمة منه ؟ أو ماذا تقول من دخل عليها الشبيحة يبحثون عن ابنها الأكبر، فأخذوا رضيعها من بين يديها و بدأوا يجرحون خدّيه بسكاكين غدرهم لعلها تخبرهم عن مكان ابنها الهارب، ماذا يقول هؤلاء ؟ هذه بعض القصص التي سمعتها ممن عايشها، ذلك الرجل كان يهذي و هو يسكب آخر قطرة من روحه في حضني، كان يخبرني بكلمات مبعثرة كيف كانوا يغتصبون زوجته أمامه و كيف أنّه اعترف بكل جريمة في هذا العالم منذ بدء التاريخ، حتى أنّه اعترف بخيانة المسيح نفسه، و لكنّ ذلك لم يكن ليشفع له، أو لها، الحياة سريالية يا شيخي، سريالية .
اكتسى المشهد بدموع غياث ٍ، كان صمتا ًغاضبا ً ذلك الذي تلبّسنا، كأن القيامة ستقوم بعد قليل، و لكنها لم تفعل، مددت يدي و ربتّ على كتف غياث فوضع يده فوق يدي و هو يقول :أنا بخير، أنا بخير، إن كان في هذه الدنيا خير .
– الثورة، ياليتها لم تكن، لقد كنّا قبلها بخير يا غياث .
– عاد مستويّ الجذع، نظر إليّ بعينين حمراوين و صار يقول بصوت متلبّد بالغضب : الفتنة نائمة بارك الله من أيقظها، بارك الله من ساهم في قتلنا، سنفتح قبورنا للجثث، إنه استحقاق و يجب أن ندفع ثمنه، دفعة واحدة، حتى لا يدفعه أبناؤنا و أحفادنا بالتقسيط، التاريخ أكبر مرابيّ خلقته الآلهة، السكوت فائدته مركبة، سكوت آباؤنا و أجدادنا عن الظلم هو قرض فائدته من الدماء .
نعم، ما يعانيه الشعب هو مآساة، و لكنه نفق لا بد منه، ثمن لا غنى عنه، إنه دين الأجداد و ربا التاريخ، نسدده دفعة واحدة ونستريح .
– للمرة الأولى شعرت بكلامه يستثير وعيا ً كنت أريد له أن ينام بعمق، شعرت بصحبة استثنائية في وقت كنت أبحث فيه عن شيىء آخر، قلت له : أنت في السجن منذ بداية الثورة كما أعرف، و لعل الأخبار لا تصلك أوّلا ً بأوّل، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها يا غياث .
– أجاب بغضب : بل بارك الله فيمن أيقظها، نعم تصلني بعض الأخبار من النزلاء الجدد .
– من يسمع عن الخبر ليس كمن يعيشه يا غياث ’ سكتّ ثم تبسمت بافتعال :عموما ً أعجبني تشبيهك، يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعفا ً مضاعفة ,,
– و اتقوا الله لعلكم تفلحون .
– يبدوا أنّك تملك ثقافة دينيّة لا بأس لها، من أي سورة هذه الآية ؟
– هل هو امتحان يا شيخي ؟
– لا، فقط فضول .
– حسنا ً, هي من سورة آل عمران، و نعم عندي ثقافة دينيّة لا بأس بها .
– أتحفظ شيئا من القرآن ؟
– نعم أحفظ بعضا ً منه، ربما ربعه .
– ما شاء الله، جيد جدا ً، معظم الناس لا يحفظ جزءً واحدا ً، و حتى المتديّن منهم .
– نعم صحيح، أما أنا فأحفظ كثيرا ً منه، أكثر منك ربما يا شيخي .
– لا، فأنا أحفظه كله .
– نعم، نعم صحيح، فأنت الإمام البلقينيّ .
– نعم أنا هو، ماذا تحفظ يا غياث ؟
– أحفظ الأجزاء الأربعة الأخيرة، و بعضا ً من السور التي أحبها، كسورة مريم، طه و يوسف .
– نعم، كثير من الناس يحبون هذه السور .
– قافيتها رقيقة و تدخل القلب، لا شك أن كاتبها مبدع .
– حتما ً، فكاتبها هو الله سبحانه ’ ولم يعجبني قوله ” كاتبها مبدع “، شعرت بها عبارة ملغّمة، فدفعني فضولي لأسأله : غياث ، ألا تصلّي ؟
– كان يسحب من السيجارة التي بين إصبعيه بعمق و هو يقول باستهتار : نعم، أصلي دائما ً، و لكن على طريقتي .
– طريقتك ؟ هل لك طريقة ؟ هل أنت شيخ صوفي ّ ذو طريقة ؟ ’ قههقت قليلا ً ثم أردفت : حسب علمي أنت علمانيّ يساريّ .
– أطفأ السيجارة و هو يقول لي : لست يساريّا ً و لا يمينيّا ً, أنا إنسان عادي، فقط إنسان .
– إذا ً كيف تصلّي على طريقتك ؟
– أجاب بتحدي : أليست الصلاة هي صلة بينك و بين الله ؟
– نعم بالتأكيد .
– فأنا صلتي به دائمة لا تنقطع، و لست بحاجة إلى حركاتكم البهلوانيّة هذه .
– نظرت إليه باستغراب : هل صلاتنا هي عندك حركات بهلوانيّة ؟
– نعم هي كذلك عندي ’ و بدا متحدّيا ً في كلامه .
كنت أقول في نفسي، أين ذالك الرجل الذي جاء إليّ و هو يهذي و يخاف من ظلّه .
تناولت سيجارة و أشعلتها و أنا أتامل معلوماتي عنه قبل أن يزورني في زنزانتي، كل ما عرفته عنه أنه رجل يساري ّ, علمانيّ، ثوريّ، محب للأدب و الشراب، و لم أستطع أن أحصل على معلومات أخرى غير ذلك، و لكنّه يبدو ذو توجّه معين، شخص غريب، أو إنسان عادي كما قال .
كان كلامه رماديا ً، كأنه يتخفّى وراء كلمات عامة حفظها عن ظهر قلب، فقررت أن أسبر أغوار أفكاره و عقيدته، فطرحت عليه سؤالا ً, هو أول الأسئلة و آخرها، ذاك السؤال الذي تاهت البشرية في البحث عنه ,هو أسهل الأسئلة، و أصعبها على الإطلاق .
– غياث صارحني، هل تؤمن بالله ؟
– صمت لدقيقة و هو يتأمّل الأشكال التي يرسمها دخان سيجارته، ثمّ قال : أصارحك ؟ هل أنت أكيد ؟
– نعم، تفضل .
– و كيف أتأكد أنك لن تقوم بقتلي، أنّك لن تقيم عليّ حدّ المرتد ؟
– قطبت جبيني قليلا ً و أنا أقول : لا تخف لن أقتلك ,,,,,, و لكن ,,,, و لكن ,,, سأستتيبك أولا ً .
نظر إلي باستغراب قبل أن أقطع نظرته بضحكة لم تخرج منّي منذ زمن، فبادلني الضحك بضحك مثله، و علا صوتنا حتى لكأنّ الزنزانة امتلأت بالحياة في تلك اللحظة.
ما أن توقف الضحك قليلا ً حتى قال : لن نتوقف عند الأسماء، بل سنتكلم في المعاني .
