الرئيسية / فصول روائية / فصل من رواية “مساج ياباني لأكتاف السماوة وجلجامش”* نعيم عبد مهلهل*

فصل من رواية “مساج ياباني لأكتاف السماوة وجلجامش”* نعيم عبد مهلهل*

الفصل الأول
آدم يستعيد بضاعته




ــ 1 ــ
في عام 1961 جاءت إلى العراق بعثة آثاريه يابانية برئاسة الدكتور نامي ايكامي للتحقيق والبحث عن مزاعم غرق كنز من اللقى والتحف والتماثيل الأثرية، وأغلبها يعود إلى الحقبة الأشورية حيث يُعتقد أنها غرقت بينما كانت محملة على زوارق كبيرة في نهر دجلة، وتعرضت إلى عاصفة ترابية عند نقطة التقاء النهرين في مدينة القرنة، ومن بعض نوادر التعليقات وقتها قول لضابط بحرية بريطاني كُلفَ بمهمة إنقاذ الآثار الثمينة ولكنه لم يفلح وجماعته قوله: أن آدم أراد أن يستعيد بضاعته المسروقة ، وهو يقصد أن الزوارق غرقت قرب مكان الشجرة المقدسة التي اسمها (شجرة آدم).




والزوارق التي أتت من جهة الموصل في ظهيرة يوم صيفي عام 1855 ميلادية، بإرسالية يصاحبها المنقب الفرنسي يوتا وزميله فلانوان ، وكانت محملة بقطعٍ أثرية وثيران مجنحة وكتب على شكل ألواح أخذت من قصر الملك الأشوري آشور بانيبال، وهناك 235 قطعة أثرية جُلبت من قصر الملك سرجون الثاني. وقد غرقت في هذا المكان حيث القاع العميقة بسبب تلاقي النهرين، والرواية المتداولة أن الزوارق تعرضت إلى عاصفة ترابية صيفية هبت على المنطقة.
لكن الهمس المتداول حينها يقول أن الزوارق غرقت بسبب تعرضها إلى هجماتٍ من العشائر التي تسكن ضفتي النهرين لاعتقادهم أنها تحمل بضائع ثمينة مثل الملابس والمأكولات والتوابل والشاي والكماليات، ولكن الأقرب إلى التفسير ما ظلت الدوائر الاستخبارية والرسمية تتداوله هو أن العشائر تعرضت للزوارق بسبب التحريض من الإنكليز وذلك بسبب كرههم للفرنسيين، لأن الشحنة مرسلة إلى اللوفر بإيعاز وأشراف من القنصل الفرنسي لدى الدولة العثمانية في بغداد.
يُقال أن الشحنة ظلت في القاع ولا يتداول عنها سوى في الحكايات التي تفترضها الأخيلة وتلفها الأساطير، ولكن الكثير من راجحي العقل كانوا يعتقدون أن الآثار الثمينة قد طُمرت في القاع العميقة وتراكمت فوقها أطنان من الطمى والطين وربما الكثير من القطع الأثرية (بسبب سرعة جريان النهر أثناء الفيضانات )قد انزاحت إلى مناطق أبعد، وليس مستغربا أن تصل بعض اللقى الأثرية إلى قاع الخليج العربي.





أصبح أمر هذه الشحنة مقترنا بما يشبه غرق القارة المفقودة أطلانطا رغم أن بحار العالم ومحيطاته تحوي على مئات الكنوز المطمورة في القيعان بسبب تحطم الكثير من السفن أثناء حروب الجيوش وسطو القراصنة، أو بسبب العواصف والأعاصير.
الذين اهتموا بالبحث عن الزوارق وحمولتها الثمينة الغارقة، ظلوا يعتقدون أن الصناديق تحتوي آثاراً لمدن آشورية وبابلية وسومرية تكفي لملء أربعة متاحف، وأنها تمثل النتاج الفني والفكري والديني للكثير من حضارات وادي الرافدين، لهذا اعتقدوا أنها أطلانطا أخرى غارقة لو تم العثورعليها لغيرت الكثير من مسارات البحث والنظريات وأضافت إلى المقتنيات الأثرية أشياء جديدة ربما تبهر العالم بجمالها.
