الرئيسية / فصول روائية / فصل من رواية “منبوذ الجبل” عبدالله ناجي

فصل من رواية “منبوذ الجبل” عبدالله ناجي

وفي اليوم السابع تكامل عالمي واتخذت طريقي إلى العزلة, وكانت تلك الليلة هي الليلة التي عثرت فيها على رائحتي, وكنت قد التقطت خيط الرائحة وأنا ألتقي بأول سطر في كتاب منطق الطير, إذ افتتح فريد الدين العطار منظومته قائلًا:
“حمدًا لله الطهور, خالق الروح, واهب حفنة التراب الإيمان والروح, هو الذي شيّد عرشه في السماء, ونشر أعمار الخلق في مهب الرياح”.
بدأت أشعر أن روحي في خفة ريشة طائر, ثم شعرت بها ترتفع تاركة جسدي ملقى في مكانه على الأرض, وحين انفصلت عنه تمامًا, بدأت أتعرف على جسدي وأتفحص ملامحه, وألتقط خيط رائحته, وفي الانفصال عن الأشياء تبدأ معرفتنا الحقيقية بها.
إن روحي الآن في علو مناسب لتبدأ رحلتها الطويلة, تلك التي سيكون مرشدها الهدهد, مجتازًا بي الوديان السبعة, ومفتتحًا معراجي “بالطلب” ثم بنشيد “العشق” منتقلًا إلى مناجاة “المعرفة”, “فالاستغناء”, حيث يكون “التوحيد” مشدودًا بخيوط “الحيرة”, وداعيًا إلى وادي “الفقر والفناء”. وفي آخر واد من الوديان السبعة كان الوجود كله داخل حجرتي, ولا وجود لشيء في الخارج, فالحياة كلها في الداخل, هنا اجتمعت الأصوات والألوان والأشكال, وهنا امتزج الجزء بالجزء, ولم يعد هنالك وجود لغير الكل, فالكل فناء في الكل.
وبعد ثلاثة أيام من بداية الرحلة أدركت نهايتها, مرددًا مع العطار “يا خالقي المنعم, ويا سلطاني المبدع المكرم, إن مروءة خلق العالم ماهي إلا قطرات من بحر فضلك. أنت قائم مطلق, ولكن بالذات, ومن المروءة أنك لا تأتي في الصفات, فاصفح عن وقاحتنا وجسارتنا, ولا تورد دنسنا أمام أعيننا..”
كنت في غاية الإعياء, ولكن روحي كانت في غاية الصفاء, ففي هذه العتمة كنت أشاهد حياتي بوضوح أكبر, مرددًا في ذاتي بأن “أعمار الخلق في مهب الرياح” ولن يكون عمري مستثنى من تلك الأعمار.
الأمر الجيد الذي بدأت أشعر به, هو أن روحي قد توصلت أخيرًا إلى الاستغناء. كانت كل الخسارات تتضاءل أمام عينيّ, وكل الأشياء تتساوى بين يدي, فلا يثقل شيء ولا يخف آخر. لا شك أن حياة كهذه هي منذرة بالموت, ولكن من يملك المعرفة الكاملة حتى يجزم بأن حياة الأموات بلا طعم ولا لون ولا رائحة؟!.
وبرغم كل ذلك فإن فتح كوة بسيطة في جدار الذكرى كفيل بإعادة بعض الأشياء إلى مكانها, ومن ثم البدء في الحياة من جديد, ولكن هذه المرة عبر طريق الخيال. ما أتخيله الآن كان موجودًا في زمن من الأزمان.
وفي كهفي الجديد, علمت أن ثلاثة بيوت من الحي القديم قد انتقلت معنا إلى هذا الحي من ضاحية الشرائع وعلى مقربة من بيتنا، أما بقية بيوت الحي فقد تناثرت في أطراف مكة، بين حي النوارية في أقصى شمال مكة، وحي الحسينية في الجنوب الشرقي منها، وحي التخصصي في الضاحية الغربية من مكة، على يمين طريق جدة السريع، وأما من كان تعويضهم لا يمكنهم من شراء منزل فاختاروا أن يستأجروا في أحياء وسط مكة، وأطرافها القريبة كالتنعيم والنزهة والكعكية و العزيزية، وحي الخانسة. لقد خرجوا من مكة, ولم تخرج مكة منهم. .
كنت أدير محرك سيارتي يوميًا وأجوب شوارع مدينتي وما تبقى من أحيائها القديمة. وأقف مطولًا أمام فندق حياة ريجنسي لأملأ عيني جيدًا من الأطلال الباقية من جبل الشراشف، قبل أن يُطاح به أخيرًا وبشكل نهائي.
اكتشفت بأنني لم أكن الوحيد الذي يقطع كل تلك المسافة من خارج المدينة ليقف تلك الوقفة الطويلة الصامتة، أحد الواقفين كان أخي علي، صدفة التقينا هناك، وأكملنا معًا مشهد السقوط الأخير للجبل. كانت الحفارات تدك بمساميرها الضخمة القوية جسد الجبل ليل نهار ومن كل جانب، لا يهدأ هديرها ساعة من زمن، .كان منظر الآلات الثقيلة الصفراء المتناثرة فوق الجبل كمنظر سباع متوحشة تنهش ذلك الجسد الذي حملنا على كتفيه دهرًا، لم تكن الحفارات تدك حجارة الجبل فحسب، بل كانت تدك ذكرياتنا وأشواقنا وأحزاننا، كانت تدك حياة بكاملها. أكاد أجزم الآن بأن موت العم عبيد بعد أقل من شهر على نزوحه من الجبل كان كمدًا على كل تلك الحياة التي كانت تتفتت أمام عينيه. أما خالة بخيتة فقد اختارت أن تموت في آخر ليلة لها في منزلها بالجبل، فلم تخرج منه إلى بيت آخر، بل اختارت الطريق الأقصر…إلى المقبرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• عبدالله ناجي: شاعر وروائي يمني، يسكن مكة وتسكنه منذ صرخة الميلاد، صدرت له ثلاث مجموعات شعرية :
• أتصاعد في الصمت 2007
• الألواح 2014
• منازل الرؤيا 2018
• ورواية منبوذ الجبل 2018

الرواية نت – خاصّ

شاهد أيضاً

فصل من “وادي الشمس: مذكّرة العنقاء” بسام المسلّم

“كوليـــنز” “ساورتني الشكوك حالما وقع عليه بصري. كان جالساً فوق صندوقٍ خشبيّ وراء جذوةٍ تعكس …