– بدت عليّ الحيرة من كلامه : ماذا تعني ؟
– صارت ملامح وجهه جدّية أكثر و هو يقول : أعني، أنا أؤمن بخالق للكون، خلقني و خلق كل ما أراه و أعرفه، و لكن ليس بالضرورة هو الله .
– ظننت أني قد بدأت أفهمه فقلت : أنت تقصد أنك لا تؤمن بإله المسلمين، فبمن تؤمن ؟ بإله النصارى ؟
– اسمهم مسيحيّون يا شيخي، فقط القرآن يطلق عليهم اسم النصارى، يا شيخي، قد تجد الحب عند كل الآلهة، لكنّ الخالق نفسه لا دين له، و أجيبك بلا، فأنا لا أؤمن بأيّ إله تعرفه، أنا لي إلهي الخاص .
– لم أدر بماذا أعقب على قوله، ثم خطرت لي تلك القصة من الجاهلية، حيث كان كلّ رجل يصنع إلها ً خاصّا ً به، بعضهم كان يصنع إلها ً له من التمر، فإذا جاع أكل إلهه : يا غياث أخبرني بالضبط بماذا تؤمن ؟ ما هو الدين الحق عندك ؟.
– عدّل من جلسته، صار يفرك الأخدود الذي في رأسه، يحكّه بشراهة و هو يقول : انظر يا شيخي أرجو ألّا تدّعي امتلاك الحق، حتى أنا لا أجرؤ على الإدعاء بأنّي أمتلك الحقيقة الكاملة ، أنا فقط أعرف ألّا أحدا ً يملكها، فالحقيقة يا شيخي هي غيمة كبيرة تملأ الأفق، كلنا يراها وفق هواه ، كطفل يرى فيها آماله و أحلامه و كوابيسه، الحقيقة غيمة من المرايا، كل إنسان يراها كما يرى نفسه، و الإله الذي تؤمن به، هو أنت في قمّة تطرفك، هو أنت في الصيغة المثلى، في الحد الأقصى، هو أنت حين تملك الكون و تجلس على عرش الإله.
هي قاعدة يا شيخي، قاعدة اتخذتها في حياتي كلّها، أسميت تلك القاعدة ( حذف الياء ) .
– حذف الياء !! أيّ ياء تريد حذفها ؟
– إنها ياء التملّك، ياء التملّك الخاصة بالأفكار و المعتقدات .
– كيف ؟
– مثلا ً, أنا لا أقول ” أفكاري، ديني، عقيدتي ” أنا فقط أحذف الياء، فأنا لا أفكار لي، لا دين لي، لا عقيدة لي، أنا إنسان، فقط إنسان، و الأفكار و العقائد هي أشياء عابرة في ذهني، لا أتملكّها، فليس هناك صك ملكية بالأفكار، و الدين ليس هويّة نتوارثها، الدين فكرة في الذهن، يجب أن نعاملها بحياديّة، من دون ياء التملك، لذلك لا أشعر بأنّي أدافع عن ذاتي حين أدافع عن فكرة أراها حسنة، فأنا منفصل عن الفكرة، هي في جانب، و أنا في جانب، قد نلتقي في وسط المسافة و نتصافح، و كذلك الدين، و لعل هذا هو السبب الذي يجعلني أغيّر رأي بسهولة تامّة، لا مشكلة عندي بالإعتراف بأنّ فكرة خصمي هي أفضل من الفكرة التي أتبناها، هكذا أنا، و لكنّ معظم الناس يؤمنون بنفس دين أهلهم؟ وبالصدفة كان هذا هو الدين الوحيد الصحيح؟
– ممم، حسنا ً، لعل كلامك قريب من كلام مولانا جلال الدين الرومي حين قال ” الحقيقة كانت مرآة بيد الله فوقعت وتشظّت ، كلّ فرد أخذ قطعة منها ، نظر إليها وخال إنّه يملكها كاملة ” .
– بالضبط، أعود فأكرر، شيخي ؟ أعليّ الأمان فيما أقول ؟
– يا رجل، أنا أمامك أشرب كما تشرب، تفضل و خذ راحتك في الكلام، فلو كان من حد للردة فأنا أوّل المقتولين .
– ابتسم و هو يكمل: حسنا ً، أنا بالتأكيد لا أؤمن بـ ” الله “, ذلك الإله الصبيانيّ الغاضب المتعجرف، ذلك الذي سيعذبني بالنّار الأبدية فقط لأني لم أقتنع بكلامه، لأنّي ولدت في العائلة الخطأ، في الدين الخطأ، أو المذهب الخطأ.
إلهي أميّ لا يقرأ و لا يكتب يا شيخي، كما يقول عبد الله القصيمي : كيف يمكن أن يكون الإله محتاجا ً إلى أيّة لغة ؟ إن احتياجه إلى أيّة لغة وإلى ممارسة أيّة لغة هجاء أليم له. إن معرفة اللغات والتكلم بها والاستمتاع إليها وقراءتها ليست أخلاق، أو مستويات إله .
إلهي يا شيخي ليس هو من كتب القرآن و لا التوراة و لا الإنجيل، إلهي متعال في ملكوته، يتأمّل ذاته الكاملة، لا يعير لنا انتباها ً، هل هناك حياة بعد الموت ؟ نعم ,,,
– قاطعته : كيف تعلم بوجود حياة بعد الموت .
– أنا أعرف، أعرف فقط، العقل البشري يا شيخي هو خارج الزمن، خارج الحياة المادية، نحن نعيش الماض و نفكر بالمستقبل، كوننا نفكر خارج الحياة هو دليل على وجودها بعد الموت .
و لكنّ الله حتما ً لن يعذّبنا في تلك الحياة لأننا لم نؤمن به، بل سيعاقبنا بحرماننا من تجلّيه في قلوبنا، إذا لم نؤمن بأنفسنا، بإنسانيتنا، بقدرتنا، إلهي هو إله الفلاسفة، إله لا يعلم أننا نجلس الآن و نحتسي الأفكار و القصص في هذه الزنزانة ( الفارهة )، إلهي يا شيخي بكل تأكيد ليس هو الله الذي تؤمن به، الإله الذي خلقنا لعبادته في ساعة سأم .
قال لي أبي يوما ً: ” أنت لست بحاجة لأن تبرّني عرفانا ً لفضلي عليك، فلا فضل لي عليك، أنا قد أخذت حقي كاملا ً حين استمتعت بكل ضحكة منك، بكل لحظة مرّت و أنت تكبر أمامي، حضني لك لا يقدّر بثمن، وجودك كاف في حياتي ” و كذلك الله، ليس بحاجة لعبادتنا و شكرنا له، لقد أخذ حقّه كاملا ً حين أحس بإلوهيّته، بقوّته التي تتجلى في ضعفنا، لقد حقق هدفه من خلقنا بمجرّد وجودنا في هذا العالم الوهميّ، و الأعراف هي مثوى الجميع .
– الأعراف ؟ الأعراف يا غياث هي الأرض الحياديّة، هي الأرض الرماديّة، لا طعم لها، هي الأرض الفاصلة بين الجنة و النار، هضبة يجتمع عليها من استوت حسناته و سيّئاته، و من ثمّ يدخلون جميعا ً إلى الجنة، بفضل الله و رحمته .
