سبتمبر 22, 2018
  • سبتمبر 22, 2018
فبراير 1, 2018

فصل من رواية “غائب عن العشاء الأخير” أيمن مارديني*

By heysem1@hotmail.com 0 3 Views

– أريد مكاناً في الساعة السابعة صباحاً في الحافلة المتوجهة إلى السلمية… أرجوك أتمنى أن يكون مقعداً أمامياً، وخالياً ما بجانبه… قدر الإمكان… … . شكراً لك… سوف أكون قبل الموعد بنصف ساعة… شكراً… أجل الاسم هونهى ال… أجل… الاسم صحيح… ما زلت تتذكره… . شكراً لك… .
وبكل ترتيب وأناقة أرتب حقيبتي الصغيرة … ملابس قليلة… روايتان… كتاب للطب استعرته من زميل لي، وصوت فيروز الذي كان يملأ التفاصيل يغادرني وأنا أطبق باب شقتي، وأذهب إلى موقف انطلاق الحافلات إلى باقي المحافظات السورية.
كان موقف الحافلات المتجهه إلى المحافظات مليئاً بالمسافرين والمودعين وعمال الشركات وكل أصناف البشر.
كان الحر خانقاً… الشمس تلتحف التفاصيل، والعرق الذي بدأ يتساقط مني قد بدأ من منابت شعري هابطاً بطيئاًإلى ظهري… في خط بارد طويل. أنظر إلى وجوه من حولي لعلي أعرف احداً.
لا أريد أن أرى أحداً، أوأتكلم إلى أحد.
وجوه أراها لأول مرة، ووجوه أليفة كأني رأيتها من قبل، ولكني لا أعرفها… وجوه كثيرة، وأجساد تركض في كل الاتجاهات… هذا يريد أن يلحق بحافلته، وتلك السيدة تتدافع مع أولادها والحقائب بين الأجساد لتجد مقعداً تستريح عليه، وهذا العجوز الذي يجر أكياسه الخيشية البلاستيكية المليئة ببضائعه المشتراة من المدينة راحلاً بها إلى بلدته البعيدة. أصوات مرافقي السائقين أوموظفي الشركات تنادي على أسماء المدن… رائحة المطاعم التي تغلف المكان، والحر، والضجيج، والوجوه الكثيرة التي تمر أمامي تحتشد بقوة قاسرة في رأسي لتختلط مع أخرى لم تغادرني يوماً، وعلى طول العمر الشقاء والانتهاك والبقاء على الحياة ، وأرفضها بقسوة منهكة تلك الوجوه أن تدخلني… أطردها بعيداً عني، ولا أريدأن أرى أحداً… فأنا متعبة، وكارهة للأحاديث الاجتماعية التي مللت كذبها… لا أريد أن أصافح احداً… أن أعانق شخصاً… أن أقبّلَ أو ألمس أحداً… لا أريد… لا.

– كيف حالك راشد؟ أمسافر أنت أيضاً؟ كيف زوجتك، وابنتك نهى؟
-… … … … … … … …
– وكيف أنساها، وهي على اسمي؟
-… … … … … … … … …
– أجل… ذاهبة إلى أهلي لمدة يومين فقط… اشتاقوا إلي، وأنا أيضاً… إنها الذكرى السنوية لوفاة جدتي.
-… … … … … … … …
– شكراً .
– أجل… حلوة المصادفة، وتتصنع ضحكة، وتكمل:
ألم تجد مكاناً خالياً في حافلة حماة أم أتيت فقط لتشاركني الطريق.
-… … … … … … … .
