أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
أكتوبر 25, 2015

فصل من رواية “شهوة الترجمان” شربل داغر

By 17 261 Views

“متى وجدناه (الترجمان) أيضاً قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخلَ الضيمَ عليهما، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها، وتعترض عليها”
(الجاحظ، كتاب “الحيوان”).

“قد تكون (الترجمة) تضليلاً وخداعاً، تزويراً واختراعاً، وأكذوبة بيضاء”؛ ومن يشارك فيها “يصبح أذكى، يتحول إلى قارىء أفضل: أقل اعتداداً بنفسه، لكنه أكثر رهافة في أحاسيسه، وأكثر سعادة”
(ألبرتو مانغويل، “تاريخ القراءة”).

الفصل الأول :
قتيل في غابة الأرز

التهمتني مثل ثمرة، وبصقتني مثل نواة.
أمسكتني بضربة يد واحدة. بيدها اليمنى أخذتني بثقة آمرة.
انقدتُ إليها. جعلتني أتبعها، فلا أمشي إلى جانبها.
هذا ما حدث في غفلة مني، مثل من يتعثر في مشيته، فإذا به ينزلق. وقبل أن يتحقق من انحداره المتتابع، يسلم قدميه، بل جسده كله، للانحدار المتسارع، بل يلتذ بما يحصل له، إذ يفقد أي رقابة على جسده، وعلى ميلانه المتناهي صوب الانحدار. انحدار، بل استرخاء ممتع، كما في أحلام الليل، أو في رغبات النهار الصاحية، في عتمة الفراش، بين رخاوة المخدة وليونة السرير المتجاوب.
قطفتني برغبة حاسمة، قبل أن تتناولني بلمساتها المتلاحقة.

أكتب هذا في اليوم التالي، في المقهى عينه، وقد انتهى بي انحداري إلى وقفة صادمة، مباغتة ونهائية، ينتهي فيها النازل إلى مراجعة قد لا تكون سعيدة، حتى للحظات المتعة أو دقائقها المتسارعة، إذ نسي جسده، بل حمله إلى غابات كثيفة وظليلة في الوقت عينه، إلى غابة الليل التي في الجسد.
دخلتُ إلى المقهى، هذه المرة أيضاً، من الباب عينه، كما قبل يوم، وكما في زياراتي السابقة. دخلت من الباب الثاني، الذي يفضي على “ساحة بروغلي”، واتجهت إلى المقعد عينه الذي وقع نظري فيه على نظرها. كان مقعدها خالياً، اليوم، وما كانت تنتظر نظري كما قبل يوم. كنت أتجه يومها إلى مقعدي الاعتيادي، المطل جانبياً على الساحة، لكنني اتجهت بقوة مغناطيسية خفية إلى الجهة المقابلة، إلى جانب طاولتها.
لكنني خرجت على عجل، وسلكت درب المكتبة المجاروة للوصول إلى الفندق. لم أحسن الوصول إليه في الأزقة الداخلية، قبل أن أستل من جيب معطفي “دليل ستراسبور”، طالباً الوصول إلى محطة القطار: إنه “فندق الراين”، الواقع مع فنادق أخرى مقابل المحطة الدولية… إنه الأرخص سعراً بينها… وجدتُ عاملة الفندق، ذات النظارتين السميكتين، التي التقيتها يوم أمس، عند دخولي إليه معها. لم تجبْ عن أسئلتي كلها، بحجة أنني لست شرطياً أو محققاً بوليسياً. ولما ألححت في السؤال عن اسمها، عن عنوانها، عن مكان انتقالها، أجابتني بشدة: مدير الفندق أجاب عن كل الأسئلة، وهي في عهدة الشرطة.
زادت أسئلتي لها، وزاد امتعاضها مني. أنهت الحديث معي بالقول: اسمعْ… نزلتْ في الفندق قبل يومين، وغادرتْ ظهر البارحة، بعد دقائق قليلة على مغادرتك الفندق. إنها ألمانية، واسمها في بطاقة الهوية: دانييلا شوغولا.
حللت في مقهى قريب من الفندق، مقهى “الإكسبريسو”، حاملاً معي أسئلة كثيرة، وأجوبة قليلة. كان في ودي الصعود من جديد إلى الغرفة: رقم 12. لم يبقَ شيء من دون شك. لم يبقَ سوى الصدمة التي جعلتني أنام ليلة أمس مثل الملسوع، أتقلب بين أخيلة قبيحة، تتخللها صراخات صوتها.
في المقهى لم أتردد في وصل شبكة هاتفي الجوال بشبكة المقهى، وفيها بـ”غوغل” للبحث عن: دانييلا شوغولا. كانت الخيارات عديدة، متاحة: أي دانييلا بين كل هذه الأسماء المتتالية، التي تحيل على أسماء ألمانية في الغالب؟
وجدتُ أكثر من دانييلا واحدة في المحفوظات الإلكترونية: أميرات، جامعيات، كاتبات، راهبة “هاربة” من ديرها، شابة بلباسها العاري للسباحة، من دون أن تشبه الغائبة، وهي أصغر منها عمراً.

عدتُ إلى “مقهى بروغلي” في يومين متلاحقين، ما لم يكن في عاداتي أبداً، إذ كان لي فيه موعد أسبوعي فقط، فيما أكتفي، في أوقات فراغي، بالتجول في ستراسبور، مدينتي الجديدة. اخترت هذا المقهى بعد أن وقعت عليه في منتهى نزهتي في اليوم الأول، الذي قررت فيه التعرف على المدينة. خرجت من “فندق إسبلاناد”، ورحت أمشي بعكس سكة الترامواي، في خط مستقيم، ثم درت يساراً صوب جسر، ومنه وصلت إلى فسحة عريضة تتخللها منصات ومحلات بيع لباعة متجولين.
لم أكن أرغب في أي ضياع، طالما أن أموراً عديدة تنتظرني وتشغل أوقاتي وأيامي: من السكن حتى العمل مروراً بدائرة الشرطة، قبل أن أتفرغ تماماً لعملي الجديد، ولمشروعاتي المثيرة التي قادتني إلى هذه المدينة. ضمنتُ لنفسي، يومها، طريقاً هيناً، واضح الانتقالات، فيما رحت، بعد تأكدي من موقع الساحة العريضة، “ساحة بروغلي”، بالنسبة إلى خريطة طريقي، أتنقل في الشوارع المتفرعة منها.
في جميع زياراتي للمقهى، يوم الجمعة قبل الظهر، قبل العاشرة صباحاً، أقتعد الطاولة نفسها، على مقربة من الباب الزجاجي، لكي أحسن متابعة ما يجري في الشارع، وفي داخل المقهى في الوقت عينه. أهذه من عادات المترجمين: أن يكونوا بين مكانين، في الخط الواصل بينهما؟

لم أعد أطيق البقاء في شقتي الصغيرة. ما كان يبدو اكتشافاً وتعرفاَ على المدينة، راح يتحول إلى ضيق وتبرم فيها. أخرج مثل تائه، لا مثل باحث عن وجه ضائع.
في المقهى، أو خارجه، لما أكون ساهماً في مقعدي في “الترامواي”، أو مستلقياً على سريري الضيق، أو لما أكتب في دفتري الأزرق، أو أسهو أثناء قراءة أحد مجلدات “ألف ليلة وليلة”، أستعيد ما حدث لي مع دانييلا: ما أن جلستُ في “مقهى بروغلي” حتى بادرتني الكلام كما لو أنها تنتظرني، أو تستكمل حواراً مقطوعاً للتو:
– من هنا يمكن رؤية الداخلين والخارجين في صورة أفضل.
= بطبيعة الحال، هذا ما أقوله لنفسي دوماً.
لم يتح لي طلب فنجان القهوة كالمعتاد، ولا سماع جملتها الثانية، التي قالتها من دون أن أتبينها تماماً، إذ أمسكتْ بيدي اليمنى، ودعتني إلى اللحاق بها. مضتْ أمامي، من دون أن تلتفت إلى ورائها، بثقة من يعرف، بل من يحسن تنفيذ الأوامر. لحقتُ بها، على الرغم من أنني لم أسمع جملتها الأخيرة بسبب تعثرها في النطق. وهو ما تأكدتُ منه إذ وجدتُ يدها، وهي ممسكة بيدي، مرتبكة هي الأخرى.
في الشارع ذي البلاطات السوداء مشت إلى جانبي، بخطى حثيثة:
– لا يبعد الفندق سوى خطوات قليلة.
عن أي فندق تتحدث؟ نظرتُ إلى وجهها من دون أن أراه تماماً. كانت تسبقني بقليل. ما أتيح لي رؤيته كان معطفها الخفيف ذي اللون المعتم. كانت تمشي بانتظام، بعد أن فكَّت يدها عن يدي، من دون أن تقول شيئا مزيداً. حاولتُ أن أتلفظ جملة، فأتت متناثرة، مثل قرقعة كلام ليس إلا، فإذا بها تقول من دون أن تحيد عن مشيتها النظامية:
– هل وجدتَ المسافة بعيدة؟… لا تتبرمْ. سنصل بعد قليل.
لم أجبْ. اكتفيت بالانتباه إلى أن في حديثها بالفرنسية لكنة ظاهرة. قنعتُ بالمضي قدماً إلى جانبها، من دون أن أنعم بغموض المشي المتمهل في شوارع وأزقة ستراسبور الداخلية.
فقد حلا لي، منذ حلولي فيها، قبل ما يزيد على الشهر، التمشي من دون خريطة، وفق إيقاع غامض. أمشي بتمهل ناظراً، بل ممعناً في النظر إلى ما يعرض لي. كما لو أنني أقرأ في واجهات عماراتها، أو في علامات السيارات والحافلات، أو في هيئات العابرين والعابرات، ما يمكن مطالعته مثل حروف أو ألفاظ في كتاب وقعتُ عليه صدفة، واندفعتُ في قراءته من دون استهداف مسبق.
بمجرد وصولنا إلى الفندق ذي الواجهة الزجاجية، طالبتْ الموظفة بمفتاح غرفتها: رقم 12. أشارت إليها من دون أن تلتفت إليها: لا تنسي، ساعة المغادرة في الثانية عشرة ظهراً. كانت قد أمسكت بالمفتاح، وتأكدت من لحاقي بها. ضغطتْ مرة، ثم مرتين، ثم عدة مرات على زر المصعد الكهربائي… دعتني إلى الصعود مشياً، فيما كانت موظفة الاستقبال تُخطرنا بأن عاملة التنظيف تشغل المصعد لعدة دقائق أثناء عملها الصباحي.

