مايو 24, 2019
  • مايو 24, 2019
نوفمبر 19, 2017

فصل من رواية “زفاف في العالم الآخر” جهاد شريدة

By 0 240 Views

أقحَمَ بلالٌ الّذي أخرجَتْهُ الضّجَّةُ من غُرفتِهِ نفسَهُ فيه، وقدْ فوجِئَ بعائشة، فشاءَت الأقدارُ أنْ يُكشفَ على يدَيْها سرُّ أخيه وأمُِّه، هذا السّرّ الَّذي أرَّقَهُ وأقضَّ مضجعَهُ، وقد بدا علَيْهِ الذُّهولُ والذُّبول، وتسمَّرَ في مكانِهِ كأنَّهُ عمودُ ثلجٍ يسحُّ ماؤه، واعتوَرَهُ الغضبُ من كُلِّ جانب، واكتنفَهُ الحَنَقُ من كُلِّ ناحية، عيناهُ تتوزّعانِ في كُلِّ مكان، إلى أبيهِ العاجزِ عن كُلِّ شيءٍ إلاّ الرُّضوخَ المُذلَّ لوالدتِهِ المُتسلِّطة، إلى شقيقتِهِ ياسمين الّتي لا تملِكُ من أمرِها شيءٌ إلاّ ما يُسمحُ لها أن تملكَه، إلى والدتِهِ الّتي طالما دعا ربَّهُ وتضرَّعَ له أن يهدِيَها لتنتهجَ الهُدى والاستقامةَ في حياتِها، إلى شقيقِهِ الأكبرِ الّذي حاولَ جاهدًا أن تَهدأَ نارُهُ عليه، ولكن، لا مَهرَبَ ولا مَناص. كسرَ الصَّمْتُ حواجِزَ الكلام، والكُلُّ يَرْقُبُ بلالاً ويترقَّبُه، سامي وأّمُّهُ يُدرِكانِ أنَّ بلالًا مأخوذٌ إلى خالتِهِ في حياتِها ومماتِها، ويعرِفانِ كم يعشقُ بلالاً ذلكَ المنزلَ، وأنَّ انتماءَهُ له أكثرُ من انتمائهِ لمنزلِهِم، وعائشةُ الّتي وجَدَت لها نصيرًا وظَهيرًا في معركتِها الّتي كادت تخسرُها ساكنةُ اللِّسانِ خافقةُ القلبِ جذلى عوَّلَت على بلالٍ بالكثير، وياسمينُ ترتَجِفُ أكثرُ ممّا تهدأ، وبلالٌ في أحشائِهِ جَمْرٌ لم يملِك الصَّبرَ على حُرقتِهِ ولظاه، فانفجرَ بلالٌ وتفجَّرَت أعصابُه، هاجمَ شقيقَهُ وضربَهُ بلا هوادة، وسامي يردُّ بما هو أقسى، وانقلبَ المنزلُ رأسًا على عقب، تصرخُ أمُّ سامي وياسمين بما ملكتا من حناجرَ حادّة، وعائشةُ توتَّدت في زاويةٍ من زوايا الصّالة وقد بدا عليها الخوفُ والهلع، وأبو سامي انتهزَ هذه الفرصةَ ليُسمِع صوتَه.
وسادَ الصَّمتُ ثانيةً هذه المرّة بعدَ أن هربَ سامي، ولكن، فرقٌ كبيرٌ بين صمتٍ وصمت، لقد صمَتَ مَن أحدثَ هذه الفوضى وخاضَ هذا القتال، ولكن إلى الأبد، الكُلُّ واجِم، واللُّغةُ الوحيدةُ الّتي تسودُ هذا المكانَ الرَّهيبَ لُغةُ الدّمّ، ما أصعبَها من لُغة؟! لُغةٌ عسيرٌ فهمُها إلاّ لمن تخصَّصَ فيها وأجادَها واحترفَها، فهنيئًا لكَ يا سامي هذا الاحتراف وهذه الإجادة، وهنيئًا أمَُّ سامي، هنيئًا أمَُّ بلال، وهنيئًا مريئًا أبا سامي، لقد أسقيْتُم بلالاً من دمِه، فاسألوه هل ارتوى أم لا؟ أما زالَ ظمآن؟! اسقِهِ المزيدَ يا سامي إن استطاعَ أن يشرب، بلالٌ ما زالَ ظمآنَ ولكنَّهُ لا يستطيعُ أن يشربَ.




