مايو 24, 2019
  • مايو 24, 2019
أكتوبر 2, 2017

فصل من رواية “سجن مفتوح” عبدالنبي فرج

By 0 155 Views

ذبابة وقفت على جبهته، ثم تجولت وأخذت تنبش في الجلد قليلا، لعلها تجد شيئاً تتغذى عليه مدت فمها لتجوس باحثة عن طعام على خده، تتحرك بسرعة حتى اقتربت من شفتيه، اصطدم فمها بقطعة سكر، حتى أحست بالانتعاش، أغراها سكون النائم بل تبلده بسبب جلده السميك، بتحريك فمها باحثة على سطح جلده، تمص السكريات نشوانة حتى سكرت، فبدأت تتقافز سعيدة على المساحة العريضة الناعمة، التي لا يشاركها أحد فيها، ثم نزلت من بين حاجبيه، ومرت على رمش عينه، وتجولت على خده، ثم عادت تسير على حافة شفته السفلى، وأغراها انفراج شفته لتدخل وتكتشف تلك المغارة المظلمة، لعل في هذه المغارة كنزاً من العسل الشهي، ويصبح زادا لقبيلتنا- نحن الذباب – لمدة طويلة، مدة تجعل الأمر يستحق المغامرة، لكن الصوت الذي يخرج من هذا الكائن يجعلني قلقة ويسبب لي نوعاً من الريبة، وتساءلت الذبابة، هل هذا الصوت يخرجه هذا الكائن غضباً؟ أم نوع من الموسيقى ـ مثل التى نقوم بها نحن معشر الذباب – لكي نستمتع بحياتنا؟، استنكرت وقالت: هيء هيء، هل هذا الصوت القبيح مثل صوتنا نحن الذباب؟
يبدو أنني جننت كي أقارن صوت الذباب الساحر، الذي لا يقارن بأي صوت في هذا الكون والذي يجعل للحياة قيمة بهذا الصوت لا… لا يمكن.
“توجست خيفة من هذا الصمت، نظرت إلى يديه الصيادتين، وإلى عينه الماكرة، لعلها تنفرج فجأة وتضرب يده الباطشة اللعينة وتسحق الذبابة الطيبة، قرون الاستشعار نبهتها إلى أن هذا الكائنات لم تثبت مرة واحدة أنها متعاطفة معنا، على الرغم من أننا كائنات مكافحة ونستحق معاملة أفضل، ولكن المشكلة أننا لا نعرف لماذا يجعلوا منا أعداء؟ ويحاربوننا بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، من سموم ومواد كيماوية هذه جريمة، هذا الكائن يستحق العقاب بسبب استخدام تلك الزجاجة القبيحة التي تستخدم في رشنا لتبيدنا، الشيء الفظيع أنهم يضعون صورتنا عليها وهذا جنون؟ مع أننا نحن فصيلة الذباب نعشق هذه الفصيلة الغريبة، ورددت: نحن كائنات صغيرة ولم نطلب من تلك الفصيلة سوى قليل من الطعام، وما الضير في ذلك؟ هذا الكائن النهم الذي يقتات علي اللحوم والخضروات والأسماك وكل الكائنات الموجودة على كوكب الأرض داخل معدته الجبارة، ما الذي يجري لو أخذنا نحن قبيلة الذباب مكعبات صغيرة من السكر، نتفاً من شرائح البطيخ والشمام والتين، عصائر، نتفاً من الأرز واللحوم والطبيخ، وإلا فماذا نأكل؟ هل سننتقص شيئاً من طعامه؟ هذا الكائن أناني ومتمركز حول ذاته ويرى نفسه الكائن الأعلى والأكثر سمواً.
وهنا كانت الذبابة تقف، على حافة الأنف، غرست خرطومها في الجلد وبدأت تلحس، تلذذت من طعم هذا الكائن، أخذتها النشوة أكثر، فبدأت ترقص رقصات شيطانية، بذلت جهداً رهيبا لكي تتعلمها من أسلافها كبار السن، ثم أخذت تتنقل برشاقة من مكانِ إلى آخر، على صفحة الوجه حتى انتبهت إلى كائن آخر. يقف على باب المحل ناظراً لصاحب المحل، فوجد الكائن الضخم يغط في نوم عميق، تلفت في حذر، ونادى بصوت خفيض: يا أستاذ، يا أستاذ…
الذبابة الذكية شعرت بالريبة، وقد عرفت من ملاحظاتها، وتدوينها لها في جانب صغير من عقلها الكبير عن الكائن، وقد تيقنت أن الكائن سيقوم بسرقة صاحب المحل، ولكن كيف تلفت نظر صاحب المحل بسرعة، قبل أن يقوم الكائن –الخَّطاف- بسلت سلعة خفيفة الوزن وغالية الثمن، أو يدخل ويفتح الدرج ويلتقط مبيع اليوم ويدسه في سيالته التي تشبه الخُرج الذي يوضع على الحمار، نادت، فلم يرد، بل زاد صوته جئيراً،
انت يا بهيم، اصح يا بغل، يا جاموس، اصح يا جبّلة.
