فصل من رواية "مطعم القلوب النِيئة"

فصل من رواية "مطعم القلوب النِيئة"

تاريخ السعادة

“هذا الهراء
ليس الحقيقة كلّها”.
شاعرٌ مدفون تحت جسر الجمهورية

لمعَ ضوءٌ بعيد في بيوت حوض بنجوين. هناك من يحتفل في ليلة عيد الميلاد. يستقبلون السنة الجديدة ويكتبون في اللوحات الكرتونية المعلقة في الباصات و جدران البنايات ” 1982 عامٌ سعيد “. تدحرجتْ كُرة ثلجٍ كبيرةٍ من قمة جبل قاية واستقرت في قعر الوادي. كانت الذئاب تعوي وراء الجبال لمّا نَدَفَ ثلجٌ غزير.

لن يتذكر أحد جثث الجنود التي سقطت في الوادي وطمرتها الثلوج. كانت روابي الإيرانيين محصنة، وتشرف على الوديان والقرى والقصبات المهجورة. حدثتْ المجزرة قبل سبعة أيام فقط. تقدم فوج المغاوير في وقت الغروب. تاه الجنود و تفرقوا، حصدتهم الألغام وعيون القناصين. أصبحت السماء ضيقةً في عيني الجندي المكلف عنبر لأنهُ لم يسمع كلمة صديقه جلال الأخيرة. همس جلال شيئاً ثم أغمض عينيه. طار نصف جسده في الهواء وتأرجحتْ احدى ساقيه في أغصان شجرة الجوز ! لم يبق من جسمه سوى نصفه الأعلى. حتى صرخة الجندي عنبرتلاشت في الوادي و لم يسمعها أحد. وصلتْ رصاصة القناص متأخرة فحفرتْ ثقباً صغيراً في كيس الرمل. رصاصةٌ واحدة، تلعب معهُ اللعبة نفسها ! ليس مهماً أن تكون رصاصةٌ طائشةٌ، عدوّةٌ أو صديقة! هي الفعل الأكيد الذي يقلب الحقيقة رأساً على عقب. كأن ذعر الجندي عنبر مكتوبٌ في معجماتٍ باليةٍ أو مدفونٌ في اطالس مهملة أو في ذاكرةٍ ضامرة. إنهُ يفهم سبب التصاقه في جدار الخندق و يسوّغ لنفسه تشبثه بالحياة. حكمةٌ مطلقةٌ، يمكنُ تدوينها في كراريس ومنشورات وتلقينها لذوي العاهات الدائمة و المشردين وأطفال الشوارع. سيقول لهم: تعلموا من الخوف. إنهُ مدرسةٌ عظيمة! إشارات الرعب في حياته كثيرةٌ، أولها الليل ! يتخيلهُ صندوقاً خشبياً مغلقاً بالمسامير محشوراً في مخزنِ سفينة شحن تعبرُ المحيطات. يجثم الصندوق فوق قمم اشجار البلوط، يرافقهُ جيشٌ من الذئاب المدربة على الجوع. عواءُ الذئاب في الليل نهرَ حزنٍ مُجرب. جرّبهُ ألف قتيلٍ وألف راعي غنم وألف صياد وعول. كان الخندقُ محصناً بأكياس الرمل، يسترهُ الثلج، فيبدو من قمم الجبال كقطرةِ زيتٍ سوداء في تل قطن. وكان عنبراً يُصارعُ مارد الخوف في داخله. مع بزوغ خيوط الفجر استيقظ ألمٌ في رقبته وأطرافه، وتذكر جهاز اللاسلكي الذي سقط بالقرب من جثة جلال. سيطلب استغاثة، وستنقذهُ السمتيات وأفراد القوات الخاصة. لا يوجد شيء أفضل من هذا الضياء الجميل الذي تميسُ فيه أشعة شمسٍ شاحبةٍ تظهر وتختفي في الغيمات الفضية. من زاوية نظره الضيقة، رأى نصف جثة جلال تغطيها طبقة ثلجٍ خفيفة، أما جهاز اللاسلكي فلم يظهر منه سوى عروةٌ خضراء يتشبثُ بها سلك طويل يخرج من الأرض مثل ساق شجرة ميتة. دفع رأسهُ و صدره إلى خارج الخندق لكن رصاصة القناص أصابت خوذتهُ! فأحدثَ دويها ألماً في رأسه. فشلت محاولاته كلها، حتى أجهضتها رصاصةٌ أخيرة. أصابت عروة جهاز اللاسلكي فخرج خيط دخان سرعان ما بعثرتهُ الريح الباردة.