وجلسنا متجاورين في الحافلة… أحسست ساقه تميل إلى جانب ساقي، وقدمه بطرف حذائه تلامس طرف حذائي، وأنتشرت في الأجواء رائحة إغواء ما… نظرت إليه بطرف عيني، ولمحته ينظر إليّ أيضاً، وبطرف عينه يترصد مني حركة تجاوب… نزلت عيناي إلى أسفل… نظرت… أغواني الخط المتعرج بين بياض كفه، والسمرة التي تغطي ظاهر اليد وهي راقدة على الفخذ الصلب المتماسك تحت قماش بنطال الجينز الأزرق الذي يرتديه… تهتز الحافلة قليلاً، وهي تعلن مغادرتها موقف الآنطلاق ليقتنص الفرصة، ويعدل من وضع فخذه وقدمه ليكون التماس التام بين جسدينا… …
وكأنني في التذكر…
وكم من مرة كانت الأقدام محوراً لأحاديثه، وظننتها عابرة بيننا تلك الاحاديث… كم من مرة أعلن، وبكل الوثوق عشقه للأقدام والأرجل، ولم أتبين مدى عشقه في ذلك الوقت، ولم أنتبه كيف كأنت عيناه تلاحقان امرأة نراها تسير أمامنا، ويبدي إعجاباً واضحاً بحذائها، أويتغزل في تناسق الساق مع القدم الصغيرة لإحدى الصديقات، واختيارها الموفق للحذاء المناسب لها، ولم أعقد على كل ذلك من قبل، أوأجعل رابطاً بين الأحداث المتفرقة خيطاًمن فيتشية تتلبسه… فطالما أحب الرجال مثل تلك الأشياء، وليس لها من دلالة مرضية.
قال لي ذات أمسية، وباردة كانت كما كل أماسي شتاء دمشق المعتمة أبداً، وعلى الظلام الذي كنا نعرف، ونحيا في ذراته… كانت أضواء الشموع تتراقص أمامنا، وفي ذوبان جسدها الشموع هابطة على الصحن الخزفي… زاحفة منه… خارجة عنه… طافحة به، وعلى غطاء الطاولة تلتصق سيالات الشمع الذائب بقماشه… ملونة إياه… كانت أيضاً الأحاديث تخرج من شفتيه سلسة… طيعة، وفي غير حذر، أوتكلف، ويقول:
كان الوقت فجراً… فجر آخر يمر علي وأنا في فراشي شوك على شوك… بحر لا حياة فيه… صمت يؤرقه غواية وشهوة وتوبة ناصعة لا شائبة بها تعود بسنيني الغضة إلى براءة ما.
أنهض من ريح الأرق، وأذهب للوضوء… المياه الباردة تأتيني لتطرّي جسدي أكثر… تسحبه بعيداً عن صحراء الخطيئة، ويباب الذنب.
وأي ذنب اقترفت يداك.
وبأي ذنب دنست براءة عمرك الفتي، وسنينك الغضة، سوى بما يعتمر في الشهوة .
يصلني صوت أبي من غرفته، وهو يتمتم بالدعاء، بعد إتمام صلاة الفجر… صوت أمي وهي تقول له:
– حرماً أبا راشد.
– جمعاً ام راشد.
– وكأنه يتوضأ؟ ادعُ له… هويحبك والله، ولكن هوطيش العمر.
– وهل لي غير أن أدعوله، ولكني أقسوعليه فقط ليشتد عوده… الحياة لا ترحم يا أم راشد، وأنت خير العارفين.
أزيد من رشات الماء علها تطفىء لهيبي، وتأخذني بعيداً.
أرتدي ملابسي… تي شيرت أبيض خفيف، وبنطلون جينز أزرق، كالعادة دائماً في أيام الصيف الحارة، وبهدوء تنسل قدماي الآنيقتان… المتناسقة الأصابع، السمراء، وذات الرائحة الفواحة في خفي القماشي الأسود، وبكلّ رفق أغلق ورائي باب البيت .
شوارع دمشق في الليل أكثر هدوءاً… أكثر انطواءاًعلى أسرارها، وأسرار قاطنيها… الليل هنا في دمشق ليس فقط ينطوي على سره، ولكنه أيضاً مشبع بالإغواءات .
