يونيو 15, 2019
  • يونيو 15, 2019
أكتوبر 25, 2015

فصل من “مزامير الحجر” محمّد جعفر

By 4 228 Views

..وداهمتني الرائحة حاضرة وقوية!
انقبض قلبي واحتبس تنهدي وأنا أحاول أن أجد لها مثيلا في وجداني. وكانت الرائحة رائحة وطن، وكانت ممزوجة بسنين غربة طويلة.
وجدتُ المطار الذي نزلت فيه يغرق في فوضى عارمة. ومضيت أقطع أشواطه في خطوات ثقيلة أمام حركة المسافرين المتدافعين والمتزاحمين أمام نقاط التفتيش. واستسلمت لطابور فوضوي تَزاحم فيه تجار الكابات والحقائب ورجال ضجرون من كل شيء وعجائز تزعق حتى من دون سبب وأطفال يبكون لمجرد البكاء. وتذكرت أيام الطوابير للحصول على الخبز المفقود.
لم تكن الغربة ضمن خطتي يوما، لكني فجأة وجدت نفسي أعيش في باريس التي كانت بمثابة الحل السحري أمام المشاكل التي عصفت بي على حين غرة والمعضلات التي وجدت نفسي وجها لوجه معها وكم الهمِّ الذي أصابني.
لقد كنت أعتقد طول مدة هجرتي أن ما أحرزه في بلاد المهجر ما كان ليتحقق لولا كدي وجهدي ونشاطي. وكان يمكنني أن أواصل العيش في باريس ما دامت حياتي تمضي قدما وعبارة عن وصلات من النجاح منقطع النظير.
لا، لم أكن راض يوما عن حياتي هناك. ورغم سنين غربتي الطويلة لم أنس أنني أنتمي إلى أرض غير تلك الأرض التي أخذت أعيش عليها. كما ظلت العودة هاجسي. ووجدت نفسي منشغلا بها وأفكر فيها في أكثر من مناسبة، لكني كذلك كنت وفي كل مرة أعود فأؤجل البت في أمرها معتبرا الظرف غير مناسب، ثم أنسى في خضم يومياتي ما كنت أحلم به دوما.
لقد قال لي أصدقاني في باريس إنه من الجنون والعبث الرجوع إلى بلدي. واستعجبوا كيف أقبل بمقايضة كل ما حققته على أرضهم بمنصب جاف في وطن لن يكون ما يمنحه لي أكثر من وهم أو هذا ما سيتكشف عنه حلمي ساعة الحقيقة. والحق أنه كانت لي دائما أعذاري ومبرراتي، ثم إن إغراء البقاء لذيذ، ومع ذلك عبثا رحت أقاوم فكرة العودة وأتجاهلها. لقد كانت هذه المرة أقوى مني. وإن ما وعدني به كاكي والإشارات المطمئنة التي راحت تصلني من الوطن بعد ذلك تباعا شكلت الحافز لدي، وجعلتني أحسم أمري.
لقد مللت من الهروب إلى الأمام. وأعترف أن الخيار كان صعبا لكن لا بد منه. لطالما هددتني الحياة بلا معنى، لكنني حقا وجدت نفسي أفكر في منحها أكثر من معنى وأنا أقرر العودة.

* * *
أعيش نفس المشاعر التي أملت علي الرحيل والهجرة ذات يوم، ولا شيء معي غير الوحدة وسؤال واحد يتكرر للمرة المليون وينخر الدماغ الذي أترقب انفجاره في أيِّ لحظة: “ماذا أفعل وسط هذا الفراغ الذي لا معنى له، وفي هذا العالم المغشوش؟!”..
في فرنسا قد يصنع مجدك عمل كبير تنجزه، وأما “هنا” فلا يسع لغير الفضيحة أن تجعلك في الواجهة.
بعد حادثة الصحافة المشؤومة وما انجر عنها من تداعيات خطرة اعتراني خوف كبير. خوف من الذين يسيؤون فهمي. خوف من الذين يتعمدون النيل مني. خوف من السلطات والاعتقال والتحقيق. خوف من التعذيب والاغتيال والتصفية. خوف من الأنفاس التي تحسب علي أو تلك التي سأحاسب عليها.
الجميع يتكالب ضدي وهم يُعِدونني لساحة الإعدام، كما حشدوا الحشود وشحنوا التُبع وجعلوا منهم شاهدا على المهزلة التي لن تنتهي إلا بموتي، ما دام الحقد قد صار عقيدة المسلمين. كما هناك من المثقفين الذين اعتقدت خطأ أن وظيفتهم في الحياة تحريك الساكن مثلي من يزايد علي ويعتقد أني ما عدت إلى البلاد إلا لأسلبه ما يتوهم أنه حقه. والعجيب أن تجد بينهم من يفاجئك بالقول أنه ما كان عليك أن تكون مستفزا لمشاعر المتدينين، وكأن ما كان لكلامي من غرض إلا التصادم مع أمثالهم أو النيل منهم. كما لا ينسى أن يوصيك في آخر ديباجة له أن تعمل على التنصل من موقفك وأن تعتذر ولا بد أن الأمر يبدو له بسيطا ولا ضير منه، ثم ينبهك أنه عليك أن تركن إلى الظِلِّ حتى لا تزهق روحك في غمرة الفوضى والانفلات وقد ابتليت بهما البلاد؛ كذلك يصر على أن “اللي خاف سلم”. وأما المتعاطفون فثلَّة لها صوت الموتى أو صمتهم.

