الرئيسية / فصول روائية / فصل من رواية “معدان أثينا” نعيم عبد مهلهل

فصل من رواية “معدان أثينا” نعيم عبد مهلهل

تعريف أولي للمعدان:
المعدان ومفردها معيدي وهو الاسم الذي يعرفون به في اللهجة العراقية وكذلك يسمون باللغة الإنكليزية (Marsh Arabs) والتي تعني عرب الأهوار هم مجموعة سكانية عراقية موطنها الأصلي منطقة أهوار جنوب العراق. يشكل المعدان غالبية كبيرة من سكان الأهوار ، لكنهم ليسوا كل سكان الأهوار, نسبتهم في الأهوار الشرقيةأكبر من الأهوار الغربية, انتقل المعدان في السنوات الأخيرة وبفعل عدة عوامل من بينها عملية تجفيف الأهوار بعد عام 1991م إلى مدن مجاورة وإلى خارج العراق. يتميز المعدان بتربيتهم جواميس واعتمادهم على صيد الأسماك كمصادر للرزق. كما يتميزون ببناء صرائف من القصب ذات طراز معين تسمى المضيف إضافة إلى قوارب مصنوعة من القصب تساعدهم في صيد السمك تسمى المشحوف, رغم أن الميزتان الأخيرتان يشترك فيها المعدان مع فئات أخرى من سكان جنوب العراق. يختلف الباحثون في تقدير عدد المعدان أو عرب الأهوار فالعدد يقدر ما بين نصف مليون نسمة إلى 400 ألف نسمة قبل 30 عاماً في حين أنه لم يبق منهم في مناطقه الأصلية حالياً سوى ما يقارب ال85 ألف نسمة .
لا توجد دراسات واضحة وحاسمة في أصل المعدان رغم أن بعض الفرضيات تقول بأن المعدان من أصول هندية وإيرانية لهذه الفئة ، في حين يرى الرأي الثالث أنهم خليط من عدة عناصر عربية وعراقية قديمة ، إضافة إلى عناصر غير عربية لجأت إلى الأهوار خلال فترات زمنية مختلفة ، كما رأي يرى انهم من بقايا سكان العراق الآراميين القدماء والنبط .
في حين يرجعهم البعض الأخر وهو رأي مستحدث إلى بقايا السومريين بسبب تشابه طرق بناء صرائف الأهوار القصبية والمشحوف مع نقوش سومرية قديمة لكن هذا الرأي غير مؤكد لأن المشحوف أو المضيف القصبي لا يقتصر فقط على المعدان بل هو نمط قديم للبناء موجود في عموم مناطق جنوب العراق.
كما يرى هذا الرأي أن طبيعة منطقة الأهوار وصعوبة الوصول لها قد جعلتها ملاذاً أمناً لفئات هاربة من الحكومات المتعاقبة ومن الرقيق والمهاجرين مثل الزنوج الهاربين بعد ثورة الزنجخلال العصر العباسي والزط غيرهم.
في حين أن الباحث العراقي عباس العزاوي يقول في كتابه عشائر العراق أن المعدان أو المعادي هم مجموعة تمتهن تربية الجواميس كما أنه يقول أنه لا يرى أثراً للهنود أو الإيرانيين فيهم ويعتقد أن الزعم بوجود أصل عراقي قديم فيهم مثل الأصل السومري لا يتجاوز حدود التخرصات “و الكلام للعزاوي”. حيث يذكر أن الكل متفقون على أنهم عرب, وأن تربية الجاموس لا تحقق أصلاً غريباً. وإنما تعين حاجة اقتضتها الحالة ولا يبعد أن يكون الجاموس موجوداً قبل الفتح (الفتح الإسلامي للعراق) فاستمر وتدرب العرب على تربيته أو أن الذين تعهدوه قد اندمجوا فلم نعد نفرق بينهم وبين السكان الأصليين .
في حين يرى الرأي الثالث أنهم خليط من عدة عناصر عربية وعراقية قديمة.
(( مأخوذ من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة ))

الفصل الاول “طغراء سجادة الصلاة والقبلة”

كيف لي أن أحمل روحي
كي لا تجرح روحكِ؟
كيف يمكن لي أن أرفعها برقَّة فوقكِ
وأودعها مساحاتٍ أخرى؟
كم أود لو كان في وسعي أن أطويها
بين أشياء ضائعة في العتمة،
في مكانٍ هادئ ومجهول –
مكانٍ يظل بلا حراك عندما تدوِّي أعماقكِ.