سبعةُ أيامٍ ولياليها! يبستْ معدتهُ وضمرتْ بطنهُ. لم يدخل في جوفه شيئاً سوى جرعات متقطعة من بوله الأصفر. في بعض الأحيان يختبر صبر القناص فيحرك الخوذة ويدفعها قليلاً للأمام لكن قوة الرصاصة تقذفها بعيداً عنه. أصبحت الخوذة منخلاً بسبب رصاصات القناص الكثيرة. يلوبُ، ويحلم بالسمتيات التي ستهبط في الوادي وتنقلهُ إلى المنطقة الآمنة. صار النبش في جدران الخندق عادة! يبحثُ عن عقرب أو افعى أو مستعمرة نمل، لكنهُ لا يجد شيئاً. وحينما يوشكُ على لفظ انفاسهُ يسعفهُ لسانهُ فيلعق التراب ويمضغه. عيناه تنطفآن ولا يكاد يرى شيئاً سوى شرارات ملونة تقفزُ في الحيز الضئيل الذي يفصل بين العينين والهدبين. يذكر ذلك جيداً، جلال يحتفظ في حقيبته العسكرية ببسكويت مملح ! لحظةٌ اخرى فيها بشارة ما أو قناعةٌ مصطنعةٌ بأملٍ بعيد. لا تنتهي الرغبة عند هذا الحد، فالحاجز الذي يفصل بين الخندق ونصف الجثة يبدو أكبر من رصاصة قناص نبيه. أي معجزة ستحرك اطرافهُ المشلولة و تعيد البصر لعينيه الذابلتين ؟ لحظةٌ واحدةٌ تكفي لكي يولد من جديد. ما يحتاجهُ هو كمية قليلة من اللُعاب، يبللُ لسانه لكي يتمكن من لحس الأرض. سيموت بعد قليل، وستنتهي وساوسهُ وتذهب احلام صباه ادراج الرياح. أما شهوة العيش ستصبح ماضياً، وهذا التراب المالح في لسانه سوف يجف وحينها سيسمع الهاتف يقرأ المعوذتين بالقرب من اذنيه، ويعلن لهُ مسك الختام.

بعد ساعات طويلة يفتح جفنيه. هو الخندقُ نفسه، مات فيه وها هو يعود إلى الحياة مرة أخرى. أصابع يديه تتحرك ولسانهُ ما زال يفرزُ طعم التراب اللاذع، يبلعهُ، فيكتشف أنهُ حيٌّ يرزق.
” من أنت ؟! ”
يغمض عينيه، ويتكلم بصعوبة.
” لكنني لا أعرفك ”
” ماذا ؟ ارفع صوتك. لا اسمعك ”
” لن انجو ! إنني احتضر ”

يرطن هنيهةً ثم يفقد حواسهُ كلها. ظلالٌ تعدو وتقفزُ وتلتصقُ في جدران الخندق، بعضها يلهث من التعب وبعضها الآخر يزحف مع ضياء الفجر ويغادر الخندق منكسراً. غمر الدفء جسمهُ، فاستيقظ. يشعر بحقنة تطعن صدره فيسري فيه دمٌ نظيف! يكتشف أن عينيه المحتضرتان ما زالتا تحدقان في نصف جثة جلال. الحقيبة العسكرية في مكانها، معلقة في كتف جلال و يطوقها نطاق في الخصر. لم يتخلص من خدر ذراعيه إلا بعد بذله جهداً. خشيتهُ من السقوط في غيبوبة اخرى تجعله أكثر يقظة، فيحترس من ألم الرأس و قسوة الدبابيس في مصارينه. إذا تغلب على الألم سوف ينهض من دون شك. ما يحتاجهُ حقاً هو جَرعةٌ من الصبر تعيد إليه ثقتهُ بنفسه.