فلم تجد حيلة لتنبيه الكائن إلا بالدخول بسرعة الصاروخ داخل أذنه، وأخذت تنادى عليه بصوت عالٍ. تنبّه الكائن الضخم الذي يغط في نوم عميق، على صوت يأتيه من مكان بعيد جدا، انتبه وهو يضرب على أذنه فوجد الزبون يهم بالدخول للمحل.
أي خدمة؟
علبة سجاير،
تفضل.
أخذ الزبون علبة السجائر وهو ينزل درجات سلم الدكان، التفت إلى البقال وقال:
خلى بالك من نفسك أولاد الحرام لم يتركوا لأولاد الحلال حاجة. قم اقفل وريَّح جسمك.
احتار البقال بين وجهه البريء الطهراني وصوته الدفيء الحاني وروحه الطيبة التى لا تؤتى إلا لدرويش ترك الدنيا ورمى مخلاته على كتفه بها كسر عيش جاف طالبا للحب الإلهى، ناكراً دنيا شرموطة تحفل بكل ما هو زائف، لولا النباهة الذي أتمتع بها وقرون الاستشعار الحساسة التى تجعلني أشعر بكل دبة نمل في الدكان، أخذ يتأمل بهدوء في الوضع، ثم غفا مرة أخرى على الكرسي وأخذ يصدر صوتاً رتيباً ومنتظماً كأنه تحت سطوة نوتة موسيقية ومايسترو صارم، هذا الوضع بالنسبة للذبابة فرصة لكي تلعب مرة أخرى على الوجه، الذبابة بطبيعتها مخاطرة وتعتمد في مخاطرتها على سرعتها وطبيعة جسمها المرنة التي تجعلها تتحرك في كل اتجاه، إضافة لقرون استشعارها الرهيبة التي لم تؤت إلا لقليل من الكائنات، وهذا ما جعلها تعتز بجنسها، قررت أن تغامر وتدخل هذا الكهف اللعين، طريقة لتوقف هذا الصوت المزعج، تقترب من باب الكهف ثم تتراجع، وأخيراً انزلقت داخل الكهف، والصوت يزداد ازعاجاً فوضعت أجنحتها مقابل أذنها لكي تصد الهدير، الذي يصيبها بالوحشة والخوف، تقدمت داخل الكهف حتى وجدت قناة تضيق شيئاً فشيئاً، أخذت تسير حتى ضاقت القناة جداً وبدأت تجد صعوبة شديدة في التنفس، قهرت وعرفت أن قدرتها على اجتياز مراحل أكثر فيها هلاك لها، فعادت بسرعة شيطانية، ولأن المكان مظلم والصوت يعطل حواسها، بدأت ترتبك وتضرب في الحلق، تدخل أماكن شديدة الحساسية، ثم تعود مرة أخرى تندفع في طريقٍ واسع، ثم تفاجأ بكون هذا الطريق مسدوداً، أصابها مس من الجنون اندفعت وكأنها كرةً بلياردو تتخبط، على حواف المصد الخشبي، وبالمصادفة البحتة وبدون أدنى عمل من قدراتها الداخلية، وجدت نفسها خارج أتون هذا الكهف الجهنمي، مذعورة تخرج من الدكان إلى حيث مبيتها اليومي، وصلت هناك جوار الحائط القديم ، البعيد عن الكائنات الكريهة، وجدت قبيلتها مكومة كومة ضخمة في ركن من أركانه، شعرت بالغبن وأن هذا المصير لا يليق بجنس متفوق وغنى غناء فادحاً مثل الذباب، اندست وسط الذباب وشعرت بالدفء، وأخذت تحلم حلمها الأبدي. كيف لهذه القبيلة أن توضع مكانها الصحيح؟ مكان يليق بفرادتها ومثابرتها، نامت وهي تحلم بجنة من الزهور والرياحين، تنتقل برشاقة من زهرة إلى أخرى تسحب بفمها الرحيق وتتلذذ، وهى مطمئنة دون قلق من وجود كائن بشريّ، ينغص علينا حياتنا نحن قبيلة الذباب.
نفض البقال “وهذه صفته الذي ستلاحقه باقي عمره” كسله وقرر أن لا جدوى من البقاء في المحل أكثر من ذلك، فهذه البلدة تنام مثل الفراخ بدري، ولا يستحق مكسب علبة سجائر، أو دفتر مغربي أو اوتمان من ولد لاسع أو ضارب بانجو، وكثير ما ياخد الطلبات ويسير دون أن يدفع، ثم إن أولاد القحبة يحرقون 50 جنيهاً في الليلة ويأتون إليّ ليفاصلوا في علبة سجائر، أو يطلبوا أي سلع بالأجل، لطبيعتهم الشريرة، ويرون استغلال، أو استغفال، أي إنسان نوعاً من الجدعنة والرجولة، ويجب كتابة ذلك في سيرهم العطرة.
سحب المفتاح والقفل وخرج من المحل، نظر حوله لم يجد أحداً، شد الباب الصاج المزعج وشبك فيه القفل، وتك…
اتقفل المحل وعكس المتصور بدلا من أن يدخل الآن البيت ويستغرق في نوم عميق يطلبه جسد منهك، كانت الغفوة المفاجئة قد جعلته يفوق وينتعش قليلا، جلس على المصطبة ومدّد قدماً وأنصت للسكون الموحش في الشارع الخالى ثم ابتسم.