– لا يا شيخ، الأعراف هي مصيرنا النهائي، هي وطننا الأبديّ، فكلنا ذلك الإنسان الرماديّ الذي ستتساوى حسناته مع سيئاته، من منّا لم يبتسم و يغضب ؟ من منّا لم يطعم فقيرا ً و يأكل مال اليتيم ؟ من منّا من لم يزني – حتى بفكره – ثم ينتفخ كالطاووس أمام الناس بالعفة ؟ من منّا لم يقتل و يحيّ في أحلام يقظته ؟ هي الأعراف، ستسعنا بكلّ آثامنا و حسناتنا, بكل قبحنا و جمالنا، فيها سنبني تمثالا ً للإنسان، نركع و نصلّي له، لأنه يمثّلنا، لا كالله المتعالي الذي لا يمت لنا بصلة، سوى أنه خلقنا .
– كان كلامه ثقيلا ً، متخما ً بالتمرّد، استغرقت بضعة دقائق أفكك معانيه، ثم قلت : ما الفائدة من الإيمان بهكذا إله يا غياث ؟
– سؤالك خاطىء يا شيخ وهذه هي مشكلتكم، علاقتي مع الله ليست علاقة ” فائدة ” أساسا ً, أنا لا أؤمن به لأنّي أخشى ناره أو أرجو حوريّاته، بل أؤمن بوجوده لأنه حقيقة – سبحانه – أراه في كل ومضة حياة، في كلّ كبد رطبة في هذه المعمورة، أراه في تنهّد قلبي حين أتذكر ابتسامة زوجتي، أو في رجفان روحي حين أستنشق ضحكات ابنتي، الله هو حلم متوّشح بالغياب، مدوّن على ملامحي منذ ولدت .
إلهي موجود، هو من صنعني، أما إلهك, فالإنسان من صنعه ، صنعه من عجينة آثامه، جبارا ً كحاكمه، مستو على عرشه كأيّ ملك من ملوك الدنيا .
ألم يقل علي بن أبي طالب ” من عرف نفسه عرف ربه “، ألستم تقولون على لسان نبيكم : أن الله خلق آدم على صورته ؟ نعم، ففي هذه صدقتم، هو صورة عنكم، صورة عن كل شيىء قبيح فيكم .
– لعنت فضولي ألف مرّة، فلو تركته على تقيّته لكان خيرا ً لي، خيرا ً من أن أسمع هذا الكلام الذي وقع على قلبي كالحسام، لكنّ فضولي سار بي إلى سؤال آخر : غياث، لم أقتنع، أعطني سببا ً مقنعا ً لأجله تركت الدين .
– عدّل من جلسته و صار أكثر تأمّلاً حين قال : تركته لأسباب كثيرة جدّا ً، أكثر من أن أحصيها، مثلا ً: عدم وضوح الدين، اختلاف ألملل و النحل، عدم وجود الدليل، و انعدام العدالة .
– كيف ؟ حدد ؟
– دعنا نتناقش في المسألة الأخيرة فقط حتى لا نضيّع الوقت، أو حتى لا نتناول جميع المواضيع في جلسة واحدة و نترك شيئا ً للأيام القادمة ” إن كان من أيام قادمة ” .
العدالة يا شيخي مفقودة في الأديان كلها، فلا يوجد في التاريخ أو على هذه الأرض جريمة واحدة تستحق العذاب الأبديّ الذي لا نهاية له، فكرة وجود عذاب أبديّ لوحدها فكرة كافية في نفيّ العدالة عن الله الذي تؤمنون به، فكرة أن الله سيعذب إنسانا ً إلى ما لا نهاية من أجل جريمة ما – مهما عظمت – و لكنّها تبقى جريمة محدودة، لها نهاية، هذه الفكرة تكفي لكي تجعل أيّ إنسان يخرج من الدين، إن كان يملك الحدّ الأدنى من الإنسانية، الجريمة المحدودة عقابها محدود، وحده محبّ التشفّي يمكن أن يعذّب بعذاب لا محدود ,,,,
– قاطعته من شدة فرحي و أنا أريد أن أطرح رأيا ً قد يشكّل حلّا ً لعقدته هذه، فقلت : و لماذا يا غياث أخذت بهذا الرأي ؟ ففي الإسلام سعة، و اختلاف أئمتنا رحمة، يوجد رأي لشيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه ابن القيم، يقول بهذا الرأي، ما تقوله أنت، بل لابن تيمية نصّ يطابق تقريبا ً قولك حرفيّا ً, يقول فيه ( و لو قدّر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة ) .
و ابن القيم رحمه الله استدلّ بخمس و عشرين دليلا ًعلى انقطاع عذاب النار في كتابه “حادي الأرواح”، أي أنّ نهاية جميع الخلائق ستكون في الجنة، و سيأتي على النار يوم تصفق فيه أبوابها و هي خالية على عروشها، ليس فيها من أحد البتّة، حتى فرعون سيدخل الجنة في النهاية ,,,,
– قاطعني : نعم يا شيخي، أعرف كلّ هذا، و أعرف أنّه رأيّ لأهل السنة ذكره الطحاوي في عقيدته، و ينسب للكثير من الصحابة، و لكن ,,, و لكنّ هذا الرأيّ يعارض ظاهر القرآن الصريح بأن ّ الكفار في عذاب مقيم، و أنهم خالدون فيها أبدا ً، و أنهم لا يخرجون منها حتى يلج الجمل في سم الخياط ,,, وأنهم ,,,
– يا غياث، حسبك، كل ما ذكرت هو من قبل الوعيد، و ليس الوعد، فالله يجوز في حقه أن يخلف وعيده، و لا يجوز عليه أن يخلف وعده، فإخلاف الوعيد كرم يليق بالله سبحانه، أما إخلاف الوعد فهو كذب لا يليق به تعالى .
– دع عنك يا شيخي تمحّل المتمحّلين، القرآن واضح، و إن لم يكن واضحا ً فتلك مصيبة أكبر .
– سكتّ قليلا ً ثم أردفت : عجبا ً لك يا غياث، تعلم هذا الرأي مع أنك لادينيّ، و كثيرمن أهل الدين لا يعرفونه !!! .
– صار يضحك و هو يتناول رشفة من الكأس الذي في يده : و هل تظنني تركت الدين عن جهل ؟ هل تظن أني أعرّض نفسي للنار الأبدية إلا بعد دراية و بحث مضن ؟ لقد درست الدين و إلتزمت به لفترة، و لكن لأنّي لا أملك “ياء” التملك في قاموسيّ المعرفيّ، تركته عندما أيقنت بأنّه كباقي الأديان، اجتهاد بشري لا أكثر و لا أقل .
– نفخت نفخة غضب و أنا أقول : كلما تذكرت الوحوش التي تعذب الأبرياء في سجون الطغاة ازددت يقينا ً بعدالة السماء، بعدالة لخلود في النار لمثل هؤلاء، و عرفت بالضبط من تقصد النار بقولها (( هل من مزيد )) ’ قلت كلامي هذا أرميه في وجهه و أنا آقضم أظافر أصابع يدي اليمنى .
– صار يبتسم و هو يقول لي : عندي قاعدة أخرى يا شيخي .
