يونيو 15, 2019
  • يونيو 15, 2019
أكتوبر 24, 2015

فصل من رواية “مياه متصحّرة” حازم كمال الدين

By 15 274 Views

روحي تسعى للانفكاك عن جسدي، وأنا أمسك بتلابيبها.
أحلّق فوق نفسي تاركا أشلائي حيث يدور كلّ شيء بفوضى عارمة.
هرجٌ وحرائقُ وخضارٌ تتناثر ولحوم قصّابين تختلط بأشلاء قتلى ولصوصٌ يسرقون جرحى ورجال شرطة يتحسّبون من الاقتراب وسيارات إسعاف تدور حول نفسها وتدور.
أمرٌ عصيّ على التصديق!
كالسديم أتكثّف في حيّز مبهم.
أطوف أو أطفو في الحيّز الغامض.
لا سبيل لتحديد طبيعة ما يحدث.
شيءٌ ما يستحوذ عليّ ويلفّني على نفسي كما لو أنّني رداءٌ في غسّالة كهربائية.
ثمة ما ينفرج بغتةً فيكشف لي طبيعة الحيّز الغامض.
إنّه نفق ذو امتداد لا أرى نهاية له.
أسمع تموّجات صوتي تنجذب إليّ، تلتفّ عليّ، تكبّلني، تحيلني ماكنة هاذية.
يردّد صوتي داخل النفق بنبرة آلية وكأنّي لستُ الذي يحكي.
يتشرّبني مزيج من هسهسة ريحٍ وصرير صلصالٍ وزفير نارٍ وموج بحرٍ.
خليطٌ توحّده ذبذبات خابية الرنين.
أرى نفسي في أتون النفق يسحلني صوتي الذي يردّد:
– السفّاح.. أنا السفّاح.
أنا مرميّ في تجويف كامن في النفق.

الصديق الأبدي

أبوه بمقام حفيدي رغم أنّه من جيل أبي.
ذلك ليس غريبا في العراق، فزواجات العهد القديم لم تكن تعتمد إلاّ المقامات وبعض الأعراف.
ما أنْ طلب مقام عالٍ فتاة للزواج، على سنّة الله ورسوله، حتّى أُحضرت (محظية). وما أنْ حاضت صبيّة حتّى وأدت أسرتها (عارها) في مخدع ما، كتلك التي حطّتْ في سرير شيخ سبعيني عند بلوغها الـ 11 سنة وأنجبتْ بعد تسعة أشهر صبيّا أخا لكهل خمسيني رُزق بأوّل أحفاده يوم مولد أخيه الأصغر.
جدٌّ وليدٌ وأحفاده أقرانٌ له. هكذا شاعتْ الأعراف!
ابن حفيدي الذي كان قريني وصديقي الأعزّ قُتل في ظروف لم يؤكدها أيّ مصدر محايد. وقد قيل إنّه مات في قصف عشوائي أمريكي على سوق شعبي وقيل إنّه اُختطفَ وذُبح وقيل غير ذلك.
كان سينمائيا معروفا، ولكن في بلاد تقتات على الموت لن يستذكره النقاد ولا الصحافيون.
قبل موته بسنين، عام 2004، زارني في منتدى المسرح الواقع في شارع الرشيد بقلب بغداد وكنتُ مشغولا بالتمارين على مسرحية (ساعات الصفر):
– (جديدو)!
قال لي.
– والدي يهديك التحيات ويريد أن يأتي لزيارتك.. لقد بلغ الثمانين ويرغب في زيارة أجداده قبل أن يقضي الله أمرا كان موعودا.
بيد أنّه مات قبل والده.
لقد كان صديقي منذ نعومة الأظافر، رغم أنّه حافظ على تقاليد العائلة وظلّ يناديني (جديدو) للتصغير في كافة المناسبات، حتّى تلك التي لم تكن تسمح بذلك من مثل عراكنا وانهياله عليّ ضربا، أو اندلاع الشتائم الرخيصة بيننا لانتصاب قضيبه الصغير عند رؤية جدّة أبيه، أختي، التي تصغره بعام واحد وتطوّر الشتائم إلى خصامٍ عنيفٍ ينتهي غالبا بالتعب وإخراج مجلة بلاي بوي من الأماكن الخفية وممارسة العادة السريّة للخلاص من (معاصي القضيب).
النفق الحلزوني
شجرة الأنساب