تُتابعُ عائشةُ، وقد تمزَّقَ كَبِدُها كمدًا وألمًا، وهي تحتضنُ بلالاً المَيِّتَ الحيّ: أيَّ صوتٍ سَتُسمِعُهُ يا أبا سامي؟! أهذا كُلُّ ما في جُعْبتِك؟! ومَن يسمع؟! أليسَ الوقتُ مُبكِّرًا بعد؟! أيَّ صُراخٍ يا أبا سامي يُعيدُ بلالاً إليكُم؟! أيَّ عويلٍ وأيَّ نُباحٍ يُعيدُهُ إلينا؟! أّيَّةَ قُوةٍ تضخُّ الدَّمَ في عروقِهِ من جديد؟! قُلْ لي بربِّك، قولي أنتِ يا نعيمة، أنطِقي هذا اللّسانَ الّذي ما سكتَ إلاّ في خير، مُباركةٌ عليكُم هذه الأضُحية، ولكنَّ العيدَ بعيدٌ يا أمَُّ سامي، أمقبولةٌ ضحيَّتُكُم في غيرِ موعدِها؟! لا باركَ اللهُ لكم، ولا باركَ اللهُ فيكُم، وامتزجَ دمعُها بدمِه من جديد، كما امتزجَت حروفُهُما منذُ الأزل.
أمُُّهُ، وعلى الأرجحِ والدتُهُ؛ لأنَّ الأمُومةَ ليستَ نسبًا فحسب، بل عطاءٌ وفداءٌ واحتواء، تبكي، وقد مزَّقَت ملابسَها عليْها، رُبّما هو بكاءُ النَّدم، إنْ ظلَّ فيها بقيَّةُ ضميرٍ تجعلُها تندم، ورُبَّما بكاءُ الانهيارِ والدَّمارِ لكُلِّ بناءٍ هشٍّ بنتْهُ في مُخيّلتِها، ورُبّما حزنٌ على سامي العريسِ القاتلِ المُشرّد وعلى بلالٍ بالوكالة، وأيُّ قاتلٍ أنتَ يا سامي؟! قاتلُ شقيقِ الرَّحِمِ الّذي تنقصُهُ الرّحمة.
ياسمينُ بِاحتراق: هل انتهى كُلُّ شيءٍ يا أمُّي؟! مَنْ منهما العريسُ يا أمُّاه؟! هذا بلالٌ عريسٌ جاهزٌ مُخضَّب، أمّا سامي فرُبَّما انشغلَ بخضابِ شقيقِهِ عن كُلِّ شيء، هيّا يا أمُّي، زغردي للعريس، وتخضَّبي من خضابِه قبلَ أن تذوي ريحُهُ ويرحلُ عبقُه. ما أقساهُ من كلامٍ حينما تُصبِحُ كُلُّ كلمةٍ سِكّينًا، وكُلُّ حرفٍ خنجرًا مسمومًا يُدمي الفؤاد! ورُبَّما يُدمي فؤادَ النّاطقِ أكثرَ ممّا يُدمي فؤادَ السَّامعين، وما أصعَبَها من دموعٍ حينَ تتهاوى معها القِيَمُ النَّبيلةُ والمعاني السّامية! وما أشقاها من أمٍُّ كانت أمٍُّا بالولادةِ لا أمٍُّا للمولود! وما أتعسَهُ من أبٍ تجرَّدَ من رجولتِهِ ليُبقي على ذكورتِه! وما أظلمَها من حياةٍ حينَ تسُنُّ قوانينَ جائرةً على الفتاة! لا لشيءٍ إلاّ لأنّها فتاة. انتشرَ الخبرُ كما النّار في الهشيم، ألوانٌ مُتباينةٌ ووجوهٌ مُتشابهةٌ وأخرى مُختلفة، رجالٌ ونساءٌ وشيوخٌ وأطفال، والشُّرطةُ تملأُ المكان، ورائحةُ الموتِ تطغى على كُلِّ رائحة، وقِصَصٌ تُؤلَّفُ وأخُرى قيد التّأليف، دونَ أن تُصيبَ أيّةُ واحدةٍ منها كبدَ الحقيقة. ما إنْ وصلَ الخبرُ الصّاعِقُ منزلَ أبي مصطفى حتّى تبدَّدَت فيه كُلُّ حياة، وبادَ كُلُّ شيءٍ جميلٍ في نفسِ نداء، أبو مُصطفى مشدوهٌ واجِمٌ مُقطّبُ الجبين، رأسُهُ بينَ كفَّيْهِ ويداهُ على رُكبتَيْه، وهيثمُ وهالةُ ولُبنى أجُهِشوا بالبُكاء، ورُبَّما بكى هيثمُ دونَ أن يدري علامَ يبكي، بكاءٌ بالعدوى، ونداءُ تُحَلِّقُ روحُها في عالمٍ آخر، ما سَمِعَ أحدٌ صوتًا لها، إلاّ إذا أحدثَ الدَّمعُ صوتًا وهو يَسحُّ من المآقي، حدقاتُ عينيْها تسمَّرت، ولا تكادُ تتحرّك، أمّا فِكرُها فمشلولٌ يُراوِحُ مكانَهُ لا يبرحُه، وقلبُها الّذي تعوَّدَ الألمُ أن يغتصِبَهُ مرارًا ينزِفُ كمدًا وحسرةً ومرارة. لمّا تأهّبَ الكُلُّ للرّحيلِ إلى منزلِ أبي سامي، تأهَّبَت نداءُ للرّحيلِ أيضًا، وليسَ كُلُّ الرّحيلِ رحيلا، عزمَت وعقدت النيَّةَ، فأخبرَت والدَها أنّها لا ترغبُ بالذّهابِ إلى هناك، فهيَ أضعفُ من أن تحتمل، وغادرَ المنزلَ كُلُّ مَن فيه إلاّ نداء.وأَبَت نداءُ إلاّ أن تزِفَّ نفسَها لبلال، وأن تُتوِّجَ ما بينَهُما بالصَّمتِ السَّرمديِّ كما كان، فما بينَهُما أعظمُ من أن تحتويه لُغةٌ ويُعبِّرَ عنه بيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*(زَفافٌ في العالَمِ الآخر) * رواية صدرت حديثاً عن دار الامين للنشر والتوزيع / رام الله ودار الرعاة للدراسات والنشر. *تتشكَّلُ فيها المُعاناةُ على هيئةِ أحداثٍ يُعاصِرُها الفلسطينيُّ أينما كان، والاحتلالُ في هذه الرّوايةِ أصنافٌ وألوانٌ، فَلَيسَ هو احتلالَ أرضٍ فحسب، بلْ يتعدّى ذلكَ إلى احتلالِ المشاعرِ والفِكْرِ والإرادة، احتلالٌ يغتَصِبُ الحُقوق، كحقِّ المرأةِ في الميراث، حيثُ يُقتلَعُ منها اقتلاعًا، وتَتَجرَّدُ منه تحتَ وطأةِ عاداتٍ تَحكُمُ المُجتمَعَ أكثرَ مِمّا يحكمُهُ شَرْعٌ أو قانون.

الرواية نت – خاصّ