فصل من رواية: كافتيريا الأرنب الضاحك

فصل من رواية: كافتيريا الأرنب الضاحك

كبرت رشا مع جيهان يوماً بيوم.. حين تجاورتا في السكن كانتا في الرابعة من عمرهما تقريباً ..الفرق بين تاريخ ميلادهما شهر وأسبوعان سبقت بهما رشا جيهان في الوصول للدنيا .. رغم ذلك كانت جيهان تتصرف دوماً وكأنها الكبرى.. تتصدى للمخاطر وتبادر بالمغامرة، بينما تنعم رشا بلذة المشاركة بلا خوف من العقاب ..
مثلاً كانت جيهان هي من نجحت في اكتشاف سر الأخوين ألف ونون بعد مجيئهما للمنطقة بأقل من شهر.. تحريات واسعة عن طريق بواب العمارة مرة وعن طريق أخيها مرات بشكل كان يبدو دائماً عفوياً وغير مقصود ، حتى توصلت لكل ما تريدان معرفته .

رشا هي من أطلق الاسمين ” ألف ونون ” انطلاقاً من أن ألف كان طويلاً ونحيفاً ونون كان يحتفظ بلحية خفيفة يسمونها ” سكسوكة ” وتسميها هي حرف نون .
وصل الولدان اللذان يقاربانهما في العمر منذ شهور قليلة للحيّ، وسكنا بجوارهما في يوم وليلة بلا ضجيج نقل عفش أو علامات تدل على وصول أسرة من سفر ..اتضح بعدها أنهما ولدان فقط بلا أم أو أب ..اخترعت رشا حكاية أنهما طفلان يتيمان يكافحان في الدنيا بمفردهما ، بينما رفضت جيهان الفكرة تماماً وأخبرتها أنها ستأتيها بالخبر اليقين .
اختارت رشا أن تحب ” نون” وتركت “ألف” لجيهان دون أن تخبرها.. أما جيهان فكانت تصرح بإعجابها بالاثنين دون تحديد..
قبل المغرب بقليل كانت جيهان تدق جرس الباب تسبقها ضحكتها العالية والتي طالما وبختها رشا عليها بسبب توبيخ أمها لها علي ” ضحكة صاحبتها المايعة ” …
فتحت رشا الباب وجذبتها للداخل بسرعة واضعة يدها على فمها لتكتم الضحكة
– اخرسي يا بت
– الله !!..أمك خرجت ..انا شايفاها م البلكونة
– طب ادخلي وانتي ساكتة …ها ؟ عملتي ايه ؟
أخرجت جيهان ورقة صغيرة من جيب البنطلون الجينز الرمادي الذي ترتديه …قفزت على كرسي الأنتريه الضخم وهي ترقص وتلوح لها بالورقة في سعادة
– كله هنا… الخلاصة هنا…تدفعي كام بقا؟
بدأت تقرأ المعلومات التي جمعتها بسرعة ورشا تنصت باهتمام ..
ألف – والذي اتضح بعد ذلك أن اسمه حسام كان طالبا بالسنة الأولى بكلية التجارة.. يجيد الرسم ويعمل في العطلات كبارمان في فندق خمس نجوم بشرم الشيخ.. أما نون والذي كان اسمه هاني فكان بالسنة الثالثة بكلية الإعلام ..يجيد العزف على الجيتار – وهو ما جعل رشا تهيم به منذ رأته عائدا في المساء بصحبة جيتاره وتتمنى لو يقوم بالعزف مرة واحدة فقط في شرفة منزله – فكان يعمل في باند غربي للأفراح في إحدى البواخر النيلية ..وعندما كانت رشا تراه آتيا في المساء يكون قد انهى عمله تواً وانتهى من لم النقطة خلف العروسة .
ثم إنهما لم يكونا أخوين بل أبناء عمومة ومن محافظة الدقهلية والشقة شقة عمهما يقيمان فيها فترة الدراسة..