أراني ثانية في النفق الحلزوني.
أنا قادر على الانتقال إلى كل مكان وأنا هنا.
إذا فكرتُ بشيء تجسّد أمامي للتو واللحظة.
إذا تذكرت شيئاً من الماضي وجدتُ نفسي هناك.
لا مسافات ولا عوائق تصدّني عن الانتقال ولا أزمان.
أسمع صوتي الآلي يردّد:
– السفّاح.. أنا السفّاح!
أنا لست سفّاحا، أردّ على صوتي بغضب!
لقبي العائلي هو السفّاح.
سأرى نفسي في الماضي وجها لوجه أمام قصة جدّنا الأكبر (حمد الحمود).
كل شيء يتجسّد أمامي.
سأرى ديكا صغيرا يضيع طريقه فيجد نفسه في بساتين جدّنا الأكبر.
ولأنّ الديك جائعٌ سيلتقط شقفة تمر من عذق نخلة واطئة ويقلّبها بمنقاره.
ما أن يرى جدّنا الأكبر شقفة التمر بين شقّي منقاره حتّى يطير صوابه.
ناسيا أنّ الديكة لا تأكل التمور سيزعق:
– أعدْ شقفة التمر!
وسيندفع كالمجنون صوبه لانتزاع الشقفة.
من شدة المفاجئة سيبتلع الديك الشقفة ويرفرف بجناحيه ويهرب، وسيتشيط جدّي ويجري خلفه:
– سأمسك بك! سأقبض عليك! قف! قف أيّها الديك! أيها اللص!
سيزعق ويحاول أن يلحق به، لكنّ الديك الذي كان مقاتلا هراتيا معروفا في مباريات ذلك الزمن، سيهرب برشاقة من وجه جدّنا الأكبر من تينة إلى عريشة عنب إلى ساقية إلى طريق قروي.
أمرٌ سيشعلُ غضب جدّنا ويحيل الهروب إلى مطاردة جنونية طرفاها هو وصوته الغليظ من جهة والديك المتمرّس بعمليات الكرّ والفرّ من جهة أخرى.
هكذا سيصلان ساحة القرية.
سيهرع أهالي القرية البسطاء ويتجمعون حولهما ويطلبون من جدّنا أن يثوب إلى رشده، وأن يكفّ عن سلوكه الغريب، أن يتوقف عن ملاحقة ديك القرية وفارسها في نزالات الديكة مع القرى المجاورة!
بيد أنّه سيأبى ويستكبر، ويظلّ يزأر:
– يجب أن يعيد شقفة التمر وإلاّ.. سأقطع رقبته! سأقتلته. سأذبحه!
أمّا الديك الهراتي المدرّب على فنون القتال فإنّه سيرى الناس وقد تراصّت في حلقة حوله وحول جدّي وسيسمع اندلاع الهرج ويظنّ أنّ تلك طقوس مباريات الديكة الشهيرة، فيتوسط الحلقة من جهة وجدّي من جهة أخرى، ويمسي الاثنان يدوران ويزفران.
جدّي الأكبر ينفث الزفير الساخن المبخّر من منخريه كثور مصارعة يستعد للهجوم، والديك الهراتي يصيح كأنّه يلقي خطبة سياسية أمام حشد من الأنصار.
سيقفز الديك فيصطدم جناحاه بوجه فلاح يؤُخذ على حين غرّة فيدفعه عنه ليجد نفسه طائرا على ارتفاع منخفض وكأنّه في غارة حربية صوب الجانب الآخر من الحلقة.

لن يتمكن جدّي من الإمساك به حين سيقفز ثانية كحامي هدف في مباراة كرة قدم ويسقط بين أرجل الفلاحين، ذلك أنّ ديك القرية سينحشر بين ساقي فلاح يكرّر ما فعله زميله الذي سبقه.
في لحظة مناورة تكتيكية معروفة للديكة سيلتفت الديك إلى اليمين موحيا لجدّي بأنّه يهرب، وسيفوته أنّ المعركة إنّما هي مع رجل وليست مع ديك. وفي لحظة الهجوم المباغت على جدّي سيمسك الجد برقبته النحيلة ويقعقع:
– أخرجْ الشقفة من شقّك وإلاّ سأذبحك! سأذبحك! والله العظيم أذبحك!
سيتوسل أحد الفلاحين بجدّنا الأكبر أن يترك الديك الهراتي بطل المباريات البابلية الشهيرة. لكنّ الجدّ المسكون بشيطان لن يأبه بتوسلاته.
سيفرفح الديك من يأس ويترافس من حلاوة روحه.
سيخبط بجناحيه ويحشرج بيأس، فيظنّ جدّي أنّ تلك مناورة هجومية جديدة تجلعه يشدّد قبضته على رقبة الديك النحيفة:
– أخرج الشقفة من شقّك وإلا ذبحتك. سأذبحك. والله العظيم أذبحك. بشرفي أذبحك. لا تريد؟ ستخرجها يعني ستخرجها! من فمك أو من إستك. ستخرجها يعني ستخرجها!
وبعد برهة من الزمن سيذبل الديك على مرأى من أهل القرية المصابين بالذهول من ارتكاب جريمة قتل في العلن.
لن يأبه جدّي أمام ذلك الذهول.
بالعكس.
سيضرب طوق العمى على عينيه ويدير معصمه دورة كاملة تفصل الرأس عن الجسد فيسقط بدن الديك مترافسا على الأرض حتّى يسلم الروح بعد حين.
هناك.. وسط ساحة القرية سيقف جدّي الأكبر ملطّخ اليدين بالدم وفي راحة يده رأس مقطوع.
ما أن يدرك أهل القرية معنى الرأس المقطوع فوق راحة الكفّ حتى ينهالوا بصبّ اللعنات على القاتل.
وبناءً على أعراف ذلك الزمان، سيعلنون أنّ رقابنا تحمل خطيئة دم.
ولأنّ أيادينا ملطّخة بدم الديك سيطلقون على عائلتنا لقب السفاحين الذين لا يتورعون عن إراقة الدماء.
من هناك سيظهر لقب (السفّاح) كنية للأسرة.
أنا حازم كمال الدين السفّاح.
نعم.
أنا لا أكذب!
أنا حازم كمال الدين السفّاح.
أنا الحفيد الأخير لذلك الجدّ والابن الوحيد لأبي عالم الآثار سعدون بن عبد الحميد سليل فحل النخيل والد البغل من جدّ جدّه عبد الهادي المتزوج من عشرين امرأة وأربعة أشجار حمضية وسبعة أسماك نهرية، وهو ابن عم جد حفيد أخت أبي جدّي من ناحية الأم عبد الجبار المقترن من حفيدة عاصم الحمود البالغة من العمر 11 عاماً!!
هذا ليس بالأمر الغريب في العوائل العريقة.
أم تراني أهذي؟
وماذا حدث لبقية العائلة؟
لا أدري!