دخل البقال البيت وأغلق الباب كالعادة، وفكر، هل يدخل ويعطي المفتاح لأمه؟ التي تقوم بفتح الدكان في الصباح الباكر، أم يأخذ المفتاح ولا يزعج أمه؟ لو أخذ المفتاح معه، فلن يزعج أمه، ولكن سيكون على الأم أن تزعجه في الصباح، خاصة أنه يعشق النوم، وإذا أرادت أمه أن يصحو، فعليها أن تدق الباب بمرزبة، فهو يغلق على نفسه الغرفة بالمفتاح، لكي يمارس رذيلته دون إزعاج من أحد، فضّل ان يزعج أمه خاصة أنها لا تشتكي بالمرة، حتى لو أيقظها من النوم عشر مرات فى الليلة.
أزاح الباب الذي يصدر صوتاً حاداً ودخل الغرفة المظلمة، كان محاذراً ألاّ يقلق الأم لكونها تقوم فزعة من النوم تنظر إلى السقف وكأنها تستنجد، بسقف الغرفة الذي ينأى بنفسه في برود، وجد الأم تتنفس بعمق فاتحة فمها كالسمكة، التى جفّ من حولها الماء وانتفخت بضربات الشمس القوية، ترك المفتاح جوار أذنها، خرج، الباب أصدر صوتاً مزعجاً، لم يلتفت، تفتح عينيها وتقوم تنظر، في محيط الغرفة تنصت للصوت وعندما لم تجد أحداً تقول لنفسها لعلّه فأر، وتعود للنوم مرة أخرى.
فكر أنه جائع فعلا، ولم يتذكر هذا الجوع، إلا بعد أن استقر على السرير وشد اللحاف، ويعرف أنه لن يستطع أن ينام وهو جائع، هل يعود مرة أخرى للدكان ليأتي بلانشون وجبن، لانشون؟ من يعرف من أي بلاوي سوده يصنع هذا اللانشون؟ لعّله مزيج من قطط وكلاب وحمير وجاموس نافق! هل يمكن الثقة بمجموعة من المعتوهين يسكنون المدينة؟ لا يبالون بشيء حتى لو تسمم نصف سكان المعمورة، من أجل ثرائهم المتوحش، الذي لا يقف عند حد بالمطلق، في ظل قوانين صممت لهذه الفئة لتلبي سعارهم، أما الجّبن فحدث ولا حرج، من إضافة نسبة كبيرة من الفورمالين وغيرها، من المواد التي تساعد البشر على الجنون، لا. انسَ، قرر ألا يبالي بالجوع، وفضل عليه أن يدخل الكهف، “كهفه الحميم”، كما يردد دائمًا
الغرفة بها سرير قديم كان لأخيه الأكبر، ورثه منه عندما تزوج وانتقل إلى الدور الثاني، السرير عليه مرتبة منبعجة من أماكن مختلفة، ورغم ذلك كيَّف جسمه على تلك الحالة، رغم أنه لو تعب قليلا وأرسل للمنجد هذه المرتبة التعيسة، لجعلها أفضل حالا، وقد يكون النوم أقل كوابيس “ولكن قولوا الكلام ده لحد تاني” حصيرة تأخذ باقي مساحة الغرفة، شباك يطل على الشارع من الناحية البحرية، الغرفة ضيقة كأنها خُصّصت لشخص وعدد لا يتجاوز اليد الواحدة، من الأصدقاء يقضون فيها لياليهم، في السمر، وإطلاق النكت، والنميمة، وترديد ما يجرى من طرائف فى البلدة، خن دجاج، يستمتع فيه البقال، بهوايته العجيبة وهي القراءة قبل أن ينام، أو يكتب ما يشبه الكتابة على المكتب، الذي اشتراه من سوق الجمعة، في شهر يوليو من كذا سنة، وهذا المكتب عزيز عليه جدا اشتراه من رجل عجوز ضئيل، يرتدي جلباباً رثاً وطاقية شمسية بيضاء ويبدو على قدر من الوسامة، بكم يا عم الحاج. معقول. مش كثير.