راينر ماريا ريلكه

ـــ 1 ـــ

أبلغ الشاه القاجاري جدي أن يحمل متاعه ويهاجر ، أعطوه كيسا من المال ومتاع سفر ، وفرمان يحق له فيه السكن في ارض الأهواز فقط أو أمتدادها المائي الذي يسكنه أناس يهتمون بصيد الأسماك وتربية الجاموس. وأن أردت العبور الى البصرة فلا مانع ، فكان عليه أن يغادر أصفهان ، قراطيسه معه ودابته .
قال له صاحب الشرطة : لأنكَ صوفي وكثير التعبد والتهدج والمغامرة ، أعطاك الشاه المعظم مكانا ليس فيه سوى الماء والسماء .
حمل منفاه الى أعمق من ذاكرة البصرة ، وذهب ليعيش بين أناس كانوا يعتقدون أنهم من بقايا قرامطة تائبين ارادوا بعزلتهم أن يسكتوا هوس الثورة والتمرد ، لكن شيوخهم يوعزون وجودهم في هذه البطائح الى أبعد من ذلك بآلاف السنين.
منهم تعلم وعلمهم. ولهذا هو بين ظهرانيتهم منذ مئات السنين، ويفتخرون إن واحداُ بعمر نوح يعيش معهم حتى ولو بذكراه وماقدم لهم من فيض ما تعلم في روحانيات ليل اصفهان ومنادمته الطويلة لعمر الخيام .
منذ أزل السفينة وحتى الأخبار السعيدة التي أتت مع زيارة الحاكم المدني بول بريمر الى قضاء الجبايش وقد وعدهم أن احزانهم مع الماء ستنتهي ، وسيكون قرار تجفيف الأهوار ذكرى ، وان جميع السداد والنواظم التي تمنع الماء من الوصول الى مدن الاهوار وقراها ستدمر . وسيتفق الماء وتعود الطيور والاسماك وسينمو القصب وبامكانهم تربية الجواميس وألحاق ابناءهم بالمدارس.
البس ذاكرة جدي وأرتدي جلبابهُ وأعيش وكأنني هو ، ويسكنني معه هاجس التلبس أن جدا آخرْ عليَّ أن ارتديَّ جلبابه المفقود ، عندما حمل امتعته وغادر قريتنا.
أقرا في اوراق جدي لأزداد متعة وفخرا ان رائيا من متصوفة الله عاش وتناسل هنا.
اهلي المعدان معهم فرحت ، ومعهم قرر أبي أن يبني بيته ، ومعهم قرر أن نُشركَ شهرٌ للفرح مع شهر الحزن المحرم ، ونسميه شهر الماء.
لهذا وبفضل عشقي لجدي اشعر اني ظله ، واتخيله موجودا في الحاضر والماضي والمستقبل ، وها انا اتحدث بالنيابة عنه ، فلقد أعاد وعد الحاكم المدني الى المعدان ثقتهم بما كانت الاساطير تتحدث عنه ، من أن الحياة في غيبة الماء تتحول الى دمعة من الملح ، وفي عودته تصير هذه الدمعة الشهد.
أسمع صوته يخاطب أعمامي ، من بقيوا في القرية ومن هاجروها : أني تمنيت مدينتي القابعة في عمق فارس ، وجلبت قصائدا لروح الله ، أقرأها لأعيش أحلام صوفيتي القديمة ، مبتهجا معها ، ومستعيرا نفس الأمام ( روح الله ) ومتحديا قناعة الناس بأن الفضل يعود الى بريمر وجنوده .أنا قلت لهم : الفضل يعود الى قصائد روح الله وأثر التربة المطبوعة على جبينه.
روح الله التي أحبها بطقوسية الولاء الغامض الذي يسكنهم ، ولأنها من الصور الممنوعة في العلن وعلى الجدران فقد حملوها في قلوبهم .فهم ينظرون اليه الشفيع الثالث العشر ، بعد ان يعدوا في عيونهم أو اثناء الصلاة أثني عشر آماما…