* * *

“.. أُرتِقُ ما تَفتَقَ مِن جُبَّة حَاكها الله”!
لم ترد هذه الجملة في حوار أجري مع عبد القادر يوم وطأت قدماه مطار هواري بومدين أثناء عودته إلى أرض الوطن، فحينها وكما يذكر جيدا لم يجد في استقباله أحد. كذلك لم يصدر عنه هذا الكلام يوم تنصيبه مديرا للإخراج بالمسرح الجهوي لوهران، فذلك اليوم قد مرَّ باردا وباهتا وبدون تغطية من الإعلام.
ما حدث فعلا أنه وعلى هامش مهرجان مسرح الهواة بمدينة مستغانم وعلى مائدة العشاء وفي حديث عام بين الخلان والرفقاء وُلدت هذه الجملة. في عفوية وانسجام مع الذات نطق بها صاحبها وهو يعتقد أنه يعبر من خلالها على فكرته التي كان مشغولا بطرحها تماما. ولقد قام أحد الصحفيين المغمورين الحاضرين بتلقف جملة عبد القادر. ولعله رأى فيها فرصته وسبقا صحفيا. فظهرت الجملة في اليوم الموالي بخط عريض وتتوسط صفحة الثقافة لجريدة الاتحاد الحكومية كما تَوضح أن فكرة المقال لا علاقة لها بالفن وتحمل رسالة قوية ضد مسرحي تعمد التطاول على الذات الإلهية، مما أثار لاحقا زوبعة كبيرة وردودا عديدة. وانشغل عبد القادر لاحقا بترتيق كلامه الذي أسيء فهمه.
ليس غريبا أن تكون جميع الفنون على علاقة بالدين. والمسرح مثلا نشأ من الطقوس الدينية التي كانت تقام للآلهة باخوس وأعياد ديونيزوس ثم بدأ لاحقا بالانفصال عنها إلى أن تحرر منها. وإذا كان أفلاطون يرى أن المحاكاة أسلوب من أساليب القول، ثم رفضها باعتبارها استنساخا للواقع وللشكل الظاهر وليس للفكرة أو “الماهية”. وقام باستبعاد الشعراء من مدينته الفاضلة؛ فإن أرسطو قد أشار إلى أنها (المحاكاة) غريزة طبيعية عند الإنسان واعتبرها أساس كل الفنون. وهو يرى المحاكاة في شكلين: محاكاة الفعل بالفعل، ومحاكاة الفعل بالرواية عنه. ولا بد أن عبد القادر حين أدلى بتصريحه اعتقد أنه لا يبتعد كثيرا عن المفهوم الذي قال به أرسطو، والذي تمخضت عنه جلُّ نظريات الفن القديمة والحديثة على السواء. واعتقد أنه بقوله: “.. أرتق ما تفتق من جبة حاكها الله” يوجز نظرته إلى الفن، كما أن جملته تمثل أقوى استعارة ممكنة لهذه النظرة.
لقد تصور أنه يمكنه أن يقول في بلده وبين رفقائه ما اعتاد على قوله في فرنسا. ثم أنه لو ألقى بكلامه هذا في محفل في بلاد الغرب لكان اعتبر نظرية جديدة في الفن له حقوق الملكية العظيمة عليها؛ أما وقد قال ما قاله في بلد مثل الجزائر فذلك لا يعني إلا أمرا واحدا. أنه وضع نفسه في وجه المدفع الأصولي الذي يستحكم في الواقع سرا وعلانية. وأن محاكم التفتيش التي لا تهادن ستطاله وقد صار صوتها اليوم مسموعا أكثر من أي وقت مضى. ولن يلبث أن يجد الجميع ينظرون إليه نظرتهم إلى خائن وعميل ومرتد، خصوصا وأنه قادم من الجبهة الأخرى.
مجبرا وجد نفسه يفكر في وظيفته التي استلمها حديثا، كذلك راح يفكر في كل الذي خلفه وراءه هناك في باريس. وكرد فعل لم يبد مفهوما حينها وجرى تأويله لاحقا تأويلات عدة وكيفما اتفق لاذ بالعزلة.
على مضض قرر الصمت باعتباره الحل الأمثل لوضعه. واعتبر أن الظرف لا يسمح بأكثر من هذا. وحتما حدث نفسه، أن من يعيش في سجن تصادر حريته ويصير رهن محبسه وسجانه. ولا بأس بإغماض عين وفتح أخرى. وبدأ الصوت الراديكالي والمعارض والقوي يخفت في أعماله، واستبدل بصوت أخر ليس مهادنا لكنه أقل حِدَّة.

روائيّ جزائريّ
خاصّ الرواية نت

4 تعليقات
  • Brookstone coupon 4 سنوات ago

    I keep listening to the news update talk about getting free online grant applications so I have been looking around for the finest site to get one. Could you tell me please, where could i get some?

  • nume coupons 4 سنوات ago

    There is clearly a lot to know regarding this. I think about you completed selected safe points in skin texture also.

  • tinder dating site 4 سنوات ago

    This web site truly has all the information I wanted
    concerning this subject and didn’t know who to ask.

  • tinder dating site 4 سنوات ago

    Paragraph writing is also a excitement, if you be acquainted with then you can write if not it is
    complex to write.

Comments are closed