نزع نطاقه، وربط حمّالة الإبزيم. طوّح النطاق فسقطت الحمالة بقرب ذراع جثة جلال. كان الثلج يغطي جزء الجثة الأكبر ولا يكاد يظهر منها شيئا سوى الذراع اليمنى وجزء من الوجه. فشلت محاولته الأولى بعد دوي رصاصة أصابت الجَعبة ! لكن المحاولة الثانية كانت ناجحة. تمكن من ضبط المسافة بين طبقة الثلج و الذراع، فزحفت الحمّالة حتى وصلت إلى الإبط. هنا، من هذه النقطة تماماً، يجب أن يسحب النطاق بقوة وحذر. الفشل يعني بدء العد التنازلي للحظةٍ مجهولةٍ. ليست المحاولة محض تجربةٍ فحسب، إنها تشبثٌ في الخيط الرفيع الذي سينقطع حتماً. متران فقط ! مسافةٌ طويلةٌ جداً ! تشبه سكة قطار لا تنتهي. كلما سحب نصف الجثة تفرغ احشائها. المصارين أولاً، ثم المعدة والكبد ! شبر واحد، هو المسافة القصوى التي تقطعها نصف الجثة. ينتظر ساعةً، بعد ذلك يستعد لسحبها شبراً آخراً. كانت الأحشاء التي تنزل تصبغ الثلج بلون الكرز البري. سيقترب رأس الجثة من فتحة الخندق و سيلتقط الحقيبة ويأكل البسكويت المملح كله. أما ثمن الارتياب من الخطوة القادمة يمكن أن يكون باهضاً، لأن السهو أو الغفلة أو الخطأ يعني القبول بفكرة الانتحار الطوعي. بعد زمنٍ طويل ستنضج في وجهه علامات القنوط كلها، فيدرك أن حصاره كان حلماً و افتراءات نفسٍ آثمة. لعل منطق الفرحة يكمن في محاولته الاخيرة، حينها سيدحض حججاً وبراهين عن معنى دفن الأمل. شبران اخيران ويلتقط الحقيبة، لكل شبر ساعةٌ من الصبر. بين المحاولة و العجز جبل يأس يشبه ذلك الجبل الرابض على قلبه وتحرسهُ عيون القناصين. يريد ابتكار طريقة ملائمة للفرح تجعلهُ يشعر بأنه لا يزال حيا يرزق، يبقى أثرها شاخصاً في ذاكرته إلى الأبد. لكنهُ سيذكر لون جلده الذي احترق فجأة وأصبح قشوراً تطيرُ هباءاتها بعيداً. لحظةٌ لن ينساها ابداً، لمّا رجف قلبهُ و سقطت عيناه في وعاء التيزاب. كيف اهتزت الجبال و سقطت الغيوم الرمادية على الخندق! مثقابٌ ينفذ في رأسه وسفافيد تكويه. ما يراه ليس حلماً، بل أمنيةٌ أخيرة سقطت في غفلةٍ منه. أزّتْ رصاصة الرحمة فقطعت حمّالة الحقيبة. صرخت الخيبات كلها و ناحت حمامة حزنه. الفراغ الفاصل بين فتحة الخندق و الحقيبة صار جسراً مدمراً. من يكترث في هذه الساعة للوعة جندي جائع، ومحاصرٌ بين جبلين؟ لا توجد منطقة آمنة يمكن أن تحمي ذراعهُ إذا فكر بسحب حمّالة الحقيبة. الجثة الممزقة هي الحقيقة الوحيدة التي تشخص أمامه، تحجب عنه حقيبة عسكرية فيها آنية طعام ودنان خمر. بكى، فتخضلت عيناه بدمعٍ أسود. عادت الساعات ثقيلةً فانهمكت روحه تصارع موتها. صعدتْ نملةً على جبهته ثم مشت على شفتيه اليابستان، نزلتْ إلى حنكهِ و اختفت وراء ياقة قميصه.
” ماذا قلت ؟ ”
” أين الماء ؟ لا يوجد ماءٌ هنا. ”
” لا أرى طعاماً ايها الكذاب. ”
” أين ؟ لا تمزح معي، و اتركني أموتُ على مهل. ”
” لكنني لا أرى مائدتك المزعومة ! لا أرى شيئاً. ”
” نعم، اعرف أنني ميتٌ لا محالة. لكن. . يبدو أنك واثقٌ من نفسك كثيراً. أحقاً تنقذني ؟ ”
” حتى لو انقذتني من الجوع. كيف ستنقذني من رصاصة القناص ؟ ”
” لماذا تصرخ بي هكذا. لستُ عبدك. ”
” لا افهم. ”
” لا افهم. ”
” لا افهم. ”
” صوتك يُفزعني، كأنه صرخةً تأتي من وراء باب مغلق. ”
” لا تقترب مني. ”
” حذاءك ثقيل. لا تجثم على صدري هكذا. ”
“. ……”
” ايها السيد ! لماذا تصمت ؟ أما زلت هنا ؟ ”
” اين ذهبت ؟ ”