إنّني لستُ سوى أشلاء سينمائي مترامية ستعلوها كثبان النسيان ولن يقول أحد إنّي كنتُ من أشجع من وقف بوجه الطاغية. ذلك أنّي حين جابهته لم أكن منتميا لحزب يأخذ على عاتقه، ولمصلحته، تسطير مأثرتي!
هل تراني أكذب أم أستبق الأحداث؟ هل أعاني من عقدة الرقيب الذي زيّف فيلمي أيام الطاغية وعاد فاحتل موقع الرقيب مجددا في الزمن الأمريكي؟
هل أعاني من الإحساس بالعار؟
اسم فيلمي الذي زوّروه (مياه متصحّرة).
أنا حازم كمال الدين.
هل قتلتُ نتيجة ما قيل إنّه قصف عشوائي أمريكي على سوق خضار شعبي في بغداد، أم ما قيل إنّه اختطاف مجموعة قطعتْ رأسي؟
لا أعرف الحقيقة بالضبط.
فمنذ أن رأيتُ السماء يحمرّ لونها في منتصف النهار وأنا أحلّق فوق سوق الخضار الشعبي.. أقصد منذ أن حزّ عنقي سكينٌ والتمع دمي على صفحته كما ينتثر لون فوق قماش لوحة زيتية وأنا أطوف في سماء مقفلة رانيا إلى أشلائي.
أنا مرتبك!
منذ أن حدث ما حدث وأنا أراقب روحي عائمة خارج بدني بين رجال إسعاف يحاولون الوصول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القصف، ثم أراقب نفسي ترتقي سماء غرفة الذبح يمتصها النفق الحلزوني المظلم فتنزلق فيه بسرعة لا توصف.
روحي تتقلّب في أرجاء النفق وتصطدم بتجاويف تمسك بتلابيبها فتحكم القبضة عليها ثم تلفظها وتعود فتبتلعها وتلفظها ثم تحكم القبضة عليها ثم تطلق سراحها وتسجنها وتطلق سراحها، وفي كلّ تجويف تجد روحي نفسها إزاء حكاية تعود للماضي أو للحاضر أو للمستقبل، وكلما انتزعها النفق الحلزوني من تجويف يحلّ الدجى وزفير الرياح.
أظنّ أنّي أغادر الحياة.
ثمة تجويف من العدم يغيّبني في أحشائه ثم يضعني في حكاية تحدث لي في المستقبل رغم أنّني أعرف أنّها حدثت في الماضي!
في أحد تجاويف الحيّز الحلزوني
محكوم بالعزلة

لن يفلح أبي في دفني. لا في النجف، مثوى أجداده، ولا في بابل التي ولد فيها أقسم أنّه لن يدخلها:
– إلى يوم الدين!
وبسبب استعصاء تحقيق أمنيته سأنقسم إلى أجزاء تشبه الأشلاء التي لملموها من سوق الخضار.. أقصد من مزبلة شارع المغرب المحاذية لمنطقة الأعظمية.
الأجزاء التي سأنقسم إليها ستتجسّد بطريقة مادية وبطريقة رمزية. بل وبطريقة مجازيّة أو خياليّة!
سيخضع الجزء المجازي لطقس عزاء الفاتحة في مدينة بابل، في حي الجامعين، في زقاق (عگد گمره)، في بيت جدّي الثاني الذي كان يصغرني بكثير! وستكون مسالك الجزء الخيالي تصنيفات أبي الآثارية التي تموضعني في حكايا العصور القديمة.
أما الأجزاء المادية فستجد نفسها إزاء طقسين أحدهما في مدينة النجف والآخر في منطقة الأعظمية. في النجف شعائر دفن شيعيّة تنطلق من دكان صانع التوابيت وتمرّ بدكة تغسيل الموتى فصلاة الجامع فمقبرة وادي السلام، وفي الأعظمية طقوس دفن سنيّة في المدينة التي قضيتُ فيها معظم حياتي.
بالمقارنة مع مقبرة النجف التي تفوق حجم مدينة مأهولة ستكون مقبرة الأعظميّة صغيرة منزوية في باحة مسجد تلمّ قبورا قليلة، يتولى فيها عدد من الأطفال تنظيف الشواهد بشكل دوري.
أبو عمر، الذي شيّد المقبرة قبل عقد وظنّ أنّه مالك لها، وما زال يعامل القبور كصديق حميم، سيقول:
– الموتى محكومون بالعزلة.
وفي كل جمعة، سيتجمع في المقبرة بعض سكان الأعظميّة ليرووا وقائع الموتى. وقائع تتطوّر أسبوعا بعد آخر. وعبر تراكم أيام الجمعة يتطوّر القص الشفاهي وتقترب الوقائع من صيغ الأساطير. فتلك هي عادة أهل البلاد. يكرهون الإنسان حتّى مماته. فإذا ما غادر أرض الفناء استعادته ذاكرتهم في هيئة أسطورة تهدف التفوق على واقع أيامهم والسمو على خرائبهم التي لا يمرّ عليها الإعمار مهما تبدّلتْ الأقدار.
أسطورةٌ تولد ويشتدّ عودها وتتوهج ويتم التغنّي بها بينما رفاة الميت موضوع الأسطورة تغوص أعمق فأعمق في التفسّخ والتفتّت والموت.
سيقول أبو عمر إنّ لكل ميت قصته الفريدة، مشيرا إلى شاهدة قبري:
– هذا مثلا!
وسيجوس بيده شاهدة القبر:
– رجل من بابل وافته المنية على إثر معركة ضروس مع عقرب طوله 12 متراً وعرضه ثلاثة أمتار.
وبعد صمت وقور سيضيف:
– عندما نبشنا قبره فجرا لكي نقصّ قطعة من الكفن ونأخذ جزءا من أشلائه ونسلّمها لجدّه الثالث من ناحية أمّه الشيخ هجول التكريتي الذي قرّر إيصالها بنفسه إلى النجف، وجدنا وجه المرحوم حازم كمال الدين مازال حنطيّا والدماء تسري دافئة في عروقه، وكادت آذاننا أن تسمع صوته ينادينا لولا أن غطّت على ذلك صرخات جدّه المفجوعة وهو يرى وجه حفيده نورانيا مبتسما وكأنّ الملائكة تزفّه إلى النعيم.
ثم سيختم أبو عمر الأسطورة بأنّه استلم من جدّي الثالث من ناحية أمّي الشيخ هجول التكريتي مبلغ 800 دولارٍ مقابل تسليمه لكفّي اليسرى التي تنقصها السبابة وقطعة من كفني التي جزّها بمقص مطهّر يجعلها صالحة للذهاب إلى النجف والاستقرار في (مقبرة وادي السلام) مثوىً أخيرا لي.

