الرئيسية / فصول روائية / فصل من رواية “لالين” وجيهة عبد الرحمن *

فصل من رواية “لالين” وجيهة عبد الرحمن *

لالين.. سليل نهايات الحروف
“الفصل الثاني”
طوال الوقت كنتُ أشعر بنفسي عالقاً في مكان ما لا أعرفه، لم أكتشف بعدَ كل الذي مرَّ بي أنَّ المرء يمكن أن يبني حول نفسه أسواراً منيعة، ليس بمقدوره اختراقها كروح أو القفز فوقها، مافاتتني من سنوات كانت أشبه بسمفونية عذبة لم يكتمل أخر سطرين من نوتتها.
غادرتني الفصول واحتضنتني أخرى، كلُّ شتاء كان أقسى من سابقه، وكلُّ ربيع لم أشعر بعطر نسائمه، نساء العالم كنَّ بالنسبة لي أشبه بقوارير زجاجية، أجد صورتي فيها مقعرةً مرَّة ومحدَّبة الوجه مرة أخرى، كنت في داخلي أشعر أنِّي خلاسي، ذميم الوجه، علماً أن سوزان كانت قد أحاطت حياتي بجدران من البللور أستطيع من خلالها رؤية العالم المحيط ليس كما يجب، وهم لم يتمكنوا من إدراك وجودي، عرفت أنَّها إنَّما فعلت ذلك لخوفها علي، أنا وحيدها الذي ظفرت به من الدنيا.

طوال عشرين عاماً من الزمن كنتُ غصناً من شجرة انتصبت في أرض غير أرضها، لم تمتدْ جذورها في الأعماق، أتساءل الآن بعد مضي كلِّ تلك السنوات، و بعد قراءتي لتلك الرسالة، أنَّ ماكان يلحق بي من أذى واستهجان من أقراني، إنَّما لكوني لاأعرف من أنا.
حتى ساندي التي أحبتني وقد كنَّا على وشك الزواج، بالرغم من تردُّدها أحياناً، سأعزو ذلك إلى أنَّها في قرارة نفسها، كانت مدركة تماماً أنَّها ستسلِّم مفاتيح عمرها للمجهول ، ثمَّ ماسرُّ احتفاظي بشاربين طويلين يستطيع طائر بناء عشه عليهما.
مراراً وقفتُ قبالة المرآة أتباهى بامتداد شاربي كجناحي نسرٍ يحلِّق في السماء، وعينيه أبداً على الأرض يبحث عن طريدة يلتقطها بمخاليه، كنت أديرهما ذات اليمين وذات الشمال، أو أجعلهما على امتداد مستقيم ثمِّ انزلهما أسفلا أو أرفع بهما بيدي الاثنتين، أغيِّر من وضعية شاربي الطويلين كثيراً متباهيا بهما، على أنَّهما يميزاني عن باقي الشباب وأن ساندي اختارتني من بين الرجال لأنني بشاربيَّ أبدو كرجل أكثر قوة وصلابة من غيري وأنِّي سأوفِّر لها الأمن والأمان متناسياً كم من مرَّة نبذتني لأجلهما كلَّما هممت بتقبيلها:
– أبعدهما عني… كتلة الشعرهذه، تقول بازدراء
– ألا يروقك أنَّ حبيبك مميَّز ، أردُّ عليها بخيلاء.
– لن أدعك تقبلني طالما تحتفظ بهذين الشاربين… أرجوك جد لهما حلاً وإلا!!
– وإلا ماذا ياساندي؟ لااعتقد أنك جادة فيما تقولين، أحاول التحايل عليها…
– لن تقبلني، تقول بصرامة.
– لن أحلقهما حتى وإن كان الثمن فقدانك…
كنت أتركها معلَّقة بجناحي شاربيَّ الطويلين على قارعة الطريق، وأمضي متمتماً بما يرضي غروري مؤيداً نفسي، بأنَّ ما فعلتُهُ هو الصواب وأنَّ هذين الشاربين إنَّما هما هويتي.
الآن أدركت أنَّ شاربيَّ كانا على الدوام هما هويتي المجهولة، سيرة حياتي الهلامية، كنتُ منفلتاً من حياة عشتها في كنف والدين محبين لي وقدَّما لي ما لم أكن أحلم به.