أسير متجهاً إلى جامع الشيخ محيي الدين بن عربي، والقريب من بيتنا الدمشقي المؤقت… أضواؤه الخضراء تأتي من على مئذنته السامقة، والتي تنسرب من شبابيكه الملونه… قبته البيضاء أيضاً كأنت تسبح في سحابة خضراء تسموبها نحوالعلى.
تهفونفسي إلى معانقة مئذنته، أو أنام في حضن قبته… تميل روحي إلى هدوء أفتقده، علني أجده في الدنومن ملائكته التي تحوطه وتحرسه وتقيه برد الحياة.
أميل بجذعي قليلاً وأسحب خفي الأسود من قدميَّ، أطويهما خلافاً، وأضعهما تحت إبطي، وأنسل إلى الداخل.
باطن قدميّ يلامس برودة الرخام الأبيض… تسري القشعريرة إلى سائر جسدي ليطارد الحمى المتملكة فيّ، وتصارعها.
هي عادتي أن أصلي في البيت، ونادراً ما أذهب إلى الجامع. إلا في صلاة الجمعة فقط، ورغماً عن أحيان كثيرة أتهرب منها أيضاً بذهابي متأخراً لألحق بآخر ركعة لأنهي صلاتي سريعاً، وأقفز خارجاً من الجامع… هارباً من هناك، ونظرات المصلين التي تقتحم جوانيتي وتنتهك حساسية رغباتي بعد أن يكتشفها مصلوه، وأهرب من رائحة الأقدام المبلولة على السجاد الصوفي، والتي تثيرني أكثر، وسحب البخور الطائرة، الآتية من لحد الشيخ الشهيد، وأيضاً وسوسة إغواء دائماً تنهكني .

وترى يتكهنون،أم يعرفون ويقرؤون شاشة رغباتي أمامهم ليتبادلوا فيما بينهم الهمسات والنظرات.
أم أنا، كما دائماًأحس وراء كل حائط سكيناً تتأهب، وخلف كل نظرة كرباجاً يجلد… وقبل كل كلمة تنطق رصاصة تستعد للانطلاق.
وهي سرية الأنتصاب الاقتحام الولوج الخروج على أبواب الأحواش القدسية والخشوع تطفوعلى السطح الآن .

ورغماً عن وضوئي في البيت أتجه إلى الموضأ… أدخل قدميَّ في القبقاب الخشبي المبلول، تسري القشعريرة إليّ صاعدة من أصابع قدمي إلى رأسي كهرباء سارية ذات شحنات عالية من ملامسات أرجل من سبقوني داخل القبقاب الخشبي القديم، وتنتصب المئذنة، وتمتد، وتتطاول، وتكاد أن تصل السموات العلى. تترطب أصابعي، وباطن قدمي، ويترطب أيضاً سروالي… أقبض عليه بكفي، وأعدل من اتجاه انتصابه داخلي لأخفيه قليلاً عن أعين من حولي… أدخل إلى المرحاض، وأبداً في رش الماء البارد عله يخفف من حدة توتر أصابني، وأستمتع به… رشاش المياه يصل إلى فتحة الشرج،ولا تقاوم هناك الإثارة،أكتشفها للمرة الأولى، أستلذ بالتهيج الذي اجتاحني… أمد يدي وأزيد من دفق الماء… ليضرب أكثر مكمن الشهوة، وظلامها، وعمقها لأضيء أنا أكثر.
أوَليس للعمق والسواد والليل أيضاً شهوة للضوء؟
أنتهي مما بدأت به، وقد هدأت قليلاً، وأغادر المرحاض لأتجه إلى الحافة الرخامية للموضأ، وأمام صنابير المياه المتدفقة أجلس، وبجانبي ذلك الشاب الأسمر في جلبابه الأبيض، كان رافعاً طرف جلبابه… كاشفاً ساقه المشعرة، وبكفي يديه الآنيقتين يفرك ربلة ساقه، يعاود غمرها بالماء المنسكب، ومن تحت شلالات المياه تتحرك الشعيرات السوداء، وتتلوى، وهو يفركها بأصابعه ويدعكها جيداً، ويهبط أسفل قليلاً، ويبدأ في إدخال أصابع يديه بين أصابع قدميه، ويفرك ما بينها كل على حدى .