جاء الدكتور نامي ايكامي ببعثته اليابانية المؤلفة من باحثين وعلماء آثار ومساحين وعلماء لغات رافدينية ونصبوا معداتهم في مخيم قريب من المكان المفترض أن المراكب غرقت فيه.
ولأشهر حاول الدكتور ايكامي أن يكتشف حتى لو قطعة أثرية واحدة تؤكد تلك الافتراضات والحكايات المتناقلة والمكتوبة عن الكنز الغارق ولاسيما أن مسوحاتهم وكشوفاتهم امتدت بطول افتراضي قدره 7 كيلومترات.
بين أعضاء البعثة كان هناك طالب في السنة الأخيرة من كلية الدراسات الشرقية قسم الآثار في جامعة طوكيو يدعى ميشيما يامازاكي، كان من بين المتحمسين لمشروع البحث عن الكنز، وكان من المعجبين بنصوص ملحمة جلجامش التي كانت واحدة من أطروحات تخرجه، وقد قرأها بالإنكليزية قبل أن تترجم إلى اليابانية، وقد كان يحث رئيس البعثة على الصبر والبقاء وقتا أطول في رغبة منه للسماح بين الحين والآخر للذهاب إلى أوروك ليطلع على ما يعتقده أنه يمكن أن يكون قريبا من بطل الأسطورة السومرية ويكتسب من خيال المكان رغبته المعرفية بتعلم طرائق الإيحاءات الإيمائية والطقوس التي يمارسها الكهنة للسيطرة على البشر، وقد اتصل الدكتور ايكامي برئيس البعثة الألمانية في أوروك من أجل أن يعمل ميشيما معهم كمتطوع وبدون مقابل، ولأجل مزيد من المعرفة ليومي الخميس والجمعة والسبت وبقية الايام يلتحق بمخيم البعثة الأثرية في القرنة.
منذ تلك الأيام خفت في ميشيما اللهفة التي كانت تسكنه هو ورجال البعثة الأثرية من أجل العثور على الكنز الغاطس في القاع الطيني، تعلق برحلاته الأسبوعية إلى أوروك التي وفر له الطريق إليها متعة مشاهدة بيئة الأهوار، وكانت متعته الجميلة التي تسكنه هو دهشة أهل الأهوار (المعدان ) بهيئته وملامحه وهم يرون الوجه الياباني الصغير الذي لم يألفوا رؤيته من قبل، وقد أعجبتهم براءة ابتسامته وصارت بائعات السمك على الشرائع الواقعة على ضفاف الأهوار حيث الطريق الترابي الذي يربط مدينة القرنة في مدينة الجبايش يمزحنَ معه بكلمة مستر ويطلبن منه شراء السمك، وكان يستريح عند تلك الأمكنة وينزل من الحصان الذي يحمله مع قافلة السفر التي يستغرق سيرها نصف نهار حتى الجبايش ومنها سيركب سيارة خشبية نوع ( دوج ) ليصل بها إلى مدينة الناصرية، وفي تلك الاستراحات تشع منه فرحة غريبة ليكون قريبا من تلك الوجوه التي قرأ عنها في دراسته الجامعية وأخبرته مدونات الجامعة أن هؤلاء المعدان يمكن أن يكونوا من بقايا السومريين الأوائل الذين صنعوا كل تلك الحضارة.
يصل الناصرية مع حشد من المسافرين أغلبهم من النساء اللائي يحملن بضاعتهن من أواني اللبن الخاثر وصواني القيمر ليصلن إلى سوق المدينة ويبعنها بسرعة، وإن تأخرن بتن في واحدٍ من خانات المدينة القريبة من السوق القديم، وأن بعن بضاعتهن بسرعة عُدنَ إلى الجبايش مسرعات.
كن يثقن ببراءة ضحكته وإشارات رأسه ويستأنسن إليه فيقصصن عليه قصص حياتهن والبعض تتجرأ وتقص عليه حكاية غرامها، ورغم أنه لا يفهم أغلب كلامهن ولهجتهن إلا أنه يهز رأسه ضاحكا ومبتسما فتعتقد النساء المعديات أنه فهم لغتهن وتضامن مع همومهن.
وحده عبودي سائق السيارة الدوج الخشبية يقول لهن: لماذا أنتن مجنونات. هذا الياباني صنع الراديو والمروحة والصوبة النفطية والثلاجة ولم يصنع ثرثرتكن .