ماذا لو تزورني دانييلا؟ كيف لها أن تعرف عنواني، وهي لا تعرف اسمي أساساً؟
لم يكن الانتقال من “فندق إسبلاناد” إلى شقتي الجديدة بالصعب، إذ يقع الفندق على مبعدة خطوات قليلة من الحي الجامعي المعروف باسم: “اسبلاناد”، هو الآخر. اقتصر الأمر على نقل حاسوبي الصغير، وحقيبة جلدية بسيطة، بعد أن وصلتْ قبلي إلى المدينة حقيبتين لثيابي، الشتوية خصوصاً، وصندوقاً كبيراً لبعض كتبي.
كانت الشقة صغيرة، تقتصر على منامة وصالون استقبال صغير، فضلاً عن الحمام والمطبخ. كانت تقع على مسافة عشرات الأمتار من فندقي الذي أقمت فيه لأيام قبل تجهيز الشقة. والشقة نفسها لم تكن تبعد سوى أمتار قليلة عن المباني الجامعية المختلفة. هذا ما جعلني أتنقل في فضاء محدود، ما خفف من شعوري بالغربة الغامضة.
حللت، واقعاً، في مدينة أخرى، مدينة ثانية، مدينة مختصرة، إذ كان في إمكاني ألا أغادر الحي الجامعي وأقضي فيه حاجاتي كلها: من المكتب إلى قاعة المحاضرات، ومن المطاعم الجامعية الأربعة إلى المكتبات الجامعية المختلفة، ومن المراكز الصحية للخدمات السريعة إلى المراكز الرياضية المتعددة، فضلاً عن لقاء الزملاء الذين اتخذ بعضهم شققاً في الحي، أو على مقربة منه، أو لقاء الطلبة أنفسهم، ممن توزعوا في أكثر من ثمانية منازل خاصة بهم… بل يمكن زيارة تواريخ مختلفة، وأنا في الحي، إذ أتعرف فيه على مبان لها زخارف خصوصية، كما في مبنى “المدرسة العليا للفنون الزخرفية”، الذي يبدو قرميده الأحمر نافراً بالمقارنة مع الأبنية الأخرى، التي تحيل على أساليب البناء في ستينيات القرن الماضي. وهناك غيره من الأبنية التي تتميز بخضرتها، حتى إن أحدها يمتاز بعشبه الصاعد على جدران المبنى…
هذا ما قرأت في “دليل” الجامعة، قبل أن أحل في شقتي. هذا ما رحت أعايشه يوماً بعد يوم، في تجوالي فيه.
كانت أيامي الأولى مرتبة، كما في جدول القطارات الذي يفوق دقة جدول الطائرات، على ما تأكدت عند مجيئي من بيروت إلى باريس، ثم في القطار من مطار شارل ديغول إلى محطة ستراسبور: تأخرت الطائرة أكثر من ثلث ساعة قبل إقلاعها من بيروت، فيما انطلق القطار من محطة موصولة بالمطار في الوقت نفسه، في الخامسة بعد الظهر وسبع دقائق، ووصل في الوقت المعلن عنه سابقاً إلى ستراسبور، أي في الثامنة مساء ودقيقتين.
وصلتُ إلى المدينة قبل أسبوعين من التحاقي بعملي الجديد. اقتصر وقتي، بعد حلولي في الشقة، قبل خمسة أيام على مباشرة عملي، على توزيع أغراضي في الشقة. كانت الأمور ميسرة، مناسبة لغير أستاذ سبقني إلى السكن فيها. اتخذتْ الأغراض أمكنتها المناسبة بيسر شديد، ووزعت كتبي فوق رفوف مناسبة موضوعة خصيصاً لها، سواء في مدخل الشقة أو في جهة مقابلة للشرفة الصغيرة في صالون الاستقبال. لكنني احترت بالمقابل في وضع مكتبي: وضعوه في غرفة النوم، بين حائطين، ما أزعجني تماماً. فكان أن نقلته إلى المطبخ، وجعلته طاولة أكل، فيما اتخذت من طاولة الأكل في الصالون مكتباً لي. وقد قمت بتوزيع مجلدات القواميس المختلفة فوقها، ما جعلها تحيط بالحاسوب. ولكن، ماذا أفعل إن دعوت أحداً إلى الأكل؟ هل يأكل معي في المطبخ، حيث يحلو لي الأكل؟ ماذا أفعل بدانييلا إن حلت فجأة؟ هل أوبخها على فعلتها المشينة أم أصفح عنها؟ هل أستقبلها في سريري الخشبي الضيق أم فوق الكنبة العريضة في الصالون؟
الجواب معلق، إذ لم يزرني أحد في الشقة، وقلما أكلت فيها: الفطور في مقهى مجاور، والغداء مثل العشاء في أكثر من مطعم جامعي مخصص للطلبة. هذا ما يناسبني إذ كنت طالباً وأستاذاً في الوقت عينه.
هذا ما لن يريح والدتي لو عرفت به. هذا ما علمتْ ببعضه في اليوم التالي لمغادرتي سن الفيل: عاتبتني في الهاتف، بعد الاطمئنان على سلامة وصولي، لأنني أبقيت الحقيبة المحشوة بمواد الأكل الجاف مركونة في زاوية من خزانة ثيابي: احتفظتُ منها بعلبتَي بن…
هذا ما أحتاجه، فأنا لن أُقبل على أي عملية طبخ، إلا في الحدود الدنيا، فيما رتبت مكاناً إلى جانب النافذة لحبقتي الصغيرة.

انقطعَ خبرُها تماماً. لن تكون هناك تتمة لما جرى بيننا. كيف لها أن تستعيد صلتها بي وقد سرقتني؟! ما جمعَ بيننا هو أقل من صلة عابرة، ومع ذلك فهو يحرقني ليلة بعد ليلة، ما أن تحوم دانييلا بجسدها فوقي، في الأخيلة التي تراقصني وتجندلني واقعاً.
التهمتني فعلاً مثل ثمرة، ولفظتني فعلاً مثل نواة.
تناولتْني بلمسات متتالية، كما لو أنني فتاها الذي يصلح لتمارينها المتتابعة. بأقل مما كان عليه عمري، الطبيعي كما الجنسي. ذلك أنها لم توقعني في شباكها، لم تبذل مجهوداً كبيراً لجرِّي خلفها، إذ انقدت إليها بيسر، من دون أن تبادلني حتى غمزة عين.
انقدتُ إليها بطواعية، مثل من يسلم نفسه لريح تداعب جسمه على مقدمة سفينة وسط البحر. كانت تقطفني، تتلقفني، تقلبني من دون طلب مساعدة.
كنتُ طبقَها ومائدتها من دون أن تحتاج إلى توابل أو بهارات أو أدوات أكل.
يداها تكفيانها، عدا أن جسدها كان يحرثني مثل حقل في قريتي البعيدة.
دانييلا تحل في بيتي ليلاً، ولا تفارقني إذ أستيقظ صباحاً، من دون أن أتبين نقمتي عليها من اشتياقي إليها.
كيف لي أن استقبلها في شقتي، ولا شيء فيها يبشر بالاستقبال. أعيش فيها كعابر سبيل، كنزيل فندق، مع فارق بسيط، وهو أن أحداً لا ينظفها: حتى في فندقها المتواضع كان هناك من يعمل، على ما تحققت، على تنظيف الغرف.
هذا ما جعلني – في أول قرارات عيشي المؤكد في شقتي – أنتقل إلى مساحة تجارية كبيرة تغص بكل ما يحتاجه أي بيت: من مواد الأكل إلى مواد التنظيف، مروراً بعدة المطبخ اللازمة. هذا ما اقتضى مني تنظيم رحلات متتابعة من الشقة وإليها، بعد أن وضعت خطة ذات بنود لما أحتاجه من مشتريات ومقتنيات.
ارتحتُ لِما أقدمتُ عليه: يجب أن أحتاط لأي طارىء. يجب أن تتحول شقتي إلى بيتي، خاصة وأنني مرشح للإقامة فيها على مدى سنة أكاديمية على الأقل. زاد من قناعتي بما أقدمت عليه الحادث المقرف الذي حصل لي في اليوم التالي: اخترتُ يومها العشاء في “مطعم غاليا الجامعي”، وفق خطة قضت مني التنويع والتنقل بين المطاعم الجامعية الأربعة… كنت قد أتيت بصينية الأكل، وشرعت بتناول السلطة، لما وقفتْ أمام طاولة الأكل سيدة تحط على رأسها كيساً بلاستيكياً:
– كيف تقبل بأكل هذا الطبق؟
= من تكونين؟
– أنا عاملة في المطبخ.
= وما يزعجك في الأمر؟
– هذا ليس باللحم الحلال.
= لا يهم… فأنا لست مسلماً.
– تتكلم بالعربية، ولست مسلماً، وتأكل لحماً غير حلال… يا إلهي!

ألقيتُ، اليوم، محاضرتي الأولى. لم تكن محاضرة بالمعنى الدقيق للكلمة، كانت أقرب إلى لقاء تعارفي. كانت القاعة مليئة، ما أراحني في أول درس لي، خاصة مع حضور مدير “الدائرة”، البروفسور جاك دورمييه، الذي عمل على تقديمي للطلبة.
شرحتُ للطلبة موضوع محاضراتي الدورية: ثلاث ساعات متتالية، يوم الجمعة، بين العاشرة صباحاً والأولى ظهراً، مع استراحات قصيرة، لا تتعدى العشر الدقائق في الساعة الواحدة. وضعتُ لمسلسل محاضراتي عنواناً جامعاً: “الترجمة بين النقل والتأليف”. كما أبلغت الطلبة، وهم يزيدون على الستين، حسبما عرفت، بأنني سأعمل على مساعدتهم – إن شاؤوا – في اختيار موضوعاتهم لرسالة الماستر أو لأطروحة الدكتوراه، ضمن حدود اختصاصي بالطبع. فقد كان الطلبة يجتمعون تحت مسمى: “الدراسات الشرقية”، ويتوزعون بين مدارات ثقافية مختلفة (عربية، فارسية، هندية، عبرية وغيرها)، وفي اختصاصات مختلفة تتنوع بين أدبية وثقافية عامة وفنية وغيرها. وكانت الجامعة قد قبلتني أستاذاً وباحثاً في الوقت عينه، على أن ألقي محاضراتي في مسائل الترجمة، ما يثير اهتمامات أعداد من الطلبة، في اختصاصهم الضيق، فيما قد تشكل الترجمة لغيرهم مادة جانبية وإن مساعدة في دروسهم ومشاريعهم البحثية.
قبلتْني الجامعة في عدادها إثر مسابقة تقدمَ إليها أكثر من دكتور شاب من المتعاملين مع “المكتب الإقليمي” للفرنكوفونية، وقضتْ باقتراح موضوع بحثي يتم استكماله في فرنسا، خصوصاً في ستراسبور، فضلاً عن ثلاث ساعات تدريس أسبوعية وبعض المتابعات البحثية لعدد من الطلبة. ولقد اقترحتُ على “دائرة الدراسات الشرقية” القيام ببحث يتناول سياسة الترجمة لدى المترجم الفرنسي أنطوان غالان، المترجم الأوروبي الأول لـ”ألف ليلة وليلة”.
محاضرتي الأولى لم تثرْ اهتمامات الطلبة بدليل أن أحداً لم يستوقفني بعد انتهائي منها. كما لم يزرني أحد في مكتبي المؤقت. وتناقص عدد الطلبة في محاضرتي الثانية، الأولى واقعاً. وبعد انتهائي منها لحقني أحدهم، وسألني بالعربية، وأنا خارج من بوابة القاعة الكبيرة، ما إذا كان في إمكاني مساعدته في إيجاد عمل… ولما أجبته بالنفي، وبكوني جديداً وغريباً في المدينة، اكتفى بابتسامة سريعة ومضى.
السيدة التي وبختني في المطعم الجامعي التقيتُها بعد أكثر من يوم، لما كنت خارجاً من المبنى الذي يقع فيه مكتبي. لعلها هي، إذ التقت عيناي بعينيها بمجرد أن تلفظتْ بمساء الخير بالفرنسية، فاقتربتُ منها، وسألتها:
– ألي تتوجهين بالتحية؟
= نعم…
لم تكمل حديثها بجملة ثانية، فيما كانت تبدو مستعدة لذلك. أدارت ظهرها، ومضت حاملة معها صلحاً وغفراناً لم أتبين معانيهما ولا أسبابهما.
توقفتُ قليلاً بدوري متابعاً تقدمها فوق العشب الأخضر، ثم تحت الشجرة الباسقة، متنبهاً إلى أنها كانت ترتدي معطفاً معتم اللون، وتمسك بيد حقيبتها اليدوية، وباليد الأخرى شمسية مقفلة. لعلها هي، وقد أبقت في المطعم الجامعي الكيس البلاستيكي الذي تضعه على رأسها، والثوب البلاستيكي الذي يغطي بقية جسمها.