– قاعدة أخرى ؟ ما هيّ ؟
– هذه القاعدة أسميتها قاعدة اليد اليمنى، كما أسماها القرآن، ففي القرآن يوجد أهل اليمن و أهل الشمال، و قاعدتي تقول : أن من يقضم أظافر يده اليسرى فهو محبّ للحياة، و من يقضم أظافر يده اليمنى ” كما تفعل أنت ” فهو محبّ للموت .
– كيف بنيت هذه القاعدة ؟ كيف استنتجتها؟
– يا شيخ، من يقلّم بأسنانه أظافر يده اليمنى أولا ً, فهو يأجّل اليد اليسرى إلى النهاية، أيّ هو يحب العاجلة، يحب أن يبدأ باليد التي يستخدمها كثيرا ً, يحب أن يبدأ بالأسهل، و من يقلّم أظافر يده اليسرى أولا ً فهو يبدأ باليد التي تقليمها أصعب ، هو يحب الموت، يفضّلّ الآجلة، يفضّل الآخرة على الدنيا، لقد طبقّت هذه القاعدة على بعض المعتقلين، فعرفت من سيستسلم و يعترف خلال التحقيق، و من سيثبت على موقفه .
– صرت أضحك كما لم أفعل من قبل لحكمته التي لا تخرج إلا من دماغ مدمن على الحشيش، أو إنسان خرج للتو من سجون الأسد .
أتى الحارس بطعام الإفطار، الخبز الساخن كان أجمل ما فيه .
أكل غياث بعمق، ثم ّ عاد إلى الشراب، دقائق مرّت و قد تلاشى جميع ما في الصحون، سكتّ، فسكت مثلي، و قد قلنا ما في جعبتنا لسكرتنا الأولى، نظرت إلى شاشة التلفاز أمامي، رفعت صوته قليلا ً، فإذا بها أنشودة أعرفها ” الصلاة على المظلل بالغمام، خير خلق الله شرف أرضنا ” لم أشعر إلا و أنا أتمايل يمينة و يسرة، وراء ً و أماما ً, نظرت بطرف عيني إلى غياث، كان يتمايل برفق، بتردد، كأنّه يقاوم ذلك التجلّي .
كان الكورس يردد : ” لا إله إلا الله ” فصرت أردد معهم، تسارع صوت نقر الدف، و معه تسارعت أصوات الكورس، و المنشد يرفع و يخفض، ثم بدأ المولويّة يدورون حول أنفسهم، فلم أتمالك نفسي، فقمت ممسكا ً بيد غياث فقام معي و بدأنا نتمايل، نتمايل كسنبلتين تلعب بهما الرياح التي لا وجهة لها، كنا نذوب كشمعتين في تلك الحضرة الصوفية، كلّ و احد منّا يحمل جرحا ً بحجم الكون، ينزّ عليه إلتهابا ً و موتا ً.
كنا نتمايل و غياث يضحك، ثم ما لبثت أن تركت يده و بدأت أدور كأني واحد من المولوية في الشاشة، و أنا أردد : مدد يا رسول الله، مدد يا حبيب الله ’ فبدأ غياث يدور لوحده أيضا ً، كنا ندور و ندور، كأيّ شيىء في هذا الكون، كأي ذرة غبار في بقعة شمس، كان الدف يسرع ضاربا ً و نحن نسرع بالدوران، كنت أذكر كلام الرومي في رأسي ” لا كاسات خمر هنا، لكن خمرا ً تدور، لا دخان، بل لهب، اسمعوا الأصوات خافقة، بما تنخر به الأنغام” .
كنا ندور، نسرع أكثر فأكثر، حتى وقع غياث مغشيّا ً عليه، و مثله أنا وقعت، و أنا أردد : لا إله إلا الله محمد رسول الله، و نمنا بعمق قرب الضحى .

-3-
فكرة الأعراف تلك كانت تنخزني في روحي فكان نومي متقطّعا ً، كنت أرى أحلاما ً، أو لعلّها كوابيس، كان وجهي لوحده يسرح في أرض رماديّة و هو بدون ملامح، ليس فقط وجهي، بل جميع سكان تلك الأرض القفرة، المسطّحة، لم تكن تحوي جبالا ً و لا وديانا ً، هو لون واحد يصبغ الأرض و الماء و الطعام، كان طعامها رماديّ أيضا ً، بدون طعم، بدون رائحة، نساء تلك الأرض كنّ دون أثداء، دون فروج .
كنت أنصب خيمتي هناك في وسط الزحام الصامت، كان الناس يتبركون بناري التي أشعلتها أمام تلك الخيمة، ناري كانت تصعد للأعلى حتى تلامس السماء الرماديّة، لم تكن ترقص كنار الدنيا، فلا هواء هناك يعزف لرقصها المجنون .
مرّت طفلتان بقرب ناري فوقعتا فيها، ركضت إليهما ببلادة أحاول إنقاذهما، و لكنّهما خرجتا قبل أن أصل إليهما وقد صارتا طفلة واحدة، اتحدت أجسامهما و اندمجتا، خرجت طفلة واحدة دون أن تصاب بأيّ أذى ,.
مدتت يدي إلى النار أتحسسها، فكانت أيضا ً حياديّة، لم تكن تحرق، و لم تكن بردا ً و لا سلاما ً أيضا ً .
طارني ذلك الكابوس في صحوي ّ، لعله كان عذابا ً أشد من عذاب الآخرة ,,,, يالها من فكرة شيطانيّة، ” الأعراف مصير الجميع ” .
أفقنا بعد العصر، صليت العصر و الظهر، ثم بدأنا سهرة خفيفة بجميع ما فيها، فالغداء كان خفيفا ً، و كان مخزوني من الشراب على وشك النفاذ، فنمنا يومها بعد أن قصصنا بعض النكات و الحكايات .
في اليوم التالي أفقنا صباحا ً بعد الفجر بساعة بعد أن عاد غياث إلى ترديد تلك الأسماء التي تؤرّق عليه نومه، كان ينادي زوجته و ابنته بصوت عال يقطّع نياط القلب .
أفاق هو فأفقت ، صلّيت الفجر ثم عدت لآخذ غفوة دامت عدة ساعات قبل أن يطرق حارس السجن الباب فيوقظني .
كان ذلك وقت ( خدمة الغرف ) إن جازت التسمية، فعند الساعة التاسعة تقريبا ً من كل ّ يوم كان يأتي الحارس فيقول : رئيس السجن يسلم عليك، هل يلزمك أيّ شيىء ؟ و يناولني بعضا ً من أرغفة الخبز الساخن المخصصة لحرّاس السجن، بالإضافة إلى فطور عادة ما يتكوّن من البيض المسلوق و الجبن و الحلاوة الطحينية .
ثم أقوم أنا بدوري بإعطائه قائمة ببعض الطلبات ، تموينات، ملابس داخلية، معلّبات، شراب و سجائر، أيّ شيىء أريده كان يتمّ إحضاره لي .
انصرف الحارس و عدت أنا محملا ً بالخبز الساخن، كان غياث يرمق الخبز الذي في يدي كأنه ينظر إلى كنز لا يفقد بريقه بتكرار النظر إليه، كان ينظر إليه كما كان يفعل يوميّا ً منذ دخل إلى زنزانتي حتى و هو شبه غائب عن الدنيا حين دخل عليّ في أيّامه الأولى .
ناولته قطعة من الخبز و أنا أبتسم ثم قلت : هل تعلم يا غياث ؟ كان بعض سلفنا الصالح يقول ‏:‏ يا معشر الناس إن الشيطان إذا سميّ َعلى الطعام والشراب لم يقربه، فكلوا خبز الأرز المالح ولا تسمّوا الله، فيأكل معكم، ثم اشربوا الماء وسمّوا الله، حتى لا يشرب معكم، فتقتلوه عطشا ً.‏
ضحك غياث و هو يتناول آخر لقمة من القطعة التي في يده، جلسنا متربعين على الأرض، كان غياث يأكل بشراهة لا تتناسب أبدا ً مع جسمه النحيل، لقد استعاد عافيته كلها تقريبا ً لولا تلك الكوابيس التي تجعله يهذي في نومه، و لا أظنّه يشفى منها .
كان ينظر إلي ّ, يمضغ و يقول : يا شيخي، لم آكل طعاما شهيّا ً مثل هذا منذ أربع سنوات، شيىء غريب يحدث لي، طعام الغداء بالأمس كان أشهى، هكذا بدا لي، و لكن هذا الفطور !! يا إلهي .
.
– صحة يا صديقي، صحة، الطعام بالصحبة و الصحة .
– نعم، الصحة والصحبة .
و ما أن انتهينا من طعام الإفطار حتى توجّه الى المغسلة فغسل وجهه، ثم فرش ّ أسنانه بمعجون الأسنان، نظر إليّ بلهفة و هو يقول : شيخي أرجوك، ألم أقل لك أنّي أريد فرشاة أسنان .
ضربت جبيني بيدي، ثمّ هرعت إلى باب الزنزانة أضربه بقوة و أنادي على الحارس باسمه : يا عليّ، يا عليّ ’ حتى جاء، فقلت له بأن يضيف على الطلبات فرشاة أسنان جديدة .
أنت في نعيم يا شيخي ’ قالها غياث و هو يفرك أسنانه باصبعه المبلل ببقايا معجون الأسنان .
تمضمض ثم قال لي : يا شيخ، إذا كنت تملك الواسطة و المال، فما الذي يبقيك هنا ؟ لماذا لا تخرج من السجن ؟
– الموضوع معقّد قليلا ً، ليس بتلك السهولة.
– انتهى من شغفه بالمعجون و قد بدا لي بأنّه كان يأكل منه، ثمّ عاد إلى مجلسنا : شيخي، هناك شيىء غريب في طريقة معاملتك من قبل الحراس، تبدو و كأنك آمرٌ ناهٍ عليهم، لست نزيل زنزانة، و لا حتى نزيل فندق عادي ّ .
– ابتسمت و أنا أجيبه : حيث تجلس تماما ً، طالما سهر عندي مدير السجن، كنّا نتسامر حتى الصباح أحيانا ً .
– رفع حاجبيه مستغربا ً : شيخي، متى كان يحدث هذا ؟
– جلست بقربه و التفتّ إليه بجذعي : منذ زمن يا غياث، هل تعرف ؟ لقد قضيت في هذه الزنزانة قرابة العامين، مفرّقة على ثلاثين سنة، محكوميّتيّ قضيتها بالتقسيط، ولكن دون فوائد .
– شيخي، أنا ممتلىء فضولا ً, مالذي جعلك تأتي إلى هنا ؟ و تقضي سنوات من عمرك (بالتقسيط ) في هذه الزنزانة، نعم، أنا أعرف أنّك كنت معارضا ً للنظام، وفي بداية الثورة انتشرت لك خطب عصماء تحض على الخروج في المظاهرات، و لكن هذا يتعارض مع المعاملة التي تتلقاها هنا !.
يعني، يجب أن تكون ميّتا تحت التعذيب، على أقلّ تقدير، بينما أنت مرفّه في زنزانة بخدمات فندقية ، بل و تشرب الوسكي المستورد، تدخن بشراهة، تصلي، تقول أدعية دخول الخلاء، تسمّي قبل أن تضع كأس الخمر على شفتيك، و تحمد الله بعد أن تنهيه !!!! أكاد أجن، يا إمام !!! أرجوك، أتوسل إليك، أخبرني من أنت ؟ .
– كما ناديتني للتوّ يا غياث، هذا أنا، أنا الإمام، أنا الإمام البلقيني ’ سكتّ قليلا ثم أردفت : سأخبرك بكل شيىء يا غياث، و لكن بشرطين ، أولا ً دعني أتوضأ وأصلّي الضحى .
ثانيا ً : عليك أن تخبرني أنت عن قصتك بداية ً, ما رأيك ؟
– بدون تردد : اتفقنا .
صلّيت الضحى على مهل، كنت أستمتع بتلك الصلاة، كنت أحس بفردانيّتي في حضرة الله، فلا يصلي تلك الصلاة إلا القليل من الناس، و أنا كنت منهم، كنت أختصّ ربّي بهذه الخلوة .
جلست بقرب غياث و قلت له : هات ما عندك، من أنت يا غياث ؟
– و لن تقيم عليّ حدّ المرتد يا شيخي ’ و صار يبتسم .
– أيّ حدّ يا غياث، لقد تكلّمت منذ يومين كلاما ً تكاد السماوات يتفطّرن منه و تنشق الأرض و تخرّ الجبال هدّا ً، تكلّم، فأنا أساسا ً لا أؤمن بحد الردة .
– معقول ؟ الإمام البلقيني لا يؤمن بحد الردة ! ألست من ألف كتابا ً كاملا ً في بيان أن قتل المرتد هو رحمة به و بالمجتمع !!!
– دعك من كتبي يا صديقي، أنا الآن أمامك، أقول لك ما أعتقد، ما أدين لله به، لا يوجد حدّ للردّة، و المرتد لا يقتل، و لاحتى يستتاب .
– صار غياث يبتسم : هذا الكلام ليست بمستغرب و أنت الإمام الذي يدخن و يشرب، و لكن ما دليلك يا إمام ؟ فكما تعلم نحن لا نتبع الأشخاص، و إنما نتبع الدليل ’ كان يغمزني بتلك المقولة .
– ابتسمت أنا بدوري : دليلي في آخر صفحة من سورة المائدة ,,
– قاطعني : عندما طلب عيسى من الله أن يغفر لمن ادّعى بأنّه إله من دون الله ؟ .
– ماشاء الله، و تحفظها ! نعم، هي والآية التي بعدها تماما ً يا غياث، فبعد أن يطلب المسيح عليه السلام – ضمنيّا ً – من الله أن يغفر للنصارى، بقوله : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) يكون ردّ الله تعالى : (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) .
الصدق !!! تأمل هذا الردّ يا غياث، الله سبحانه لم يقل هذا يوم ينفع المؤمنين إيمانهم، بل قال (يوم ينفع الصادقين صدقهم)، فمن كان صادقا ً في معتقده، بينه و بين نفسه – و الله مطلع على الأنفس – كان داخلا ً في رحمة الله تعالى، و سينفعه صدقه إذا كان صالح العمل، يطعم المسكين و يعين على نوائب الدهر، فالكفر ليس عقلاً يُخطئ ، وإنما هو قلبٌ متكبر، و نفس متجبرة، و من لم يكن مستحقا ً للعذاب الأخروي، لم يكن مستحقا ً للعقاب الدنيويّ إبتداء ً .