ربما الحرب ، والأبناء الهاربون من الجندية والافواج المحمولة التي تأتي لتحرق القرى ، والجنرال الذي جفف الماء وارغمهم على الهجرة الى مدن الفرات الوسط من يجعلهم ينظرون الى وجه روح الله بخشوع اللحظة الثالثة عشر ، وهي اللحظة التي جاءت مع الأخبار التي تقول أن الماء سيعود ثانية الى الأهوار ، وأن الجواميس ستمرح وتسرح وتعيد في قيلولاتها كتابة قصائد الصفنة وانتاج الحليب الدسم.
أترك الروح في أزقة ما تنتمي إليه ، أحمل هاجسي في البحث عن مكان يسجل في أوراقي رغبته حيث أنا المنتمي إلى مدن الجاموس ومنها عرف الناس هنا اللبن الرائب والقيمر والعصي غليضة تقاد بها الحيوانات الضخمة .
أنا اقود ذاكرتي الى مدن وقرى وأمكنة لأحلام دهشتي والسؤال : هل انا من أصفهان ، من دلهي .من سمر قند؟
كل أزمنتي متغيرات المكان ، ولست سوى ذاكرة .
لايهم أصفهان ودلهي وقرامطة البحرين وميزوبوتاميا ، أنا من بعض روح الله شهيد عاشوراء ، وأبي المُفرط في عشق المذهب دون ان يكتب حرفا بين أصابعه أورثني السير معه في ليالي البرد لنصل القباب وأتخيل مجرى الروح في خيالي ، وحين كبرت ، بحثت عن الأصل الروحي لخواطري ولبست قبعة الجيش وربما قتلت من اصفهان وشيراز رجالا بلحى المتصوفة وربما هم قتلوا رجالا من قريتنا واصدقاء لي في الصف المدرسي.
عشت كل حياتي في قارورة دمعتي لاكتشف أصلي ، فوجدت بأني لا أمت للخيام بصلة ولا بلحية آغا خان الكشميري ولا حتى جدي عويس نعاس شدهان له معي مودة المعرفة الى من أنتمي ؟
اتذكر حكايته مع الاصل والفصل : نحن هنا ولاندري متى ، وليس لتجار البشر والجاموس ونوايا الولاة شأن بتواريخنا .
جدي ينطق صادقا لأن مشاعري تستلهم الرؤيا في مسرة الضوء والقصب وأنا من يشعر ان ابدية الوجع والتناقضات في سعاداتنا وخساراتنا وقناعات جدي في الحياة:
ــ خسارتنا في حزن الجاموس ، وسعادتنا في وفرة السمك ونحن بدون الأسئلة لأن الاجوبة لانحتاجها فهي تشغلنا وتربك الحياة جدي.
حكمة جدي ، هي حكمة عمر الخيام يوم أذاقوه المنفى بسبب جارية ، فمضيت معه ، غادرنا المدينة ، هو الى مساكن النجوم ، وانا الى مساكن القصب.
وبدهشة تلك الذكريات ، أضع رموشي عند ناصية ذلك الطريق ونحن ننتظر القافلة الذاهبة الى الاحواز ومن ثم الى البصرة ، ولينتهي بي المطاف في قرية ( تمرة البرحي ) .
كل هذه التسمية لأن هناك مترا من اليابسة فيها نمت فيها برحية وتحت ظلها كتب أجدادي مواويلهم وأدركت فيها شهوات قلوبهم يوم كانوا حفاة ويمضون الى كربلاء وهم يقولون : نريح الدواب ونتعب اجسادنا من اجل الوصول بلهاث ارواحنا العاشقة.وعندما يصلون ، نصفهم من التعب يذوي الى الموت لتسجل القرى اسماءهم شهداء طرق الحفاة ومارثون الوصول الى قباب الذهب.
هذه الذاكرة ، تمسكُ آلة الزمن وتشعل فيها مرجل النار لتعود الى وراء الأفق ، أبعد من حافات القصب ، أسجل تغريبة الروح لتاريخي أنا ، وأرجو من روح الله رحمة وسماحة ومغفرة ، فقد حاربت ، وسجلت بطولات سيفي على طول الف ميل من المعارك، الهور والسهل والتل والجبل ، وحتما وهبت لذاتي مران الكشف ، وبعيدا عن دموع أمي ونواحها المغترب في الولولة القادمة من نحيب اناث اور ، أسمعها ، فيتمزق قلبي ، لكن راحلتي تقطع مشهد الحرب وتقول : وصلنا البصرة.