مكتبي مؤقت، لكنه مريح وفسيح. ورثته، بين هلالين، مثلما قال لي البروفسور جاك دورمييه، مدير “الدائرة”، لما أوصلني إليه، وسلمني مفتاحه: أنت محظوظ، ولو لوقت محدود… ستقيم في مكتب كبير الأساتذة، الذي شغله طوال ما يزيد على أربعين سنة من دون انقطاع. لم يشغل هذا المكتب واقعاً إلا في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن جرى تصميم البناء، وتمَّ نقل الجامعة من مكاتبها الفخمة والمعدودة إلى هذا المجمَّع الجامعي، الذي يشكل مدينة واقعاً: أحياء لسكن الأساتذة، أحياء أخرى لسكن الطلاب، مطاعم ومقاه ومحلات للتبضع البيتي، وفسحات وحدائق مع مقاعدها الحجرية والخشبية، ومظلاتها الواقية من المطر والثلج، فيما تتجول الكلاب فيها بثقة الأليف في نطاقه.
توفي كبير الأساتذة قبل شهر ونيف على وصولي إلى ستراسبور، من دون أن يبارحه واقعاً، على ما تحققتُ ذات مساء، إذ فتحتْ سيدة باب المكتب عنوة، وبادرتني بالقول:
– أأنت ورثتَه أيضاً؟!
لم أفهم سبب دخولها العنيف، ولا وجود رجل بجانبها. راحت تبادله الجمل متتابعة:
– لكَ أن تسجل وجود منتفعٍ في مكتبه (متوجهة إلى شريكها الذي كان يدون فوق ورق في ملف ذي غلاف سميك)… من تكون (متوجهة صوبي من دون أن ترمقني بأي نظرة)؟ ما اسمك؟ ابرزْ هويتك… (متوجهة إلى مرافقها)… لعله أفسدَ أو بدد بعض محتويات المكتبة… يجب الحصول على قائمة محتويات المكتبة… لمَ لم يوفروها لك؟ هذا جنون… هذا اعتداء…
كنتُ مصعوقاً مما يجري أمامي، من دون أن أقوى على تلفظ أي عبارة. كانت جملها متلاحقة، عدا أن نَفَسها المتلاحق يهيء، بمجرد توقفها بعد جملة، لغيرها من الجمل المتدافعة. شدني مدير الدائرة بيدي، ودعاني إلى الخروج من المكتب… كان يرافقه اثنان من “أمن الجامعة”.
لم يمضِ المدير دورمييه سوى دقائق معدودة مع الزائرة والمرافقين. بلغني تدافع كلمات متقطع، لكنه ما لبث أن توقف تماماً. اعتذرَ المدير مني بعد خروج المجموعة من المكتب، وربتَّ على كتفي: لن يزعجك أحد بعد اليوم… لو تمر بمكتبي بوم غد.
كان يسير إلى جانبها، ويتابعان الحديث مثل زميلين أليفين.
أبلغني المدير في موعدنا الصباحي، أن السيدة صحفية، وهي الوارثة الوحيدة لأبيها البروفسور، وتطالب باستعادة مكتبة والدها الباقية في المكتب، فيما أظهر المدير لي ورقة تُظهر أن والدها تبرع بمحتويات مكتبه إلى الجامعة.
شكرت المدير على ما شرحه لي، وطالبني، على عتبة مكتبه، باختيار أحد الطلبة لكي يقوم بوضع سجل لعناوين الكتب والوثائق المحفوظة في المكتب، ولجميع المحتويات المادية، على أن تتكفل الدائرة بدفع بدل مادي لقاء هذه الأتعاب.

لم أكن قد توقفت طويلاً أمام محتويات المكتب، ولا فحصتها. هناك ما أثار انتباهي فيه من دون قصد، إذ قفز إلى نظري أو وقع عليه تلقائياً. كنت مقيماً فيه بصورة مؤقتة. مجرد عابر سبيل، لأيام معدودة. ما عناني، بعد حلولي فيه، هو ترتيب مكان مناسب لحاسوبي فوق المكتب الخشبي العريض، الذي لا يناسب أبداً أثاث المكتب العصري. كانت هناك أوراق مبعثرة فوق المكتب، وقصاصات أوراق مربوطة بسلك مطاطي أصفر، ومجسم لكرة ذهبية بدا عليه العتق الشديد، فضلاً عن أقلام من أنواع مختلفة، وممحاة كبيرة وغيرها من أدوات وملحقات الورق والكتابة.
ما استرعاني بمجرد دخولي إلى المكتب في المرة الأولى، هو أن أوراقاً متفرقة كانت تتوزع فوق المكتب، بل وجدت كتاباً مطوياً بفعل قارىء أقدمَ على ذلك على أمل العودة إليه سريعاً. كان مدير الدائرة يتولى تسهيل حلولي في المكتب، وكانت ترافقه إحدى الموظفات التي كانت تمسك بيد بمجموعة أوراق، وبقلم باليد الأخرى في انتظار “التعليمات”، بعد أن قامت بنفسها بفتح المكتب. أمام دهشتي، البادية على وجهي من دون شك، سأل دورمييه مساعِدته: كيف يحدث أن حالة المكتب متردية إلى هذه الحالة؟ لماذا الغبار المتراكم هنا وهناك فيه؟ هل دخل أحدهم إليه وبعثر بعض محتوياته؟
لم تجبْ، اقتربتْ منه، أسرَّت له ببعض الجمل في أذنه، ما دعاني إلى الخروج من المكتب. لكن المدير استدعاني، وطالبني بعدم الخروج. ثم وجه أوامره للمساعدة بأن يتم في اليوم عينه تنظيف الغبار في المكتب وأثاثه، ولا سيما في رفوف المكتبة العديدة والعالية.
كان منظر المكتب غريباً، يُظهر بأن شاغله تركه للتو، أو لوقت قصير قبل أن يعود إليه، أو من دون أن يعود إليه واقعاً: خرج لدقائق معدودة، ولم يعد، أليس كذلك؟ هزت المساعِدة الإدارية برأسها تأييداً لما قلت، فيما كانت تتجه بي صوب مكتبها لإجراء ترتيبات إدارية تخص المكتب وإقامتي فيه. لم يكن الأمر بالهين، على ما يبدو، ويتعدى انتقال مكتب من شاغل إلى آخر، في جامعة اعتادت منذ عشرات السنوات على استقبال وتوديع أساتذة، أشبه بحافلة المترو التي تقل الركاب بين ساحة “الرجل الحديدي” ومباني المدينة الجامعية.
البروفسور الراحل انتقل من مكتبه إلى المستشفى بعد عارض صحي، وفيه إلى غرفة العناية الفائقة، قبل أن يسدلوا الشرشف الأبيض على جسده الناحل.

الصحفية ذكَّرتني بدانييلا. لعلهما متقاربتان في السن، إلا أن ملامحهما تختلف. هذه تبدو مكتنزة بعض الشيء، مثلي، وتميل إلى القصر، بخلافي، فيما جسم دانييلا نحيل، ويميل إلى الطول. هذا ما أميل إلى تقديره، إذ إنه لم يتح لي تأمل جسد دانييلا، على الرغم من كونها تعرت تماماً، بل أقدمت على نزع ثيابي فيما كانت توسعني قبلاً، ما أن دخلنا إلى الغرفة رقم 12، ودفعتني إلى السرير، وحطت فوقي.
لها اسم وحسب. قد لا يكون صحيحاً، وأنا أمضيتُ أقل من ساعة واحدة معها.
لن أجد دانييلا، على الأرجح، فهل سأنجح في إيجاد طالب يتولى الأعمال المطلوبة في فحص محتويات المكتب وتدوينها؟
دعوة المدير للتفتيش عن طالب جعلتني أتحقق من أن أمامي فرصة لتفقد المكتب قبل انتقالي منه، الذي قد يكون وشيكاً. فرصة أخيرة لمعرفة أدوات عمل البروفسور الراحل: هو من جيل مضى، أكبر بكثير من جيل أستاذي الذي أشرف على أطروحتي. إنه جيل ما لن أعرفه إلا في الكتب والموسوعات والسير، ما حفز اهتمامي بتدبير طالب للمهمة: هكذا أتعرف معه، وأسافر معه، في خريطة عقل أستاذ لن أبلغه أبداً.
كيف أختار طالباً منهم، وأنا لا ألقاهم سوى مرة واحدة في الأسبوع؟ كيف أختاره، وهم يتراصفون في صفوف ممتدة، فيما لا يزيد عددهم عن الثلاثين في كل محاضرة أسبوعية، يوم الجمعة؟ ولمَ لا أختار طالبة، وعددهن، على ما انتبهت، أكبر من عدد الشباب؟
في المحاضرة التي تلت يوم “المداهمة”، كما أسميته في دفتر يومياتي، أخبرت الطلبة وأعلمتهم بوجود مثل هذا العمل؛ ولمن يرغب فيه، عليه أن يتوجه إلى مكتبي، في دوام استقبال الطلبة، وأن يقدم ترشيحه ودوافعه للقيام بهذا العمل، على أن العرض لن يبقى مطروحاً غير أسبوع واحد، ثم أبلغ الطالب أو الطالبة بقراري بعد عشرة أيام، بعد موافقة مدير الدائرة بطبيعة الحال.
إحدى الطالبات المحجبات رفعت إصبعها طالبة الكلام: كم يكون البدل المادي عن هذا العمل؟ وقبل أن أتدبر جواباً على سؤالها الذي أربكني، تابعتْ متسائلة: هل يحق لطالبة تستفيد من منحة مالية من الجامعة القيام بهذا العمل؟
اعتذرت عن الجواب، لأنه يتصل واقعاً بمدير الدائرة، على أن أجيبها عنه في لقائي بها إن رغبت في هذا العمل. طالبة أخرى رفعت يدها طلباً للكلام، وكانت تجلس في الصف الأمامي: من يكون هذا البروفسور الراحل؟ ماذا عن محتويات مكتبته؟ هل يمكن لها أن تفيدهم، هم الطلبة، في دراساتهم العالية؟ حرتُ في الإجابة، لكنني سارعت إلى القول: هو كبير الأساتذة الشرقيين في هذه الجامعة منذ أربعين سنة على الأقل.
وجدتُ هذه الطالبة تتقدم مجموعة الطلبة الذين كانوا ينتظرونني أمام مكتبي، في الخامسة بعد ظهر يوم الجمعة. كان اللقاء إفرادياً بطبيعة الحال، اقتصر منهم على أسئلة معدودة: ما البدل المادي لهذا العمل؟ كم يدوم؟ ما هو العمل بالتحديد؟ الطالبة كريستين مارييه (وقد شهرت بطاقتها الجامعية وحدها لما دخلت إلى مكتبي) لم تسأل هذه الأسئلة، مثل طالبَين من المغرب، وآخر من مصر، ورابع من الجزائر، فضلاً عن طالبة إيرانية. أخبرتني، ما أن استقبلتها، أنها اطلعت على بعض أخباره في الأنترنت، في “الويكيبيديا”، وأنها تحققت كذلك من أنه درس أحوال بلدان عديدة، ولا سيما الأدب فيها. هذا ما جذبها، أي معرفة مؤلفاته ومحتويات مكتبه، على أمل أن تجد فيها ما يفيدها في تحضيرها لرسالة الدكتوراه.
ما لا تعرفه كريستين هو أنه لا يحق لها العمل، طالما أنها ممنوحة من الحكومة الفرنسية. هذا ما أخبرني به مدير الدائرة: مثل هذه الأعمال نخصصها – إن توافرت – لمن لا يكسبون منحة منتظمة. هذا ما أخبرتها بمجرد أن توقفت عن السؤال، لكنها أجابتني: أنا مستعدة للقيام بهذا العمل من دون مقابل.
لما خرجتْ من مكتبي، قبل أن تتعدى الشريط الحديدي الذي ينتهي إليه باب المكتب، عادت إلى الوراء فوجدتْني أرقب طلتها من خلف. احمرَّ وجهها لسبب لا أعرفه؛ اقتربتُ منها بضع خطوات للتخفيف من ارتباكها البادي:
– أنسيتِ شيئاً؟
لم تجب. كانت تحدق في وجهي، ما جعلني أنتبه لجمال عينيها السوداويين مثل حبتي لوز محمصتين.
اقتربت أكثر منها، فتراجعتْ قليلاً إلى الوراء:
– هل لي بسؤال؟
= تفضلي.
– السؤال شخصي. أهذا مسموح؟
= تفضلي.
– هل أنت هندي؟
ضحكتُ، ولم أجب. كنت أطمع باستكمال الحديث معها، من دون شك… كنت أود معرفة السبب أو الأسباب التي حملتها على تشبيهي بالهندي. إلا أنها تبرمت من وقفتها؛ شدَّتْ إلى صدرها حقيبتها الصغيرة، وراحت تعبر سريعاً الممر المؤدي إلى الدرج الواصل بين الطابق الأول والحديقة الخارجية أمام البناء. انتقلتُ إلى شباكي أترقب خروجها من المبنى… من دون جدوى: إلى أين مضت؟