لم يلتفت مسك شاكوش وسحب مسمارًا من جيبه، وأخذ يدق المسمار في نيش خشب قديم، إيه يا عمّ ما ترد. أنت مش معبّرنا ليه؟ أيوه يلزمني طبعاً. هو أنا جاي من بلدنا اهزر؟… آخر كلام. الرجل لا يبالي بالشمس ويشرب السيجارة بتلذذ ويتصرف كأن لا أحد موجود أو يكلمه. وأن رزق سيدخل جيبه لو قام واهتم، البقال مدخن قديم، وامتنع عن التدخين بقدرة قادر، بعد أن تخّرب صدره وأصبح ولا مزيكة حسب الله، ولذلك مناخير البقال بدت تتِّسع وعيناه تطقّان شراراً، التقطت مناخيره هبة دخان متدفقة من الرجل جعلت رأسه يدور، وحسبها بينه وبين نفسه، لو الرجل ابن القحبة ده ناولني سيجارًة الآن، فلن أتردد لحظة واحدة في أن آخذها… عدّ الأوراق النقدية وهو يحسد ابن السافل، الذي لا يبالي بالزبون سواء اشترى أم لم يشترِ، ثم تساءل لعل هذا الرجل الذي عارك الدنيا وعركته يعرف أني ضعيف، ليس لي قدرة على الجدل والفصال، وأننى في النهاية “هانخّ” وادفع وأنا صاغر… هذا الاستنتاج من رأس البقال التي تمتلئ بالهواجس والظنون جعلته حانقاً. لماذا لم أمتلك تلك المزية الفريدة التي تجعلني سيدا للزبون؟ ما الذي يجعلني طوال وقفتي في الدكان أشعر وكأنني خادم وضيع لسيد اسمه الزبون؟ هل هذه الطريقة صحيحة ؟ وهل يوجد شيء في هذا العالم القميء يجعلني أعيش حالة الخدمة؟ أهه. رجل بسيط لم يقرأ حرفاً ويتصرف كسيّد وعلى الزبون أن يدفع مقهورا . هذا الرجل دفعه لكي يُشكّك في ذاته: هل يرقد داخله بطول جسمه روح خادم؟ ذليل عكس كل ما يقوله عن الحرية والعدالة إلخ إلخ. أراد أن يتكلم مع هذا الرجل. لكن الرجل نأى بعيداً عنه صنع لنفسه عالما يعيش فيه أشبه بسلحفاة، “لكن لماذا لا أكون مثله سلحفاة بدمِ بارد، ودرقة صلبة قوية، تحميني وتجعلني قويا في مواجهة الآخر؟…”
رفع المكتب على كتفه وسار به، إلى أن وصل موقف السيارات، وجد للمصادفة السعيدة سيارة من بلدة مجاورة لبلدته واقفة، من غير كلام قام أكثر من راكب وحمل عنه المكتب وصعد السيارة، جلس على المكتب، وهنا كان في قمة التشويش بفعل الشمس،التي تفقده توازنه، رغم أن الجرنال يحمي الرأس، لكن دون فائدة تذكر، فكان لا يستجيب لكلام الركاب، فقط ينظر إليهم في بلاهة مدعيا المشاركة والفهم، ولكنه عاجز عن الرد فقط يغمغم، حتى فوجئ بصوت رجل بلدياته يسأله: أنت ليه ما كملتش نص دينك يا عبدو؟ ارتبك وحاول ان يرد برد قاس عليه، ولكن صوته خرج واهناً: كل شيء قسمة ونصيب، أخذ يتكلم عن البنات والأولاد الذين يذهبون إلى المجاري – لازم تلحق نفسك بعيل تستند عليه وأنت كبير – أنت فاكر لمّا تكبر ولاد أخوك هينفعوك بشيء، ما ينفعك إلا ابنك من صلبك، وضرب على صدره ولم يعرف ما علاقة الصدر بصلب الرجل؟
شعر عبدو بالإذلال، وكان يفكر لماذا لم أتزوج؟ لماذا لا أستطيع أن أحسم هذا الأمر وأستنيم لاستخدام العادة السرية؟ أجب، ما نتش راجل؟ شاذ؟ إيه، كل ذهنك موجه للتفكير في الجنس، ولا تأخذ موقفا واحدا عمليا يدل على أنك تهتم، كن جسوراً ، واطرق الأبواب في حسم وانظر في عيون الناس ببجاحة ولا يهمك رأي الناس وصورتك، أنت لست غاندي أو جمال عبد الناصر، إذا أنت خايف أو غير قادر علي التقرب من بنت، ماشي عندك المومسات ولن تخجل منهن.