– إذا أنا قد أدخل الجنة برأيك يا شيخي ؟ أنا الذي لا أؤمن بأنّ القرآن كلام الله ، و أعتقد أنّ محمدا ً عبارة عن بطل، مصلح اجتماعي، ادّعى النّبوة و كتب كتابا ً من عنديّاته، أنا الذي أكفر بإلهكم، وأعتبره صبيانيّا ً, لا يختلف عن أي حاكم مستبد في هذا العالم، هل ممكن أن أدخل الجنة؟
– تمعضّت قليلا ً من كلامه ثمّ قلت : غياث، أرجوك توقف عن كلامك عن الله بهذه الطريقة .
– أعذرني يا شيخي، و لكن هذا رأيّ، و أنا صادق به، تماما ً .
– حسنا ً، بغض النظر عن كلامك، إن كنت صادقا ً في معتقدك، و صالحا ً في عملك، فربما تكون في الجنة .
– يبدو أنّك كالجاحظ الذي كان يرى أن جميع أهل الأديان على صواب و هم ناجون يوم القيامة إذا بذلوا جهدهم في طلب الحق، طالما كانوا صادقين مع أنفسهم كما قلت أنت .
– تقريبا ً رأي كرأيه، و لكنّ أدلتي مختلفة .
– المهم، هل تحلف أنّي في الجنة ؟
– لا أحلف و لا أتألّى على الله ، الله يحب أن يدخل عباده الجنة، كل البشر يريدون الجنة ، و لكنّ أحدا ً لا يريد أن يموت .
– أنا الموت عندي خلاص يا شيخي، راحة قد لا أستحقها .
– إذا كنت تحب الموت فأنت من أهل الجنة، من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقائه، و الآن هات لنا قصتك .
– حسنا ً يا شيخي، حسنا ً ’ عدّل من جلسته و بدت الجدية على وجهه و كأنّه يتحضّر لأكبر اعتراف في حياته : إليك يا شيخي قصتي باختصار، إليك بطاقتي الشخصية بالتفصيل .
اسمي غياث عبد المقصود، والدتي ولدت عام النكبة، و أنا ولدّت عام النكسة، و لعل لهذه التواريخ وقع أكبر في مدينتي، درعا، لقربها من فلسطين، كان والدي مدرّسا ً للفلسفة، متعاطفا ً مع الأفكار الشيوعية التي كان لها بريقها في ذلك الوقت، كنت أنا ولده الأكبر، على رأس نصف درزن من الفتيان، فلم نرزق بأخت للأسف .
لم يحاول والدي أن يوجّهني إلى أيّ اتجاه، و كأنّ أحلامه الآيديولوجية الموؤدة قد أصابته بالإحباط، فتركنا أنا و أخوتي كلّ ينتهج خطّا ً مغايرا ًعنه، أنا الوحيد من بين إخوتي الذي لم يتلّق تعليما ً جامعيا ً، فلمّا مات والدي في عمر مبكّر اضطرّتني الحياة إلى العمل لأساند أمي في تربية إخوتي، و لكني عوضّت ذلك النقص في التعليم بالقراءة، و لتأثّري بوالدي كنت أحب الفلسفة، و أكتب الشعر و النثر ,,,
– قاطعته : حقا ً ! تكتب الشعر ؟
– نعم، و قد نشرت بعض القصائد في عدة مجلات الأدبية .
– آسف للمقاطعة، تفضل أكمل .
– بعد مجزرة حماة في الثمانينات بدأت أصبح متدينّا ً ، لعل الفضول تجاه حركة الإخوان المسلمين جعلني أقترف الخطوة الأولى نحو الفكر الإسلاميّ ، كان الشعار الذي نردده في المدرسة أيّام الثانويّة يستفزّني ( نسحق عصابة الإخوان المسلمين العميلة ) .
تركت الثانوية قبل أن أتحصّل على شهادتها، و عملت مع عمّي في تجارة الغنم .
و كلّما إزداد قمع الدولة للإسلاميين، كلّما اقتربت أكثر من التديّن ، حتى بتّ شابا ً ملتزما ً يشار إليه بالبنان، مع أن الناس في ذلك الوقت كانوا يبتعدون عمدا ً عن التديّن خوفا ً من أن تتهمهم السلطات بأنهم من الإخوان، بعضهم كان يشتم الله في الطريق، و يصلي له لوحده في البيت، كان لي صديق يشتري المشروبات الكحويلة مع أنّه لا يشرب، فقط ليسكبها على ثيابه و يتعطّر بها حين يمر ّ على إحدى النقاط الأمنية ، و لكنّي فعلت العكس تماما ً، فبدأت أحفظ القرآن، و لأكون معك صادقا ً، كانت تلك الأيام من أجمل مراحل حياتي، لا شك أن للقرآن سحرا ً, كنت أتلوه بشغف و حب، و أبكي بين الآية و الأخرى .
و استمر بيّ الحال كذلك حوالي السنتين، ثم بدأت الأسئلة تمخرني، و اضمحل اليقين الذي كنت أستمسك به، إلى أن جاءت لحظة و انفرط العقد .
أنا لم أترك الإسلام يا شيخي، بل هو الذي تركني .. لقد تمسّكت به حتى آخر نفس، ولكنّه ظلّ يتملّص منّي كالزئبق، وأخيرا ً لوّح لي بكفّه مبتعدا ً وهو يقول : ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ً كلّما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ً غيرها ليذوقوا العذاب ) .
لذت بالفلسفة، و ارتضيت بها دينا ً آخر ” دينيّ أنا “، و عبدت إلها آخر ” إلهي أنا ” ، و هذا ما لا يعرفه إلا القليل عنّي، حتى زوجتي لا تعرف ذلك يقينا ً رغم شكّها ، فلن أخاطر بتعريض نفسي لاحتمال تركها لي، فكما تعلم لا يجوز للمسلمة أن تبقى على ذمّة رجل غير مسلم، و لو كنت أظن أنّي خارج من هذا السجن لما أخبرتك أنت أيضا ً .
تزوجت عام 2005 من أخت أحد أصدقائي ” سماح ” بعد قصة حب قصيرة، ليس فيها إلا النظرات و الضحكات المتبادلة، ورزقت منها بطفلة، “هاجر” نور عيوني، آخر عهدي بها قبل أن أسجن أنها مريضة ,,,,
انحدرت دمعة يتيمة برفق على خده و هو يتذكر ابنته فقاطعته بحزن أيضا ً: عافاها الله و سلمها لك يا صديقي .
– شكرا شيخي، شكرا ً.
– هاجر ! لماذا هذا الاسم بالذات ؟
– هو اسم أمي، أو لعلها المفارقة الكبرى في حياتي يا شيخ، فابنتي كهاجر، تركها أقرب الناس إليها من أجل قضية كبرى، ابراهيم ترك زوجته هاجر في الصحراء دون ماء و لا طعام إستجابة لأمر ربه، و أنا تركت ابنتي من أجل ” الحريّة ” ، كنت أريد لهذا الصدر أن يتنفّس نسيمها للحظة واحدة .