كأنت قطرات الماء تتساقط من بين أصابعه بطيئة… جميلة ومكتملة الدوائر القطرات، شفافة، وناصعة الشفافية .
كأنت تتساقط إلى الأرض،
وكانت تتهاوى،
وكانت لؤلؤاً منثورا،
وكان لها رائحة ما تشبه البكاء لفراق جسده.
كان يتمتم بشفاهه أدعية الوضوء، وكان صوته رخيماً… خاشعاً… وقوراً، وخفياً أيضاً…سرياً، ولا يني عن أية شهوية إلا ما هو بداخلي .
أعشقه لوهلة، وأسقط في هوى قدمه، وساقه المشعرة، وأيضاً أصابع كفيه الطويلة… المتناسقة، وتكاد قطرات الماء أن تكون بكائي.
تكاد كهوف الغمر أن تقذف سحب السواد من داخلي… علها تغادرني، وأرتاح… إلا قليلا من الغضاضة .
أنهي وضوئي سريعاً، ولا ينتهي هومن وضوئه.
أهرب منه ومن تفاصيله المتناثرة حولي، ليعود نثرها من جديد في وجهي، وعلى بصري وبصيرتي يزرعها .
وكل محاولاتي بالفرار تبوء بالعودة إليه ثانية، ليبدأ في فرك كفيه بكفيه، وينوي الوضوء .
ليس من بدء لطهارة ينشدها.
وليس من منتهى لشفافية دموعي المتساقطة من بين أصابعه.
وعود على بدء لوضوء لا ينتهي .
وأعود مرغماً إلى باحة المسجد، ويلحق بي الشاب الأسمر… يسير ورائي… صوت قدميه على الأرض بقبقابه الخشبي يلهوبي وبرغباتي، وأحلام يقظتي تنحوأن تطأني، يطؤني به… يدوس به وجهي… يمسحه بخديَّ، ويفطس به أنفي… يدخل طرفه في أذني، أوفتحة انفي. صوته الخشبي يملؤني ثانية بصوريديه وساقه المشعرة، وأصابع قدميه، ورائحة البخور التي تأتي منه، تلتحف المكان سحابة وضوء، وطهر لا يأتي، أهرب منه، وغير الفرار ليس لي من مهرب.
أم هومازال هناك تتوالى وضوءاته عله ينال ما فقد ذات أنتهاك مما أصابني ذات ليلة من شوك .
وأيضاً هوعلى الشوك يتقلب، ومن الشوك يأتي إليه حداء الأرق!
أركض إلى أقرب عمود في باحة المسجد، وسريعاً أرفع يديَّ في وجه الله وأبداً في الدعاء .
ربي ها أنا أدهن بالطيب ما أراه، وأمسح به شعري رجليك لتغادر الرائحة الطيبة منها، وتملأ أرجاء الكون وسائر الحياة.
ليتناول بكفه العريضة قدمها من أمامه، والمستندة إلى فخذه باسترخاء واضح، ويميل إليها، ويقترب بشفته ليطبع قبلة هادئة… دافئة، ومليئة بالتولّه… فترتعد هي بداية، وينتفض جسدها من المفاجأة في البدء، إلى أن تسترخي ثانية إثر القبلة، وحسها الذي أنتشر في جسدها.
– منذ متى وأنت مولع بقدمي أيها المناضل الثوري؟
– منذ رأيتك أول مرة حبيبتي.
ويعود راشد ثانية إلى ما ابتدأ به حديثه، ولكنه لا يقوله كلمات هذه المرة، بل ذكرى منفلتة من الضوءالشارد الآتي من فتحات صغيرة بالباب الحديدي للزنزانة، والتي يستطيع أن يرى من خلالها قدمين تهتزان أمام وجهه… تلتصق به، وبوطها العسكري القماشي المبرقع اللون يفرك وجهه وملامحه… رأسه وشعره من فوقه… نازلاًإلى طرف رقبته، وبصوته الخالي… العاري من المشاعر يقول:
– قبل قدمي أيها الحيوان… هيا قبلها… إنها ربك الأعلى… قبلها.