أخذ يفتش عن المرآة في درج المكتب، فوجد كماً هائلاً من الورق، مكتوب فيه كثير من القصص والتي تنم بوجهة نظره طبعا – عن حس عالٍ من العبقرية والتفرد، مما لا يتاح إلا لقلة من البشر النادرين. اخذ يجمع الورق، في هدوء واتزان غير معتاد عليهما، حتى أصبحت الأوراق الموجودة في الدرج مرصوصة، ضّمها ووضّعها تحت المرتبة، ثم خرج بها إلى الشارع، ورماها على الأرض وأشعل فيها النار، ثم دخل مرة أخرى يعبث في محتويات الأدراج، قلم رصاص صغير، ماكينة حلاقة مكسورة، علبة كريم، ساعة، مشط شعر، شرائط تالفة بصوت أحمد عدويه، وميادة الحناوي، ونجاة الصغيرة ومحمد عبده، وسميرة سعيد، موسى حلاقة لورد قديم فض غلافه ونظر إلى الشفرة التي تلمع، جربه في قص أظافره، التي تسقط بسهولة ومعها الوسخ الملتصق بين الجلد والظفر، جمع الأشياء التالفة وفتح الشباك، ورماها في الشارع، ثم سحب المرآة، ونظر إلى وجهه الذي يمتلئ بالبثور السوداء التي تشوه وجهه، علق المرآة في مسمار مدقوق في الحائط، وأخذ يتأمل البثور، من أي مكان فاسد تنبت هذه الدمامل القميئة، ثم يضغط عليها واحدة تلو الأخرى، يسحقها لكي تنفجر دون جدوى، كأن هذه البثور أشجار عتيقة تمد جذورها العفية داخل جسدي، متفرعة مع شراييني، ولن تموت الا بتمزيق هذه الشرايين، التي يتدفق فيها هذا النهر الأسود، أخذ يدور في الحجرة دوراناً سيزيفياً، حتى توقف بعد تفكير، وقد توصّل الى نتيجة أن لا جدوى من هذا الدوران، تذكر الموسى فالتقطه ونظر إلى المرآة وحدد بالضبط مسار البثور، وبضربة قاتل محترف ضرب البثرة فانفجرت، ضرب الأخرى التى في أعلى الخد، فتدفق الدم أخذ يضرب في شراسة وعناد، حتى انتهى ثم تحسس البثور الكبيرة الشريرة، وأخذ يعصر فيها حتى آخر نقطة وعندما انتهى خبا الغضب من صدره وبدا ساكنا سكون جندى مرهق، بعد معارك طاحنة مع الأعداء الأشرار، ورغم ذلك لم يترك الميدان قبل أن يعرف، ما الذي كسبه من تلك المعركة، وما الذي خسره، سحب المرآة وجد الدماء تغطي وجهه، وأرضه التى تصور أنه حرّرها من الأعداء الخونة وجدها مستباحة، والدماء تغطي صفحة الوجه تماماً، لم يعد الأمر يحتمل السكوت، خرج إلى الصالة ووقف أمام صنبور المياه يتلقى الماء على رأسه ثم يتجمع علي حواف السليب، وبرودة الماء أنعشته وجعلته أكثر تقبلاً لمصيره المظلم، جفّف شعره بالفوطة ودخل غرفته، وجد سرسوباً من الدماء يتدحرج من خده من البثرة العفية التي تسكن أعلى خده وتسير بجوار فمه ثم تسقط على جلبابه، مد لسانه ولعق الدم، وشعر أن للدم طعماً مختلفاً وأنه يذكر بإرث ما، أرث قديم يحاول أن يتذكره لكن دون جدوى…