في النفق الحلزوني..

أنقذفُ فجأة خارج التجويف الذي يخبرني عن الماضي بصيغة المستقبل فأجدني في النفق.
في أتون سرعته العصية على الإدراك وفي أوار التراطم في أرجائه أتكربح في زاوية ما.
ينبني حولي جدارٌ سديميٌ معفّرٌ بالبثور.
ذكريات تعشعش في تفاصيل البثور.
ذكريات تمتصّني وكأنّها اسفنجة وكأنّني ماء.
أشعر ثانية أنّ كل ما سيجري هنا يتموضع في المستقبل.. بما في ذلك أحداث الماضي!
لماذا؟

في تجويف ثان داخل النفق..
جماعة ناجين السينمائية!

سأرى أمي وأبي في الزاوية المسوّرة بالجدار السديمي ذي البثور!
أراهما يخلقان معضلة اسمها تحديد مكان دفني.
أمي تدير ظهرها لأبي رغم أن الاثنين يحومان حول جثماني المسجّى في صالون بيتي. فأبي يرفض أن أدفن في مقبرة الأعظميّة (السنيّة)، بينما أمّي وأصدقائي (جماعة ناجين السينمائية) يحاولون إقناعه بأنّ ذلك المثوى هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أوارى فيه الثرى نظرا للظرف الأمني التعيس. بيد أنّ والدي يصرّ على أن أرقد في مقبرة وادي السلام (الشيعية) في مدينة النجف إلى جانب أجداده رغم أنف الأساطير المنتشرة عن خطورة المسالك إلى عالم جنوب العراق، وبخاصة أهوال البشر العقارب و(الطنطل) الشهير الذي يسأل كل عابر سبيل عن هويته وأصله وفصله، فإنْ شمّ فيه رائحة شيعية قطع رأسه وأحال الباقي سمادا للنخيل:
– يا عم سعدون!
سيخاطب عبود العكايشي صديقي ومجايلي في مقعد الدراسة الذي ظلّ يلتقيني حتّى يوم مقتلي. وإذ يلتفتُ إليه أبي بعد لأيٍ سيقول:
– أرجو أن تفكّر بنصيحتي! فالطريق إلى النجف مهول! إنّه مثلث الموت!
ولمّا يرى أنّ أبي أعطاه الأذن الطرشاء سيخاطبه مرة أخرى:
– تصوّر. لقد سلكناه مؤخرا برفقة جنازة بعد أن زوّرنا لأنفسنا بطاقات أحوال مدنية سنيّة وشيعية. صدقني يا عم!… ما أن انطلق الباص من مرآب الكرخ إلى مدينة الكاظمية حتّى أدار السائق موجة المذياع على محطة تبثّ تلاوات القرآن باعتباره حلاً تقبله كافة الطوائف المتحاربة، ومن بوابة الكاظمية حتّى نهاية مدينة الدورة وضع مساعد السائق كاسيت المقاومة الإسلامية، ومن منطقة أبو دشير إلى قضاء الحصوة هيمنتْ أغاني تمجّد صدام حسين. وفي المسافة الواقعة بين قضاء الحصوة وقضاء الاسكندرية حلّ صمت حائر أعقبته تعاليم من السائق أن نكرّر كلمة (عجل يابا) بمناسبة وبلا مناسبة. وعجل يابا كما تعرف هي المفردة التي مازال يستخدمها أزلام النظام السابق عند حواجز التفتيش. وبعد اجتيازنا منطقة (جرف الصخر) تلقينا منه تعليمات جديدة تنصحنا بالكلام بلسان كربلائي فصيح وإبدال كلمة (لعد) البغدادية بـ (چا) الكربلائية، ومصطلح رض (رضي الله عنه) السنيّ إلى ع (عليه السلام) الشيعي لنقي أنفسنا الذبح على إحدى الطريقتين الإسلاميتين.. ومع ذلك أوقف الباص الذي نستقله ملثمون في مثلث الموت ودققوا في هوياتنا، وحينما تمعّنوا بهوية الميت اكتشفوا أنّ اسمه (عبد علي)! فأنزلوا تابوته من سقف الباص بالركلات وأعقاب البنادق، وذبحوا جثته بعد أن دحرجوها خارج التابوت وصادروا رأسها واستحوذوا على غطاء التابوت وأجبرونا أن نعيد تثبيت التابوت على سقف الباص حاسرا لكي يمرّ على بقية الحواجز والمدن عبرة لمن اعتبر.. لقد فعلوا ذلك يا عم سعدون لأنّنا أخطأنا وفاتنا أن نشتري للمرحوم (عبد علي) بطاقة أحوال مدنية مزوّرة سنيّة.