غلالةٌ أخرى، يمكن أن تكون عمى أو نورٌ ضحل. تأسرهُ وتجعلهُ يكابدُ وجع الاحتضار الطويل. لا يعرف أي لعنة تجعله يموت ثم يبعث حياً ! كلما يسقط في هاوية تمتدُ حبال، أذرع وسلالم لكي تنقذه في اللحظة الأخيرة. تدبُ فيه روحٌ معافاة، فتتلاشى الغلالة ويصبح النور الضحل شمساً و أقماراً. أجمل غانيات الأرض تلبسُ برقعاً وخماراً وحريراً مزركشاً، ترفعُ طبق فخار، حوافه ذهبية وفيه رسوم فراشات وورد ومراكب صيادين، ومع الطبق سكيناً وشوكة فضيتان، في مقبض كل واحدة منهما صورة ابن آوى يفترسُ وعلاً. ذبيحةٌ في الطبق، يمكنُ لأي جائعٍ تخيل شكل العجل المشوي والدهنُ يسيلُ على جانبيه. أو شكل الدجاجة المتبلة بالرز البسمتي واللوز والكشمش الاصفر والصنوبر. فغطاء الطبق دافيءٌ، وندى البخار يجعلهُ لا معاً. لن يجمح بخيالهُ أبعد من ذلك، إنها حلقة مفرغة، تدور فيها فزاعات. حتى توسلاته لن تجديه نفعاً. عليه أن يجرب فحسب، بعد ذلك يرضى بالنتيجة رغم أنفه. يرفع غطاء الطبق فيخرج بخاراً كثيفاً سرعان ما يتلاشى. من الذي صاد هذا القلب؟! يقبض على القلب ولا يرف له جفن. يحدق فيه و يأسره لونهُ الوردي وملمسه الناعم.
“لمن هذا القلب الجميل؟!”.
تتنهد الغانية و تضحك بعهر، ضحكةٌ لم يسمع مثلها من قبل. يبتسم لها و يلمس فخذها القطني لكن وخزة النملة تحرق عنقه فيفركها و تصبح صمغاً أسوداً بين السبابة والإبهام. أين القلب؟ خيبةٌ ومرارةٌ أخرى. يصمت ويبكي، ثم يصمت ويبكي. تعبرُ ساعةً ويهطل خلالها ثلجٌ و ضباب. يؤلمهُ منظر نصف الجثة، أحشائها مبعثرة و الوجه قد تبدل جلدهُ وصار أزرقاً. هل تعب القناص ؟ في الخوذةِ مساحة كافية لقنص
جديد، لكن الرصاصة لم تنطلق بعد. يعيد رفع الخوذة ليتأكد من غفلة القناص، كانت مثابرةً منه، عاقبتها غير محسوبة. سيحتاج إلى ثانيتين فقط، زمنٌ مجردٌ من الإحتمالات يتيحُ لهُ أخذَ نَفَسٍ عميق لكي يتخذ قراراً شجاعاً. ثانيةٌ واحدةٌ للقبض على نصف الجثة من الإبطين و ثانيةٌ أخرى لسحبها بسرعة الضوء. هكذا يكسر الزمن، يُقيم دليلاً لا ريب فيه عن جدوى الموت من دون صراع. غداً تهدأ روحهُ و تلتحق بروح
جلال، وستحتضن جثتهُ جثة جلال، يطمرهما ثلجُ بنجوين. وسيأتي الربيع و ينبت النسرين والخزامى. هنا ستضوعُ عطور اشجار النعناع والكينا والسوسن والقرنفل. وربما سيجلس عاشقان فوق تلةٍ يغطيها عشبٌ أخضر، يتغازلان ويأكلان الزعرور والعنب و يحتسيان، خفيةً، جرعاتٍ من عرق المستكي. من سيوبخهما ويقول لهما هذا قبرٌ يا أولاد ! هنا هلك جنديان في