فترد فخرية أجمل بنات المعدان والتي أعجب ميشيما بملامحها السومرية وكان يتمنى في كل رحلة إلى أوروك أن تكون فخرية من بين راكبات الباص الخشبي.
وتقول: اسكت يا عبودي دعنا نخرجَ قهر قلوبنا إلى هذا الرجل الطيب. وجهه يدل على أنه كاتم أسرار وصندوق أمين لحفظ ما في قلوبنا من شكوى وضيم وأمان.
يرد عبودي: وأنتن ألا تخفن مني أن أفضحكن؟.
فترد: لا أنت أخونا وابن عمنا وأبونا.
تمضي عجلة الدوج، وفي كل مرة، ميشيما يسرق من وجوه جميلات المعدان هالات ضوء من تلك الفطرة الريفية الجميلة، ومتى تشع نجوم سماء أوروك في ليل مخيم البعثة الأثرية يحاول ترتيب تلك الشموع السماوية المضيئة فوق رأسه باستقامة، ومع ضوء كل نجمة يضع وجها من وجوه النساء اللائي يشاركنه سفره الأسبوعي من الجبايش إلى مدينة الناصرية حيث يركب باصا خشبيا آخر يوصله إلى محطة قطار أور الذي سيصعده لمدة ساعة ونصف يصل به إلى السماوة، وهناك يصعد باصا خشبيا آخرا نوع فالفو يوصله إلى أوروك.
أما إذا تأخر القطار عن موعد في قدومه من البصرة، وأغلب الأوقات يكون تأخره لثلاث ساعات أو أكثر كما يخبرهم ناظر المحطة، ففي تلك اللحظات يمتلك سعادة أخرى لهذا التأخر الذي يتمناه في كل وصول له إلى محطة أور حيث بإمكانه استئجار حصانا من أحد البيوت الطينية القريبة من المحطة ويذهب به إلى الآثار القريبة من المحطة ويتجول بين الآثار حيث يستقبله الحارس الذي تعوّد أن يكرمه ميشيما في كل زياره بعلبتي بسكويت بطعم الحليب ماركة (ماري) ومعها إكرامية ثلاثة دراهم.
يصعد إلى الزقورة، يتجول بين أقبيه مقبرة أور المقدسة، يسجل في دفتره بمساعدة حارس الآثار الذي يتقن الإنكليزية رغم أنه لا يقرأ ولا يكتب، يسجل خواطر المكان وقدسيته ويتخيل شيئا من يوميات ليوناردو وولي ورجال بعثته الأثرية، وبمساعدة الحارس يضع افتراضات أخرى عن المكان وطقوسه والأيام التي استطاع فيها وولي من نقل عشرات الصناديق من الكنوز الأثرية القديمة، وربما بعضها تعرض إلى الغرق كما حدث في الكنز المفترض الذي بحثت عنه البعثة اليابانية.
يتذكر أن أحد معاوني وولي كان الآثاري ماكس مالوان زوج الروائية أجاثا كريستي، الذي أتى ذات يوم عندما كان مديراً للمتحف البريطاني ، وقد جاء ليحاضر في جامعة طوكيو في كلية الدراسات الشرق أوسطية وتحدث عن المكان وتأثيره الروحي والديني في الحضارة البشرية، وتحدث أيضا أن أور كانت سببا في معرفته لزوجته وشريكة حياته الرائعة الروائية آجاثا كريستي، عندما خاطبه وولي هامسا وكانت آجاثا وقتها تقف في أعلى الزقورة ويتطاير أطراف ثوبها الأبيض مثلَ غمامات ونوارسَ بيضاء قائلا له:
الليل هنا دون امرأة لا يطاق. أنا معي زوجتي كاترين، فدع أجاثا تأتي إليك لتكون رفيقة عمرك ورفيقة لهذا الليل السومري البارد؟.
رد ماكس مالوان ضاحكا وقال :هذا شيء يخفق له قلبي بفرح.