بيد أنّ مساعي عبود العكايشي لإقناع أبي الحرون لن تدفعه إلا للاعتصام بحبل بيتي غير آبهٍ بجحيم أيام الصيف اللاهب الخالي من التبريد والكهرباء التي ستعمل فعلها بي حتّى يتساقط الدود من أنفي.
وبعد أن تطغى رائحتي على كل شيء في البيت وتستحيل أشلاء جثماني المضرجة بالدود كابوسا، وبعد أن تجد أمّي نفسها وحيدة إلى جانب أبٍ عازف عن اتخاذ تدبير يليق بالمأساة ستقرر أن تنتزع زمام المبادرة منه وتشرع بنفسها في ترتيب مراسيم الوداع الأخير.
ستتصل تلفونيا بأصدقائي السينمائيين (جماعة ناجين) الذين سيأتون ويقومون بما ينبغي لتحرير البيت من أشلائي المتحلّلة. وسأراها تذهب معهم إلى المقبرة رغم أنّ الأعراف تحظر على الأنثى، كائنا من كانت، المشاركة في جنازة الذكر أو تغسيله أو الصلاة عليه أو دفنه. فالنساء، إذا ما مات عزيز عليهنّ، لا يذهبن إلى المقبرة إلا بعد عبور اليوم الأربعين بحسب المعتقدات. ذلك أنّ الميت بعد أربعين يوما يكون قد غادر الدنيا إلى ملكوت السماء ولن يتألم إذا زارت قبره امرأة.
قبل إخراجي من البيت ستفكّر (جماعة ناجين) بطريقة تنهي عناد أبي وأخرى تسمح لأمي بالالتفاف على الأعراف والمعتقدات. سيقلعون مقبض باب دورة المياه وعندما يدخله أبي سيستعصي عليه الخروج. وسيضعون على رأس أمي كوفيّة وعباءة رجالية ونظارات داكنة. سيلصقون فوق شفتيها شاربين يحيطوهما بلحية رمادية وقبل أن يخرجوني بعجالة وصمت مطبق من البيت سيكرعون كميات خرافية من الخمور لكي يتمكنوا من السيطرة على ارتجافات الرعب إذا ما اشتبه بالموكب حاجز (جهادي) وهم برفقة جثة شيعية يُراد لها أن تُدفن في مقبرة أبي حنيفة النعمان السنيّة.
حين يجدون أنفسهم في باحة تتوسطها دكّة غسل الموتى ويرون الدفانين المختصين بالتغسيل والسدر والكافور يفتحون كفني ويرصفون أشلاء جسدي فوق الدكّة سيشرعون أيضا بتغسيل الأشلاء. سيهيلون ماءً قراحا وسدرا. سيحلقون شعر رأسي المنفصل عن رقبتي، وسيفرّشون ما تبقى من أسناني وسيحاكون ما يفعل الدفانون بطريقة مثيرة للضحك. بل وسينبرون وهم مخمورون بتلاوة آيات قرآنية:
– بسم الله الرحمن الرحيم. قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وذلك أمر سيشجّعني أن أحدثهم لأقول إنّ الأمر كله لا يعدو أن يكون كذبة بلهاء وأطلب منهم العودة إلى بيتي لإخراج أبي من دورة المياه المقفلة، لكنهم لن يسمعوني. بل سيمتثلون لتعاليم أسطة الدفانين فيجمعون أشلاء جسدي بالتسلسل الذي سيحدده لهم: لحم الصدر والأضلاع. الرئتان والقلب داخلهما. الحجاب الحاجز في مكانه. المعدة والكبد ثم الأمعاء داخل البطن. الذراعان إلى جانب الكتفين. الساقان والقدمان.
سيتقيأ عبود العكايشي إذ يرى أحشائي المتفسخة وسيسحبه بعضهم إلى الخارج ويضعني آخرون في كفن نظيف ثم يسجّون أشلائي داخل التابوت. سيحملوني إلى المقبرة هاتفين (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) التي لن تتوقف حتّى بعد أن تُرمى أشلائي المكفّنة داخل اللحد المحفور، وحتى بعد أن يكشف حفار القبور عن وجهي، وبعد أن يهوّم على المكان وجوم (أبو عمر) الذي سيقرفص على رأس قبري ويهمس ملقّنا:
– أتسمعني يا حازم بن بتول ابنة ساهرة التكريتي؟
سيثير انتباهي أنّ (أبو عمر) لا يذكر اسم أبي وسأرى أمّي وقد هوّم عليها الصمت وأغرق التأمل أوصالها وهي ترنو إلى وجهي الذي انحسر عنه الكفن.