– من أين أبدأ؟
= لا أعرف.
هذا ما أجبتُها به لما دخلتْ إلى المكتب، بناء لموعد سابق، ووقفت تنتظر كما لو أن علي أن أشير إلى ما يجب عملانه، وإلى بدء العمل نفسه من هذه الناحية أو من جهتها المقابلة في المكتب الطولي. كانت كريستين تقف سائلة، وأنا أرقب وقفتها عن مسافة من دون أن أتحرك. كان في ودي أن أبقيها واقفة أتأملها: هي واقفة، ماثلة، وأنا جالس، فاحص، كما لو أنها معروضة للمراقبة أو الفرجة. إلا أنني خجلت من جلستي، ولو كنت أستاذها والمسؤول عن عملها الإداري أيضاً، كما لو أنها طالبة وظيفة، أو مستخدمتي التي تسألني عما تريد طبخه لـ”المِسْتِر”، أي أنا، بعد فطور الصباح.
انتقلتُ إلى جانبها، وأخبرتها بأنني لم ألقِ نظرة فاحصة على محتويات المكتب منذ أن حللت فيه قبل شهر. وما منعني من الاقتراب المزيد من رفوف المكتب المعدنية هو الوسخ الذي علاها، وبات يشكل طبقة سميكة، يمكن لضعيف النظر، مثلي، أن يتبينها، عدا انشغالي بأمور إقامتي وإعداد وترتيب محاضراتي وعملي البحثي نفسه، وترتيب أموري الإدارية المختلفة في الجامعة وخارجها.
كان المكتب عبارة عن صفين لرفوف مكتبية، فيما يقع مكتبي الخشبي أمام أحد الصفين، مقابل الصف الآخر. ويقوم جدار زجاجي في الجهة المقابلة لمدخل المكتب، ما يفضي على أشجار عالية واقعة في الحديقة قرب المبنى الكبير المستطيل، من دون أن أقوى على النظر إلى خارجه: هو – أي البروفسور الراحل – من طلب هذا المكتب، إذ كان يذكره بمشهد ياباني، مشهد الحديقة التي لا تفضي إلا إلى أشجارها وأوراقها، من دون أي هيئة إنسانية تبلبل أو تشغل الناظر إليه، إلى هدوئه، الساكن والحيوي في آن. هذا ما أخبرتني به سكرتيرة دائرة العربية، لما عرضت علي الإقامة فيه، في زيارتي الثانية للجامعة بعد أربعة أيام على حلولي في ستراسبور.
كنت أحادثها، وقد خرجت من مكتبي، بلغة لا تصلح تماماً بين أستاذ وطالبته، طالما أنني بادلتها بعض أخباري الخاصة. أيعود هذا إلى طبيعتي “الطيبة”، كما كانت تقول لي صديقتي في بيروت أم إلى اهتمامي الظاهر، بل الذي يظهر تجاهها؟

تكاد أن تكون كريستين في عمر ابنة دانييلا، على ما حسبت. لماذا أجمع بينهما، ولا شيء يربط بينهما، أو يدعهما موضوعاً لتشابه؟ لماذا أستدعيهما، الواحدة مع الأخرى، وواحدة منهما تكاد أن تكون في عمر أمي، والثانية، في عمر أختي الصغيرة؟ واحدة أستدعيها في الليل خصوصاً، والثانية أراها أمامي، في مكتبي، كل صباح، في العاشرة تماماً، إذ تباشر عملها التوثيقي.
أستدعيها مثل فيلم مستعاد مرات ومرات. أتفرج فيه على نفسي، ما يمكنني رؤيته، أو تبينه في ذلك التدافع الهائل الذي أصابني بين يديها، بين جسمي وجسمها. إذ إنها أقبلت علي بمجرد فتحها باب الغرفة رقم 12، بل دفعتني بعنف صوب السرير الوحيد، الضيق، والمستند إلى حائط يفضي على نافذة، هي الوحيدة في الغرفة. هذا ما تنبهت إليه، ما أن تركتني وذهبت إلى غرفة الحمام للحظات. دفعتني ونزعت عني ملابسي بسرعة عنيفة، من المعطف البني الغامق إلى السترة الجلدية، ثم راحت تفكك أزرار بنطلوني قبل قميصي، من دون أن تتلفظ بأي كلمة. كانت تُصدر أصواتاً محمومة، متلاحقة، من دون أن أتبين وجهها تماماً، إذ كنت أتلوى بين يديها، أو تلويني حسبما تشاء: كنت جسداً مشتهى، ولو بالجملة.
أتيحتْ لي رؤيتها بعض الشيء، ما أن عادت من الحمام. تنبهتُ إلى جسدها الأبيض والنحيل، ولكن من دون ترهل في ثدييها. عادت منه عارية، محتفظة فوق ساقيها بكلسات سوداء ترتبط بكماشات حديدية، تمسك هي الأخرى، من جهتها العليا، بسروالها الصغير الأسود، هو الآخر. علتْ السرير واقفة، ووضعتْ قدميها من جهتي قدمي المسبلتين، ثم راحت تفك الكماشات ببطء مناسب لرقص التعري في البارات الليلية، ثم صرختْ لاحسة لسانها فوق شفتها العليا: ألا تراني مثيرة للغاية؟
لم يتحْ لي إجابتها على سؤالها، ولا أظن – وأنا أكتب هذا في مكتبي وحدي – أنها كانت تنتظر مني أي جواب. وضعت دانييلا برنامجاً متتابعاً، له فقرات أعدتْها في أدق تفاصيلها، بمنأى عني، وقبل أن تلتقيني أو تراني في المقهى.

تقدمتْ كريستين في عملها، وقد طلبتْ مني زيادة وقتها بعد أن جلب لها تفتيش الكتب والمجلات، وتدوين أسمائها، فائدة لامتناهية. ولما سألتُها عن هذا التعلق الذي يبدو أشبه بالهوس، أكثر منه بالمثابرة، أجابتني بثقة: أنا أقرأ عناوين الكتب والمجلات، كمن يتعرف على خريطة بلد، بل بلدان معاً… مكتبة البروفسور أكثر من مكتبة، إنها موسوعة شرقية غنية، تجمع بين أطراف آسيا المتباعدة، اليوم، وتجمع بين ديانات وحضارات وثقافات تتناحر اليوم وتغرق في حروبها الأهلية…
كنتُ قد وضعت معها خطة للعمل، تقضي في قسم أول بإحصاء الكتب والمجلات، وقد وجدتْ كريستين طريقة ميسرة لذلك: راحت تصور بجهاز هاتفها النقال اسم الكتاب أو صورة غلاف المجلة، ما جعل العمل يتقدم بسهولة مذهلة. هذا ما جعلها تنهي في أقل من أسبوعين إحصاء المواد المرتبة فوق رفوف الجهة الواقعة وراء مكتبي. ولما أذهلتني سرعة تدبيرها، المشفوعة بذكائها، طلبتُ منها التوقف عن إكمال إحصاء رفوف الجهة المقابلة لمكتبي، على أن تتفرغ لمعرفة مختلف المواد الأخرى، المتروكة فوق المكتب، وفي جواريره خصوصاً.
دارت الأمور بعجلة ما توقعها مدير الدائرة بنفسه، حتى إنه طلب التعرف إلى الطالبة بنفسه مبدياً رغبته في دفع بدل مالي عن عملها، على الرغم من تبرعها بذلك. لما تحققت كريستين من تقديرنا لها، أتتني في صباح اليوم التالي على موعدنا مع المدير دورمييه: يجب أن أوضح لك سبب إقبالي الشغوف على هذا العمل… توقفتْ عن استكمال الكلام، فيما رحت أتحسب لوقع ما ستعترف به أمامي. ثم سألتني: هل تسمح لي بالجلوس؟ لما أجبتها بالإيجاب، فتحت دفتراً كانت تحمله، وشرعت في الكلام، ناظرة إلى الدفتر بين فقرة وأخرى من دون أن تنقطع عن الكلام واقعاً:
أنا أحب الكتب منذ صغري. أحببتها قبل أن أحسن القراءة. كان والدي يتلو على مسامعي حكايات قبل النوم، لدرجة أنني حفظت أكثر من واحدة منها عن ظهر قلب… لما كان والدي مضطراً أحياناً لتسريع الحكاية أو اختصارها، كنت أوقفه وأعيده إلى الصفحة حيث توقف… هذا السبب ليس هو الدافع لما أقوم به. السبب الحقيقي هو أنني طلبتُ (بعد تردد ولعثمة) الاقتراب منك… لا تسىء فهمي، أرجوك. والدي علمني أن المعلمين المسلمين القدامى كانوا يتحدثون عن “الملازمة”: ملازمة الطلبة لأستاذهم كل يوم، والتعلم المزيد والمتنوع منه…
كدت أن أوقفها عن الكلام، وأن أقول لها إنني لست مسلماً، وإن “الملازمة” تناسب مفهوم “الحلقة” القديم، لا الجامعة، ولا المدرسة قبلها، إلا أن كريستين كانت تتكلم كما لو أنها تفيض بما يختلج في وجدانها، وبما دار دورات عديدة في صدرها قبل أن تتلفظه وترتج معه حمالة ثدييها، على ما تنبهت. كانت تتمسك بدفترها المفتوح من دون أن تنظر إليه، ولا تقوى على رفع نظرها إلى نظري، أنا الذي اتسعت حدقتاه، وأذناه، لما كان يراه ويسمعه.
تحدثت كريستين طويلاً عن دراستها العربية… أوقفتُها عن الكلام: لستُ في مجال سماع حكاية في حكاية… قولي لي: ما الذي قادك صوبي؟
أجابت عندها كريستين رافعة نظرها إلى وجهي: اخترتُك قبل أن تصل إلى ستراسبور، إذ أعلمني أحد الاستاذة عن موضوع محاضراتك السنوية الذي يناسب موضوع أطروحة الدكتوراه التي آمل في إعدادها.
– ما هو؟
= درسُ ترجمة ابن المقفع لـ”كليلة ودمنة”.