أخبر ماكس مالوان اليابانيين في تلك المحاضرة أن زوجته آجاثا كانت تحتاج إلى مساجٍ يريح أكتافها بشكل دائم لأنها كانت تقضي اليوم ولساعات عديدة وهي تكتب مسودات رواياتها الجديدة. وانه تعلم ممارسة المساج من خلال كراس مترجم عن اليابانية عنوانه: كيف تريح من معك بأصابعك. وجده في رفوف مكتبة المتحف ويبدو أن أحداً من زائري المتحف قد نسيه في المتحف، فقرر هو ضمه إلى الأرشيف الوثائقي في مكتبة المتحف، بعد أن لم يأت احد لاسترداده، وأنه وجد فيه متعة كبيرة ويكاد يحفظه عن ظهر قلب، وأن آجاثا أخبرته أن هذا الكتيب الصغير أحد أجمل هدايا حياتهم الزوجية، لأن ما فيه يريح أكتافها كثيرا من اجل الكتابة لوقت أطول. وبفضله يا ماكس تستطيع أنت الآن أن تريح أي منطقة في جسدي حتى عندما تقدم بنا العمر.
كان ميشيما يتمنى أن يلحقوه ببعثة أثرية تنقب في أور، إلا أنهم أخبروه أن أول البعثات اليابانية الآثرية في العراق ستذهب إلى منطقة في أعالي دجلة تسمى سد حمرين، وعليهم أن ينقذوا آثارها قبل أن تغمرها مياه السد الذي أنشأته الدولة العراقية حديثا، فرضي وقتها أن يلتحق بالبعثة، فربما تمهد له العودة إلى أوروك خاصة عندما أخبروه أن المنطقة الأثرية في سد حمرين قد تعود آثارها وبيئتها إلى عصر الوركاء. لقد اقتنعَ أن الآثار التي جاء ليجدها في مجرى النهرين ليست سوى وهم وسراب.
لقد اعتمدوا على خرافات الحكايات الشفهية لسكان تلك المناطق من الريفيين وروجوا لها في عدة أعمدة صحفية ومقالات تم نشرها في مجلات علمية ودوريات أثرية تصدر من متاحف عديدة.
وظل ميشيما يقول لرئيس البعثة: إنهم أكلوا طعم خديعة هذا الوهم، والكنز ليس له وجود أصلا، وينصحه بالاستعانة بذات المعدات الحديثة للذهاب إلى أماكن أثرية أخرى.
وحين رد عليه رئيس البعثة: إن الإنكليز والفرنسيين والألمان نهبوا كل المدن الأثرية ولم تبق سوى الطلل والخرائب.
قال له: إن الأطياف الذي تأتيه في ليل أوروك عندما يكون ممدداً على سطح غرفة منامه الطينية ويتأمل النجوم التي كانت تخبره أن الكثير من الآثار التي خلفها جلجامش وأحفاده لم تزل مدفونة تحت التراب،
وإن مراكب الكنز المزعوم والتي غرقت في ملتقى النهرين، لم تكن سوى شحنات للشاي الأسود والبهارات الهندية كانت تنقله مراكب شركة الهند الشرقية من سيلان ودلهي إلى بغداد، ولم تكن فيها أية آثار مهربة .
وهكذا ظلت أوروك محطة للتأمل والرغبة في أن يعمل فيها ميشيما ذات يوم، بالرغم من أن أحلامه تسكن في أوروك ، حيث أعجب بجلجامش من خلال أفكار الملحمة وتفاصيل حكايته فيها ، إلا أنه كان يشعر بسعادة كبيرة حين يعتلي الزقورة ويشم الهواء بعمق وفي الأفق تظهر أمامه ثلاث جهات، الجهة التي فيها مخيم رفاقه قرب شواطئ التقاء النهرين وشجرة آدم والجهة الثانية أوروك حيث تلوح له جدران المعابد والبيت الطيني الكبير الذي بناه رئيس البعثة الألمانية ليكون سكنا لرجال البعثة، أما الجهة الثالثة فكانت مدينته البعيدة طوكيو.