أما (جماعة ناجين) المعتعتين من السكر فإنّهم سيشبّون إلى عنان السماء قافزين عند فوهة قبري يرافقهم العويل وتكبيرات (لا إله إلاّ الله) بينما تشدّهم إلى الأرض أحذيتهم المكفهرة التي سيصيبها مسٌّ وهي ترجم الأرض حتّى يخون التوازن عبود العكايشي فتلتوي قدمه ويسقط على الأرض غارقا بالعجاج الذي تسبّبتْ به فوضى الأحذية متراطما بالباقين حتّى تبدو الحالة للناظر من بعيد وكأنّها حفلة تعذيب يخوضها جلادون ضدّ معتقل أعزل.
وحين لن يأبه أحد منهم لغرق أمي بالصمت ولا لوجوم (أبو عمر) ولا لإشعاع وجهي داخل اللحد سأنادي عليهم أن يكفوا وأن يعلموا أني مازلت حيّا بينهم، رغم أنّي واثق أنّ ترنّحهم السكران وعويلهم وتساقطهم فوق بعضهم البعض أمورٌ ستمنعهم من أن يسمعوني.
سأسربل نفسي عندها بالصمت كأمي وأتوغّل مع (أبو عمر) بتراتيل كلمات ستصيبهم رويدا رويدا بالخرس:
– يا حازم بن بتول ابنة ساهرة التكريتي!! سيأتيك من ملكوت الله ملكان صالحان ويسألانك من هو ربّك وما هو دينك ومن هو نبيك وما هو كتابك. فقل لهما إنّ ربي الله، وإنّ محمدا نبيّي، وإنّ الإسلام ديني، وإنّ الكعبة قبلتي، والقرآن كتابي! يا عبد الله بن بتول ابنة ساهرة التكريتي..
وسأقاطعه:
– أنا حازم بن بتول وسعدون! ابن سعدون وبتول!
ولكنه لن يسمعني:
– يا عبد الله بن بتول ابنة ساهرة التكريتي اسمعني جيدا فعسى أن تكون من الموعودين بالجنة. قل إن الله ربّي! وإنّ محمدا نبيّي!
وستفلت هذه المرة من شفتي والدتي ثلاث كلمات عفوية:
– وإنّ عليّا إمامي!! وإنّ عليّا إمامي!!
بيد أنّ عبود العكايشي الممرّغ بالتراب والأحذية سيقفز من الأرض ليكمّم فمها حتّى لا ينتبه أبو عمر إلى أنّ الرجل البالغ النحافة ذا العيونات الغامقة هو امرأة وليس والدي كما سبق وأن قدمته المجموعة الثملة.
***
سأبقى معلّقا إلى وجه أمّي متذكرا أنّها كانت تردد (وإنّ عليّا إمامي!). فأنا لم أسمعها تقول أبدا إنّ عليّا إمامها ولا أبا بكر أو عمر خليفتها، ولم أرها تفرّق بين شيعي وسني رغم انحدارها من عائلة سنيّة تكريتية حطّتْ الرحال في بغداد قبل ستين عاماً.
سأرى أمّي التي لا تعرف الصلاة ولا تعترف بوجود خالق لأسباب (شيوعية) تعجبُ من نفسها وهي تسمع صوتها ينطق بشكل لا إرادي:
– وإنّ عليّا إمامي!
وسألاحظ أيضا أنّ صوتها يتخشّن أثناء الكلام انسجاما مع الدور الذي فرضه عليها أبي وأجادتْ إخراجه (جماعة ناجين السينمائية).
لم تكن أمّي تؤمن بالمذهب السني ولم يكن أبي يؤمن بالتشيّع رغم أنّ أصله من مدينة النجف وينحدر من نسل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، ذلك أنّه انغمر بالأفكار العلمانية منذ أن ترك بيت جدّي احتجاجا على فضيحة أسريّة مدوّية.
بعد أن يهيلوا عليّ التراب سأراهم يذهبون دون أن يلتفتوا إلى قبري تجنبا لما يشاع بأنهم قد يسمعوني أناديهم. الوحيد الذي سيبقى إلى جانب قبري هو أمي المموّهة بزيّ رجل.
سأتمعّن فيها جيدا!
إنّ هيئتها الذكورية التنكرية لا تشبه أبي إلا بمقدار ما يشبه أسد بابل نصب الحريّة الأمريكي، كما إنّها لا تشبه أمّي بقدر ما تشبه تلك المرأة المزمومة الشفاه التي سبق وأن علقت في فؤادها صورة مبهمة إذ كانت في صالون بيتي وحامتْ حول جسدي الآخذ بالتفسخ. أعني صورة استخارة الله من الميت والأحياء. تلك الصورة الغريبة المؤلفة من كلمات تكبير لمرات أربع خالية من السجود أو الركوع، ومن أدعية عن حيرة المرء، واستجداء استشارة، ودعاء مدبّجٍ داخل القلب إلى الله، وركعتين، ونوم مباغت أثناء السجود، وصحوة محمولة على صوت إلهي يوجّهها إلى السبيل:
– تلفّعي بأردية الرجال يا بتول واذهبي لكي تدفني ابنك حازم.