بحث عن قطعة قماش قديمة لكي يكتم بها الدم الذي ينزف منه فلم يجد، فتح الدولاب الأثري وسحب فانلة من ملابسه ولف بها وجهه وغمر نفسه بالبطانية وشعر أنه داخل كهفه بالفعل، فقرر أن يطلق العنان ليحلب ذاته، ولكن قرر أن يؤجل الأمر لكي يعيد ترتيب أجزاءه المهشمة، لكن من أين يبدأ وكيف يرمّم، ترك روحه تنسلّ منه في رشاقة وتبحر، حيث تتجول في المساحات الخضراء الممتدة أمام عينيه وكأنها شاشة سينما أخذت تتجول وتتلذذ بكم الخضرة الممتدة برائحة الزهور والورود والزنابق والياسمين والنرجس كأن الطبيعة أدخلت تعديلات في نتاجها لتكون بكل هذه الروعة، تمتع العين بالسماء الصافية والشمس الرائقة حيث وجد نفسه قرب بحيرة صافية، وكانت تسبح داخلها نساء بيضاوات كالحليب وصافيات كالبلور، أشبه بنساء رامبرانت، يتجولن على الحشائش في دلال أقرب للعهر، استرخى مثلهن على الحشائش وأخذ ينظر إليهن بعين نخاس ليختار واحدة منهن لتصاحبه في ليلته الأسطورية، يتأمل أجسادهن الطرية وسحرهن العجيب، يفصل في كل واحدة قطعة قطعة، حتى ينتهي إلى واحدة منهنّ ترافقه، ويمارس أقصى ألوان اللذة، الايروتيكا السماوية التي تفيض بالبهجة والسحر والجنون، حتى ينتهي، ويحلب ذاته، ساعتها فقط يستغرق في النوم.
في تلك الليلة شاهد نفسه في حلم، يمشي في شارع خالٍ من البشر، كان يرى نفسه في الحلم ويعلم أنه في حلم، لذلك لم يكن مستغرباً حين اقترب منه شخص، أخذ يدقق فى ملامحه، وجهه المدور، جسدة الممتلىء، عينيه المنطفئتين، بشرته الاكثر سواداً منه ليتأكد أنه “نسخته الأخرى” لم يكن مستغرباً فقد تجول مع تلك النسخة كثيرا حتى أصبح الأمر مملاً بالنسبة له، كان يحلم بفرصة فى هذا الليل لكي تغير حياته، فرصة تنتزعه انتزاعا وتقلب حياته رأساً علي عقب، مثلا أن يكون شاهدا من بعيد على صراع بين عصابات، مخدرات وينتهي الأمر على مجزرة حقيقية، يموت فيها رجال العصابات تماماً ولا يبقى في المكان غير جثث مخرمة بالرصاص، أشلاء، دماء تنز، سيارات محترقة وعندما لا يجد أحداً حياً يتسلل ليجمع الغنائم التى تركها المجرمون، كان يفكر ويخطط فيما سيفعل لو وجد مخدرات، هل يصل به الأمر أن يوزع مخدرات ويضمها لثروته ويربي أولاده المحتملين من مال حرام، أحس بالخزي والعار كيف يصل به الأمر أن يربي أولاده من حرام وأنت ابن رجل كان يجوع ولا تمتد يده لثمرة فاكهة أو حبة طماطم من أرض جاره، كيف أحس بالمرارة وأنه خذل الأب الذي مات وأنت تعلم انه لو موجود الآن ووجدك تتاجر بالمخدرات، كان سينظر لك هازئا، يا ابن الكلب يا وسخ، اسفو، مسح وجهه من بصقة أبيه ونزلت دموع تنز غصباً، ولأن سيرة حياته مع أبيه هي سيرة العناد المتبادل، والمكابرة حتى وصلت للكراهية، لم يتنازل وقرر أن يتاجر في المخدرات “أنا حر، أما حقيبة الفلوس، فان