استيقظتُ، وقد شعرت بسروالي مبللاً في فراشي الضيق. كانت الغرفة معتمة، فما مددت يدي إلى مكبس الضوء المجاور للسرير من جهتي اليمنى. بقيت، بين المغتبط والمدهوش، أتبين ما حصل لي في غفلة مني.
أمضتْ دانييلا لحظات معي، في صور هاربة، متسارعة، متداخلة، من دون أن أجد رابطاً بينها. أشبه بضربات رعد، من دون برق، ثم انهمر المطر بحباته الطرية. ما الذي استدعاها إلى أحلامي، وقد نسيتها في الأسابيع الأخيرة، بعد مضي أكثر من شهرين على موعدنا الفجائي في فندقها؟ لم أتبين شيئاً من الحلم: صور متفرقة، ممزقة، متطايرة، في عتمة خفيفة، متحققاً وحسب، عند استيقاظي، من أنني كنت شريكها، لا تلميذها أو مستخدمها الجنسي. تحققتُ من أن العرق كان يتصبب بدوره حول رقبتي، فضلاً عن جفاف في حلقي. أأشتاق إليها؟ أأصبحت شريكاً لها أم أرغب في أن أكون شريكاً لها؟ في المرة التالية سأكون حاضراً، وفاعلاً. هل ستكون هناك مرة ثانية؟ يبدو أن هناك مرات تالية، معي ومعها، من دونها، إذ إن قواى خفية أفردت لها نوافذ أو بوابات للانتقال إلى هيكلي.
يبدو أنني غفرت لها فعلتَها: هذا ما رحت أردده على مسامعي، بعد الاستحمام، وأنا أعد قهوتي على النار. يبدو أنني بتُّ متعلقاً بها، من دون علمها. هل يمكن أن أتحدث عن شبحها أم عن طيفها، وقد تعلمت بأن الطيف جارٌ ليلي في صورة، فيما الشبح ظلُّ جارٍ معروف. أهي جارتي الممكنة، وقد رحت أستعيدها في فراشي، وحدي، في الليلة التي تلت حلمي المبلل، بل أكثر من مرة في الليلة الواحدة؟
عادت دانييلا إلى حياتي من جديد، من دون أن تظهر بعد تلك الليلة في صورة خفية. هذه المرة، أنا الذي رحتُ أعطيها توجيهاتي: تعقبتُها، لحقت بها، أذقتها ما يطيب لي أن أذوقه معها، ومن دونها.
لعلها أخطأت معي… كيف لها – لو رغبت في ذلك – أن تصلح خطأها، وتستعيد علاقة طبيعية معي، وهي لا تملك عنواني، ولا تعرف اسمي حتى؟
مع ذلك باتت دانييلا شريكة في شقتي الصغيرة، من دون أن تهتم بملابسي التي أضطر إلى غسلها في محل قريب للغسالات العمومية. باتت ترافقني إذ أقف أمام المرأة صباحاً لتسوية هندامي، ولكن من دون أن تكوي ثيابي، طالما أنني أرتدي الكنزات، وأضع القمصان تحتها. هي تحضر في الليل، إن شئتُ بطبيعة الحال، وتطيع أوامري التي لا تتعدى امتثالها لما أطلبه منها: صامتة، مطيعة، وتشيع رائحة مختلفة في غرفة النوم، بل في الشقة.
هذا ما كاشفني به زميلي الدكتور هيبوليت، إذ زارني فجأة، من دون موعد، بعد السادسة مساء بقليل: عرفتُ أنك تعيش في هذه الشقة قبل يومين، وأنا أعيش في شقة غير بعيدة، جئت لأدعوك إلى عشاء بسيط في شقتي مع عدد من الزملاء… توقفَ قليلاً، قبل أن يستعيد: ما هذه الرائحة في الشقة؟ يبدو أنك مرتبط دوماً في الليل.

أمرُّ إلى جانب محل زهور، اسمه: “الروح الخلاقة”.
أشجار جرداء، لا بفعل الشتاء، وإنما لأنهم شذبوها بعناية: تنام استعداداً لحبلها، لحملها القادم.
أشجار، أشكال منحوتة: مكنسة الأرض للكشف عن سماء.
في “ساحة بروغلي” صبية على دراجتها الهوائية تطلق ابتسامة صريحة صوبي، في اتجاهين مختلفين: أتسخر مني؟ أرأت ملاكاً يظلل رأسي، مثل هالة، ولا أراه؟ ذلك أن الابتسامة عالم، لغة، نحتاج إلى فهم إبلاغاتها، وإمالاتها، ما هو صعب مع امرأة أمامك.
رذاذ ثلج خفيف، والباعة ينصبون منصات البيع – منصات “سوق عيد الميلاد”، الذي تختصره الشوكولاتة بأشكالها المتنوعة وكتلها المنحوتة… إنه عيد الأطفال، عيد الطفل في المغارة، عيد باعة الشوكولاتة.
منصات، محلات خشبية مقفلة في الساحة. أحدها تَصدر منه رائحة السكر المحروق. محلات خشبية مرفوعة على أخشاب صغيرة في أكثر من جهة، ما يجعل أصحابها ينقلونها إلى حيث ما شاؤوا. يفتحون تباعاً… إلى جانب شاحنات كبيرة تتحول بدورها إلى محلات بيع، ولها درجات في مؤخرتها.
لحية بابا نوويل مع جزادين وهدايا للعيد على أكواب وصحون مزوقة. والكراتين التي حملها أصحابها وسيحملونها، في حال عدم بيعها في نهاية النهار، لا تزال – والساعة 12 ظهراً – أمامها من دون ترتيب أو إخفاء.
أقع على مقربة من الساحة على ممر صغير يحمل اسم الفيلسوف: والتر بنيامين، وفيه شجرتان، أسمي الواحدة منهما: “الثابتة”، والأخرى: “العابرة”.
أعود إلى “مقهى بروغلي” من جديد. أقرأ في الجريدة عن عملة إلكترونية: (Bitcoin). تسمح بتبادل المال من دون تكلفة، بشرط أن يتكفل خمسة من أعضاء الشبكة بالجديد الداخل إليها، بين الولايات المتحدة الأميركية واليابان وفنلندا، في الوقت الحالي… تدخل صبية وتجلس إلى طاولة مجاورة لي. ما أن تنزع عنها معطفها البني الذي كان فاتحاً لولا ما لحقه من تلوث مدعوك بالاستعمال المديد، تسألني: هل أنت مسيو…؟ من دون أن أحتفظ أو أتبين ما تتلفظه. أجيبها من دون تردد، مع ابتسامتي: لا، لا… لا أنتظر أحداً. لا ينتظرني أحد.
مع ذلك باتت شقتي أكثر إلفة. لا أتضايق من البقاء فيها خارج ساعات القراءة والكتابة أو النوم. بتُّ أمعن النظر ملياً في ما يحيط بي، في ما أقوى على رؤيته من نافذة الصالون الكبيرة. حتى مرآى الأشجار العالية، والبنايات المتتابعة، بات يريحني، يرسل صوبي إشارات قبول.
فرحت بزيارة الدكتور هيبوليت المفاجئة. أحسنت استقباله، على ما حسبت.
جمعني العشاء في شقته بعدد من زملاء الدائرة، فيما لم أحسن متابعة الحوار معهم حول تنامي العنف الإسلامي، إذ كنت معنياً أكثر بفهم الاضطراب الفرنسي البادي في الأزمات الداخلية. عشاء عابر، بدليل أنني لم أتعرف على وجه أحدهم في اليوم التالي لما التقى بي، وبادرني إلى الكلام في الممر الواصل بين مكاتبنا…

كانت ترتدي “الشلوار القميص” (على ما ترجمتُ واجتهدت في تسمية هذا اللباس التقليدي)، بلونيه الأبيض والأزرق. هكذا اكتشفتها، بل نادتني بنفسها مخافة ألا أتبينها في فوضى الألوان والأشكال والسحنات والأطايب والتوابل والبهارات وروائح الشواء، وفي فوضى اللباسات “الوطنية” التي يعمد الطلاب إلى التزيي بها، في حفل خاص، بعد ما يزيد على شهرين من بداية العام الأكاديمي. زميلي، الدكتور جان-جاك زيمر، شجعني على المشاركة في الحفل: ألستَ جديداً بدورك في الجامعة؟ ألا يستحسن بك المشاركة في حفل التعارف بدورك؟… الحفل يشارك فيه الأساتذة والطلاب وموظفو الإدارة، على أن يتكفل الطلاب أنفسهم بإعداد كل شيء: كلٌّ يتدبر طبقاً أساسياً من مائدة بلاده، فضلاً عن شراب أيضاً.
نادتني كريستين، ووصلت أمامها، من دون أن أخفي دهشتي مما كان يتكشف لناظري: جمال كريستين الأسمر والأخاذ. كان حياؤها، إذ تنبهتْ إلى مفاجأتي السارة، يزيد من جمالها. تداركتْ الأمر بأن ابتعدت قليلاً وأتت بكوب من شراب هندي شديد الغرابة والعذوبة.
شكرتُها وابتعدت عنها، إذ ناداني مدير الدائرة الذي أبدى فرحته لوجودي بينهم، ثم لم يتخلف عن واجباته إذ أفادني بأن الصحفية، ابنة البروفسور، قبلت بإنهاء الأمر حبياً، بين الجامعة وبينها، من دون أي متابعة قضائية، بمجرد الانتهاء من عملية إحصاء محتويات المكتب. ثم أخذني البروفسور بيدي مبتسماً ابتسامة عريضة: تصلك بعد غد رسالة تهنئة من قبلي لهذه الفكرة الرائعة.
– عن أي فكرة تتحدث؟
= فكرة تنظيم العيد.
– ما علاقتي به؟
= أخبرني عدد من الطلاب أنك كنت وراءها… مثل هذه الأعياد ليست في تقاليدنا… يقوم بمثلها أحياناً طلبة الفنون الجميلة، إلا أنها تنتهي في الغالب بمشاكل شغب وفوضى…
لم يُتح لي استيضاح الأمر، إذ أتبع المدير حديثه بالقول: هذه الفتاة (عن كريستين) رائعة… شجعتُها على تأسيس نادي جامعي فيما بينهم.
هي، إذاً، من أبلغ المدير بمسؤوليتي عن الاحتفال!
لم أقوَ على تبينها بين الوجوه والكراسي والطاولات، إذ غاب شكلها المعتاد في مشهد من الثياب الذي يبدو لغرابته تنكرياً. إلا أنني لم أجد صعوبة، بالمقابل، في تذكر وجه العاملة في المطبخ الجامعي، لما وقفت أمامي وبادرتني بالكلام، بل بشرح ما حدث لها معي: إنها فضيلة، من تطاوين في تونس، تعمل في إعداد الأكل، لا في خدمة زبائن المطعم الجامعي، إلا عند الضرورة… عرفتْ من إحدى رفيقاتها في العمل أنني عربي، إذ سمعتني أتبادل بعض العبارات بالعربية مع أحد الطلاب المغاربة، فحسبت أنني مسلم: العربي مسلم حكماً في بلادنا… أنا آسفة لما جرى. ثم استأذنتْ وعادت إلي بطبق: أرجو منك قبوله… إنه طبق “البريك”… ستحبه من دون شك… هل يمكنني سؤالك: لماذا تأكل مع الطلبة؟

أسماء الشوارع أو الجادات أو الأزقة باللغتين: الفرنسية ولغة قريبة من الألمانية. حتى إنني تنبهت إلى وجود اسم حي فيها اسمه: فرنسا الصغرى. هذا ما رحت أكتشفه بنفسي متنقلاً في أحياء ستراسبور المختلفة، بقدر شديد من الحذر والحيطة، من دون أن أعلم أسبابه. شوارعها تفيض على حاجات سكانها. الاكتظاظ الوحيد ألقاه في بعض الأوقات إذ أصعد إلى الترامواي المتجه صوب “غاليا”. هذا ما كان لا يزعجني أبداً، إذ أجتمع في الحافلات بالطلاب، بشنطهم وألوانهم وفوضاهم المحببة لي، طالما أن المدينة تبدو ساكنة للغاية، بل مضجرة أحياناً.
اهتديت إلى محل كبير لبيع الكتب على مقربة من مقهاي، وإلى محلات أخرى تلبي حاجات الزوار المختلفة، في شوارع عريضة ومرتبة. إنه شارع الماركات الكبيرة للثياب والعطور وكل ما هو فاخر، وفيه مبنى “برينتان” الشهير، الذي اعتدتُ فيه على أكل وجبة الظهر الخفيفة.
هذا الصباح وقعت في الشارع الفاخر على مستعطية جالسة على الرصيف: كانت تتلفظ بلغة لا أفقه شيئاً منها، وتحمل كوباً فارغاً لاستقبال القطع النقدية فيه، ما يختصر ويعوض عن امتناع لغتها على العابرين. يفضي الشارع إلى “الرجل الحديدي”، وهي محطة دائرية للترامواي في أكثر من اتجاه، مع قبتها العالية التي لا تقي غير القليل من ركابها المنتظرين في الشتاء والثلج.
أخيراً فهمت حديث أبي المتكرر عن الترامواي، إذ عرفه لبعض الوقت في بيروت، وهو صغير، ينتقل فيه من أمام “ملعب سحاقيان”، حيث بيت عائلته، إلى محطة الخوري في الدورة، حيث بيت أخيه الكبير ألفراد.
أقع في “شارع الميساجري” على ترامواي في اتجاهين من دون سيارات. يكاد أن يدهسني أحد القطارات لولا زعيق زموره.
أقبلت، اليوم، على شراء أول كتاب من المكتبة التي بجوار مقهاي. وجدتني خفيفاً، مرتاحاً، أراقص الكتاب بين يدي بخفة كما لو أنه هدية أبتعتُها لنفسي في الأسابيع القليلة قبل عيد الميلاد. السيدة التي تتقدمني في الصف للدفع كانت قد تبضعت لأحفادها، على ما سمعت من حديثها مع البائعة: أرجوك، ضعي كل كتاب على حدة… إنهم لأحفادي. أضع في كل كتاب شيكاً للمعايدة… إنهم يمصون دمي كل عام، ولي 11 حفيداً. لهم طبعاً أعياد ميلادهم. لا يكتفون بالكتاب. هذا يريد حاسوباً، وذاك تلفوناً نقالاً… لا تصدقي ما قلتُه للتو. أنا أعبدهم. ما قيمة الفاتورة الإجمالية؟
خرجت من المكتبة مستعيداً عبارات أمي الغاضبة لما أبلغتها قبل يومين بعدم مجيئي إلى لبنان في مناسبة الأعياد. أما أبي فلم يبدِ اعتراضاً على قراري مكتفياً بالقول: كان حضورك ليفرحنا في هذه الأيام الحزينة التي يعيشها البلد.
في الممرات الواصلة بين الجادة العريضة وشقتي، أوقفني رجل من دون إنذار. وجدته يعترض طريقي تماماً: ألي ببطاقة هويتك؟ أخرجتُ جواز سفري من جيبي الداخلي، ثم راح يدقق في تواريخه، ويهمهم من دون كلام بين. وقبل أن يعيده لي، حدجني بنظرة ثابتة: لا بأس… لا بأس… لا تنسَ الذهاب إلى مخفر الشرطة القريب في أقرب وقت. ولما سألته عن السبب، كان قد أدار ظهره ومضىى لا يلوي على شيء خلفه.