في النفق الحلزوني

ينفجر جدار التجويف كأنّ قذيفة هرسته فاستحال أنقاضا أضاعت القصة التي مرّت بي وأمي وجماعة ناجين ولم أعد أنا نفسي سوى نثارٍ ممزقٍ في النفق على الرغم من أنّي (يا للعجب!) موحّد داخل نفسي:
– أنا حازم كمال الدين السفّاح!
أصيح في النفق فلا يتغلغل الصوت إلا إلى أجزائي كصمغ يشدّ الأجزاء إلى بعضها البعض!
أسمع كلابا بوليسية ملجومة الأفواه ترغي داخل النفق الحلزوني؟
أسمع رجع صداها؟
أسود تمور؟
هدهدة؟
ميكروفونات؟
– أنا حازم كمال الدين السفّاح. أنا ابن سعدون بن عبد الحميد سليل فحل النخيل والد البغل من جدّ جدّه عبد الهادي المتزوج من عشرين امرأة وأربعة أشجار حمضية وسبعة أسماك نهرية.
ألم أقل إنّ هذا الأمر ليس غريبا على الأسر العريقة؟
هل قلتُ إنّ حمد الحمود السفّاح هو جدّي؟
هل قلتُ إنّه التقى الثور المجنّح؟
أفكاري تتفكك، يستعصي عليّ تركيبها بسبب تناثر أجزائي الموحّدة.
تجويف جديد يولد من زبد النفق الداكن فيمتصني ويرميني في لجّة زغابات اسفنجية أشدّ بياضا من الحليب!

تجويف ثالث في النفق..
الثور المجنّح

تمتلك عائلة ابن حفيدي الذي كان صديقي الأعزّ تواريخ شفاهية سريّة. طقوس باطنية تتناقل في محافل العائلة عبر الأجيال. تواريخُ أبطالها أجداد وأحفاد. واقعاتٌ، مقدّسةٌ، حافظت لأجيال وأجيال على تماسك العائلة بوجه العالم الخارجي. لكنّ تلك الحكايات التاريخية تسرّبت عبر الزمن إلى الأحياء الشعبية في مدينة بابل وأصبحت، رغم سرّيتها المفترضة، أساطير مفتوحة على الإضافات والحذوفات والتحويرات.
الثور المجنّح واحدة من تلك الواقعات السريّة. وهي واقعة رهيبةٌ أيام جدّنا الأكبر الذي تقول عنه أساطير العائلة بإنه أحد أحفاد النبي سليمان دون أن يسأل أحد كيف يستقيم لعائلتنا أن تكون شجرتها ممتدة إلى علي بن أبي طالب المكيّ وإلى النبي سليمان صاحب الخاتم في الوقت ذاته!
جرت الواقعة كالتالي:
ثور مجنّح كان يطوف حول البساتين ويضرم النيران فيها. أشعل النار في بساتين مدينة (ذي الكفل) الواقعة بين بابل والنجف وأحالها إلى بحيرات تتغذّى ألسنة نيرانها من نفثات الكائن السماوي المجنّح. كل ريشة في جناحه كانت توازي بركان جبل.
وبعد أن كاد الثور المجنّح يلتهم كافة المزارع ويتركها سبخة متفحمة استجار أهل بابل بجدّنا الأكبر الذي لم يخيّب النداء. فلاحق الثور المجنّح من بستان إلى آخر، ومن قرية إلى ثانية، ومن هضبة إلى جبل، فهبط وديانا، وعبر أنهارا، حتّى وصلا جنائن بابل المعلّقة الشهيرة فقرّر الثور أن يختبِئ فيها متربصا بالجد.
وإذ كان جدّنا الأكبر يحوم بحثاً عن الثور المجنّح المختفي في أحد أخاديد البساتين أفلتت من جناحه خفقة فتطاير ريش من نار ضرب جزءا من أشجار الجنائن العملاقة وأحالها طوفانا من اللهيب لم يخمد إلاّ بعد أن استحالت الأشجار جمرا فرمادا ثمّ جرحا غائرا في خاصرة الجنائن.
في أعماق ذلك الجرح تكثّفت أرواح جدّنا السبعة ونصبتْ كمينا للثور المجنّح الذي خرج من الأخدود وتقدم صوب الحرائق. وكمثل من قال كن فيكون اندلع جدّنا الأكبر من رماد الأشجار متنكّبا فأسا محفوظا من زمن الأوّلين. وفي لحظة خاطفة، وكالمجاهدين الأشاوس، بتر لسان الثور الناري ثم كسر له ضلعا أيسرَ وقعقع وزأر مجلجلا:
– اترك البساتين وإلاّ سأذبحك. اتركها كما كانت أيها الثور المجنّح وإلا زلزلتُ بك الأرض زلزالا. سأقتلك. بشرفي سأقتلك!
فسخر الثور المجنّح من جدّنا الأكبر إذ سمع عبارة (بشرفي سأقتلك!) وانقض عليه. فكان ما كان.. انقلبت بقية الجنائن المعلقة واندلقت كهوفها إلى الأعلى واندفن رأسها في الأخاديد، وساحت أمعاؤها كحمم البراكين فبان في أعماقها ظلام حليبيّ حالك التفّ حول جدّنا الأكبر فاختفى بمثل سرعة ما ظهر.
ارتفع عويل النسوة إلى عنان السماء إذ شاهدن جدّنا الأكبر يختفي وطافت تراتيل الفلاحين على السهول والوديان، ونبتت مراثي استشهاده في الفلوات.
ولكن.. على حين غرّة فتح الظلام الحليبيّ اللون ثغره كالشرنقة ففاح دخان أزرق كجناح الفراشات وتغلغل في كلّ فجّ عميق، والتحم بسديم قرمزي، وانبرت من ثنايا الدخان الأزرق صرخات مجلجلة شقّت الكون شقّا:
– سأقتلك.. سأقتلك. بشرفي سأقتلك. أيها الثور المجنّح سأقتلك.
وانبعثتْ هيئةٌ عجيبةٌ للجد الأكبر من أعماق الصرخات ومن ثنايا الظلام ومن أخاديد الأرض ففرّ الثور المجنّح مذعورا إلى قلب السديم، بيد أن جدّنا لاحقه من جبل إلى وادٍ ومن سَهْبٍ إلى سهل حتّى أدركا قلب بابل، فدار الثور المجنّح ودار حتى غشي الأرض سحابٌ كالدخان، ودار الجدّ الأكبر كذلك ودار، وانبعث من الثور خوار كمثل الأعاصير فجلجل الجدّ الأكبر:
– اترك البساتين وإلا سأقتلك.. سأقتلك. سأقتلك.
تجمّع أهل بابل فوق أسطح المنازل وراحوا يراقبون المتصارعين، فدبك جدّنا وأنشد كما يفعل المجاهدون هذه الأيام وقفز أسد بابل من منصته ووقف إلى جانب جدّنا الأكبر وطفق يزأر. ارتمى جدّنا على التراب فزلزلت الأرض زلزالها وهبّ حسام الأولين من أوصالها، فجزّ عنق السحاب ليكشف للناس إذ تبدّد عن الثور المجنّح وقد أمسى رأسا دونما جسد.
وبينما كان الرأس يحتضر فوق راحة جدّنا، ركعت شفتاه وراحتا تقبّلان راحة كفه الملطخة بالدم بينما ظهر جناحاه الكونيّان من قلب السديم يرفرفان ويتعثران ويذبلان بعد هنيهة على أرض ساحة القرية تاركين جذع الثور يترنح أولا ثم يتكربح ويهمد عند قدمي الجد الأكبر! فبارك أهل بابل جدّنا هاتفين:
– أنت البطل، أنت الأوحد. لقد سفحتَ دم الثور المجنّح الرهيب. أنت السفّاح.. أنت السفّاح..