قام فأشعل سيجارة و صار يشفط و يده ترتجف ، رفس إحدى كؤوس الشاي بقدمه اليمني فتشظت في الأعلى قرب سريره، جرحت قدمه و لكنّه لم يتأوّه و لا للحظة واحدة، كان بركانا ً صامتا ً، ينفث حممه التي تحرقه أولا ً قبل أن تحرق أيّ شيىء آخر .
قمت فربتّ على صدره قليلا ً محاولا ً اصطناع أكبر كم ّ من الحياديّة قبل أن يهدأ ذلك البركان المفاجئ، قمت و استعجلت الحارس باحضار المستلزمات، و خاصّة الشراب الذي كنّا بحاجة ماسّة له .
عدت إليه فضمّضت له جرح قدمه الصغير بعد أن عقّمته ببعض بقايا الكحول، ثمّ قلت : في الحياة مفارقات أكبر يا صديقي، قد يكون اسم ابنتك هو أقلّها .
– صمت لدقيقة ثم قال : ماذا تقصد ؟
– الحياة تلعب معنا و نلعب معها، هي تفاجئنا، و نحن أيضا ً نفاجئها، حتى يأتي الموت، بداية الحياة التي لا تعرف اللّعب .
– كان مغضبا ً و هو يقول : لا، ليس هذا قصدك، أنت تقصد شيئا ً آخر تماما ً، ماذا تقصد يا شيخ ؟ قلّ لي ؟
– جلست بتؤدة في مكاني، كأنّي أدخل قبريّ ، مسرحي الأخير على هذه الدنيا، ثمّ قلت : دخولك هنا إلى زنزانتي أشد ّ مفارقة من كل شيىء حصل لك يوما ً، أنا و أنت أقرب مما تتصور .
– ماذا تقصد يا شيخ ؟
– أكمل قصتك و سنتحدث بعدها .
– سكت قليلا ً ثم ّ قال : حسنا ً .
بشكل عام، كانت حياتي عاديّة جدا ً, من العمل إلى البيت الذي كان سكنا ً لي، و لكنّ هذا لم يمنعني من دخول السجن أكثر من مرة، بسبب كلمة هنا أوقصيدة هناك، فأنا مفطور على بغض الحاكم .
ربما لو كان عمر بن الخطاب – أيقونة العدل في شرقنا المعذّب – يحكمنا، لعارضّته، و لضربني بدرّته .
إلى أن جاء العام 2011، و بدأت شرارة الثورة الأولى في درعا، مدينتي التي لم أفارقها إلا حين اعتقلت .
كنت من أوائل الذين خرجوا في المظاهرات من الجامع العمريّ، كان بغض النظام، بغض الظلم يجري في دمي، لعله كان اليقين الوحيد الذي بقيت محافظا ًعليه و مؤمنا ً به .
– إذا حتى أنت اضطررت للذهاب إلى المسجد لتخرج بالمظاهرات ؟
نعم، حتى أنا، بل أعرف شابّا ملحدا ً كان لا يضيّع صلاة الجمعة، كان دائما ً في الصف الأول، ففي النهاية يا شيخي، لا يوجد نشيد ثوريّ أعمق من مقولة “الله أكبر” ,,, كما قال درويش يوما ً : الله أَكبرْ، هذه آياتنا، فاقرأُ، باسم الفدائيَّ الذي خَلَقَا، مِن جُرْحِهِ شَفَقا، باسم الفدائيَّ الذي يَرحَلْ، من وقتِكم.. لندائِهِ الأوِّلْ .
كانت تلك العبارة تزلزل الأرض تحت أقدام رجال مكافحة الشغب، كان أيّ رجل في الساحة مستعدّا ً للموت بمجرد أن تصرخ في وجهه “الله أكبر” ، كانت ترياقا ً للشجاعة، لا يوجد في التاريخ أطهر من ثورة كان شعارها الله أكبر ,,
جاء حارس السجن ببعض الأكياس و أخذ الأطباق الفارغة و انصرف دون أن ينبس ببنت شفة .
– بدأ كلام غياث يعجبني ، و لكنّ الواقع كان حادّ ً كحدّ الشفرة التي تجرح كل شيىء، حتى الأحلام التي تحلّق في سماء بعيدة لا تنجو منها .
شعار ” الله أكبر ” كان بحيرة صافية عكّرتها بحار من الدماء، تأملت ثوريّته التي كانت ماثلة أمامي في خيال دخان سيجارته التي أشعلها للتو من العلبة الجديدة، كأنّه يريد أن يتنقم من صدره فيصيبه بالسرطان، ذلك الصدر الذي أراد يوما ً استنشاق نسيم الحرية .
قلت له : لعلك ستندم على هذا لاحقا ً يا غياث، رائحة الجثث المتعفّنة، الضحكات المنسيّة على جدران البيوت المتهدمة، الوطن الذي صار خياما ً، الحدائق التي صارت مقابر لمن لا نذكر أسمائهم، مقابر دون شواهد، جثث دون ملامح، شعاركم الثوريّ انتفخ حتى لم يبق للحياة مكانا ً، هو الموت و التشرد، لا شيىء سواهما .
– سكتّ غياث للحظات ثم رمقني بنظرة لا تخرج إلا من جثة قد تعوّدت الموت، ثم قال : أعلم ما تقصد، و لن أندم .
– كنت متعبا ً حين أجبته : حسنا ً، منذ قليل فقط ندمت على كل شيء !!! و هذا جرح اصبعك يشهد، و لكن كما تريد، تفضل أكمل .
أكمل ماذا يا شيخي، هذه هي قصتي باختصار، فكما كنت من أوائل الخارجين في المظاهرات، كنت كذلك من أوائل من أعتقل، و منذ ذلك اليوم و أنا في السجن، و لعلّي أخبرتك بعضا ً مما قاسيته في المعتقل، و لا أظنك تغفل عمّا يحدث لمعتقل مثلي في سجون نظام مثل نظامنا .
أنا محظوظ جدا أنّي جالس بين يديك الآن أتكلم معك، فلقد رأيت الموت أمامي ألف مرة، و عرضت نفسي عليه ألف مرة أخرى، و لكنّه أبى أن ينتشلني من أوجاعي ,,, أبى أن يكتب قصة نهايتي كشهيد في محراب الثورة، الزنزانة هي قدس أقداس أيّ ثورة يا شيخي، كم تمنيّت أن أدفن بها، و أن أبعث منها، إن كان من بعث .
قاطعنا صوت الحارس بالباب و هو يناديني، فقمت إليه بتؤدة فناولني فرشاة الأسنان الجديدة، و ما أن أغلق الباب حتى انقضّ غياث عليها، تناول الفرشاة و أسرع إلى المغسلة، فرّش أسنانه بقوة، كان صوت احتكاك الفرشاة بأسنانه يضرب بقسوة على أعصابي، ثم عاد إليّ و بعض الدماء بادية على لثته العليا من شدة التفريش، فجلس في مجلسه و توجه إليّ بالقول : الآن دورك يا شيخي، فها قد استوفيت شروطك، وحان وقتك، فسمّ بالله و أخبرني بقصتك .
– حسنا ًيا غياث، أنا عند وعدي لك، لكن عندي طلب أخير .
– ماهو ؟ .
– صرت ابتسم : لا شيىء، فقط أريد أن أسمع بعضا ً من شعرك .