لتخرج همهمات من فمي، وأنا أحاول أن أرفع من صوت قبلاتي لقدمه حتى تصل إليه عله يتوقف، ويكف عما يفعله بي.
– سيدي أنت ومولاي… كفاك… أرجوك .
ليبدأ في فك حزام بنطاله الخشن، ويطويه مرتين… ممسكاً به من طرفه الجلدي، وبالآخر من جهة المعدن يتناول ظهر جسده الجاثي عند قدميه على يديه وركبتيه ككلب يقبل قدمي صاحبه، وبين كل ضربة وضربة كان راشد يقبل قدمه… يضربه… تلتصق شفاهه بحذائه… يجلده… يشتم أنفه الأوساخ العالقة به وآثار الدم المتيبس، ولعاب الآخرين السائل من أفواههم، وهم يقبلون حذاءه…ساجدين أمامه، يعاود ضربه… يجلده ثانية … يذبحه مرة أخرى… يقتله أبداً، وهوفي الأعلى متربص… عالياً عليه متحفزاً… ساخطاً منه وحانقاً، وبكل تلك المعاني هو لا يدري لم يأتي بما يفعله… فقط تكفيه أنه يؤدي دوره المرسوم له في حماية الوطن، وهومن تحته… في الأسفل… بين قدميه جاثياً.

ويقول لنهى:
تسللت إلى أنفي رائحة الفول المسلوق والكمّون وصوت البائع وهوينادي على بضاعته في الشارع… شاهدت نفسي أركض إلى أمي في المطبخ وهي لم تنته بعد من سلق الفول، وتوسلي إليها ببضع حبات منه لأسبق أخوتي… لتنهرني أمي بنظرة حازمة لا تخلومن هدوء يكتنفها، ولا زمها طوال حياتها.
– دقائق قليلة وأنتهي وتأكل مع أبيك وباقي أخوتك… ألا تريد أن تنتظر أباك؟
– أمي فقط حبات قليلة… إني جائع، ولم آكل منذ يومين.
لترسم ابتسامة على شفتيها واسعة كما العالم من حولي وقتها… دافئة كنار الشتاء التي تواظب على عدم انطفائها في بيتنا… ساحرة كما القصص الليلية التي لم تنقطع عن سردها لي ولإخوتي طوال سنينيَ الغضة .
وبكلّ هدوء وحنوّ تتناول بضع حبات بالملعقة الخشبية، وتبدأ في نفخ هواء زفيرها عليها لتبرد، وبكل حذر أنا أتناول واحدة وأغمسها في صحن الكمّون وأتناولها… طعم تلك الحبة التي فضلتني بها أمي عن الجميع مازال تحت لساني لم يزل أبداً.
سارعت إلى قميصي أرتديه، وبنطالي القماشي المرتمي على طرف سريري، وركضت إلى خارج بيتي، وكان يسبقني صوتي إلى بائع الفول لأستوقفه.
– راشد… توقف… لقد نسيت أن تتناول مفتاح المنزل من على رف المكتبة، وباب البيت قد أغلق عليك دونك؟
– علي أن ألحق بائع الفول قبل أن يغادر.
– راشد أنتظر…
– سأعود… أنتظرني… كل مشكلة ولها حل.
– راشد… …
لأترك صوته ورائي وأنا نازلٌ الدرج قفزاً… مبتعداً عن كلماته التي لم تعد تصلني… حالماً بطبق من الفول الساخن، ورائحة الكمون الشهية.
أمي كم كانت رائحتك شهية… طيبة… هادئة، وأيضاً تذكرني ببلوغي الأول عندما استيقظت من أولى احتلاماتي، ورائحة وشاحك تلتحفني، والذي ألقيت به علي في نومتي على طاولة الدراسة.