جيهان كانت تقول لرشا هذه المعلومات بتلذذ وعيناها تلمعان بضحكة شقية ، معلنة الشماتة الواضحة في رشا الحالمة التي لا تريد أن تحط على الأرض كما كانت تقول لها دوماً .بينما رشا تحاول التشبث بفكرة أن أي عمل شريف لا يعيب صاحبه وهي تطرد صورة نون يلم النقطة خلف الرقاصة وجيهان تضحك بأعلى صوتها .
رغم المعلومات الصادمة كان على رشا الوفاء بوعدها وإحضار علبة الشيكولاتة السويسرية التي اختلستها من دولاب أمها لتتشاركا فيها..
أخذا يلتهمانها في الشرفة وهما تراقبان الولدين من نافذة بيتهما في العمارة المواجهة.. ترصدان عدد زجاجات البيرة الملقاة على الأرض.. وتتخيلاهما يقومان بلف سجائر البانجو كما روى عنهما شقيق جيهان في محاولة لإبعاد تفكير أخته عنهما ..
ظلتا تقيمان الأحلام وتقعداها وتغيران اتجاهها مرات ومرات.. واختفت الصدمة من قلب رشا تدريجيا وحل محلها ضحكات عابثة لا تلوى على شيء …استمرتا في اختراع الحكايات.. يذيبانها في فميهما الصغيرين ببطء مع قطع الشيكولاتة الناعمة حتى أتيا عليها كلها مع طلوع الفجر واضطرتهما رعشة البرد الخفيفة للدخول.
………..
لكن تعامل جيهان مع استعلائها عليها لم يكن مسالماً ولا خجولاً مثلما أرادت رشا.. كانت تنظر لكل ما تقوله أو تفعله بسخرية تثير غيظها.. وكانت تحاول أن تصبر ولا تقطع كل خيوط الود مرة واحدة ربما هداها الله على يديها فكسبت بذلك ثوابها وفي نفس الوقت احتفظت بصديقة عمرها.. إلى ان جاء اليوم الذي فقدت فيه كل قدرة على الصبر
– صباح الخير
– وعليكم السلام ورحمة الله
– ماشي يا ست الشيخة ..
– ……..
– كنت عايزة اسألك سؤال ..بما انك بقيتي بتقري في كتب دينية وعندك معلومات ..هو استفسار لواحدة قريبتي
– خير ان شاء الله
– هل يجوز للرجل أن يتزوج اخت أرملته ؟
كان للسؤال وقعاً غريباً على أذني رشا.. أحست فيه شيئاً ما غير منطقي ، ولكنها اعتادت أن تصل للمعنى بغض النظر عن صعوبة اللفظ ..فكرت قليلاً ..
– إن ماتت زوجة الرجل فمن حقه أن يتزوج أختها طبعاً
– ههههههههه أخت أرملته ..أرملته يعني المرحوم هيتجوز ازاي
وانطلقت ضحكة جيهان عالية وبدت فرحة للغاية بانتصارها الصغير.. لكن رشا لم تضحك ، أحست بالدم يندفع لرأسها وأحست كم هي غبية إذ مازالت تحاول معها بجدية ..عندما حكت لداليا كان ردها قاطعاً : ابتعدي عن أصدقاء السوء ، قد أبدلك الله خيراً منهم

الآن انتهى كل شيء بينهما ، وبات مجرد ذكريات بعيدة باهتة ..تشك رشا في أنها حدثت يوماً …ترى جيهان من بعيد ، وكأنها تراها من وراء زجاج مضبب ..لاترى لها ملامح ولا تسمع صوتها …فقط خيالاً يتحرك لا علاقة لها به …خيال كانت تطلق عليه يوماً صديقتها المقربة والآن لم تعد سوى فتاة متبرجة غير ملتزمة ينبغي لها أن تكرهها في الله .
رحاب إبراهيم