وبعد أن توقف الثور المجنّح عن الترافس نهائيا أنزل جدّنا الأكبر على أهل بابل تعاليم السلخ والتعليق والتمزيق:
– اقطع جناحي الذبيح وادفن ريشهما سمادا للجنائن المعلقة، افرش بسطا وضع عليها جثمانه، قطّع ساقيه من الركبة ويديه من المرفق، اسلخ جلده من الساق. لا تترك لحما عالقا على جلده. لا تخزق الجلد. احشر نصلا حادّا بين الجلد واللحم ثم اسحب الجلد حتّى تصل الورك، لا تُدخل رأسك في شرجه، اترك إسته واذهب إلى المرفق، اسلخه من هناك حتّى تصل الصدر، اترك الصدر واشلخ وركه بالقرب من الفقرات العجزية، اربط الذبيح بالحبال، علّقه من ساقيه واسلخه من البطن حتّى الصدر والكتفين.
وبتنظيم فائق الدقة ظلّت التعاليم تترى على أهل بابل الغارقين بتقطيع الثور المجنّح أشلاءً أشلاءً:
– شقّ القفص الصدري نصفين من العمود الفقري. افتح البطن. استأصل الرئتين والفؤاد والمعدة والكبد. انتزع الأمعاء. اقطع الذراعين عن المفاصل. افصل الكتفين عن الصدر..
وبعد انتهاء السلخ والتقطيع ترك جدّنا الأكبر كل شيء لأهل بابل ماعدا جلد الثور المجنّح. فقد صنع منه بردةً وسرج بعير وضرب منه خيمة أمام معبد بابل.

خاص الرواية نت
الرواية صادرة عن دار فضاءات بعمان 2015م

Next Post

فصل من “مزامير الحجر”

أكتوبر 25, 2015 4
15 تعليق
  • baby gap sale 4 سنوات ago

    Excellent website. A lot of helpful info here. I am sending it to a few buddies ans additionally sharing in delicious. And certainly, thanks in your effort!

  • vielen Dank für den Hinweis, ich werde das morgen einmal testen wenn ich wieder Internet am Rechner habe

  • tinder dating site 4 سنوات ago

    It is in point of fact a nice and useful piece of info.
    I’m satisfied that you shared this helpful info with us.
    Please keep us up to date like this. Thanks for sharing.

  • … [Trackback]

    […] Find More here|Find More|Read More Infos here|Here you can find 68767 additional Infos|Infos on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • jocuri friv 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Informations here|There you will find 64182 more Informations|Infos on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • … [Trackback]

    […] Read More here|Read More|Find More Informations here|There you can find 53835 additional Informations|Informations on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • … [Trackback]

    […] Find More here|Find More|Read More Infos here|There you can find 82136 more Infos|Infos on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • uodiyala 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Informations here|There you will find 55174 more Informations|Infos on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • PK Pharmacokinetics 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Informations here|Here you will find 84745 additional Informations|Informations on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • iraqi 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Find More Infos here|Here you will find 74388 additional Infos|Infos on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • house for sale 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Infos here|Here you can find 32000 additional Infos|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • http://guaranteedppc.com 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Infos here|Here you will find 21427 more Infos|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • … [Trackback]

    […] Read More on|Read More|Read More Informations here|There you will find 10018 additional Informations|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • 网站 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More here|Find More|Find More Informations here|Here you can find 37850 additional Informations|Informations to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

  • 검증사이트 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More on|Read More|Read More Infos here|Here you can find 94870 more Infos|Informations on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-مياه-متصحّرة/ […]

Comments are closed