كنت كنبتةٍ ظلَّ من زرعها مترقباً لها بعينين مرهقتين، ليشهد كلَّ مراحل نموِّها، هكذا تابعاني مذ انتقلتْ ملكيتي إليهما، وآلت إليهما مسؤولية الإبقاء عليَّ حيَّاً، حتى أحقِّق ماكان يرغبان بها من أحلامٍ لولد من صلبهما، وحين عجزا عن الإنجاب أصبحتُ أنا ذلك الحلم المعلَّق بين أهداب القدر، رهنا حياتيهما للمضي بي قدماً بنجاح، في مدرسة الأمل الخاصة منذ سنواتي الأولى للدراسة، حملتُ لهما البشائر دوماً بنتائج ترضي الملائكة التي حملتني على أكفِّها الرقيقة لتمنحني الأمان والطمأنينة، على أنَّ أيامي القادمة إنَّما هي حياة كاملة تليق بمن كان بذرة للحب والخطيئة، تواطأتْ كلُّ قوى الطبيعة والبشر من حولي لتحجز لي تذكرة رحلة الحياة في الدرجة الأولى حيث قاعة الأيام الذهبية، بالرغم من ذلك وعلى الدوام شعرت بنظراتٍ لمْ ترضني وبهمسات لم تخلُ من النيل من روحي.
على الدوام كان قلبي ينبض بغير توازن، تسارعاً تارة وتارة أخرى بتباطؤ، وكأنَّ قطاري وصل إلى محطته الأخيرة، وعلي الترجُّل من قطار الحياة إلى حيث الحفرة المظلمة، لأنضم إلى سكان العالم السفلي وقد تشتتوا بين الحزن والحلم والوهم.
بينما كنت أقرأ تلك الصفحات الطويلة من الألم ، تذكَّرت ذات مرة اصطحبتني فيها أمي سوزان الجميلة، إلى محلٍّ تجاري لمقتنيات أثرية ، أذكر حينها وكنت في العاشرة من عمري، تركت حينها كلَّ ما كان يحويه المتجر، وتسمَّرتُ أمام مِعطَرَةٍ تعود إلى سنوات طويلة من القدم، وأجبرتها على شرائها، حينما عدنا إلى البيت أخذتها إلى غرفتي وضميتها إلى مجمل ما كانت تحفل به رفوف مكتبة خاصة في غرفتي.
حتى أبي الجديد لم أسلم منه بشأن شاربيَّ، طالما نعتني بألفاظ لم تخلُ من الإهانة ليحمِّلني على التخلص منهما، حين زارنا ذات مرة أصدقاؤه في البيت، ولم تكن أمي موجودة، طلب مني أن أعدَّ لهم القهوة، بعد أن قدَّمت لكل واحد منهم فنجانه بكل لطف وخرجت ، سمعتهم يؤنبونه على شاربي.
– لماذا تسمح له بإطالة شاربيه هكذا، قال أحدهم.
– يشبه إيزيدي…
ضحكوا جميعاً
– يبدو بهما كأنَّه رجل كبير بالعمر، ألا تستطيع إجباره على التخلص منهما؟
بدا والدي كالمتهم بينهم، كلُّ واحد يدفعه إلى سلوكٍ ما ويقترح عليه طريقته لكي يتخلص من شاربي.
– بينما هو نائم تسلَّلْ إلى غرفته وقصَّ طرفاً ، حينها سيضطر إلى أن يحلق الطرف الآخر.
ردَّ عليه آخر:
– لا لايجوز، لالين رجل، لايمكن التعامل معه بهذه الطريقة.
كان والدي محرجاً أمام أصدقائه، لدرجة أنَّه لم يدافع عن نفسه وعني.
بعد أن سمعت حوارهم وشعرت بالحرج الذي بات والدي فيه وهو لايستحق أن يُدان بسببي، أخذتُ المقص وذهبت إلى غرفتي، وقفت أمام المرآة، مسكت أحد طرفي الشاربين بأصابع يدي اليسرى وباليد اليمنى كان المقص يكشِّر عن أنيابه، لحظات وسيتحولان إلى مجرِّد شعيراتٍ أرمي بها إلى سلة المهملات، انتابتني قشعريرة ، همس الأسلاف في أذني: أن اتركهما.
فجأة سرى الخدر في ذراعي حتى وصل إلى أصابعي الممسكة بالمقص، فسقط من يدي على قدمي محدثاً جرحاً بليغاً في إبهام قدمي الأيمن.
مراراَ سألت نفسي لماذا لاأستطيع الخروج من نفسي؟
شِباك الأسلاف أبقت عليَّ رهينا هلامياً، لم يشعر أحد بي سجيناً في غشاء لا أستطيع معه الانطلاق، ما كان يسند خاطري هما والديَّ الذين أحاطا بي من كل جهة بذراعيهما ، ليجنِّباني الضياع.