حارت كريستين في ترتيب أوراق البروفسور والمواد المتفرقة التي كانت تتوزع في جوارير مكتبه: كيف توزعها؟ ألها أن تقرأها؟
ما سارعتْ إلى ترتيبه كان مرتباً سلفاً، في علبة خشبية تفوح منها – ما أن تفتحها – رائحة ذكية. إنها علبة صور فوتوغرافية عديدة، ذات حجم صغير في الغالب. صور بالأبيض والأسود، ما عدا مجموعة صغيرة ملونة.
لم يكن من السهل التعرف على البروفسور في هذه الصور المتفرقة، التي تتوزع (على ما خمنت) بين قاعات لمؤتمرات، أو إلى جانب آثار مادية في خرائب وحفريات، أو قرب صخور في غابة أرز كثيفة، أو أمام معابد تظهر فيها نقوش لراقصات، وصور أفراد مختلفين في لقطات مدبرة في الغالب، حتى إن أحداها تُظهر أكثر من جلسة نهارية تحت عريشة عنب في أحد البيوت… من دون صورة واحدة لستراسبور.
كريستين هي التي نبهتني إلى أن بعض الصور يحيل على الأرجح على معابد هندوسية، فطلبت منها التأكد من الأمر. استأذنتني وقامت بتصوير هذه الصور في هاتفها النقال، متعهدة بتلفها ما أن تتوصل إلى التأكد منها، ومن معرفة أصولها.
في البيت، في المساء، أمضيت ما يزيد على الساعتين منقباً في هذه الصور، باحثاً عن نقاط استدلال فيها، كما لو أنها مخلفات آثارية، على الرغم من أنها لا تبعد سوى سنوات وربما عقود قليلة عن حصولها في حياة هذا البروفسور المتنقلة والغنية، على ما يبدو.
رحت أتعقب هيئات الأشخاص في الصور، طالباً التعرف من بينها على هيئة البروفسور، على تغيراتها بين عهد وآخر. رحت أخمن وأدقق، مستعيناً بصورة فوتوغرافية عثرتُ عليها في الجامعة. ولما حصلت عليها من البروفسور هيبوليت، أخبرني: كان معنا، ولا نعرفه. كانت حياته غامضة، بل سرية، على الرغم من صيته العلمي الكبير، والمعروف دولياً. كان كتوماً للغاية، ولم أنجح طوال سبع سنوات، وأنا جاره في المكتب المجاور، في محادثته إلا في مرات قليلة… قلما كانت تتعدى هذه استيضاح أمر ثقافي، مثل مناقشاتي معه حول دخول المسرح الأوروبي إلى استانبول… هذه الصورة التقطتُها بنفسي، بناء لطلب مني، فلم يمانع… يمكنكَ التعرف على رفوف مكتبه وراءه. وعدني بالتقاط صورة مشتركة لنا في يوم آخر… لم ننجح في الأمر، إذ انتقل بعد ما يزيد على الشهرين إلى المستشفى، ثم إلى المقبرة.
في اليوم التالي، توقفتُ عن فحص الصور، بعد أن أعدتها إلى علبتها الخشبية، فمثل هذا العمل لا يجدي، عدا أن لا منفعة لي منه. لكن أموراً أخرى شغلتني بين أوراقه الخاصة: طوابع بريدية من أكثر من بلد، مرتبة في مجلد خاص بها، وراء أوراق شفافة ولماعة. قصاصات جرائد في أكثر من لغة، وبطاقات بريدية مرسلة إليه… إلى أن وقعت على محفظة جلدية بنية صغيرة ومعتمة، وفيها مفتاح وعلاقة تحمل في جانبها البلاستيكي رقم: 61، وفي الجانب المتدلي منها مفتاحاً صغيراً. ما يلم شمل حياة في هذه المتفرقات المبعثرة؟ أفي كل مادة متبقية مفتاح يخصها ويربط الفقرات بين بعضها البعض؟ وماذا عن المفتاح المحفوظ بعناية؟ ماذا عن الرقم نفسه؟ ألا يعدو كونه رقماً وحسب، خالياً من أي دلالة؟ ماذا إن كان رقم خزانة سرية؟ أين هي؟ ماذا تحوي؟ ألهذا تبحث الصحفية، ابنته، عن متبقياته؟

ألتقي لليوم الثاني على التوالي بالشخص عينه الذي زاملته في “البيت اللبناني”: هو في اتجاه، وأنا في الاتجاه الآخر فوق السجادة الميكانيكية الواصلة والفاصلة بين خطَي مترو. لم تصبه أي دهشة، ظاناً أنني لا زلت أعيش – مثله على الأرجح – في باريس.
أعود إلى باريس لبضعة أيام، بعد أن أقمت فيها لشهور معدودة قبل سنوات. هذه المرة أزورها لتدبير مواد بحثي المفتوح عن ترجمة أنطوان غالان لـ”ألف ليلة وليلة”.
كنت أعبرها وحسب، بخطى متثاقلة، صعوداً وهبوطاً على الأدراج الحجرية الواصلة والفاصلة بين حافلات القطارات السفلية. ما كنت حتى أتجول فيها… لم أستفظع، قرب “السان ميشال”، أن محل “شي أندريه” للسندويشات بات محل “نيو دلهيز”، ولا مرأى المجلة التي أشبه بجريدة، وكانت تقلبها الجالسة إلى جانبي في الحافلة…
لست سائحاً مثل كثيرين، ممن أتعرف بيسر على هيئاتهم: من نظراتهم اليقظة والجاحظة، من انكبابهم على خرائط الحافلات، من أشكال ألبستهم، أو من طلبات أكلهم… تدبرت فندقاً رخيصاً، على مبعدة مئات الأمتار من “المكتبة الوطنية”، التي تحمل أيضاً اسم بانيها الجديد: “مكتبة فرانسوا ميتران”. لم تعد المكتبة جديدة بالنسبة لي، بل قديمة، بعد أن أقمت فيها لأيام بل لأسابيع، في تلك الناحية التي تبدو أقرب إلى الضاحية منها إلى طرف العاصمة.
كان يحلو لي التمشي بين الفندق والمكتبة، ولو تحت رذاذ المطر الخفيف في هذه الأيام الأخيرة من شهر كانون الأول (ديسمبر). أمضي إلى المكتبة مثل الكثيرين الساعين إلى أعمالهم، ولا سيما في مجموعة من الأبنية الجديدة التي تشغلها شركات وشركات. لعلهم موظفو هذه الشركات من ألقاهم بين رصيف وآخر: أكثر من عابر في هيئات مرتبة، ولا سيما الشبان منهم، ممن يمشون بخفة مع حقائبهم التي تحمل حواسيبهم على الأرجح. فيما أتحقق من أن غيرهم يُقبل على هاتفه النقال بحماس وشغف، كما لو أنهم يمضون فوق دروب لامرئية، لكنهم يحسنون الانتقال فيها.
أنا بدوري أحمل حاسوبي معي، مثلما تحمل السلحفاة بيتها، فوق ظهرها، طالباً أوراقاً خافية عني، وأحتاج إلى اكتشافها ومعرفتها، عما قاد غالان إلى ترجمة “ألف ليلة وليلة”، وهي الترجمة الأولى لها في أي لغة في العالم. هل يمكنني برهنة صحة ما أقوله في الترجمة: بين النقل والتأليف؟

ألتقي يومياً الأفارقة الأربعة الواقفين، سواء في طريق الذهاب أو في طريق العودة، وفي أي ساعة من النهار. جاهزون، ماضون إلى العمل. أو يستريحون لتبادل أخبار قليلة بين وقفة وأخرى، طالما أن قبعاتهم المعدنية لا تفارق رؤوسهم أبداً. أربعة بمقاسات مختلفة: بينهم الطويل للغاية، وبينهم القصير للغاية، مثل قياسات مختلفة لنموذج واحد. أصغرهم لا يبدو طفلاً مع ذلك، بل رجل قصير القامة، أو رجل كبير ولكن بمقاسات أو قياسات صغيرة.
ألتقيهم في الشارع العريض، أو في الصور المحفوظة في هاتفي النقال. الصور نفسها يوماً بعد يوم، من دون أن تتغير وقفتهم. أصورهم من زوايا مختلفة: من هو أقصر الأربعة بينهم أعطيه فرصة أن يتصدر الصورة، فيما يبدو في زاوية أخرى جانبياً، هامشياً، أكثر من الثلاثة الآخرين. يتجاورون ليس إلا، من دون أن يتبادل أي واحد منه مع أي واحد منهم النظرات، ويبدون مقفلي الأفواه تماماً. أحدهم يمد يده وحسب إلى الأمام، فلا تقبض إلا على الهواء البارد.
جامدون في منحوتة، جامدون بلونين: أبيض وأسود مائل إلى الرمادي. متشابهون ومختلفون. يلتقون ولا يتحاورون. هم بأربعتهم هامشيون. لعلهم ذاهبون إلى العمل بدورهم بقبعاتهم المختلفة مثل أسلحة المحاربين القدماء.
كلٌّ منهم ينظر في اتجاه. مجتمعون إلى بعضهم البعض من دون أن يتبادلوا أي نظرة، ولا أي كلمات. ولو قيض لهم أن يفارقوا وقفتهم الجامدة لكان كل واحد منهم مضى في اتجاه. وما يعلوهم من قبعات، يختلف هو الآخر، بين من يعتمر خوذة معدنية، مثل التي لعمال البناء أثناء العمل، ومن يضع قبعة أشبه بطربوش ولكن بلون أبيض.
هم باقون على وقفتهم، فيما تتساقط أوراق الشجر بصورة مزيدة في الحديقة الصغيرة التي يقفون بموازاتها. أتحقق في أي وقت من بقائهم، فيما تتشكل الأوراق النازلة من الشجرتين الكبيرتين، كما تتبدى لي صورها من خلال السياج الحديدي الأخضر المحيط بالحديقة الصغيرة… الأوراق تتشكل، تتبدل، وتتغير ألوانها، تزيد أو تنقص أعدادها فوق العشب الأخضر المتصل.