زمن الحرب. احدهما قتلهُ لغمٌ والثاني قتلهُ الجوع. يدفنُ طهارتهُ في زاويةٍ مهملةٍ من ذاكرته ويرقصُ ماردَ اللؤم فيه. سينسى جلال وينسى أيام العبث في مراحيض ملهى الطاحونة الحمراء وخداع ندل البارات في أزقة السعدون المظلمة. كان جلال يحب الرقص في الشوارع الخالية بعد منتصف الليل. يترنحان معاً، وفي الصباح، حينما تلسع النسمات الباردة وجهيهما، يكتشفان أنهما كانا ينامان على الرصيف. يضحكان ويسيران مسافات طويلة و في مقهى ارخيتة يأكلان البورك ويحتسيان الشاي من فم القوري. لم يفكرا بحربٍ ستندلع فيصبحان جنديين، يحاربان في جبال بنجوين وتنتهي حكايتهما هناك. جلال صار نصف جثة وعلى عنبر أن يقرر، أما الموت بعد دقائق قليلة أو البقاء على قيد الحياة إلى أجلٍ غير مسمى. بقائه حياً سيدفع ثمنهُ إثماً! “الآن. يشهد الله أنني اتضورُ جوعاً. عندما نلتقي، سوف أُقبّل خديك يا صديقي وأطلب منك الصفح. أعرفُ أنك ربما ستبصقُ في وجهي، لكن عزائي هو أنني جائعٌ”. يُغمد الحربة في صدر جلال، ويقتلع القلب ! كأنهُ يقطفُ تفاحةً. لا ينتظر. لا يطلب مغفرةً. لا يتذوق. يقضم قطعةً كبيرةً ويلوكها بشغف. في الماضي، كان يتخيل شكل القلب القبيح هو بالون منفوخ فحسب، لا يوجد فيه شيئاً سوى الهواء. يمكن الآن أن يأكلهُ لُقمةً واحدةً فقط. قَضمَ قطعةً أخرى، فكانت صلبة قاسية. لم يفكر في مذاق القلب البارد بل أراد ردمَ جوعهِ فقط و قلب جلال لا يكفي. حاول أن يأكل قطعةً من الزند أو الكتف لكنه تراجع في الحال. قرأ في موسوعة الشعوب يوماً بأن لحم البشر مُرّ! يستلقي وتهدأ وخزات الدبابيس في بطنه. عندما يتلاشى الضباب ستستيقظ رصاصات القناص، لذا عليه نسيان النوم ويبحث عن ثغرة في هذا الضباب الكثيف لكي ينجو. حَرّكَ الخوذةَ خمسَ مرات متتالية، بين محاولةٍ وأخرى فَسحةً قصيرةً من الوقت. لحظةٌ متاحةٌ للخلاص، لن تتكرر أبداً. يثبُ من فتحة الخندق ويستنشقُ هواءً عذباً. للمرة الأولى منذ سبعة أيام لا يشعر بالخدر الذي أكل ساقيه. تُدوّي رصاصةً تحت بسطاله فيتناثرُ رذاذ الثلج. يقفزُ في الوادي وتلاحقهُ رصاصاتٌ كثيرةٌ. كان يتدحرجُ في الثلجِ مثل نيصٍ مفزوع. من الحماقة أن يفقد قدرتهُ على التركيز، عليه الوصول إلى غابة البلوط قبل الغروب وهناك يسند ظهرهُ المتعب لشجرة سروٍ وينام. ضَلّ طريقهُ في الغابة ثلاثة ايام، فأكلَ عشباً وبيلساناً وتيناً يابساً.

عند تخوم الهضبات تنفس بشغف، ثم ابتسم للمروج الخضراء. كأن الربيع قد جاء مبكراً، ونزل الدفءُ فجأةً.

الرواية نت