– ابتسم هو أيضا ً : شعري لن يعجبك يا شيخي .
– و لماذا؟
– لأنه ليس كشعركم، أنتم معشر الشيوخ تحبّون الوزن و القوالب، تحبّون القافية، التي قال عنها درويش بأنّها : ذباب على المائدة، ليس لها فائدة .
– من دون قافية و لاوزن !! أيّ شعر هذا ؟
– الشعر يا شيخي هو ترجمة بالكلمات لنبض قلوبنا، ارتفاعاتنا و انخفضاتنا النفسيّة، فلا يوجد قالب في العالم يتسع لنبض إنسان .
– حتّى النبض له قافية تنظمه يا غياث، فهو لحن من صوت و صمت .
– حسنا ً, البعض منها جميل .
– هات أيّ شيىء .
– فكّر قليلا ً ثمّ قال : ما رأيك أن أرتجل الشعر أمامك، سيكون أكثر جمالا ً و عشوائية من تلاوة محفوظاتي، العشوائية هي سر الجمال.
– جميل، تفضل .
– لا، دعني فقط أتناول كأسا ً .
فتناول كأسا ً على عجل و أشار إليّ قائلا ً وهو يحمل الكأس الفارغ : هات اسألني عن أيّ شيىء .
– استغربت قوله : عن أيّ شيىء ؟
– عن أيّ شيىء يا شيخي، فقط سمّ الأشياء .
– بتّ أهمهم : الأشياء ,,,, حسنا ً,,,مممم ,,,, ما هي ,,, ما هي الأشياء ؟
– حسنا ً يا شيخي : واضحة هي الأشياء، نحبّ تعريفها، تعريتها لنجعلها شاعرية في غموضها.
– ستعرّف الأشياء إذا ً ؟
– نعم ’ و قد أشعل سيجارة من نار الولّاعة التي كادت تلتهم شاربه .
– تأملّت النار تلك، ثمّ قلت له : عرّف ليّ النار؟
– قال : هي جريدة نقرأها في الانتظار .
النار غليان وجوه في سديم الذاكرة .
أو مساء تجمّد على تلك الخاصرة .
– سرحت في كلامه لثوان، ثمّ أردفت : وماذا عن البحر ؟
– البحر قصة طويلة .
هو أفق يحملق في الفراغ .
هو شيء نملؤه ويملؤنا .
– حسنا ً، و ماذا عن الوزن ؟
– الوزن للأرز و القمح و الكستناء .
للزعتر و الزيتون و الزيزفون
للجبال .. للغيوم ..لأي شيء .
إلّا القصيدة الغافية بين موجتين .
– والقصيدة ؟
– ريشة في مهب اللغات .
بوح المعنى بلغة اللون .
– و الإنسان ؟
– تائه ٌ يبحث عن ضوء ٍ يرسم ظلّه .
– و الشاعرية ؟
– ممممم، الشاعرية أن تنثر دماءك في الأفق .
كسرب حمام .
أن تستغرقك التفاصيل .
أو أن تكون ضعيفا ً .
في استعداد دائم لالتقاط الزكام .
– و الشاعر ؟
– الشاعر هو إنسان يتلذذ باجترار الألم .
يتحرّش به الكمال .
ولأنّ قلمه مثقوب .
لا يلدغ الشاعر من جرح عشرين ألف مرة .
ربما أكثر .
– والمطر ؟
– المطر رذاذ ماء ناعم .
توضّأ به القمر .
– و السكون ؟
– السكون !!! السكون كون ٌ خاشع ٌ في صلاته .
– والمستحيل ؟
– المستحيل أن ترسم شكلا ً صريحا ً للشوق .
– إذن و الشوق ؟
– الشوق ليس شعورا ً يا شيخي .
الشوق حالة تمارسها الجهات الأربع .
على أجسادنا .
الشوق طرقات جائعة .
لخطوات تبحث عن أقدامها .
– و الدمعة ؟
– آه يا شيخي
الدمعة وردة بيضاء تتوسد المسافة .
بين صرختين .
– والضجر ؟
– الضجر إعصار من السكون .
بحر سأم المدى و يريد الهروب .
إلى أفق ٍ ما لايعرفه .
تبادلنا الضحكات لدقائق قبل أن يسّكت غياث و يقول لي : و الآن حان دورك يا شيخي .
– أكمل يا صديقي .
– لا لن أكمل، فلقد انتهى مفعول الكأس ، فهات ما عندك
– تأوّهت و قد كنت بحاجة للبوح أيضا ً : من أين تريدني أن أبدأ ؟
– من البداية .
– البداية ؟
– نعم شيخي، تفضل .
– حسنا ً ’ أشعلت سيجارة، و بدأت الحديث .

-3-
كما قلت سابقا ً يا غياث، حتى الموت يعتبر بداية ، نحن دائما ً ما نعيش النهاية و نظنّها البداية .
هل لحظة الولادة هي البداية ؟ و ماذا عمّن مات في تلك اللحظة بالذّات ؟ فما هي البداية ؟ الله مبدأ كل شيىء يا غياث، الله هو الأول و الآخر، هو الظاهر و الباطن، أستطيع أن أبدأ قصتي بقولي ” كان الله و ليس معه شيىء ” و أستطيع ان أبدأها بقولي ” خلق الله القلم ثم قال اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة “.
من أين أبدأ يا غياث ؟ فالبدايات متعددة، و كثيرا ً ما نعجز عن تمييزها عن النهاية، و النهايات هي بدايات لقصص أخرى، فأي البدايات تبغي ؟
– أي بداية تريد يا شيخي، ليست البداية مهمة، بقدر النهاية ، لماذا أنت هنا ؟ و لماذا أنا هنا ؟ هذه هي القضية .
– أومأت برأسي و أنا أبتسم : سأحدّثك أولا ً عن قصة شاب، شاب اسمه إسحاق، قصته ستمهد لقصّتي، و البداية ستكون منذ خمسة وثلاثين عاما ً تقريبا ً .
– شيخي ,,, أرجوك تفضل .
– حسنا ً’ أطفأت السيجارة و هي في عزّ شبابها رغبة في واحدة جديدة لأستمتع بفضّ بكارتها ، قدحت نارا ً صار يتراقص نورها على وجهي، سميّت بالله و بدأت أقصّ :
في منطقة ما قرب الحدود اللبنانية، خرجت سيارة عن مسارها و طارت تتأرجح في الفضاء، كان صراخ الرجال في داخلها يؤرّق سكون الغابة الظلماء ، نظر إسحاق نظرة مودّع من النافذة قبل أن تبصق جسده النحيل، لحظات تحوّلت إلى ساعات، كعادتها، ثواني الموت حين تباغتنا، و عمّ الظلام .
خمس دقائق مرّت قبل أن تهاجم المياه وجه إسحاق الملقى بين التراب و الماء، طين لازب، عجينة جسده الفاني .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الرواية صادرة عن دار كتابنا للنشر في لبنان عام 2017م.
* أنور السباعي: كاتب سوري صدر له رواية بعنوان مجموعة شعرية بعنوان ( اغتيال امرأة الظل الأسود ) عن دار الفارابي عام 2006 حاصل على الماجستير في الإقتصاد و الدبلوم العالي في الفقه وأصول الفقه.