خرجت من باب البناية، ومازال صوتي يسبقني منادياً بائع الفول.
– أنتظر… أنت…
سأدخل إلى بيتي كاسراً قفله ربما.
– أيها البائع… بياع الفول… هنا… وراءك…
– ولربما يكون لدى نهى نسخة من المفتاح… حبذا لوتأتي اليوم… الآن… لنأكل الفول سوية، وأدخل إلى المنزل.
– أيها البائع… يا ختيار الفول… أصابك الطرش… هنا وراءك.
ليلتفت البائع جهة اليمين تارة، واليسار أخرى… متطلعاً من أين يأتي الصوت… ليقف في النهايه هو وعربته الخشبية، وقدر الفول ودخانه وأطباقه البلاستيكية .
يقترب راشد منه لاهثا ًوكلماته تتقطع:
– أريد طبقاً من الفول… طبقين… بل ثلاثة وكبيرة.
كأنت عيناه وأنفه ووجهه من الدخان المتصاعد، تتعمد بالدخان والذكرى والغضاضة التي تركها وراءه في سنين القسوة التي أتت عليه.
– وأكثر من الكمون يا حاج… الله يخليك… …
لتصطدم عيناه بالأرض نزولاً إلى قدمه… إلى بوط قماشي مبرقع…. مهتريء بفعل القدم… جديدة… طازجة رائحته لم تزل من أنف راشد طوال تلك السنيين .
– هل أضع لك بخمسين ليرة ؟
نظر إلى عينيه… منطفأتين.
نظر إلى أنفه… كبر وغلظت أرنبتاه.
نظر إلى جبينه… مجعد… متغضن.
نظر إلى يديه… مرتعشتان… راجفتان… لا تتوقفان عن الاهتزاز .
نظر إليه ثانية… لم يجد أمامه إلا سوطا وكبلاً رباعياً وحزاما عسكرياً جلدياً تارة وقماشياً خشناً مجدولاًاخرى… لم يجد سواه هو… من كان دائماً رمزاً لكل من تعاقب على ضربه واغتصابه وتعذيبه وانتهاكه وقتله بالألم الذي لم يجد أبداً متنفساً ليطلقه من داخله سوى أمام كلبه الذي لازمه طوال تلك السنيين في بيته، ولم يغادره منذ أن أطلق سراحه من المعتقل.
وهنا يقفز راشد إلى منتصف الغرفة، ويبدأ بحركاته المسرحية في إلقاء قصيدة لنهى التي مازالت تحت غطاء السرير… تقي البرد والعتم والاعترافات الجارحة .
– العنوان هو:
ذباب أَخضر
أَلمشهد هُوهُوَ. صيفٌ وعَرَقٌ، وخيال. يعجز عن رؤية ما وراء الأفق. واليوم أفضلُ من الغد. لكنَّ القتلي هم الذين يتجدّدون. يُولَدُون كُلَّ يوم. وحين يحاولون النوم يأخذهم القتلُ من نعاسهم إلي نومٍ بلا أحلام. لا قيمة للعدد. ولا أَحد يطلب عوناً من أحد. أصوات تبحث عن كلمات في البرية، فيعود الصدى واضحاً جارحاً: لا أَحد. لكن ثمَّـةَ من يقول:من حق القاتل أن يدافع عن غريزة القتلً. أمَّا القتلى فيقولون متأخرين:من حق الضحية أن تدافع عن حَـقِّها في الصراخ ً. يعلوالأذان صاعداً من وقت الصلاة إلى جنازات متشابهة: توابيت مرفوعةٌ علي عجل، تدفن على عجل…. إذ لاوقت لإكمال الطقوس، فإنَّ قتلى آخرين قادمون، مسرعين، من غاراتٍ أخرى. قادمون فرَادى أوجماعات…. أوعائلةً واحدةً لاتترك وراءها أيتاماً وثكالى. السماء رماديَّةٌ رصاصية، والبحر رماديٌّ أزرق. أَمَّا لون الدم فقد حَجَبَتْهُ عن الكاميرا أَسرابٌ من ذباب أخضر.*
ليعلوصوتها على صوت كلماته الاخيرة، والتي لم تصلها كلها، وتقول له:
– أنت تريد أن تذهب إلى بيروت راشد… أعلم ذلك، وتختبىءوراء قصيدة لتقول لي ذلك… … .