فيوم قررت الالهة أن تشارك البشر شهواتهم عن طريق طقوس الغرام والفتاوى ، سكن الإناث هاجس التمرد عندما شعرن أن أنوثتهن ليست فقط مثار الرجال بل الآلهة أيضا ، ولهذا ولدت هواجس جديدة في الحياة الأرضية وكُتبتْ أساطير وقصائد وحكايات وأغاني تتحدث عن مواسم تقدم فيها بعض الشعوب أضاحيها من النساء تلبية لشبق الهي بممارسة الغرام معهن .
لقد اكتشف الإنسان ليس هناك آلهة من يود ممارسة هذا الغرام لأنها أصلا غير موجودة .بل كانت تلك الأضاحي تذهب الى أحضان الكهنة والعرافين وهم زمرة من المخادعين الذين يتخذون من الإله طريقا ووخدعاً لاستغلال البشر وإشباع نزواتهم ، وإن آلهة الماء والشمس والرعد والريح وغيرها لا تملك أعضاء ذكورية حتى تمارس الغرام ، بل كانت مجرد قوى حسية غيبية لم تظهر بصورة مادية في يوم ما …..!
وبالرغم من هذا عاشنا على وهم هذه هواجس كما في الشعر والحكاية والرسم والأغاني ، فيكون هذا الخداع والوهم والدجل صاحب فضل في تطوير المنتج الإنساني وتطوره وكنا في مراهقة النشوء الإبداعي والكتابي نتخيل إن تلك الغيبيات وحدها من تصنع معجزة القصيدة والأمنية والاستمناء السريع ، ومنها غرفنا خزين المشاهد والمخيلة وكتبنا القصائد والخواطر ورسائل الحب ومحاضر السياسة ومواضيع الإنشاء المدرسي …
من أول دمية طين اتخذها الإنسان إلهة والى آخر رمش يغازل مخيلتي في ماسنجر الهوتميل والياهو والفيس بوك ، عاشت الأرض عصورا من المتغيرات وأظن أن أحلى مافيها كان هذا التنوع الذهني العجيب الذي صنع رحلة جلجامش وسفينة نوح وحوت يونس وغار ودمعة قيصر في عيون مغتاليه ولحية ماركس وطقس الفراش الملحد بين سارتر وسيمون دي بوفار ..والوهم الوثني لعولمة الدبابات .
هذه رؤيا لهاجس بسيط يتوسم في دمعته رغبة استعادة البوم ذكريات ما كان …معتبرا أن ما يحدث الآن لا يمت بصلة لما كان ..فالهجين في المشهد لاينبئك إن ما يحدث اليوم هو وليد الأمس إلا بشعور عام يقول :أن ما نحصل عليه اليوم مزروعا في أمس الحاكم وطغيانه …
أنا هنا مللت من الحاكم ومن طغيانه ومن الاتكاء على أرائك الأمس لنعالج محنة ضمائرنا ..أريد لحظة تأملية مخادعة كما أمس الأسطورة والتعميد ، فقط لأشعر إنني اصنع لحظة جميلة حتى لو كانت كاذبة ، لشعوري إن اللحظات المدهشة لا تصنعها سوى المعجزات …!
والمعجزات حتى في زمن صبا السفرات المدرسية ، كانت ترتهن بأور التي تقع عند حافة تلال الرمل ، والقريبة بأمتار من مدينة هوليوود السينمائية واقصد القاعدة الأمريكية العسكرية في المدينة الأثرية التي حتما بعض جنودها وضباطها من سكنة هوليوود ، ولهذا وبفضل الموروث الحسي والروحي لأزمنة الالهة تكون أور وهوليوود المصنوعة من الانتفاخ الشهي لصدور ممثلاتها وإغراءها الشهي متجاورتان بالجغرافية والهاجس والأذن الذي لا يمكن لزائر المدينة حتى لو كان من أبناءها ليحصل عليه من الضابط الأمريكي عندما يريد أن يزور مدينته ويعيد زمان الوصل في الأندلس مع أجداده وأحبابه من سكان سلالة أور الثالثة .