من خلف، لم يكن شيء يضايقني في مشيته. كنتُ قد اجتزت الأفارقة الأربعة، الذين لم يبرحوا مكانهم، وإن كان نظري لا يقع عليهم عند نزولي الدرجات الأخيرة المفضية إلى الجادة العريضة.
كان يتقدم وحده، حالياً، مثل الأعمدة الحديدية المتراصفة وفق حسابات دقيقة. كان يبتعد عن نظري أكثر، على الرغم من خطواتي المتلاحقة بثبات. بات أقرب، بسبب نظري الضعيف من دون شك، إلى عامود أسود، يعلو دائماً من يمر إلى جانبه في الاتجاهين.
انتبهت إلى وجوده في مرات سابقة. كان قبلي دوماً. كما لو أنه ينتظرني في جهة خفية لكي يتقدمني، لكي يسابقني واقعاً. أما الأفارقة الأربعة فما كانوا يأبهون: لا به، ولا بي. إذ أغادر، إذ أعود، في أي وقت، ألقاهم واقفين، يجتمعون من دون أن يقطع أحد أحاديثهم الهامسة ربما، في وسط الرصيف العريض، في بناء دائري…
أحث الخطى، ما لا أعلم سببه، بل أركض وصولاً إلى التعرف عليه قبل أن يختفي في سراديب المترو على الأرجح، الواقع أحد مخارجه في الشارع العريض. هذا ما بلغته أمام الصيدلية، قرب المنعطف الواقع قبل درجات مخرج المترو. ناديته طالباً المساعدة، فلم يجب، بل مضى في مشيته. كان مصمماً لدرجة أذهلتني، ما جعلني أركض من جديد، وأقف في أولى الدرجات الحجرية: كان من كنت أتعقبه ويسبقني كل صباح: أعمى. تعقبتُه نازلاً على الدرجات، ثم في المدخل الميكانيكي المفضي إلى بهو المحطة الداخلي، ثم على درجات السلم الميكانيكي المؤدية إلى رصيف المحطة. لم يكن يحتاج إلى أحد، تقوده عصاه الدقيقة التي تتقدمه مثل نور كشاف لما يستقبله. صعدت خلفه إلى الحافلة، فرفع العصا الدقيقة، وطواها، ثم وضعها في جيب سترته الخارجي.
في المحطة التي تلت، نزلت منها. خرجت إلى الشارع من دون أن أعلم حقيقة ما أصابني في اللحاق به، ثم في تعقبه الهستيري اليوم. كنت واقفاً، ساهماً، في وسط الرصيف، إلى أن استدعاني صوت طفل قريب مني: كان يتقدم صوبي، وهو لا يتعدى السابعة من عمره، ويجتازني على دراجة صغيرة ذات دعسة واحدة وتعاونه قدمه الأخرى أرضاً، فيما يحمل على ظهره شنطته المدرسية…
ثم وجدت كلباً يشمشم الرصيف ممسوكاً بسلسلة حديدية، وفقاً لحركة معلمه الذي يتقدمه، من دون أن يلتفت إليه: لعله يشمشم آثار معلمه، ريحه، فيتعقبها، ولا يريد فكاكاً منه.
أرى في زجاج نظارتي إذ تأتيها الشمس من خلف، ذرات من أجسام لا أعرفها، وهي تتخلل نظري بالتالي. هي تختفي ما أن تكون الشمس أمامي. هي من المؤكد أنها موجودة، لكنها تختفي أو لا أراها بالأحرى إذ أتجه صوب الضوء.
أبتسم إذ أقرأ على واجهة مبنى تجاري دعاية تحمل الشعار التالي: “السرور هدية”.

لم أجد رغبة في لقاء أحد ممن كنت أعرفهم في باريس. هي صلات متباعدة بأي حال، كانت تقتصر على لقاءات سريعة، سواء في جامعة باريس الثالثة، أو في “البيت اللبناني”، أو في “معهد العالم العربي”، أو في محلات المأكولات اللبنانية، الموجودة أينما كان. لم أكن أعرف سبب تمنعي هذا: أيعود إلى خشيتي من نقاشات اليوم حول “الربيع العربي” أم لكونها لقاءات عجولة لا تفيد في شيء غير تبادل اللياقات؟ وماذا لو أزور أنيتا، المخرجة على القناة التلفزيونية الثانية؟ أأزورها وقد طردتني من بيتها قبل منتصف الليل بقليل؟ أأقول لها إنني مستعد هذه المرة لتمضية الليلة معها في شقتها الصغيرة قرب “مركز جورج بومبيدو”؟
في المرة الأولى والأخيرة، فاجأني الأمر: خذْ، هذه بيجامتك. لما سألتها عن السبب، أجابت بلهجتها الواثقة: لأنك ستمضي الليلة معي في الشقة. ولما أبديت عجبي من طلبها، بل من أمرها، رفعتْ الغليون عن فمها، وضعتْه على الطاولة الخشبية التي تتوسط صالونها، أمام جهاز التلفزيون: أتظن أنني عابرة سبيل، تقضي ساعة أو نصف ساعة معها، ثم تمضي!؟ كانت قد صبتْ لي كأس ويسكي، بعد أن اقترحته علي، إثر دخولنا إلى الشقة، بعد عودتنا من المطعم. أبعدتُ الكأس قليلاً، بدل أن أمسك به، وأتجرع رشفة أولى منه. نظرتُ إليها نظرة فيها الكثير من الدهشة، من دون أن أتفوه بكلمة، ولا بالجملة التي أمسكتُها عن الخروج من حلقي.
أنيتا هي التي استدعتني إلى فراشها، بمجرد اللقاء بها في “مقهى لوسكولييه” في “الحي اللاتيني”. كنت جالساً في المقهى عينه، منصرفاً إلى قراءة كتاب مرجعي، لما انتبهت لجلوسها إلى جانبي في الطاولة المجاورة. انتبهت إلى مرور تنورتها، بل حفيفها بساقي الأيمن. قلت لنفسي: إنها تعمدت الاحتكاك بي، إذ كان في مقدورها دفع الطاولة بعض الشيء، أو استئذاني بالمرور. كانت تنورتها وردية الألوان، ما جعلني أرجح كونها بيضاوية الشكل، وذات شعر أشقر. تابعتُ انصرافي إلى كتابي المرجعي، وإلى “دفتر الهوامش” الذي يرافقني حين لا يكون الحاسوب في حوزتي. تابعتُ القراءة، من دون تركيز. سعيتُ إلى كتابة شيء فوق الدفتر من دون جدوى. المجهولة التي حلت إلى جانبي، كانت قد عرفتني من دون شك، لو تفقدتْ نبضات القلب التي تسارعت، والارتباك الذي علا نبضه في صدري.
كانت قد مضت عدة دقائق، أتى بها النادل بفنجان القهوة، ووضعه على طاولتها، من دون أن أرفع رأسي عن الكتاب. سأبقى ممتنعاً عن النظر إليها، في نوع من المراهنة: أستبادر هي إلى محادثتي؟ وهي كانت واقعاً تغطية لحرجي من مبادرة إحداهن في مقهى. وضعتُ الكتاب جانباً، من جهتها، ثم طلبتُ تدوين شيء في دفتري، الذي أكتب فيه عادة ما أظنه صالحاً ومفيداً في هوامش لأطروحتي، أو في متنها أحياناً. وإذا بيدها تمتد إلى الكتاب، مصاحبة حركتها بجملة: أهو كتاب مثير للاهتمام إلى هذه الدرجة؟ رفعتُ وجهي إليها، من دون أن أبادلها أي جواب. كانت شقراء فعلاً، وبيضاء السحنة، وتنظر إلي، بل تحدجني بقوة، منتظرة جواباً مني، أي جواب. لما لم يأتِ الجواب، أمسكتْ بدفتري وكتبتْ عليه اسمها الأول: أنيتا، ورقم هاتفها، مكتفية بالقول: اتصلْ بي بعد يومين مساء، إن شئتَ. ثم وضعت قطع اليورو القليلة فوق الطاولة، ومضت، مع ابتسامتها التي كانت قد رافقتْها ابتسامتي بدوري.

ألا تشبه أنيتا قبل ما يزيد على سبع سنوات ما كانته دانييلا قبل شهرين وأكثر بقليل؟ هذه مثل تلك، بادرتْ إلى معاكستي، من دون أن أكون شبيه براد بيت أو عمر الشريف.
أستعيد اليوم بعض أسئلة الأمس، وأنا أتوقف لدقائق أمام “مقهى لوسكولييه” من دون أن أفتح بابه الزجاجي. أكان صعباً تمضية الليلة معها، وهو أقصى ما كنت أشتهيه في تلك السنوات؟ ما منعني من ذلك؟ ما القوة الخفية، التي أجهلها أو أتجاهلها، التي منعتني من قبول عرضها؟
مع ذلك مضت الأمور بيننا بيسر شديد مثل فيلم معد بإحكام، وينفذه مخرج عالي القدرة والخبرة: اتصلتُ بها بعد يومين، فأجابتني ضاحكة: لا أعرف حتى اسمك، أيها الطالب… ماذا تقول لو نلتقي غداً في الثامنة مساء في المطعم الياباني: “دموع نارياما”، قرب “مركز جورج بومبيدو”… إنه يبعد عشرات الأمتار عن شقتي… نلتقي غداً. كانت جملها مرتبة، أكيدة، مقطعة كما في حوار معد أو مكتوب، حتى إنها ما كانت تنتظر أجوبتي، مكتفية بهمهماتي المؤيدة طبعاً لما تقول. ولكن كيف عرفتْ أنني طالب؟
لم أجد “دموع نارياما” في مكانه قبل يومين، حين مررت به صدفة للحاق بمكتبة جورج بومبيدو المتاحة للجمهور من دون اشتراك. جفت تلك الدموع، إذ تحول المحل لبيع الأحذية النسائية الفاخرة. اقتربتُ قليلاً من الواجهة، مقدراً وحسب مكان الطاولة التي جمعتنا، في ذلك المطعم الضيق، الذي ما كانت تتجاوز طاولاته الست طاولات.
وصلت أنيتا قبلي إلى المطعم. وجدتُها تقف أمامه، منصرفة إلى غليونها، مبادرة إلى القول: لم يعد في مقدورنا التدخين، كما يحلو لنا؟ ماذا عنك، هل تدخن؟ أتريد رشفة منه؟ وقفتُ إلى جانبها، أتنشقُ بدوري معها الدخان المنبعث من غليونها الذي يلتوي بين أصابعها، واجداً في ذلك موضوعاً لكلامي معها: رائحته جميلة للغاية.
مضت أنيتا حينها في حديث طويل، أمام الواجهة ثم على الطاولة، عن كيفية إعدادها لتبغ غليونها. فهي لا تحشوه بتبغ معروف، بل تقوم بخلط مجموعة متفرقة من أنواع التبغ بنفسها، ثم تقوم بتجفيف قشر الليمون، وتضعه في البراد في مطبخها، ثم تدق القشر بعد يباسه التام دقاً قوياً، وتخلطه بالتبغ بعد أن يكون قد أصبح ناعماً للغاية…
أمضينا قسماً واسعاً من عشائنا في أحاديث متفرقة عن التبغ والتدخين وعاداته، إلى أن توقفت قليلاً متوصلةً إلى خلاصة حاسمة: قلْ لي، ما سيفعل مخرجو السينما مع منع التدخين في الأمكنة والمؤسسات العمومية، إذ كانت كل لقطة لا تبدأ من دون أن يشعل (أو تشعل) أحدهم (أو إحداهن) سيجارة؟ كيف سيربطون بين اللقطات؟ لن تلقى السيجارة في لقطات سينمائية مزيدة، بعد اليوم، وإنما في الشارع، أمام البنايات، في غرف خاصة بالمطارات، مثل المصابين بالأمراض المعدية في الأزمنة القديمة… أليس كذلك؟
دانييلا نجحت في ما خططت له، بخلاف أنيتا الشديدة الوثوق بقدرتها على إدارة الأمور… حتى اللقطة الأخيرة، إذ ظنت أنها قادرة على إيصال الفيلم إلى خاتمته، إلى حيث تشاء. يبدو أن دانييلا كانت مستعجلة، فيما تمهلت أنيتا في سيناريو تتقنه عن ظهر قلب، فتضيف أو تزيل من تريد من الممثلين من دون أي حرج أو هلع… ما كان مقدراً له أن ينتهي مع فطور الصباح في الفراش الواحد ينتهي وفق نهاية أخرى: احتفاظ السيدة الشقراء بعزتها النسوية المتشددة.
لكن ما الذي يجذبهن إلي؟ أفيهن قدرة سرية قادرة على كشفي؟ أفي ظاهري، في ما أبدو عليه، ما يعرفنه بسرعة، وأفضل مني بأي حال؟ حتى كريستين الصبية هي التي استدرجتني، أليس كذلك؟