لكنه سيعود إلي مدينته بعد سنوات ويكمل تعليمه ويراسل البعثة الألمانية مرة أخرى فيدعونه لدراسة التاريخ السومري في جامعة دوسلدورف، فيلتحق كطالب بعثة ، ومن بعض تطبيقات أطروحاته عن حضارة وادي الرافدين اختار أوروك لتكون عنوان أطروحته ، وليصاحب البعثة الألمانية مرة أخرى، وليبقى هناك أكثر من سنتين، حيث تعرف على المكان ولم ينسَ رغبته بزيارة مدينة أور بين الحين والآخر، وسُعدَ أيضا أنه صادق رجلا سماويا يبيع الجبن الأبيض ومن هذا الرجل عرف لذة تناول الشاي بالريحان الذي يغمسه بالصمون والجبن.
وتلك الحكايات هي ما سيرويها إلى الطالب الياباني ايشو الذي طلب منه عدة لقاءات للاستفسار عن المكان الذي سيذهب إليه في مهمة مع القوة اليابانية التي كانت مدينة السماوة العراقية حصتها في مسك الأرض بعد أن اجتاح الأمريكان عموم أرض العراق، ووزعوا البلاد على الجيوش المتحالفة معهم، وكانت حصة مدينة السماوة ومدنها لقوتين عسكريتين هما الجيش الياباني والجيش الهولندي.
وقتها ضحك الدكتور ميشيما وتذكر أن اسمه هو ذات اسم الروائي المنتحر يوكيو ميشيما، وقارنه بالمزاج العصبي لرجل هولندي هو الفنان فان كوخ الذي جعل صيوان هاجس انتحار، وكليهما الروائي والرسام عاش مزاجا متقلبا ومرا بهزة روحية وعاطفية عنيفة، ولكن يوكيو ميشيما حسمها على طريقة الساموراي وبقر بطنه بالسيف، بينما فان كوخ قطع صيوان أذنه بشفرة حلاقة وقدمه هدية إلى امرأة لم تعجب بشيء فيه سوى أذنيه اللتين بدتا كأذني أرنب بري.
لقد جاء منذ شبابه إلى المكان في سعي منه ليجد مراكب غاطسة في الماء منذ أكثر من مئة عام، ولكنه ترك تلك المهمة لشعوره أنهم سوف لن يجدوا حتى ختما أسطوانيا واحدا. انحدر جنوبا إلى المكان الذي عشقه منذ أن لاحت له ظلال خطوات الملك الأوروكي تجوب طرقات العالم، وعليه الآن أن يعلم هذا الشاب ايشو بعض أسرار المكان وتقاليده، وأن يتركه يقص تفاصيل حكايته معه يوم دلف الشقة لأول مرة وقدم نفسه، لينصحه البروفسور ميشيما بقوله: عندما تختار أوروك جهة، عليك أن تؤمن أنك تبحث عن أرواح وليس عن الحجر، ولا تغيرها بمعرفتك لطقوس يابانية وتقول لها أنك خبير أطياف ومساج وهايكو، لأنها ربما مارست المساج قبلنا بآلاف الأعوام وكتبت الهايكو قبلنا وعاشت في قراءة طالع أزمنتها ونبوءاتها على قارئي الأطياف.
وخذ معك ما كتبته من بعض فواصل هذا الحديث الطويل بيننا، واجعله تعويذة، فإنها خلاصة كل الأزمنة التي قضيناها في أوروك. اقرأها وأنت تستعيد في كل رحلتك تفاصيل ما سيجري لك على لسان راوٍ أو على لسانك، المهم انك تنجح في أن تكون مثلي وقد تواصلت مع المكان من خلال انحناءة وابتسامة وليس من خلال بندقية، وحين تبدأ السرد لا تلتفت إسوى ما يعنيك أنت والمقابل الذي تتحدث اليه . وحتما ستلاقي ما هو محرج وما هو مفرح ومن بعض ما هو مفرح أنك ستسأل لي عن الطيب الحاج كاظم بائع الجبن الأبيض فإن لم تجده اسأل أصحاب الحوانيت في سوق السماوة المسقوف، وحتما ستجده .
احك روايتك أنت عن المكان بأسمك، وابدأ فيها منذ بواكير وعي صباك. وانس أن حكايتك يتقدمها هذا الفصل، أنا فقط أُعرف بنفسي حتى لا تضيع مساحة الفكرة في مهمتك، وحتى تكون لك أرضية تعينك في مهمتك، وتبعد عنك رهبة انك ذاهب الى أوروك المدينة التي رأى فيها جلجامش أن الحياة الخالدة منحة غرام تعطيها الآلهة عن طريق السعي إلى الشيء، واختارته لأنه من أم كاهنة تدعى ننسون نصفها بشري ونصفها إلهي.