كان سائق السيارة الفورد الخشبية التي تقل تلاميذ مدرسة ألكاظمي الذاهبين بسفرة مدرسية الى منطقة أور الاثرية لا يمل من وضع أغنية أم كلثوم ( رباعيات الخيام ) في مسجله البدائي الفيلبس الذي يحرص جيدا على وضع بطاريات جديدة له ليستمتع بالأغنية على مدى الساعة التي يستغرقها بالطريق الترابي بين الناصرية وأور ، وكنت أكثر متعة منه وأنا أتخيل الشاعر عمر الخيام وقد عرفت قصة جنون روحه من أخي الكبير الذي كان يحفظ رباعيات الخيام عن ظهر قلب .
ويعيش أخي اليوم في المدينة مبتلياً بهواء اليورانيوم الذي لوث هواء حروب العراق الكثيرة وظلت رباعيات الخيام تثير صدى رعشة الغرام في صدري كلما أتذكر لمعان عيون سائق سيارة الفورد وهو يخبئ بين عينيه شعاع امرأة يعشقها لحظة سماعه الأغنية وكنت أشاهدها تتلوى عارية على وسادة أجفانه كما يتلوى الرمل في شهوة صيف الشمس.
رباعيات الخيام ورباعيات حلم صباح أثينا حيث أعيش الآن ، لم يبق منها سوى رباعيات الدمعة وجواز السفر وصعوبة تعليم صديقتي لهجة معدان جنوب القلب وهي تصر أن تلقي تحية الصباح في اليونانية.
فأرد :صباح الخير أيتها الشموس البعيدة في أناشيد السفرات المدرسية ، صباح الخير أم كلثوم وأنت تلوكين بحنجرة الغرام شهوة الخيام لجارية أنسته الله وأرقام حسابات الفلك وعطر فلسفة الروح .صباح الخير دمعة أمي وأفلام صوفيا لورين وأغاني شامي كابور ومجلات الوطواط وحكايات بساط الريح السحري ومصباح علاء الدين وفانوس غرفتي الطينية…
أور هناك …
أنا هنا ….
بين الهنا وهناك تتلوى عارية قبلة غرام ترتدي قميصا صينياً ، افتح أزاره زراً زراً ، وارفعه الى الأعلى كما ترتفع الأراجيح في شوق سريالية الأعياد لتمضي سيارة الفورد بعيدا الى أزمنة سلالات الأجداد ، تكشف لنا أساطيرها وأحلامها ، ومثلنا تنظر شزرا لملازم من جيش هوليوود يوقع بغيض على ورقة تسمح لنا بأن نعيد ثانية سماع الرباعيات على زقورتها ولكن هذه المرة نسمعها بدموعنا وليس بنشوة سائق السيارة الفورد…..!
في الحب تفترش الأوهام صناعة المشهد في ذروته القصوى عندما يسكنك الخيال لتفسير ما يحدث.
روحك المبتلة بالتعاويذ وارتباك ما فيك من قناعة أن الذي يحدث هو من بعض مسببات التيجان وغطرستها والآلهة وشهواتها المبتلاة بهوس فض بكارة العذراوات والمدن الحاسرة الرأس فوق مياه الأنهار وعلى سجادة الرمل في الصحراء التي حملت خطوات إبراهيم حتى المكان الذي أسس فيه بيت الله الأول.