الآن أيضا عرفت من تكون تلك المرأة التي رافقتني أيامي ، طالما كنت أرى امرأة تراقبني عن بعد، أصدفها كثيراً، كانت تثير دهشتي وريبتي، تفتح الباب لسؤال وحيد: من تكون؟
مارتا التي ورد ذكرها في الرسالة، الشاهد الوحيد على مصير امرأة غافلها القدر، فوضعها على بساط الريح ليحملها إلى حيث مجهولٍ مضت في أروقته غير مدركة لبدايتها وما ستؤول إليه بمصيرها ، وهناك حيث الحبُّ، كنت أنا بذرة الكتَّان التي كبرت في أحشائها وقد رمت بي إلى عراء الوحدة، أعزلاً من نسب الجدارة بإعلانه.
ضمَّنت سرَّها في رسالة كقصاصة ورقة بلهاء، تُقدَّم إلي بعد عشرين عاماً ، تساءلت في نفسي بعد ذلك، لماذا اختارت القفز فوق سنوات طويلة بقدمي الحياة التي لاتؤجل حدثاً إلى غير موعده.
رافقتني مارتا بإصرار المهاجر على العودة، متنكرة بأشكال كثيرة، تابعت مسيرتي في كل مراحلي على مرِّ كلِّ تلك السنوات.
عندما كنت صغيراً لم أكن ألحظها، ولكن في السنوات الأخيرة التي سبقت العشرين عاماً، كنت أصدفها إما واقفة في الشارع المواجه للبيت، أو في طريق العمل، أو في الحديقة التي كنت ألتقي ساندي فيها، كانت تحدِّق بي، رأيتها تمسح دموعها أحياناً، وأحيانا تبتسم لدى رؤيتها لي.
الآن عرفت أنها شاهدة أمي الوحيدة والراوية التي كتبت قصتها عنها مستفيدة من دفتر مذكرات أمي ، لأنَّها الوحيدة التي كانت على اتصال معها وإطلاع على أوضاعها بالتفصيل.
أكان عليَّ أن أكرِّم مارتاعلى احتفاظها بوعدها لأمي، لأنَّها كانت تعلم طيلة السنوات الماضية أنني متبنى وأنِّي نزيل الحياة بسبب حبِّ كاترين وزارا الذي لم يكتب له الاستمرار إلا عن طريقي، كبذرة للحبِّ والخطيئة لدرجة العناد الأزلي ليستمر نسلهما بي.
هل أكره نفسي لأنَّني حصيلة عار أمي أم أحبَّها على أنِّي استمرار لنهج الحب الإلهي الذي طرحه الله في النفوس الجانحة.
أنا خدعة الأبدية الصمَّاء، ثالوث الحياة بلعبة الجنس المقدس بين ثنائيات الكون السامية، الحبلُ السرِّيُّ لاستمرار الجنس البشري على طريقة الكيمياء البشرية، أنا هنا الآن لالين… الاسم المسبوق بدهشة السماء لاندماج الشرائع في كتلة الصوان، أسير في شرايين الزمان خالي الوفاض من خطَّة لحياتي.
ماذا بعد أن قرأت تلك الرسالة، ماذا عساي أن أقدِّم لنفسي ولوالدي الذين حملاني بأكفهما المرتعشة خوفاً من فقداني كل حين وقد نذرا حياتهما لرعايتي، أشعر بهما كيف كانا يتشظيان مزقاً من كأس بلور يصطدم بجدار حينما تسللا إلى غرفتي ليضعا الرسالة على طاولتي، أكان قراراً منهما التخلُّص مني وقد اكتفيا مني ابناً ليس من صلبهما ، أم تنفيذاً لعهد قطعاه للجمعية الخيرية بأنَّ يسلما لي الرسالة الموضوعة في حقيبتي مذ وضعتني كاترين على بابها طفلاً رضيعاً يصل صوت بكائه إلى آخر طبقات السماء، ثم بقيتُ في غيبوية الانتماء، كمن بات في حالة من السبات الجزئي منقطعاً عن عالمه ، موصولاً بكوابل كهرمغناطيسية إلى مأخذ حياة لم تكن له، لو أنَّ سوزان وجورج اختارا غيره من الأطفال حينذاك.