تلك الذكريات تناولها أنت بطريقتكَ، خاصة لأني لا أريد أن أدونها دون أن أشعر أن قدماي قد غادرت إلى هناك، ولكني كنت في كل مرة أعود إليها كمنقب ولا أريد أن أعود إليها كجندي محتل، لقد مللنا قساوة حروبنا في كوريا وجاوه والفلبين والصين. ينبغي إلغاء تلك العصور، وعليك أن تفكر وأنت هناك ألا تدفع خطواتك عبر بوابات معابد أورك كجندي، قل للمكان انك تلميذ للبرفسور ميشيما، وانك قبل أن تأتي إلى هنا تناولت الجبن والشاي بالريحان من بسطية الحاج كاظم السماوي.
تفتح ابتسامة شوق وجه البرفسور ميشيما، وقد أودع عند تلميذة تكملة لمشوار بعيد لم يصدق أنه في يوم ما سيجيئ من يعيده ويستذكره معه، وسيعرج بالفرح الى أيام شجرة آدم وكيف أغرته بيئة الأهوار ومجرى النهرين العظيمين، حتى أنه تمنى أن يجيء بوذيو اليابان ليمارسوا عند هذا المكان لحظات تأمل النخيل وهي تعكس على الماء أحاديث تواريخ بعضها غارق في أعماق الطين، وبعضها معروض الآن في واجهات متاحف المدن البعيدة، لكن رئيس البعثة اخبره أنهم أتوا إلى هنا من أجل حدث تاريخي، وليس من أجل طقس ديني، ولا يمكن حمل شجرة الكرز إلى ضفاف الطين، ومثلما أنتَ لا تستطيع أخذ النخلة إلى الشتاء الياباني القاسي.
هذه الأمكنة التي تختلف أزمنة العودة إليها، استذكرها البروفسور ميشيما مع فرحه أن يابانيا آخر سيذهب إلى هناك رغم أنه لن يذهب مع مجرفة وأدوات تنقيب، ولكنه نصح تلميذه الذي تقدم إليه ليقول: بروفسور ميشيما أنا تلميذك منذ هذه اللحظة ولأسابيع أتمنى فيها مجالستك لأعرف كل شيء عن مكان سأذهب إليه وبصحبة مدرعة عسكرية، ولكني لست عسكريا أنا موظف في متحف، ودرست خلال دراستي الجامعية ثلاثة كورسات عن حضارة وآثار بلاد الرافدين وفيها وجدت فصولا كثيرة عن عملك التنقيبي هناك.
قال البروفسور: نعم ذهبت لأبحث عن كنز مفقود، ولم أجده، ولكني وجدت أثمن منه، وجدت سحر أوروك، ولذة الشاي معطراً بالريحان العراقي.
هذا نبت سحري لم أجد مثله في اليابان، ويبدو أنَ بذوره أتى بها جلجامش عند عودته وجعلها بديلاً عن عشبة الخلود التي لم يحصل عليها.
لاحقا سيعشق أيشو شرب الشاي بالريحان، وسيعيش أياما مع الليل الذي كان جلجامش ملكه، ولكنها الآن مجرد خرائب، وليس في المكان الكنوز التي يمكن أن يكتشف فيها شيئا جديدا عن تاريخ المكان. ورغم هذا، كانت هناك امرأتان تتناوبان في زيارتهما إليه، شيء من فتنة الحس وطقوس من مساج لذيذ ، ولأنه لا يستطيع أن يديم الغرام مع اثنتين على سرير طيني واحد ، فعل مثلما كان يفعل جلجامش، يأخذ واحدة إليه، ويهب الأخرى إلى خله وصديقه أنكيدو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
• الرواية صادرة عن منشورات نينوى في دمشق.
• روائي عراقي مقيم في ألمانيا.



شاهد أيضاً

راحلة.. مقطع من “حديقة القلب” نعيمة السي أعراب

جَلَسا لِتناوُلِ الطعامِ في مكانٍ راقٍ وجميل. قَدِمَ النادِلُ حاملاً المشروبَ في يدِهِ، قلَبَ الكَأْسَينِ …