مفاجأة كبيرة كانت تنتظرني بمجرد عودتي من باريس. كنتُ قد أخطرت الطلبة بتغيبي عن آخر المحاضرات قبل عطلة العيد، وأخبرتهم بأنني سأكون في مكتبي ليومين فقط قبل مباشرة العطلة. المفاجأة كانت تتمثل في تعابير وجه كريستين لما وصلت إلى مكتبي. كانت تقف لصق الحائط، مقابل مكتبي، ضامة إلى صدرها ملفاً، وجزدانها المتدلي من يدها، وتبدو في عينيها تعابير متغضنة للغاية.
– ما بك؟
= لا أنام الليل من هول ما عرفت.
– ماذا عرفت؟
= البروفسور قاتل…
ثم انطلقتْ في نوبة بكاء، كما لو أنها حبست ذلك طوال أيام وليال في انتظار قدومي، ما دعاني إلى إغلاق باب مكتبي تماماً. لكنني ما تجرأت على ملامسة وجهها، أو التربيت على كتفها، للتخفيف مما تكابده أمام ناظري، ومنذ غيابي. جلستُ إلى كرسي مقابل كرسيها. مددت لها محرمتي لكفكفة دموعها. حملتْها بيدها من دون أن تنشف أي دمعة. كانت تنوي البكاء وحسب…
كنتُ قد أذنت لها باصطحاب بعض الأوراق من ملف البروفسور إلى غرفتها الجامعية لمتابعة فحصها. أوراق عديمة الجدوى في غالبها، حتى إن بعضها تمثل في فواتير كهرباء وهاتف وغيرها من مدفوعات. واحدة من تلك الأوراق حملت الخبر-الصاعقة:
أنا الموقع أدناه، أقرُّ وأعترف، وأنا مالك قواي العقلية تماماً، بأنني أقدمت على القتل ليلة السابع من نيسان في العام 1961، من دون سابق إصرار أو تعمد، المدعو الذي لا أعرف اسمه، على مبعدة بعض الأمتار من أحد المداخل المؤدية إلى غابة الأرز في شمال لبنان.
أكتب هذا، إثر عودتي إلى باريس، في العاشر من الشهر نفسه، ومن السنة عينها، طالباً إجراء تحقيق عادل في الحادثة المشؤومة.
كانت الورقة من دون توقيع، من دون تاريخ. الورقة عادية مما يمكن انتزاعه من دفتر، ليس إلا. وحسبت كريستين أنها تعود إلى البروفسور، وقد باتت تعرف خطه، وبعض الإشارات الدالة عليه، مثل الإمالات أو الاستطالات في عدد من الحروف.
لم تحسن كريستين قراءة الورقة، بل مدتها أمام وجهي. أعدتُ قراءتها بصمت أكثر من مرة، من دون أن تصدر عني ردة فعل واحدة.
لم تجد الطالبة أوراقاً أخرى مفيدة في كشف هذا السر الصاعق، بل وجدت ورقة أخرى أشبه بتمرين أولي لما بدا واضحاً وجلياً في الورقة السابقة. حملتْ كريستين هذا السر طوال أيام وليال من دون أن تخبر أحداً به، إلا لي، بعد مجيئي. شكرتها على ثقتها بي، على الرغم من أنني أتحمل ما لا طاقة لي على حملانه.
تبادلتُ معها عبارات أخرى، محدودة، مقتضبة، متسائلاً: ألا يكون البروفسور يمرن كتابته ليس إلا؟ ألا يكون يكتب مقطعاً لرواية؟ طرحتُ أسئلة غيرها، كما أفاضت كريستين بدورها في عرض احتمالات أخرى. إلا أننا، أنا وهي، عدنا إلى الحقيقة المادية الحاسمة: من الصحيح أنه لم يوقع الورقة، لكنه كررها مرتين ما يعني إصراره عليها. ولكن كيف يحدث له أنه لم يخفِ هذه الورقة في خزنته التي نملك مفتاحها من دون مكانها أو محتوياتها؟ ألا تكون عديمة النفع طالما أنه أبقاها مع فاتورة تبديل إطارات سيارته البيجو 403، وإصلاح الغاز وغيرها؟
خرجت كريستين من دون الأوراق من مكتبي، لكنها حملت معها سراً بات يجمعني بها، ما لا أعلم بعد مؤدياته. خرجتْ من مكتبي لكنها تركت بين يدي حملاً ثقيلاً، أكثر ثقلاً من وزن الأوراق الخفيف. ماذا أفعل بهذا كله؟ هل أبلغ المدير؟ ألهذه الرسالة-الوثيقة صلة بما تطالب به ابنة البروفسور؟

أمضيت نهاري خارج المكتب، كما لو أنني أطلب الابتعاد عن مكان الجريمة. ما لا تعرفه كريستين، هو أن غابة الأرز التي حصلت فيها المقتلة قد لا تبعد كثيراً عن بلدة والدي. كيف يحدث هذا؟ بأي تدبير؟ هذا يجعلني متضرراً حكماً من مقتلة البروفسور. هذا يملي علي واجباً إضافياً بالتالي. هذا ما يدعوني إلى إخفاء سر هذه الرسالة قبل جلاء أمورها، في ستراسبور قبل غابة الأرز.
هذا ما انتهيت إليه بعد ساعات وساعات من المشي على غير هدى. طردتُ سلفاً فكرة الاتصال بوالدي لاستعلامه عما جرى ذات ليلة على مقربة من غابة الأرز؟ كيف يذكر ذلك، وكان حينها في الحادية عشرة من عمره؟
للمرة الأولى لم أعد محتاطاً، ولا حذراً في تنقلاتي. لا شيء له أهمية بعد اليوم، والبروفسور الذي يطمح الجميع إلى بلوغ مرتبته، ويتسابقون للفوز بمقعده في “أكاديمية النقوش والآداب الجميلة”، قاتل. كيف سأتدبر الأمر مع كريستين؟ هل أقول لها إن الضحية من أهل بلدي، وربما تكون له صلة قربى بوالدي؟ هل سألبس ثوب المحقق في جريمة غير معروفة وغير مكشوفة؟ هل سيضايق انكشاف الجريمة وضعي المؤقت في جامعة ستراسبور؟
الأسئلة كثيرة. كانت تتدافع مع تدافع خطواتي في شوارع وأزقة أبلغها من دون قصد، وأتركها من دون قصد. كانت الرسالتان في جيب سترتي الداخلي: كنت أتوقف أحياناً، وأستعيد قراءتهما، باحثاً عن تفصيل صغير تتكشف فيه عتمة الحبر عن أسرارها. من دون جدوى. كان الخط في الرسالة الثانية أكيداً، مرتباً، منتظماً فوق سطور غير مرئية.
وصلتُ، يومها، من حيث لا أقصد أمام مبنى زجاجي ومعدني كبير. إنه “البرلمان الأوروبي”، بعد استفساري عنه من أحد الحارسين الواقفين أمام بوابته الميكانيكية التي لا تنفتح من دون موافقتها. كان في ودي سؤالهما عن موعد الزيارة الممكنة إذ أدرجتها في حساباتي، لكن قدماي قادتاني في وجهة ثانية من دون الاقتراب مجدداً من الحارسين.
قعدت على مقعد انتظار أحد الباصات، ثم توقفت في أكثر من شارع وزقاق، ولا سيما الخاص بوالتر بنيامين. تفرجت على واجهات المحلات الفخمة وقد ازدانت بزينة العيد، ولكن من دون أن أراها. التقاني أحد الطلبة، إذ كنت جالساً في مقعد انتظار أمام إحدى المحطات، لكنني بمجرد توجيه التحية قمت من مقعدي ومشيت من جديد.
لم أعرج على “مقهى بروغلي” عند مروري به، فقد كنت إذذاك في طريق العودة إلى البيت، بعد أن توقفت مرتين مختلفتين في مقهيين متباعدين: في المرة الأولى لتجرع كأس نبيذ، وفي المرة الثاني لتجرع كأس أخرى.
عند وصولي إلى البناية التي أقيم فيها، لم أدخل إلى شقتي، بقيت في الباحة الخارجية، اقتعدت أحد المقاعد الواقع في جهة جانبية من المبنى. رحت أتأكد من وجود الورقتين في جيبي من جديد، ومخافة أن أفقدهما كنت أستخرجهما من جيبي الداخلي وأتأكد من وجودهما فيها. ما عدت في حاجة للقراءة، إذ إنني حفظت نص الاعتراف عن ظهر قلب.
كانت عتمة الليل قد حلت تدريجاً من دون أن أتنبه لذلك، لولا سماعي لعابرة سبيل تمر إلى جانبي وتقول: مساء الخير. لم أجب، فكان أن سمعت العبارة نفسها من جديد على مقربة مني. كانت فضيلة بمعطفها المعتم، وجزدانها المعتم هو الآخر. اعتذرتُ منها لعدم انتباهي لمرورها. سألتني: ماذا تفعل هنا؟ أجبتها: بودي أن أسألك السؤال نفسه…
إلا أن مفاجآتي لم تنقطع في اليوم التالي، عشية عيد الميلاد، إذ سمعت قرعاً على باب شقتي، وكانت دانييلا واقفة أمام الباب.

روائيّ لبنانيّ

خاص الرواية نت

الرواية صادرة عن المركز الثقافي العربي 2015م.

17 تعليق
  • bestbuy com tablets 4 سنوات ago

    Looking forward to reading more. Great blog article.Thanks Again. Keep writing.

  • tinder dating site 4 سنوات ago

    Yes! Finally someone writes about tinder dating site free search.

  • www.office.com/setup 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Infos here|There you can find 41753 additional Infos|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • Judi Bola Bermacam Bank 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More on|Read More|Read More Informations here|Here you will find 39732 additional Informations|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • this hyperlink 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More here|Find More|Find More Informations here|There you can find 28049 more Informations|Informations to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • more 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More here|Read More|Find More Informations here|There you will find 18924 more Informations|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • coehuman.uodiyala 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More here|Read More|Read More Informations here|There you can find 72625 more Informations|Infos on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • manutenção informática 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Read More Infos here|Here you can find 243 more Infos|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • GVK Bioscinces 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More here|Find More|Read More Informations here|There you will find 5668 additional Informations|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • pharmacokinetic 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More on|Read More|Find More Infos here|Here you can find 81081 more Infos|Informations on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • cpnsnews.com 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More here|Read More|Find More Informations here|There you can find 65996 additional Informations|Informations on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • real estate agents 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More on|Read More|Read More Infos here|Here you can find 28096 more Infos|Informations to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • GVK Bioscience 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More here|Read More|Find More Informations here|There you will find 32758 additional Informations|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Find More Informations here|There you will find 26834 additional Informations|Infos to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • http://guaranteedppc.com 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Read More on|Read More|Find More Infos here|Here you will find 32876 more Infos|Informations to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • UK Chat Rooms 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More here|Find More|Read More Infos here|There you can find 92744 more Infos|Informations on that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

  • 主页1 4 سنوات ago

    … [Trackback]

    […] Find More on|Find More|Find More Informations here|Here you can find 582 more Informations|Informations to that Topic: alriwaya.net/فصل-من-رواية-شهوة-الترجمان/ […]

Comments are closed