كلها أزمنة وأمكنة وشخوص ، التفكير بهم ومعهم واليهم هو ما تمضي إليه مسافاتك وأنت تشعل في المكان ذاكرة حكاية ، ابتدأت يوم انطفأت شمعة أور قبل الآف السنين ، لتسجل شيئا جديدا لهواجس في كتابة حكاية روحية تتشكل فيها أحزمة الضوء لتشكل أقواس قزح اخبيء فيها تلك اللهفة التي تسكنني في ليل أصفهان التي زرتها لأفتش عن وثيقة اثبت فيها إن جدي عاش في المدينة بعد أن تم سبيه من قبل العيلاميين يوم داهموا ليل المدينة واحرقوها وأخذوا معهم الإله ننار وسبايا من الرجال والنساء ، وخزائن الملك المنتحر أبي ــ سين ، وربما كان جدي معهم.
عندما تفتش في أصفهان عن وجها معديا فأنت تفتش عن تأريخا هجينا وخرافيا ، فالوجوه هنا تقترن بحلاوة البطيخ ، وجدك كان اسمرا بلون الأرض التي لم يصبها المطر منذ عشر مواسم ، و جيء به الى هنا فقد دفع به ليكون قنا ، وعامل سخرة بقوت بطنه في حقول البطيخ. وهناك أكمل عامه الثمانين ومات مع سره الغريب الذي رسمته نظرته إلا أن وثيقة ما تقول أنه تزوج من واحدة من بنات أصفهان سحرتها نظرته الغامضة وعضلاته المفتولة ، ورخامة صوته عندما يغني.
يشدني إليك جدي ، أفترض لملامحكَ التي تشبه وجهي في المرآة..ملامح القلق الذي يسكن الروح من مصير المكان .
أن يحترق بيت القصب مرتين ، تلك المأساة المتكررة ، تنبئ فيها أحزان أساطيرنا وأغانينا منذ نعوش الشهداء الأولى ومرورا برماد الدبابات في نهر جاسم وحفر الباطن وخارج أسوار اريدو وكيش وحقل مجنون .
تنبئ بتكرار التأريخ بذات الرداء الكهنوتي والمرقط وبذات أذياله التي تمسح على الطين خطوات جدي المقوس الظهر وهو يحمل سلال البطيخ بعدما كان يحمل سلال السمك ، ويعلم الجواميس ترديد أبوذياته السومرية في قيلولتها قي ظهاري الماء ونعاسها تحت لهيب الشمس والصدى السحري لكلمات معلم الابتدائية في مدرسة القصب : دار ..دور …نار .نيران ….مازن مر من دربنا.
ــ جدي عاش هنا ، تزوج ، وأنجب أجيالا ، خليطا مدهشا بين البطيخ والشلب . هل سمعَ أحدٌ بالمعيدي ؟
أنه طائر ، صوته أجش ، فقالوا : أسمه بالمعيدي خيرا من أن تراه .
ولكن جدي أنسانا ، علمته الآلهة والطبيعة أن يمنح لعينيه سحر نظرتها ولروحه مساحة كتابة التعاويذ والأغاني ، وكان مقاتلا سيفه هراوته ليروض فيها مزاج الجواميس يوم ترفض أن تغادر الماء وتنتهي قيلولتها وتعود الى زرائبها كي يجنى منها الحليب الذي تحمله النساء الى المدينة ، ومعهن تأتي أكياس القند والشاي والسجائر ومترين من الستن الأخضر من اجل بيارق عاشوراء.
ــ هذه القرية ، طعمها مبتل بتواريخ كثيرة ، هي لا تهوى الغرباء ، ولكن فيها من هاجر إليها وأحبها وتصاهر مع أهلها وقد يكون جدك واحدا منهم.
ــ جدي كان هنا نتاج سبي وليس هجرة..
يغمض عينيه ، يمد بساطا من الذكريات ، يتخيل دلمون في فردوس روحه ، يهيم على الرؤيا وطرق المشايخ ويقول : للمكان روح تختلف عن ارواح ساكنيه.
ــ ومالرابط بينهما ياجدي …؟
ــ نعاس الجواميس .
أبتسم ، ويبتسم جدي .
فافتح نافذة لتاريخ المكان بالتبرك بصوت مقاتل الطالبين وقصائد كتبها روح الله بخط يده……….!

الرواية نت – خاصّ

شاهد أيضاً

فصل من رواية “منبوذ الجبل” عبدالله ناجي

وفي اليوم السابع تكامل عالمي واتخذت طريقي إلى العزلة, وكانت تلك الليلة هي الليلة التي …