وتنظر إلى زجاجة النبيذ على الطاولة… تتناولها… لتجد مكتوباً عليها نبيذ أحمر من كروم السويداء 2012… لتندهش من التاريخ إذ إن العام 2012 لم يأت بعد .
– ترى أهومر بي، ولم أنتبه… أم أن الزمن قد تداخل لدي… تشعب… تلون ألواناً أخرى، وانفرطت حبات الثواني والدقائق
والساعات و…داخلي أيضاً، ولم أستطع لها لماماً؟
ومن قال لكم إن التاريخ ساكن جامد ميت، ولا حياة فيه، أويمكن زحزحته عما آل اليه .
أليس لي الحق في أن أخلق منه أحداثاً، وإن لم تحدث، أو وقعت من ذكرها الذاكرة .
أليس لي من الخيال الخصب الثري أن أرى أنها حدثت، وغفل
عنها التاريخ وواضعوه .

– ومن أعطاك هذا الحق نهى؟
– هومن أعطاك الحق ّنفسه راشد أن تكون طيعاً… مستباحا… منتهكاً، ومغتصبا من كلبك الوفي الذي تعبده، ولا تعبد أحداً سواه .
– ماذا تقولين؟ نهى أنت…

* قصيدة ذباب اخضر من ديوان محمود درويش أثر الفراشة
– أوَ تظنني لا أعلم بما يحدث تحت سقف بيتك، وبين جدرانه… أتصدق أنني لا أشتمّ منك رائحته التي لا تغادرك، ورجولتك التي ذهبت عنك منذ أن أتيت به إلى منزلك؟
– نهى… أنت مجنونة… أنت فقدت صوابك ورشدك .




ليتناثر صدى كلماته في الهالة الخضراء التي تحوط المكان المسجد الجامع، ويكمل:
وأنت الذي يغفر ويسامح، ويغمرني بعطفه اللامتناهي، وأنا… ما أنا إلا العبد في ملكوتك المطلق، وأنا لست سوى الفقير الذليل في حضرتك وفي غيابك الذي هوحضور وانتشار في آن… سبحانك أنت الأول والآخر والبدء المنتهى النور، والظلمة ما هي إلا غضبك علي.
عصيتك مرة واحدة لن تتكرر سيدي ومولاي أنت.
عصيتك، وليس من مفر للنكران، أوكامل غضبك علي.
عصيتك مرغماً، واجترار لغضبك الذي يمدني بضعفي وتحكمك بي.
عصيتك وعقابك واجب…
لا منجاة منه…
لا مهرب… .
لا فرار، وإلى أين المفر.
ها أنا بين يديك عبدٌ مستعبد ضعيف ذليل مهان مهين ضئيل نكرة صفر عدم هباء لا أحد يراني ولا يقيم وزنا أوكياناً، وليس في حضرتك فقط، بل في غيابك الحاضر أيضاً.
لك المطلق في عقابي وتعذيبي والتنكيل بي كما تشاء .
أنت… يا أيها العظيم المتكبر الجبروت الولي المغني المشبع المهيمن العلي الجليل القيوم العليم الودود المقتدر الواجد الجامع الواهب القابض الباسط القوي المتعالي المتين .
غفرانك غفرانك غفرانك .