الصدفة، الدكان الذي كان يعتبره مأساته، سيصبح الغطاء، الذي يغسل فيه أموال المجرمين، فرح بينه وبين نفسه وأصبح راضياً علي وجوده في حياته. ثم نسى تجارة المخدرات والفلوس والوالد الذي يرقد خالى البال في مقبرته، عاد يتذكر النساء أو يكون سائراً في ليلة باردة خالية من البشر، ليجد امرأة محرومة، زوجها يعيش في الخارج وتجدها فرصة، لكي تمارس الجنس مع هائم في منتصف الليل، أو يلتقي صدفة بفتاة جميلة جداً أشبه بحورية يحاول بعض الشباب اغتصابها ويتقدم هو ويقوم بتشتيت شملهم، ويحمل الفتاة إلى بيت أهلها ويصبح هو فارس أحلامها، برغم أن هذا الحلم صعب جدا، ولا يتناسب مع جسمه الضعيف المتهدل الرخو، لذلك لم يكن متعاطفا مع “نسخته الشريرة” علي حد وصفه، خاصة أنه كان في أشد الأيام قتامة وعنفا، وضع يده على كتف “نسخته الأخرى” وقال ايه يا بوبي مالك؟ أنت خامل ليه؟ ليه جسمك متهدل وحاسس بالتعاسة كده؟ أنا متعاطف معاك والله، بس أنا رأيي أنك كده هلكت، خلاص يا بوبي، ما تنفعش تكون جزءا من المستقبل، أنت خلاص صلاحيتك انتهت وريحتك فاحت، زي علب السردين اللي مخصصة للكلاب وأهالينا نزلين أكل فيها، ثم أطلق ضحكة شرسة متوترة، أنا مش ضدك صدقّني. كلامي ده لمصلحتك تماما. أنت ان لم تتغير وتأخذ قرارات صارمة تنفذها علي نفسك، تزول، بح، خلاص، ثم أخرج من جيبه مشرطاً وضّمه إليه حتى أصبحت رقبته في مجال الموسى والنسخة الأخرى مستكينة وفي شبه استسلام وفي لحظة خطف رأس “نسخته الأخرى” بالموسى، الذي قطع الرأس بسهولة وجرى، يضحك، كانت رأسه تنزف وتسقط الدماء من بين أصابعه، ويؤرجح الرأس بين يديه ويغني:
التعلب فات فات
وفي ديله سبع لفّات
والدبّة وقعت في البير
وصاحبها واحد خنزير
ما مفتش عليك الديب السحراوي
فات فات وفي ديله سبع لفات
***
أبوًح يا أبوّح
كلب العرب مدبوح
وأمه عليها بتنوح، بتقول يا ولدي
تعب، وخبت حماسته، فتوقف عن الدوران وهو يلهث، واقترب من الجثة التى كانت مازالت تقف كتمثال من الشمع، مقطوعة الرأس والدماء تنزل على الصدر والظهر، ثخينة متجمدة أقترب حتى حاذاها وسحب نسخته الأولى في يده كعروس خجلى، بطيئة في سيرها. أنت لازم تتفّهم الأمر أنا قطعت رأسك لكي تنبت لك رأس جديدة، مختلفة. أخذ يسحب فيه والدماء الذي تسقط من الرأس علي صدره بللت الجلباب ويجر الجثة حتى تعب فركن الجثة علي “الطوار”؟ ركن جواره وقال له وهو يلهث أنا عايز أحكي لك حكايتي من البداية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدر للمؤلف:
• جسد في ظل (قصص)

• طفولة ضائعة رواية

• الحروب الأخيرة للعبيد رواية

• ريح فبراير رواية

• مزرعة الجنرالات رواية

• سجن مفتوح رواية

* زواحف سامة رواية

*بار مزدحم بالحمقى – قصص

* يد بيضاء مشعة قصص

الرواية نت – خاصّ