منذئذ لم أتخلَّف يوماً من أيام الآحاد عن زيارة الكنيسة، بالطبع برفقتهما، هما لم ينجباني لكنَّهما ربياني ، كما لو أنني من صلبهما وقد بذلا ما بذلاه في لياليهما من حبٍّ ورغبة ليجسدا المعنى المباغت للقصد ببذرة أخفقا في الحصول على هبة الحياة من امتزاج روح الأنثى مع روح الذكورة، بالمحصِّلة كانا وحيدين إلى أن عثرا عليَّ، فكنت الهبة السماوية التي لابد من أن تنال أعظم تقدير.
حين لايكون بمقدورنا الحصول على ما يجب أن نحصل عليه، ويأتينا من حيث لاندري نبذل له العمر في سبيل الحفاظ عليه، وكنت أيضاً هذا الذي جاءهم من حيث يدرون أو لايدرون، ولكن ذلك لم يكن بالشيء المهم بالنسبة لهما، المهم أنهما اختاراني ، يالسعادتي، يالرحلتي الممتعة التي قضيتها مذ انتقلت إليهما ابناً لم يخبروه كيف ولماذا انتقل بين ليلة وضحاها من جمعية خيرية إلى كنف عائلة ثريَّة، كانت مستهدفة من قبل عصابات الاختطاف التي استثمرت الفوضى الناتجة عن الثورة السورية، فسعت إلى الثراء باختطاف ابناء المسؤولين والأثرياء وبعض الشخصيات المعارِضة للنظام، وكانت الفدية مبالغ طائلة، أحيانا كانوا يخطؤون في الخطف فيخطفون ابناً لعائلة فقيرة لم يكن بمقدور أهله دفع الفدية، فكانوا يردُّون عليهم : أن اقتلوا ابننا إن رغبتم لأنَّنا لانملك ماطلبتموه، الأمر الذي جعلهم يحيطوني بحياة بلورية خشية اختطافي.
حين دخلتُ إلى غرفتي ، كنت للتو قادماً من كفتيريا سيمونيدس برفقة ساندي، بعد أن أوصلتها إلى بيتها، طرق الشتاء أبوابنا هذا العام مبكراً ومتنكراً في زي الخريف الذي طال مكوثه، لذلك الشتاء كان قاسياً بكل معانيه وما جلبه معه من متاعه بسخاء .
كانا جالسين بجانب الموقد الخشبي حيث النار النهمة، ما أن فتحت الباب لأدخل ، كأن سقط بين يديهما ، شيء ما أثار دهشتي، دعاني أبي إلى الجلوس:
– تعال اجلس، هذه النار تغري بالدفء.
– سآخذ قسطا من الراحة، قلتها كمن يعتذر.
كانت سوزان تتمعن في تفاصيلي، إنَّه يوم ال21 من كانون الثاني، في ذلك اليوم كان وضع تلك الرسالة في غرفتي دعوة لنبش الماضي، لأعود إلى الوراء مخترقاً المجهول المغرق في التساؤلات، الموغل في الاستفسار.
فتحت باب غرفتي ، كانت باردة لأنِّي غادرتها منذ ثماني ساعات، كلُّ شيء كان مرتباً كما اعتدته منذ صغري، شممت رائحة الماضي، سوزان ربَّة منزل من الطراز الأول ، ملمَّة بكل تفاصيل حياة أسرتها، مدبرة لامثيل لها بين النساء اللاتي عرفتهنَّ من خلال علاقات الأسرة، وما هو خارج عن محيطها.
خلعت سترتي الجلدية، علقتها على المشجب وراء الباب، ثم دلفت إلى السرير، واستسلمت لنوم عميق تاركاً الرسالة تئن تحت سياط انتظارهما خارجاً، وقد ساد الصمت بينهما مترقبين خروجي المباشر بعد دقائق مستفسراً عن هذه الأوراق القديمة التي ستقلب حياتي رأساً على عقب فيما بعد.
مضى أكثر من ساعتين وهما ينتظران أن افتح الباب، بيدي تلك الورقة التي تحتفل بأول يوم لي في الحياة.
رنَّ منبه هاتفي، وما أن استيقظت كانت الساعة تشير إلى السادسة، ثم دعتني الرسالة المستلقية على طاولتي إلى قراءتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قاصّة وشاعرة وروائية كردية سورية مقيمة في ألمانيا.
الرواية نت – خاصّ.

شاهد أيضاً

فصل من “وادي الشمس: مذكّرة العنقاء” بسام المسلّم

“كوليـــنز” “ساورتني الشكوك حالما وقع عليه بصري. كان جالساً فوق صندوقٍ خشبيّ وراء جذوةٍ تعكس …