وبكل خضوع وتنفيذ للأمر الذي أمرني به أخلع ملابسي… أركع له، وأسجد سجدة الكلب الطيع بين يدي صاحبه، وليبدأ في نكحي في إستي بقضيبه، وأنا بالدموع أكتسي، وينكحني، وبالعار ألتحف… يضاجعني، وأرتمي في الأسف على ما آثمت به، وبكل خضوع انا بين قضيبه الصغير الأحمر، ويأتي في دبري شهوة غفرانه علي ليستزيد مني خمس مرات متتاليه متصلة متتابعة بدون توقف بينها لالتقاط مجرد شهيق كرامة أواستغفار منه لي… فقط زفيره الذي يصبّه داخلي ولا بدء له، أومنتهى .
هوكلبي ينكحني، ولي الفخر أنه غفر لي.
هوكلبي يضاجعني وبقدرة ذكورية هائلة تتقمصه، وأنا فخور بفحولته.
هو، وكلب أنا، وأفتخرأني كلب مطيع ذليل إلى كلبي الأول العظيم تبارك هوعن كل سائر المخلوقات.
ألست أنا كلبا وإن كنت مثقفاً؟
كلب، وإن تابعت دراستي كلب، وإن أحببت، كلب، وإن كان لديّ طفل… كلب، ومات ابني الأول بين قدميها، والثاني سقط، والثالث لا أعرف من يشبه أكثر… كلب أنا، وبجدارة… سيدي.
– ومن أين أتيت بكل هذه القسوة التي تغلف قلبك ؟
– إن كانت قسوة كما تقول سيدي لما كنت تاثرت وانحفر في ذاكرتي كل ذلك الألم، ولم أستطع نسيانه يوماً، وتجاوزته قسوتي الداخلية كما تدعي أنت بوجودها .
– هي القسوة التي تدعي عدم وجودها ما تجعلك تفعل ما أنت تقوم به، ولا تدر عنها شيئاً، وإن علمت بها سابقاً كنت حاولت على الأقل أن تنتزعها منك من روحك وقلبك قبل أن تنهشه… هي القسوة راشد ما أنت تقوم به الآن.
– هوالانتهاك سيدي لربما… الحساسية الزائدة… جائز… جينات وراثية عن سابق جد كان فنانا… من المحتمل، أوربما قسوة كما تقول أنت نشأت من هشاشة تجربة مرت بي، ولم أستطع المقاومة… لا يهمني كل ذلك، وسمها ماشئت، ولكني بالنهاية اني أحب أن أكون كلباً، وأفتخر أني كلب مطيع لمعبودي كما أحب أن أرددها دائماً على مسمعه.

ليزحف راشد بجسده المدمى على أرض المنفردة الضيقة، ويعدل من وضعيته المائلة على الأرض بين قدميه الواقف أبداً فوق رأسه، ومن يديه يتدلى الحزام الجلدي المدمى… يميل بجسده إلى جهة اليمين قليلاً ليداهمه الألم موجات متتالية لا جزر لها… يحاول أن يميل إلى اليسار أيضاً ألم… آلام، وآلام في كل الجسد والمنفردة والسجن والوطن والعالم والكون من بدء الحياة على هذي الأرض، وإلى نهايتي… .
حراشف القسوة تغلف هشاشة قلب رقيق كجناح فراشة.
وليس من ربما هذة المرة.
وهنا يمد راشد يده في الهواء… يرفعها إلى أعلى رأسه وهويميل بجسده فوقي… محاولاً التوازن مع حركات الباص، ويتناول قنينة العصير من حقيبته، ويقدمها لي… كأنت واحدة فقط، ولا غيرها معه.
-… … … … … … … … … .
– شكراً .
-… … … … … … … … … …
– لا… أبداً… لست على الرسمية، وليس هناك أية تحفظات.
-… … … … … … … … .
– أجل راشد… أجل… أنا تعبة قليلاً، وأريدأن أنام… أنا أحتاج أن… … . أنام… اتركني الآن راشد… اتركني الآن أنا في حاجة إلى أن أنام، وأعتقد أنها ستكون المرة الأولى لي في أن أنام، وأنام، فالنوم لم يأت لي منذ زمن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الرواية صادرة عن منشورات دار الريس بيروت – لبنان.
* روائيّ سوريّ.

الرواية نت – خاصّ.